النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
الْجُرحُ (٧) - المَائِدَة: ١١٢/٥-١١٥
﴿ قَالَ اَللَّهُ إِنِ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ أي وعد الله عيسى بإنزال المائدة مرّة أو
مراراً، ووعده الحقّ وقوله الصدق، وقد نزلت.
لكن هذا الوعد مقرون بالجزاء حين المخالفة: ﴿فَمَن يَكْفُرُ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ أي
من يكفر بالله بعد نزول هذه المائدة، فإني أعذِّبه عذاباً شديداً لا أُعذب مثله
أحداً من سائر كفار العالمين: عالمي زمانهم؛ لأنه لم يبق بعد هذا الدّليل الحسي
عذر لمن يكفر أو يستهزئ بآيات الله وأدلّته الدّالة على وجوده وقدرته.
أما الطّعام فقيل: إنه خبز ولحم، أو خبز وسمك، قال الطَّبري: والصواب
من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن
يكون كان سمكاً وخبزاً، وجائز أن يكون كان ثمراً من ثمر الجنة، وغير نافع
العلم به، ولا ضار الجهل به (١).
جاء في حديث ذكره السُّيوطي: أُنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً،
فأمروا أن لا يخونوا ولا يدّخروا لغد، فخانوا وادَّخروا، فمسخوا قردة
وخنازير.
فقه الحياة أو الأحكام:
قصة المائدة نعمة تاسعة من النّعم التي عدّدها الله وامتن بها على عيسى عليه
السّلام وقومه، والذي عليه الجمهور وهو الحق: أنها نزلت فعلاً، لقوله
تعالى: ﴿إِنِ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ قيل: إنها نزلت عليهم يوم الأحد غدوة وعشية،
فجعلوا الأحد عيداً.
وهي آية بيِّنة على قدرة الله، وعلى إجابته دعاء المخلص من عباده، وعلى
صدق نبوة عيسى، وأنه عبد لله ورسوله؛ لأنه لو كان إلهاً لما كان بحاجة أن
(١) تفسير الطَّبري: ٨٨/٧

١٢٢
الجُ (٧) - القَائِدَة: ١١٢/٥-١١٥
يطلب شيئاً من أحد، فالدُّعاء إلى الله منه، وإجابة الدُّعاء من ربِّه دليل آخر
على عبوديَّته وبشريَّته وفقره وحاجته إلى الله، وليعلم النّصارى بطلان قولهم
وادِّعائهم التّأليه.
والذي دفع الحواريين إلى سؤال إنزال المائدة أربعة أسباب:
اً - الحاجة الدّاعية إلى الأكل منها، لأن عيسى عليه السّلام كان إذا خرج
اتَّبعه خمسة آلاف أو أكثر، بعضهم كانوا أصحابه، وبعضهم كانوا ينظرون
ويستهزئون، فخرج يوماً إلى موضع فوقعوا في مفازة، ولم يكن معهم نفقة،
فجاعوا وقالوا للحواربين: قولوا لعيسى حتى يدعو بأن تنزل علينا مائدة من
السماء؛ فجاءه شمعون رأس الحواريين وأخبره أن الناس يطلبون بأن تدعو
بأن تنزل عليهم مائدة من السماء، فقال عيسى لشمعون: قل لهم: ﴿أُتَّقُواْ اللَّهَ
إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ فأخبر بذلك شمعون القوم، فقالوا له: قل له: ﴿نُرِيدُ أَن
تَأْكُلَ مِنْهَا﴾ الآية.
وقال الماوردي: نأكل منها، أي ننال بركتها، لا لحاجة دعتهم إليها،
وهذا أشبه لأنهم لواحتاجوا إلى الطعام لم يُنهوا عن السؤال.
◌َ - اطمئنان القلب إلى أن الله تعالى بعث عيسى إليهم نبياً.
٣ - العلم بأن عيسى رسول الله، أي ازدياد الإيمان بك وعلماً برسالتك.
٤ - الشهادة أنها آية من عند الله، ودلالة وحجّة على نبوّتك، وصدق ما
جئت به. وبالرّغم من إنزال المائدة السّماوية، وامتنان الله على النّصارى بها،
فإنّهم جحدوا تلك النّعمة وكفروا بعد نزولها، فَمُسِخوا قردة وخنازير. قال ابن
عمر: إن أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة: المنافقون ومن كفر من أصحاب
المائدة، وآل فرعون؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرَّ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنْ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا
لَّ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾.

