النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
الُ (٧) - الْأَنْتَم: ٤/٦-٦
سبب كفر الناس بآيات ربّهم وإنذارهم بالعقاب
﴿وَمَا تَأْنِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُواْ
بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمِّ فَسَوْفَ يَأْتِهِمْ أَنْبَأْ مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴿َ أَ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا
مِن قَبْلِهِم مِّن قَرَّدٍ مَّكََّّهُمْ فِيِ اُلْأَرْضِ مَا لَمَ ثُمَكِّنْ لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَآَ عَلَيْهِم
مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمْ فَأَهْلَكْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا
ءَاخَرِينَ
القراءات:
﴿وَمَا تَأْنِهِم﴾:
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً: (وما تاتيهم).
﴿ وَأَنْشَأْنَ﴾ :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (وأنشانا).
الإعراب:
خبرية اسم للعدد، منصوب بأهلكنا، لا بفعل ﴿يَرَوْأ﴾ لأن
z
الاستفهام وما يجري مجراه له صدر الكلام، فلا يعمل فيه ما قبله.
البلاغة:
﴿مِّن قَرْدٍ﴾ أي من أهل قرن، فهو مجاز مرسل من إطلاق المحل وإرادة
الحال.
﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَّكُمْ﴾ فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب.

١٤٢٠
لُعُ (٧) - الْأَنْقَا: ٤/٦-٦
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا﴾ عبّر عن المطر بالسماء من قبيل المجاز
المرسل، وعلاقته السببية؛ لأن المطر ينزل من السماء.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَا تَأْنِهِم﴾ أي أهل مكّة. ﴿مِّنْ﴾ صلة زائدة لاستغراق الجنس. ﴿ءَايَةٍ
مِّنْ ءَايَتِ رَبِهِمْ﴾ هي الآيات القرآنية المرشدة إلى وجود الله ووحدانيته والمثبتة
نبوّة محمد مرَّةٍ ﴿مُعْرِضِينَ﴾ متولِّين عنها، والإعراض: التولّي عن الشيء.
﴿بِالْحَقِ﴾ القرآن أو دين الله الذي جاء به محمد بَلّ مشتملاً على العقائد
والعبادات والمعاملات والأخلاق. والحق في الأصل: الأمر الثابت المتحقِّق
في نفسه. ﴿أَنْبَؤُّأْ﴾ أخبار، والمراد هنا عواقب استهزائهم، والأنباء: ما تضمّن
القرآن من وعد بنصر الله لرسله، ووعيد لأعدائه بالهزيمة في الدُّنيا والعذاب في
الآخرة.
﴿أَلَمْ يَرَوْأ﴾ في رحلاتهم وأسفارهم إلى الشام واليمن وغيرهما . ﴿مِّن قَرْنٍ﴾
أمّة من الأُمم الماضية، والقرن من الناس: القوم الذين يعيشون في زمان
واحد، ومدّته مئة سنة. وجمعه قرون، وقد جاء في القرآن مفرداً وجمعاً.
﴿مَكَّتَهُمْ﴾ أعطيناهم مكاناً بالقوة والسّعة، ومكّنه في الأرض أو في الشيء:
جعله متمكّناً من التَّصُّف فيه. ومكَّن له: أعطاه أسباب العزّة والتّمكّن في
الأرض مثل قوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٢٤/
٥٥]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا﴾ [القصص: ٥٧/٢٨]، ﴿وَأَرْسَلْنَا
السَّمَآءَ﴾ أي المطر النازل من السماء. ﴿مِّدْرَارًا﴾ متتابعاً غزيراً. ﴿مِن تَحِهِمْ﴾
تحت مساكنهم . ﴿فَأَهْلَكْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ بتكذيبهم الأنبياء. ﴿قَرْنَا ءَاخَرِينَ﴾ أمّة أو
جماعة آخرين.
المناسبة:
تكلم الله تعالى في الآيات السابقة أوّلاً عن التَّوحيد، وثانياً في المعاد

١٤٣
الُ (٧) - الْأَنْفُ: ٤/٦-٦
والبعث، وثالثاً فيما يثبت الأمرين بالدّلائل الواضحة، ثم ذكر هنا ما يتعلَّق
بالنّبوة، فأبان سبب إعراض الكفار عن آيات ربّهم بعد إتيان النَّبي ◌َّ بها ،
وهو إشراكهم بالله وتكذيبهم الرُّسُل، وأنذرهم عاقبة التكذيب بالحقّ بدليل ما
حلَّ بالأمم قبلهم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن المشركين المعاندين أنهم كلما أتتهم معجزة وحجّة دامغة
من دلائل وحدانية الله وصدق رسله الكرام، أعرضوا عنها، ولم ينظروا فيها،
ولم یبالوا بها.
· وما تأتي المشركين يا محمد بأي آية من آيات القرآن المنزلة من ربهم الذي
ربَّاهم، وتعهّدهم في حالتي الضعف والقوّة، وكفل لهم رزقهم، وأنعم عليهم
بكل شيء في أنفسهم وفي الأرض والسماء، تلك الآيات الدّالة على بديع
صنع الله، ما تأتيهم من آية إلا أعرضوا عنها استهزاء، كما قال تعالى: ﴿مَا
يَأَنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا أُسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
﴾ [الأنبياء:
٣
٢/٢١].
وفشَر القرطبي الآية بالعلامة كانشقاق القمر ونحوها، وكذلك فشَر ابن
كثير الآية بالمعجزة والحجّة على وحدانية الله.
وسبب ذلك الإعراض عن النّظر في آيات الله: تكذيبهم بالحقّ الذي
جاءهم، وهو دين الإسلام الذي أتى به خاتم الأنبياء.
ثم هدّدهم وتوعّدهم على تكذيبهم بالحقّ بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِهِمْ﴾ أي بأنه
لا بدّ أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب، وسيجدون عاقبة أمرهم
وهزئهم، كالقتل والسَّبي والطّرد من البلاد، وقد تحقَّق ذلك، فنزل بهم
القحط، وحلّت بهم الهزيمة يوم بدر وفتح مگّة.