١٢٣
الجُرُ (٧) - المَائِدَة: ١١٦/٥-١٢٠
تبرئة عيسى من مزاعم النصارى
ألوهيته وألوهية أمه
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأُفِىَ إِلَهَيْنِ مِنْ
دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقِّ إِن كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ
عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ (49) مَا
قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَبِى ◌ِةٍ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ
فِهِمٌّ فَلَمَّا تَوَفَيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمَّ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ
TIV إن
تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادُكٌ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ
يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّتُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِنَ فِهَا أَبَدًا رَضِىَ اَللَّهُ
﴿ لِلَّ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِهِنَّ وَهُوَ عَلَى
عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ
◌ُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
القراءات: ﴿وَأَّعِىَ إِلَهَيْنِ﴾: قرئ:
١- (وأميْ) وهي قراءة ابن كثير، وحمزة، والكسائي.
٢- (وأميَ) وهي قراءة الباقين.
﴿إِيّ أَنْ﴾: قرئ:
١- (لي أن) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو.
٢- (في أن) وهي قراءة الباقين.
-
﴿ اَلْغُيُوبِ﴾ :
وقرأ حمزة: (الغِيوب).
﴿أَنِ أُعْبُدُواْ اللَّهَ﴾: قرئ:
١- (أن اعبدوا الله) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة.

١٢٤
الُ (٧) - المَائِدَة: ١١٦/٥-١٢٠
٢- (أن اعبدوا الله) وهي قراءة الباقين.
﴿هَذَا يَوْمُ﴾:
وقرأ نافع (هذا يومَ).
الإعراب:
﴿أَنِ أُعْبُدُواْ﴾ ﴿أَنِ﴾: إما مفسرة بمعنى ((أي)) فلا يكون لها موضع من
الإعراب. وإما مصدرية في موضع جرّ على البدل من ﴿مَآ﴾ في قوله تعالى:
﴿إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِ﴾.
﴿مَّا دُمْتُ﴾ في موضع نصب على الظرف، والعامل فيه ﴿شَهِيدًا﴾. و﴿مَا﴾
في ((ما دام)): مصدرية ظرفية زمانية، وتقدير الآية: وكنت عليهم شهيداً مدّة
دوامی فیھم.
﴿ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ ﴿يَوْمُ﴾ بالرّفع: خبر المبتدأ الذي هو ﴿هَذَا﴾. و﴿هَذَا﴾:
إشارة إلى يوم القيامة. والجملة من المبتدأ والخبر في موضع نصب بقال، وتحكى
بعده الجملة. ويجوز أن يكون في موضع نصب، وهذا ضعيف كما قال
الأنباري؛ لأن الظرف إنما يُبنى إذا أُضيف إلى مبني كالفعل الماضي، أو
· أضيف إلى ((إذ)) كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِدٍ﴾ [هود: ٦٦/١١]. و﴿ يَنْفَعُ﴾
فعل مضارع معرب، فلا يُبنى الظرف لإضافته إليه، فلهذا كان هذا القول
ضعيفاً.
ج
﴿خَلِيِنَ فِهَا أَبَدًّا﴾ ﴿خَلِينَ﴾: منصوب على الحال من الضمير المجرور في
﴿لَهُمْ﴾. و﴿ أَبْدًا﴾: منصوب؛ لأنه ظرف زمان.
المفردات اللغوية:
﴿ وَإِذْ قَالَ اَللَّهُ﴾ اذكر إذ يقول له هذا يوم القيامة توبيخاً لقومه.
بريم