١٤٤
الُ (٧) - الْأَنْتَظَا: ٤/٦-٦
قال الرَّازي: رتَّب تعالى أحوال هؤلاء الكفار على مراتب ثلاث: إعراض
عن التّأمُّل في الدّلائل والتَّفكّر في البيّنات، وكونهم مكذُّبين بها، ثم كونهم
مستهزئين بها، وكل مرتبة أشدّ مما قبلها؛ لأن المعرض عن الشيء قد لا
یکون مكذِّباً به، بل يكون غافلاً عنه، والمكذِّب بالشيء قد لا يبلغ تكذيبه به
إلى حدّ الاستهزاء(١).
ثم بَيَّن الله تعالى أن الوعيد بالعذاب سنّة الله في المكذِّبين، فقال: ﴿أَلَمَ يَرَوْا﴾
أي ألم يعلم هؤلاء المكذِّبون بالحقّ أنّ أهلكنا كثيراً من الأمم السابقة قبلهم،
مثل قوم عاد وثمود وقوم فرعون وإخوان لوط، الذين كذّبوا رسلهم، بالرَّغم
من إعطائهم من أسباب القوة والسّعة في الرِّزق والاستقلال والملك، ما لم
نعطهم مثله. والقرن: الأمّة من الناس، الذين يعيشون في عصر واحد مئة
سنة.
امتازوا بالغنى عن كفار قريش، فكانت الأمطار تنزل عليهم بكثرة وغزارة
وتتابع، وكانت الأنهار تجري من تحت مساكنهم.
فلما كفروا بأنعم الله أهلكناهم بسبب ذنوبهم وتكذيبهم رسلهم، وأوجدنا
من بعدهم قوماً آخرین، وجیلاً جديداً یعمرون البلاد، ويكونون أجدر بشکر
النعمة.
أي إن ذنوبهم التي أدّت إلى الهلاك نوعان: تكذيب الرُّسل، وكفران
النّعم، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ
مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُشْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِثِنَ ﴿٨) وَمَا كَانَ رَبُّكَ
مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِىِ أُمِّهَا رَسُولَا يَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَأْ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى
اُلْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَلِمُونَ (@)﴾ [القصص: ٥٨/٢٨-٥٩].
(١) تفسير الرَّازي: ١٥٧/١٢

١٤٥
الجُرُ (٧) - الأَنْتراء: ٤/٦-٦
والغرض من هذا وعظ أهل مكّة وتحذيرهم أن يصيبهم من العذاب
والنكال الدُّنيوي ما حلّ بأشباههم ونظرائهم من القرون السَّالفة، الذين كانوا
أشدّ منهم قوّةً وأكثر جمعاً، وأكثر أموالاً وأولاداً، واستعلاءً في الأرض
وعمارةً لها.
فقه الحياة أو الأحكام:
موقف الكفار من دعوات الأنبياء للإصلاح يتميَّز بالإعراض والعناد،
ويهمل العقل والفكر، ويقوم على التّهكّم والاستهزاء، وهذا ليس من سمات
الرِّجال العقلاء الذين يعتمدون على تقليد الأسلاف بدون رويّة ولا تفكُر.
من مظاهر هذا الموقف: تركهم النظر في الآيات التي يجب أن يستدلُّوا بها
على توحيد الله جلّ وعزّ من خلق السماوات والأرض وما بينهما، سواء
أكانت الآية قرآنية، أم معجزة من معجزات النَّبي ◌َِّ التي أيَّده الله بها،
ليستدلّ بها على صدقه في جميع ما أتى به، كانشقاق القمر ونحوه، أم حجّةً
وبرهاناً من الكون يرشد إلى ضرورة الاعتراف والإيمان بوجود إله واحد قديم
حيّ غني عن جميع الأشياء، قادر لا يعجزه شيء، عالم لا يخفى عليه شيء من
أحوال الأنبياء ومواقف أقوامهم منهم وغير ذلك.
ومن مظاهر موقفهم أيضاً: تكذيبهم مشركي مكّة بالحقّ الثّابت من عند الله
وهو القرآن وإرسال محمد وَله. ولكن الله تعالى توعّدهم بالعقاب وأنذرهم
بالعذاب، فأمر نبيّه بالصّبر، وسوف يأتيهم أخبار استهزائهم وهو العذاب
الذي سينزل بهم في الدُّنيا كيوم بدر، والعذاب المنتظر لهم يوم القيامة.
.. وذكّرهم الحقّ تعالى بأحوال من قبلهم، فقال: ﴿أَ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ أي
ألا يعتبرون بمن أهلك الله من الأمم قبلهم لتكذيبهم أنبياءهم، والمعنى: ألم
يعرفوا ذلك، فالله تعالى أمرهم بكل أسباب القوّة والسّعة والتّمكّن في الأرض
أكثر مما مكَّن لأهل مكّة من الأموال والأولاد والأعمار والجاه العريض

١٤٦
الجُرُ (٧) - الْأَنْظُ: ٧/٦-٩
والسّعة والجنود، ووفرة الأمطار، وينابيع الأرض، وجريان الأنهار من تحت
دورهم ومساكنهم، استدراجاً وإملاءً لهم، ثم أهلكهم الله بخطيئاتهم وسيِّئاتهم
التي اقترفوها وبكفرهم الذي لازموه.
ويفهم من ذلك أنّ الذَّنوب سبب الانتقام وزوال النّعم، فليحذر هؤلاء
وأمثالهم من الإهلاك والدَّمار. والإنذار عامّ لكل زمان ومكان، فهذا إنذار
لكفار قريش وكل الكفارأنه سينزل بهم من العذاب مثلما نزل بأُمم سابقة
جزاء استهزائهم بأنبيائهم.
٠٠
٠
عناد الكفار والرد على طلبهم
بإنزال كتاب أو إرسال ملَك
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ فَمَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا
وَقَالُواْ لَوَلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ اُلْأَمْرُ ثُمَّ لَا
سِحْرٌ مُّبِينٌ
يُنظَرُونَ
وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا أَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ◌َا يَلْبِسُونَ
٨
المفردات اللغوية:
(كِنَبًا﴾ أي صحيفة مكتوبة ذات غرض واحد. ﴿قِرْطَاسِ﴾ ورق أو رقّ
يكتب عليه. ﴿فَلَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ﴾ أبلغ من (عاينوه) لأنه أنفى للشّك. ﴿سِحُرٌ﴾
أي خداع وتمويه لا حقيقة له، ويقولون ذلك تعثّناً وعناداً.
﴿لَوْلَاَ أُنزِلَ﴾ هلا. ﴿لَّقُضِىَ الْأَمْرُ﴾ أي لتم أمر هلاكهم. ﴿ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ﴾
أي لا يمهلون لتوبة أو معذرة، كعادة الله فيمن قبلهم عند وجود مقترحهم إذا
لم يؤمنوا.
﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ﴾ أي المنزل إليهم. ﴿أَّجَعَلْنَهُ﴾ أي الملك. ﴿رَجُلًا﴾ أي على

١٤٧
المُ (٧) - الأَنْيَا: ٧/٦-٩
صورة رجل، ليتمكّنوا من رؤيته، إذ لا قوّة للبشر على رؤية الملك.
﴿ وَلَبَسْنَا﴾ لسترنا وغطّينا، والمراد: جعلنا أمرهم يلتبس عليهم فلا يعرفونه.
﴿مَا يَلْبِسُونَ﴾ على أنفسهم، بأن يقولوا: ما هذا إلا بشر مثلكم، فيلتبس
الأمر عليهم فلم يدروا أملك هو أم إنس، فلم يوقنوا أنه ملك ولم يصدّقوا
به، وقالوا: ليس هذا ملكاً، كما التبس على أنفسهم من حقيقة أمرك وصحة
برهانك وشاهدك على نبوّتك.
سبب النزول:
نزول الآية (٧):
﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا﴾ قال الكلبي: إن مشركي مكّة قالوا: يا محمد، والله لا نؤمن
لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من
عند الله وأنّك رسول الله، فنزلت هذه الآية.
وقال في رواية أخرى: نزلت في النَّصْر بن الحارث وعبد الله بن أبي أُمية
ونوفل بن خُويلد قالوا: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا
﴾ [الإسراء: ٩٠/١٧].
٩٠
نزول الآية (٨):
﴿لَوْلَا أُنزِلَ﴾: روى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال:
((دعا رسول الله وَلل قومه إلى الإسلام وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال له زَمْعَة بن
الأسود بن المطلب، والنّضر بن الحارث بن كَلَدة، وعَبَدَة بن عبد يغوث،
وأُبّ بن خلف، والعاصي بن وائل بن هشام: لو جُعل معك يا محمد ملَك
يحدِّث عنك الناس ويُرَى معك، فأنزل الله في ذلك: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ
ـكَ
وإذا كانت قد أنزلت سور من القرآن تتضمن اقتراح المشركين إنزال ملَك