١٢٥
◌ِلُ (٧) - المَائِدَة: ١١٦/٥-١٢٠
﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهاً لك عما لا يليق بك من شريك وغيره. ﴿مَا يَكُونُ لِىّ﴾ ما
ينبغي لي أن أتجاوز حقِّي وقدري ومنزلتي، و﴿لِىّ﴾: للتَّبين. ﴿تَعْلَمُ مَا فِى
نَفْسِى﴾ أي تعلم سرِّي وما أُخفيه، ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك.
﴿شَهِيدًا﴾ رقيباً كالشاهد على المشهود عليه، أمنعهم من أن يقولوا ذلك
ويتدينوا به . ﴿تَوَقَّيْتَنِ﴾ قبضتني ورفعتني إلى السماء. ﴿كُنْتَ أَنتَ اُلَّقِيبَ
عَلَيْهِمَّ﴾ الحفيظ لأعمالهم المراقب لأحوالهم، تمنعهم من القول به، بما أقمت
لهم من الأدلّة على أُلوهيتك.
. ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ﴾ على الكفر والجحود. ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الذين عرفتهم عاصين
جاحدين لآياتك، مكذِّبين لأنبيائك، وأنت مالكهم تتصرّف فيهم كيف شئت
لا اعتراض عليك. ﴿وَإِن تَغْفِرْ﴾ لمن آمن منهم. ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ القوي
القادر على الثواب والعقاب . ﴿اٌلْحَكِيمُ﴾ في صنعه الذي لا يثيب ولا يعاقب
إلا عن حكمة وصواب.
﴿هَذَا﴾ أي يوم القيامة. ﴿الصَّدِقِينَ﴾ في الدُّنيا كعيسى عليه السّلام.
ج
صِدْقُهُمْ﴾ ينفعهم صدقهم في هذا اليوم؛ لأنه يوم الجزاء . ﴿رَّضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ﴾
بطاعته . ﴿وَرَضُواْ عَنَّهُ﴾ بثوابه. ﴿لِلَّه مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ خزائن المطر
والنّبات والرّزق وغيرها. ﴿وَمَا فِهِنَّ﴾ أتى به للتغليب أي تغليب العاقل على
غير العاقل . ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ الله قادر على كل شيء، ومنه إثابة
الصادق وتعذيب الكاذب.
المناسبة:
بعد أن عدَّد الله تعالى النّعم على عيسى عليه السّلام، ذكر أنه سيوجه له
سؤالاً خطيراً يوم القيامة توبيخاً لقومه وتقريعاً لهم على افترائهم، وتعريفاً لهم
بأنه سيتبرأ من ذلك الإفك العظيم وهو القول بالتثليث ثم التأليه.

١٢٦
اِلُعُ (٧) - القَائِدَة: ١١٦/٥-١٢٠
التفسير والبيان:
هذه الآيات تصوّر مناقشة وسؤالاً يتضمّن تهديد النّصارى وتوبيخهم
وتقريعهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة. والخطاب في ذلك للنّبي ◌َّ.
اذکر یا محمد للناس يوم الحشر الذي یوجّه الله فیه السؤال لعیسی قائلاً له:
أأنت قلت للناس: اتّخذوني مع أُمي إلهين من دون الله، أي متجاوزين بذلك
توحيد الله إلى القول بالشرك: وهو اتّخاذ إله أو أكثر مع الله تعالى، سواء اعتقد
المشرك أن الشريك يضرّ وينفع مستقلاً بذلك، أو بإقدار الله إيَّه وتفويضه
الأمر إليه، أو بالوساطة عند الله بما له من التأثير والكرامة، كما قال تعالى
حاكياً فعلهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ
هَؤُلَاءٍ شُفَعَؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨/١٠]، وقال: ﴿وَأَلَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مِنْ
دُونِهِ، أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣/٣٩].
وهذا السؤال ليس استفهاماً وإن خرج مخرج الاستفهام، وإنما هو توبيخ
لمن ادّعى أُلوهيّة عيسى، ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب، وأشدّ
في التوبيخ والتّقريع، أو لتعريفه أن قومه غيَّروا بعده، وادّعوا عليه ما لم يقله.
والآية ترشد إلى أنهم اتخذوا مريم وابنها إلهين، لعبادتهم لها، وتقديسهم إيّاها،
ولقولهم: إنها لم تلد بشراً، وإنما ولدت إلهاً، فلأجل البعضية صارت بمثابة
من ولدته، ويجعلها بعضهم أحد الأقانيم الثلاثة: الأب والابن والرّوح
القدس.
فأجاب عيسى بتلقي الحجة من الله: ﴿ سُبْحَنَكَ﴾ أي أُنزهك عما لا يليق
بك، وعن أن يكون معك إله آخر، فأثبت له التّنزيه عن المشاركة في الذّات
والصّفات وعما أضيف إليه، وأبان أنه خاضع لعزّته، خائف من سطوته.
ثم برَّأ نفسه عن القول الباطل فقال: ليس من شأني ولا مما يصحّ أن يقع
مِّي أن أقول قولاً لا حقَّ لي بقوله، ثم أكّد التّفي القاطع بأن ذلك القول إن