١٤٨
الُرُ (٧) - الأَنْفَظُ: ٧/٦-٩
أو كتاب أو إ إنزال القرآن جملةً واحدة، قبل هذه الآية، فلا مانع يمنع من
تأكيد بيان هذا الاقتراح في مناسبة أخرى، إظهاراً لعنادهم وتعثُّتهم.
المناسبة:
ذكرت الآيات السابقة بعض المواقف من عناد المشركين، وتستمر الآيات
هنا في بیان شبهات جحودهم وعنادهم ومکابرتهم للحقّ ومنازعتهم فيه، تلك
الشُّبهات الموجّهة إلى الوحي وبعثة الرَّسول بََّ، فصاروا منكرين أُصول
الدِّين الثلاث: التَّوحيد والبعث ونبوّة محمد زَّو ..
التفسير والبيان:
يبيِّن الله تعالى في هذه الآيات أسباب إعراض المشركين عن الإيمان،
وتذرُّعهم بشبهات واهية، ومطالبتهم إنزال صحيفة مكتوبة وإرسال ملَك يؤيِّد
النَّبي ويصدِّقه، وهم في الحقيقة معرضون لا تؤثِّر فيهم الحجج والبراهين، ولا
يجديهم تنفيذ مقترحاتهم.
إن علّة تكذيبهم بالحقّ هي إعراضهم عن آيات الله وسدّ كل منافذ النّظر
والفكر، وتعطيل كل طاقات الوعي والإدراك، فلوأنزلنا عليك يا محمد كتاباً
مدوّناً في ورق أو نحوه أو معلّقاً بين السَّماء والأرض، فعاينوه ورأوا نزوله
ولمسوه بأيديهم، لقالوا: ما هذا إلا سحر مبين أي خداع وتمويه وتضليل لا
حقيقة فيه. وإنما قال: ﴿فَلَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ﴾ لأن اللمس أقوى الدَّلالات الحسيّة
وأبعدها عن الخداع؛ لأن البصر يُخْدع بالتخيّل. والتّعبير بقوله: ﴿نَزَّلْنَا﴾
بالتَّشديد، وقوله: ﴿كِنَبًا فِى قِرْطَاسِ﴾ وهو لا يكون إلا فيه، وقوله:
﴿فَمَسُوهُ﴾ للمبالغة وتأكيد النزول، ثم يعرضون عنه قائلين: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا
سِحْرٌ مُّبِيرٌ﴾. وهذا كما قال تعالى في مكابرتهم للمحسوسات: ﴿وَلَوْ فَنَحْنَا
عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونٌ ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِرَتْ أَبْصَرُنَا بَلْ نَحْنُ

١٤٩
الجُرُ (٧) - الْأَنْزَلِ: ٧/٦-٩
قَوْمٌ مَسْخُورُونَ (
﴾ [الحجر: ١٤/١٥-١٥]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِن يَرَوْأْ كِسْفًا مِّنَ
١٥
[الطور: ٥٢ /٤٤].
٤٤
السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُواْ سَحَابٌ مَرَّكُومٌ
هذا هو الرّ على اقتراحهم الأوّل وهو تنزيل كتاب من السَّماء، ثم ردّ الله
على اقتراحهم الثاني وهو إنزال ملَك من السَّماء يرونه ويكون مؤيِّداً له، فقال
تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَكٌ﴾ أي هلا أنزل الله مع الرَّسول ملكاً يكون
معه نذيراً ومؤيِّداً له ونصيراً، كأنهم فهموا أن الرِّسالة السَّماوية تتنافى مع
البشرية، وهم يعلمون أنّ الرَّسول بشر، كما قال تعالى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣/٢٣]، وقال:
﴿ وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي اْأَسْوَاقِ لَوْلاً أُنْزِلَ إِلَيْهِ
ج)﴾ [الفرقان: ٧/٢٥].
مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا
ومضمون ردّ الاقتراح الثَّاني من جهتين:
أوّلاً - ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا﴾ أي ولوأنزل الله ملكاً كما اقترحوا لقضي الأمر
بإهلاكهم، ثم لا يمهلون ليؤمنوا، بل لجاءهم من الله العذاب، كما قال تعالى:
﴾ [الحجر: ٨/١٥]،
٨
﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَئِكَةَ إِلَّا بِالْحِّ وَمَا كَانُواْ إِذَا مُنَظَرِينَ
وقال: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَبِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِدٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢/٢٥].
ثانياً - ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا أَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا﴾ أي ولو أنزلنا مع الرَّسول
البشر ملكاً، لكان متمثلاً بصورة الرَّجل، ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ
منه، ثم يعود الأمر كما كان؛ ويقعون في اللَّبس والاشتباه نفسه، الذي
يلبسون على أنفسهم ويختلط الأمر عليهم باستنكار جعل الرّسول بشراً؛ فإن
هذا الرَّجل سيقول لهم: إنّ رسول الله، كما يقول محمد ێ، قال ابن عباس
في الآية: يقول: لوأتاهم ملَك، ما أتاهم إلا في صورة رجل؛ لأنهم لا
يستطيعون النّظر إلى الملائكة من النُّور.

١٥٠
لُ (٧) - الأَنْتُ: ٧/٦-٩
وقال قتادة: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ◌َا يَلْبِسُونَ﴾ يقول: ما لَبَّس قوم على
أنفسهم، إلا لبّس الله عليهم، واللَّبس إنما هو من الناس.
فقه الحياة أو الأحكام:
إنّ إجابة المطالب المادية القائمة على التّعنُّت والعناد، مثل إنزال المائدة على
بني إسرائيل، وإنزال كتاب مكتوب في قرطاس أي صحيفة، وإنزال ملَك من
الملائكة لا تحقق الغرض، وسيظلّ الكافرون المشركون على موقفهم من الكفر
والإعراض.
وهذا ما ردّ الله به على الاقتراح الأوّل للمشركين بإنزال كتاب، فلو أنزله
وعاينوه ومسّوه باليد كما اقترحوا، لإزالة الرَّيب والإشكال عنهم، لعاندوا
فيه وتابعوا كفرهم. وهذه الآية جواب لقولهم: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِنَبًا
تَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣/١٧] فأعلم الله بما سبق في علمه من أنه لو نزل لكذَّبوا
به.
ثم ردّ الله على اقتراحهم الثاني بإنزال ملك: ﴿ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ اُلْأَمْرُ﴾
قال ابن عباس: لو رأوا الملك على صورته لماتوا إذ لا يطيقون رؤيته. وقال
الحسن البصري وقتادة: لأُهلكوا بعذاب الاستئصال؛ لأن الله أجرى سنّته
بأن من طلب آية فأظهرت له فلم يؤمن، أهلكه الله في الحال.
وتكملة الرّدّ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا أَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا﴾ أي لا يستطيعون أن
يروا الملك في صورته إلا بعد التّجسيم بالأجسام الكثيفة؛ لأن كل جنس
يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه؛ فلو جعل الله تعالى الرَّسول إلى البشر ملكاً
لنفروا من مقاربته، ولما أنسوا به، ولخافوا منه ومن مكالمته، فلا تتحقق
المصلحة؛ ولوتمثَّل بصورة بشر لقالوا: لست ملكاً، وإنما أنت بشر، فلا نؤمن
بك وعادوا إلى مثل حالهم، وكانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة البشر،

١٥١
الجُزُ (٧) - الْأَنْرَا: ١٠/٦-١١
فأتوا إبراهيم ولوطاً في صورة الآدميين، وأتى جبريل النَّبِي وَّ في صورة دِحْية
الكلبي.
أي إن هدفهم لا يتحقق فلو نزل بصورته الحقيقية لما أطاقوا رؤيته، ولو
نزل بصورة رجل، التبس الأمر عليهم وقالوا: هذا ساحر مثلك.
عاقبة المستهزئين والمكذبين
﴿وَلَقَدِ أُسْنُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ
﴿ قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
اُلْمُكَذِّبِينَ
بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ
القراءات:
﴿ وَلَقَدِ أُسْنُهْزِئَّ﴾ : قرئ:
١- (ولقدِ استهزئ) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة.
٢- (ولقدُ استهزئ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم ◌َا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ ﴿مَا كَانُواْ﴾:
في موضع رفع؛ لأنه فاعل ﴿فَحَاقَ﴾ وتقديره: حاق بهم عقاب ما كانوا به
يستهزئون. و﴿مَا﴾: مصدرية، أي عقاب استهزائهم.
﴿ثُمَّ أُنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿عَقِبَةُ﴾: اسم كان
المرفوع. و﴿كَيْفَ﴾: خبر كان المنصوب. وإنما قال: كان، ولم يقل كانت
لوجهين :
أحدهما - لأن ﴿عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ في معنى: مصيرهم، والحمل على
المعنى كثير في كلامهم.

١٥٢
الجُزُعُ (٧) - الْأَنْتَظُ: ١٠/٦-١١
والثاني - لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي، فجاز تذكير فعلها، كقولهم:
حسن دارُك، واضطرم نارك.
البلاغة:
﴿أَسْتُهْزِينَ بِرُسُلٍ﴾ تنكير ﴿بِرُسُلٍ﴾ للتّكثير والتَّفخيم.
المفردات اللغوية:
﴿ أَسْتُهْزِئَ﴾ الاستهزاء: السّخرية، والاستهزاء بشخص: احتقاره
والتّهكّم عليه، ويتبعه الضَّحك غالباً. ﴿فَحَاقَ﴾ نزل وأحاط بهم فلم يكن
لهم منه مفرّ. والمراد أحاط العذاب بالساخرين، فكذا بمن استهزأ بك.
﴿عَنِقِبَةُ﴾ مصير أو آخر الأمر، مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا
بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣/٣٥] والحيق: ما ألم بالإنسان من مكر أو سوء يعمله.
المناسبة:
كانت اقتراحات بعض كفار مكّة كإنزال ملك من الملائكة مع الرَّسول وَّه
أو إنزال ملَك بالرِّسالة، صادرة على سبيل الاستهزاء، وكان يضيق قلب
الرَّسول بسماع ذلك، فأنزل الله هاتين الآيتين للتَّخفيف عما يلاقيه النَّبِي وَلِّ
من سوء الأدب والهزء والسُّخرية، وإنزال العذاب هو سنّة الله الثابتة في
المكذِّبين أنبياءهم.
فهذه تسلية للشّبي ژالآه في تكذيب من كذَّبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به
بالنّصرة والعاقبة الحسنة في الدُّنيا والآخرة.
التَّفسير والبيان:
لقد استهزأ الأقوام الغابرون - وهذا تعبير بصيغة القسم من الله -
بأنبيائهم الكرام، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّ كَانُواْ بِهِ،