١٢٧
اِلُ (٧) - العَائِدَة: ١١٦/٥ -١٢٠
كان قد صدر مِّي فقد علمته؛ لأن علمك محيط بكل شيء، فأنت تعلم سرِّي
وما أُخفي في نفسي، ولا أعلم ما تخفيه من علومك الذّاتية في نفسك، إنك
أنت المحيط بالغيبيات، ما كان منها وما هو كائن وما سيكون.
هذا جواب عيسى، لم يقل: بأني قلته أو ما قلته، وإنّما فوَّض ذلك إلى علم
الله المحيط بكل شيء، وإن قلته فأنت عالم به، وهذا مبالغة في الأدب، وفي
إظهار الذّلّ والخضوع لله.
ثم حكى الله قول عيسى: ما قلت لهم في شأن الاعتقاد والعبادة إلا ما
أمرتني به بأن يعبدوا الله ربِي وربّكم، وأني عبد من عبادك مثلهم، وكنت
المراقب على أحوالهم أشهد على ما يفعلون وأمنعهم من القول الباطل
وأطالبهم بقول الحق، فلما توفيتني، أي قبضتني إليك، كنت أنت المراقب
لأعمالهم وأقوالهم، الحافظ عليهم، وأنت الشهيد على كل شيء، فتشهد لي
حين كنت فيهم. وفي هذا تعريف له بأفعال أتباعه وأقوالهم واعتقادهم.
وأغلب المفسرين على أن المراد بقوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِ﴾ وفاة الرّفع إلى
السماء، لقوله تعالى: ﴿إِنِّ مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ قال الحسن البصري:
الوفاة في كتاب الله عزّ وجلّ على ثلاثة أوجه:
وفاة الموت، وذلك قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾
[الزمر: ٤٢/٣٩] يعني وقت انقضاء أجلها.
ووفاة النوم؛ قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ بِأَلَيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠/٦]
يعني الذي ينيمكم.
ووفاة الرّفع؛ قال الله تعالى: ﴿يَعِيسَىَّ إِ مُتَوَفِيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥/٣].
ثم فوض عيسى الأمر كله إلى الله فقال: إن تعذب المسيء عدلت، وإن تغفر
له مع كفره، فالملك ملكك ولا اعتراض لأحد عليك، وأنت القوي القادر
على الثواب والعقاب، الحكيم الذي لا تجازي إلا بحكمة وصواب.

١٢٨
لُ (٧) - الْغَائِدَة: ١١٦/٥-١٢٠
وهنا تساؤل: كيف جاز لعيسى عليه السّلام أن يقول: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾
والله لا يغفر الشرك؟
والجواب: أن المقصود من قوله تفويض الأمور كلها إلى الله، يفعل ما
يشاء، ويحكم ما يريد، لا رادّ لقضائه، ولا معقِّب لحكمه، وترك التّعرُّض
والاعتراض بالكليّة.
وأما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ فهو تقرير للواقع الذي دل
عليه الدليل السمعي شرعاً، وإن كان يجوز عقلاً في رأي أهل السنة المغفرة
للمسيء وتعذيب الطائع، بحسب الإرادة والمشيئة المطلقة. وأما المعتزلة
فيقولون: إن العقاب حق الله على المذنب، وليس في إسقاطه مضرة على الله.
ودل كلام عيسى على أنه لا يتضمن شيئاً من الشفاعة لأتباعه؛ لأن
الشفاعة لا ينالها أحد يشرك بالله شيئاً.
وختم الله تعالى السورة وهذا النقاش بقوله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ﴾ أي إن هذا
وهو يوم القيامة هو اليوم الذي ينفع فيه صدق الصادقين في إيمانهم وشهاداتهم
وسائر أقوالهم وأفعالهم في الدنيا.
وجزاء الصادقين جنات تجري من تحتها الأنهار أي من تحت غرفها
وأشجارها، خالدين وماكثين فيها أبداً، ثواباً من عند الله، وأنه راض عنهم
رضاً لا يغضب بعده أبداً، وهم راضون عن الجزاء الذي أثابهم به، ذلك
الظفر هو الظفر العظيم الذي عظم خيره وكثر، وارتفعت منزلة صاحبه
وشَرُف.
ثم ذكر تعالى ما يناسب دعوى النصارى أن عيسى إله، فأخبر تعالى أن ملك
السماوات والأرض له، دون عيسى ودون سائر المخلوقات، وأن كل ما فيهما
ملك لله، وأن الله قادر قدرة مطلقة على كل شيء، والمملوك المقدور عليه من