١٥٣
الُ (٧) - الْأَنْظُ: ١٠/٦-١١
(َ﴾ [الحجر: ١١/١٥] وذلك معاداة للإصلاح ودعوات الحقّ
يَسْتَهْزِءُونَ
والتّوحيد والاستقامة، فليس كفار قريش منفردين بهذا الموقف، لكن كان
جزاؤهم وجزاء أمثالهم من الساخرين إحاطة العذاب بهم.
وهذا إرشاد للنَّبِي وَلَّهِ ببيان سنّة الله في المكذِّبين، وتسلية له حتى لا يضيق
قلبه ذَرْعاً، وتبشير له بالنّصر وحسن العاقبة، وقد أهلك الله خمسة من رؤساء
قريش في يوم واحد، وهذا ما امتن الله به على نبيِّه بقوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ
﴾ [الحجر: ٩٥/١٥].
٩٥
اُلْمُسْتَهْزِينَ
وقل يا محمد للمشركين: فكِّروا في أنفسكم، وانظروا ما أحلّ الله بالقرون
الماضية الذين كذّبوا رسله وعاندوهم، من العذاب والنكال والعقوبة في
الدُّنيا، مثل عاد وثمود وطسم وجديس وقوم فرعون وقوم لوط، انظروا
واعتبروا، كيف كان عاقبة المكذِّبين، مع ما ادَّخر لهم من العذاب الأليم في
الآخرة، وكيف نجى الله رسله وعباده المؤمنين.
فقه الحياة أو الأحكام:
الاستهزاء بالرُّسل عادة قديمة معروفة، وكذلك نزول العذاب والهلاك
بأولئك الأقوام المستهزئين بأنبيائهم أمر ثابت، وحق مقرر، وجزاء عادل.
والتاريخ أصدق شاهد، فلينظر كل ساخر ليعرف ما حلَّ بالكفرة قبله من
العقاب وأليم العذاب. والمكذِّبون هنا: من كذَّب الحقّ وأهله، لا من كذَّب
بالباطل.
ويؤخذ من الآية أن السَّفر مندوب إليه إذا كان على سبيل العظة والاعتبار
بآثار من خلا من الأُمم وأهل الدِّيار.

١٥٤
الجزءُ (٧) - الأَنْفَظَا: ١٢/٦-١٦
أدلة أخرى لإثبات الوحدانية والبعث
﴿قُل لِّمَن ◌َا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُل لِلَّ كَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِيهَّ الَّذِينَ خَسِرُوْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا
. وَلَهُ مَا سَكَنَ فِىِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ قُلْ
يُؤْمِنُونَ
أَغَيْرَ الَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنَّ أُمِرْتُ أَنْ
﴿ قُلّ إِنِّ أَخَافُ إِنْ
أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمٌ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿ مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ
ج
١٦
اٌلْفَوْزُ الْمُبِينُ
القراءات:
﴿ إِّ أُمِرْتُ﴾:
وقرأ نافع: (إِنيَ أُمرت).
:
﴿ إِّ أَخَافُ﴾: قرئ:
١- (إنِّيَ أخاف) وهي قراءة نافع، وابن کثیر، وأبي عمرو.
٢- (إنّيْ أخاف) وهي قراءة الباقين.
﴿مَن يُصْرَفْ﴾: قرئ:
١- (من يَصرِف) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
٢- (من يُصرَف) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ اللام: لام جواب القسم، وهي جواب ﴿كَنَبَ﴾ لأنه
بمعنى: أوجب، ففيه معنى القسم.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوَأْ﴾ إما مبتدأ، وخبره: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ودخلت

١٥٥
الُ (٧) - الأَنْتَهَا: ١٢/٦-١٦
الفاء في خبر ﴿الَّذِينَ﴾ لأن كل اسم موصول بجملة فعلية إذا وقع مبتدأ،
فإنه يجوز دخول الفاء في خبره، كقولك: الذي يأتيني فله درهم. وإما منصوب
على البدل من الكاف والميم في ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ وهو بدل الاشتمال، وإليه ذهب
الأخفش، والوجه الأول أوجه.
وقال الزمخشري: إنه منصوب على الذم، أو مرفوع، أي أريد الذين
خسروا أنفسهم أو أنتم الذين خسروا أنفسهم.
﴿مَّنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَيِذٍ﴾ ﴿يُصْرَفْ﴾ مبني للمجهول، ونائب الفاعل مقدر
تقديره: من يصرف عنه العذاب يومئذ. وقرئ مبنياً للمعلوم، وفاعله: الله
تعالى، وحذف المفعول وتقديره: من يَصِرِف الله عنه العذاب يوم القيامة فقد
رحمه. والوجه الأول أوجه؛ لأنه أقل إضماراً، وكلما كان الإضمار أقل،
كان أولى.
البلاغة:
﴿ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ من صيغ المبالغة.
المفردات اللغوية:
( كَنَبَ﴾ فرض وأوجب إيجاب تفضل وكرم ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ ليحشرنكم،
والمقصود من الكلام: ليجازينكم بأعمالكم ﴿لَا رَيِّبَ فِيهِ﴾ لا شك.
﴿خَسِرُوْاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي تركوا ما يقتضيه العقل والعلم والمصلحة الحقيقية،
وعرَّضوا أنفسهم للعذاب. ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾ ثبت. من السكون: ضد الحركة،
وفيه اكتفاء بما ذكر عما يقابله، أي له ما سكن وما تحرك، مثل قوله تعالى:
﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَزَّ﴾ [النحل: ٨١/١٦] أي والبرد. والمقصود: له تعالى
كل شيء، فهو ربه وخالقه ومالكه . ﴿وَلِيًّا﴾ ناصراً.
﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي منشئهما ومبدعهما على غير مثال سابق.