١٢٩
الُ (٧) - القَائِدَة: ١١٦/٥-١٢٠
الله هو عبد الله، كائن بخلق الله وتكوينه، سواء عيسى ومريم وغيرهما، ولا
معنى للعبودية إلا ذلك، فثبت بهذا أنهما عبدان مخلوقان الله؛ لأن الملك
والقدرة لله وحده لاشريك له.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات الصادرة بصورة سؤال وجواب تعليم وإرشاد، وتوبيخ
وتقريع للنصارى الذين اتخذوا عيسى إلهاً، وادعوا لأمه شيئاً من القدسية
والألوهية لأنها ولدت عيسى فهو بعض منها. فأول من يتبرأ من هذه الدعوى
هو عيسى عليه السلام نفسه؛ فهو لا يدعي لنفسه ما ليس من حقها، بمعنى
أنه مربوب وليس برب، وعابد بشر وليس بمعبود إله.
ولو ادعى لنفسه وأمه الألوهية، لكان الله أعلم بذلك: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى
ج
وَلَآَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ المعنى تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، أو تعلم
ما أعلم ولا أعلم ما تعلم، أي تعلم سرّي وما انطوى عليه ضميري الذي
خلقته، ولا أعلم شيئاً مما استأثرت به من غَيْبك وعلمك.
ولم يقل إلا ما أمره الله به من عبادة الله وحده، والله هو صاحب المشيئة
المطلقة والإرادة الكاملة في إثابة من شاء، وتعذيب من شاء.
وفي يوم القيامة لا ينتفع الناس إلا بصدقهم في الدنيا، بالعمل المخلص لله،
وتركهم الكذب عليه وعلى رسله، وإنما ينفعهم الصدق في ذلك اليوم، وإن
كان نافعاً في كل الأيام؛ لوقوع الجزاء فيه.
وثواب الصادقين هو الخلود في جنات النعيم التي تجري من تحت غرفها
وأشجارها الأنهار.
وملك السماوات والأرض وما فيهن لله دون عيسى ودون سائر
المخلوقات، مما يدل على أن عيسى عبد الله ومملوك لله ومخلوق منه، ولا معنى
للعبودية إلا أن الإنسان كائن بتكوين الله.

١٣٠
الُ (٧) السورة (٦) الأَنْفُ
ـةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ الرَّ
سُورَةُ الْأَنْتُ
مكية وهي مئة وخمس وستون آية، وهي السورة السادسة من القرآن الكريم.
تسميتها:
تسمى سورة الأنعام، لورود ذكر الأنعام فيها: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ
مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦/٦]. ﴿ وَقَالُواْ هَذِهِةٍ أَنْعَمٌ
وَحَرْثُ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٨/٦].
نزولها وفضلها:
نزلت جملة واحدة لاشتمالها على أصول الاعتقاد، قال ابن عباس: ((نزلت
سورة الأنعام بمكة ليلاً جملة واحدة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون
بالتسبيح)) وروى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله و له قال: ((نزلت علي
سورة الأنعام جملة واحدة، وشيَّعها سبعون ألفاً من الملائكة، لهم زجل
بالتسبيح والتحميد)) والسبب فيه أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل
والنبوة والمعاد، وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين. ولكن لا مانع من أن
يكون بعض آياتها مدنياً، ثم أمر النبي ◌َّر بوضعه في موضعه من السورة.
مناسبتها لما قبلها:
تضمنت كل من سورتي المائدة والأنعام محاجة أهل الكتاب في مواقفهم
وعقائدهم، كما ذكر فيهما أحكام المطعومات المحرَّمة والذبائح، والرد على
أهل الجاهلية بتحريم بعض الأنعام تقرُّباً إلى الأوثان.