١٥٦
لُرُ (٧) - الْأَنْفَظُ: ١٢/٦-١٦
﴿يُطْعِمُ﴾ يرزق. ﴿ وَلَا يُطْعَمُ﴾ لا يُرزق أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد.
﴿إِنْ عَصَيْثُ رَبِىِ﴾ بعبادة غيره. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة. ﴿مَّن
يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾ أي من يبعد عنه العذاب. ﴿رَحِمَهُ﴾ أي نجاه من العذاب
والأهوال، وأراد له الخير. ﴿اَلْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ النجاة الظاهرة.
المناسبة:
هذه الآيات تأكيد لما سبق في إثبات أصول الدين الثلاثة: إثبات وجود
الصانع وتوحيده، وتقرير البعث والمعاد والجزاء، وتقرير النبوة ورسالة محمد
وَله، وذلك بإقامة الأدلة عليها بطريق السؤال والجواب، وهذا نمط آخر في
الإثبات، لترسيخ العقيدة في القلب، واجتذاب الأنظار واستمالة السامع حتى
لا يمل.
وإذا ثبت كون الله هو الخالق والمبدع والمنشئ السماوات والأرض وما
فيهما من كل متحرك وساكن، ثبت كونه قادراً على الإعادة والحشر والنشر،
وثبت أنه تعالى الملك المطاع، والملك المطاع: من له الأمر والنهي على عبيده،
ولا بد حينئذ من مبلِّغ، والمبلغ هو النبي، فكانت بعثة الأنبياء والرسل من الله
تعالى إلى الخلق أمراً لازماً، وبذلك كانت الآية وافية بإثبات هذه الأصول
الثلاثة.
التفسير والبيان:
قل يا محمد للمشركين من قومك: لمن هذه السماوات والأرض، ولمن هذا
الكون والوجود وما فيه؟ والمقصود من السؤال التبكيت والتوبيخ؛ لأنهم
كانوا يعتقدون بأن الله هو الخالق، كما حكى تعالى عنهم: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥/٣١].
﴿قُل لِلّهِ﴾ هذا هو الجواب إما بالنيابة عنهم؛ لأنهم مقرّون بذلك، وإما
بطريق الإلجاء لهم إلى الإقرار بأن الكل له سبحانه.

١٥٧
الُ (٧) - الأَنْظُ: ٦/ ١٢-١٦
ومن صفات هذا الخالق التي ترغب في طاعته: صفة الرحمة، فإنه تعالى
أوجب على ذاته الرحمة بخلقه. ومن مقتضيات الرحمة: الحشر يوم القيامة بلا
شك للثواب والعقاب؛ لأنه متى عرف الإنسان ما قد ينتظره أقبل على الخير
وكفَّ عن الشر، فكان إيجاد هذا الوازع النفسي طريقاً لتهذيب النفوس
والرحمة بالعباد، ولولا خوف العذاب يوم القيامة، لامتلأت الدنيا فساداً
وفوضى وإجراماً، ولضجّ العالم، واختل نظام المجتمع، فصار التهديد بهذا.
اليوم من مظاهر الرحمة. ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال النبي وَله: ((إن الله لما خلق الخلق، كتب كتاباً عنده فوق العرش: إن
رحمتي تغلب غضبي)) أي لما أظهر قضاءه، وأبرزه لمن شاء، أظهر كتاباً في
اللوح المحفوظ أو فيما شاءه، مقتضاه خبر حق ووعد صدق أن رحمته تسبق
غضبه وتزید علیه.
وأخص الذين خسروا أنفسهم بإفسادها وتعطيلها استخدام العقل والعلم
وعدم اهتدائها بالتذكير، كما أخصهم بالذم والتوبيخ من بين المجموعين إلى
يوم القيامة؛ وسبب الخسارة: أنهم لا يؤمنون، أي لا يصدقون بالبعث
والمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم. هذا هو الواقع، لكن قوله تعالى جعل
عدم إيمانهم مسبباً عن خسرانهم أنفسهم، والأمر على العكس.
والجواب كما ذكر الزمخشري: معناه الذين خسروا أنفسهم في علم الله
لاختیارهم الكفر، فهم لا يؤمنون.
٦
وليس ملك السماوات والأرض مجرد ملك فراغ، وإنما هو ملك شامل
لكل شيء فيهما من ساكن ومتحرك، الجميع عباده وخلقه وتحت قهره وتصرفه
وتدبيره، لا إله إلا هو. وخص بالذكر ما سکن بالليل والنهار وإن كان داخلاً
في عموم ما في السماوات والأرض، للدلالة على تصرفه تعالى بهذه الخفايا.
ثم إن كل ما في السماوات والأرض خاضع لرقابة الله وتصرفه، فهو

١٥٨
لُ (٧) - الْأَنْخَطُ: ١٢/٦-١٦
السميع المحيط سمعه بكل دقيق وكبير، يسمع دبيب النملة السوداء في الليلة
الظلماء، على الصخرة الصماء، وهو أيضاً العليم المحيط علمه بكل ما دقَّ
وعظم، والشامل سمعه كل مسموع كأقوال عباده وأصواتهم. والذي وسع
علمه كل معلوم كحركات المخلوقات وأسرارهم، وكل ذلك مؤدٍ إلى الرقابة
الإلهية والتصرف التام بكل شيء.
ثم أمر الله نبيه المبلِّغ شرعه أمراً بما لزم عما سبق وبما هو نتيجة له، فقال
له: قل يا محمد: لا أتخذ ولياً ناصراً ينفعني أو يدفع ضرراً عني إلا الله وحده
لا شريك له، فإنه فاطر السماوات والأرض، أي خالقهما ومبدعهما على غير
مثال سابق، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُوَّنِيِّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ
[الزمر: ٣٩ /٦٤].
وأما خلق السماوات والأرض فكانتا أولاً كتلة دخانية واحدة، ثم فصلتا،
وهذا فيه أيضاً فَظْر وشق؛ قال تعالى: ﴿أَوَلَّمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنَّ اُلسَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضَ كَانَنَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠/٢١].
وإن الله أيضاً هو الذي يُطعِم ولا يُطعَم أي وهو الرزاق لخلقه من غير
احتياج إليهم؛ لأنه تعالى منزه عن الحاجة إلى كل ما سواه، كما قال تعالى:
مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ
٥٦
﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
٥٨) ﴾ [الذاريات: ٥٦/٥١-٥٨].
يُطْعِمُونِ ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ
وفي هذا دلالة واضحة ترشد البشر إلى أنه يجب عليهم التماس الرزق من
الله تعالى وحده، مع اتخاذ الأسباب الموصلة إليه من السعي والعمل والتدبير
والبحث والتنقيب، لا من أي مخلوق سواه، سواء أكان بشراً أم صنماً ووثناً،
وسواء أكان البشر حاكماً أم غير حاكم، فأرزاق العباد بيد الله تعالى وحده.
وإذ قامت لك يا محمد ولغيرك الأدلة على من يستحق الألوهية والعبادة
واتخاذه ولياً، فقل لهم: إني أمرت من ربي المتصف بهذه الصفات أن أكون أول

١٥٩
الجُزُ (٧) - الْأَنْتُ: ١٢/٦-١٦
من أسلم وخضع وذلَّ وانقاد لله من هذه الأمة، ونهيت عن الشرك بالله أياً
كان نوع الشرك، ومنه شرك الجاهلية القائم على اتخاذ الأصنام واسطة ووسيلة
تقرب إلى الله زلفى.
ثم أمر الله نبيه ببيان جزاء من خالف الأمر والنهي السابقين فقال له: ﴿قُلْ
إِنَّ أَخَافُ﴾ أي قل لهم: إني أخشى إن عصيت الله ربي أن يصيبني عذاب يوم
عظيم الهول والخطر وهو يوم القيامة الذي يحاسب الله فيه الخلائق حساباً
شديداً على أعمالهم، ويجازيهم على ما يستحقون، يوم لا تملك نفس لنفس
شيئاً، والأمر يومئذ لله. وإذا كان هذا الإنذار موجهاً لنبي الله، فما بال الناس
الآخرین؟!
من يدفع عنه ذلك العذاب يومئذ، فقد رحمه الله ونجا، وذلك هو الفوز
الساحق الظاهر الذي لا فوز أعظم منه، كما قال تعالى: ﴿فَمَن زُحْرِعَ عَنِ
النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥/٣]. والفوز: حصول الربح
ونفي الخسارة.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات تثبت أصول الاعتقاد: وهي التوحيد، والبعث والجزاء،
والنبوة، وهي أدلة للاحتجاج على المشركين المنكرين، وأولها انتزاع الاعتراف
بالخالق، وهم يعترفون بذلك وأن خالق السماوات والأرض هو الله. وإذا لم
يعترفوا فالحجة قائمة عليهم.
وإذا ثبت أن لله ما في السماوات والأرض، وأنه خالق الكل إما باعترافهم
أو بقيام الحجة عليهم، فالله قادر على أن يعاجلهم بالعقاب، ويبعثهم بعد
الموت.
ولكنه تعالى كتب على نفسه الرحمة، أي وعد بها فضلاً منه وكرماً، فلذلك

١٦٠
اِلُ (٧) - الْأَنْظُ: ٦/ ١٢-١٦
أمهل الناس حتى يعودوا لرشدهم، وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى
الإقبال إليه، وإخبار منه سبحانه بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة،
ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
ومن رحمته الإمهال إلى يوم القيامة، والإعلام بالجمع يوم القيامة، الإثابة
الطائعين وتعذيب العاصين، وهذا الإنذار المسبق رحمة أيضاً من الله بعباده؛
لأنهم إذا علموا بأنه لا إفلات من الحساب، فكروا في أنفسهم، وأصلحوا
أعمالهم، وصححوا إيمانهم.
ثم ذم الله تعالى الخاسرين أنفسهم بإهمالهم ما يقتضيه العقل والعلم من
الإيمان الصحيح والاستقامة على دين الله وشرعه، وهؤلاء الخاسرون على
الإطلاق لاختيارهم الكفر هم غير المؤمنين.
ومن الاحتجاج على المشركين: أن الله ما سكن وما تحرك في الكون. قال
ابن عباس: نزلت الآية: ﴿وَلَمُ مَا سَكَنَ فِىِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ لأن كفار مكة أتوا
رسول الله وَله، فقالوا: علمنا أنه ما يحملك على ما تفعل إلا الحاجة، فنحن
نجمع لك من أموالنا حتى تصير أغنانا، وترجع عما أنت عليه، فنزلت
الآية (١) أي قال الله تعالى: أخبرهم أن جميع الأشياء لله، فهو قادر على أن
یغنیني.
وإذ قامت الأدلة على الإله الحق فكل إنسان مأمور بعبادته واتخاذه ولياً
ناصراً له في تحقيق النفع ودفع الضرر، وإسلام الوجه له والانقياد لأوامره،
فهو الرزاق المطعم، يُرزُق ولا يُرزق، وكذلك كل إنسان منهي عن الشرك
واتخاذ الأنداد والوسطاء.
وعلى كل إنسان أن يخاف من عذاب الله يوم القيامة، فإنه عذاب شديد،
(١) أسباب النزول للواحدي ١٢٢