١٣١
الُرُ (٧) السورة (٦) الأَنْتُم
ما اشتملت عليه:
قال العلماء: هذه السورة أصل في محاجَّة المشركين، وغيرهم من
المبتدعين، ومن كذب بالبعث والنّشور، وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة؛
لأنها في معنى واحد من الحجّة، وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة، وعليها بنى
المتكلمون أصول الدِّين؛ لأن فيها آيات بيِّنات تردّ على القدريّة(١).
هذه السُّورة شأنها كشأن السُّور المكيّة عنيت بأصول العقيدة والإيمان:
وهي إثبات الألوهية، والوحي والرِّسالة، والبعث والجزاء.
وتعتمد في ترسيخ العقيدة بهذه الأُصول على أُسلوبي التّقرير والتَّلقين.
أما أسلوب التّقرير: فهو يعرض أدلة وجود الله وتوحيده في صورة
المسلّمات البدهية، بالاعتماد على التصريح بالخلق الله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أو بضمير الغائب: ﴿هُوَ اُلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن
طِينٍ﴾ ﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِى السَّمَوَتِ وَفِىِ الْأَرْضِّ﴾ ﴿وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ﴿وَهُوَ
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِى يَنَوَفَِّكُمْ بِلَيْلِ﴾.
وأما أسلوب التلقين: فهو إيراد الحجج بتعليمها الرسول وله وتلقينها إياه
لعرضها على الخصوم، وذلك بطريق السؤال والجواب، مثل: ﴿قُل لِّمَن مَا فِى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُل لِلَهَّ كَنَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبُ شَهَدَةً
قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ﴾ ﴿قُلْ أَرَّيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْعَكُمْ وَبَصَرَّكُمْ وَخَلَمَ عَلَى
قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِّهِ﴾ ﴿ وَقَالُوْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبٍِّ، قُلْ إِنَّ
اللََّ قَادِرُ عَلَىَ أَنْ يُنْزِلَ ءَايَةً﴾.
ومجمل ما اشتملت عليه هذه السورة هو ما يأتي:
(١) تفسير القرطبي: ٣٨٣/٦

١٣٢
الُ (٧) السورة (٦) الْأَنْتُ
اً - إثبات أصول الاعتقاد عن طريق الإقناع والتأثير والمناظرة والجدل،
والجواب عن سؤال، كوجود الله وتوحيده وصفاته وآياته في الأنفس
والآفاق، وتأثير العقيدة في العمل.
أَ - إثبات النبوة والرسالة والوحي والرد على شبهات المشركين بالأدلة
العقلية والعلمية والحسية.
ءَ - إثبات البعث والحساب والجزاء على الأعمال يوم القيامة، إن خيراً
فخير، وإن شراً فشر.
٤ - تبيان أصول الدين والأخلاق والآداب الاجتماعية أو الوصايا العشر
المقررة في كل رسالة إلهية.
٥ - الدين من عهد آدم إلى محمد عليهما السلام واحد في أصله ووسائله
وغاياته، فتجزئته، والإيمان ببعضه وترك بعضه، وتفرقته بالمذاهب والآراء
الشخصية مصادم لأصل الدين.
أَ - السعادة والشقاوة والجزاء الأخروي على الحسنات والسيئات منوطة
بالأعمال البشرية.
لاً - الناس ضمن السنن الإلهية والأقدار عاملون بالإرادة والاختيار، فلا
جبر ولا إكراه، ولا تعارض بين إرادة الله وما يكسبه الإنسان؛ لأن قدر الله
معناه ربط المسببات بالأسباب، على وفق علمه وحكمته.
٨ - العدل الإلهي يقتضي التفاوت بين الأمم والأفراد، فيهلك الله
الظالمين، وينعم على الطائعين، ويمكِّن للأصلح في إرث الحياة.
ـة - الله مصدر التشريع والتحليل والتحريم، فلا يحق لإنسان الافئات على
حق الله في ذلك.

١٣٣
الجزءُ (٧) - الْأَنْفَرُ: ١/٦-٣
١٠ - على الإنسان الاعتبار والاتعاظ بأحوال الأمم الغابرة التي كذبت
الرسل، وعليه النظر في الكون للاستدلال بآياته الكثيرة على قدرة الله وعلمه
وعظمته.
١١ - الناس في الحياة في تسابق وتنافس واختبار، ليعلم المفسد من
المصلح، والجزاء ينتظر الجميع، والله يمهل ولا يهمل ليتوب الإنسان ويصلح
شأنه، ورحمة الله وسعت كل شيء.
أدلة وجود الله ووحدانيته والبعث
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ النُّلُمَتِ وَالنُّورِّ ثُمَّ الَّذِينَ
هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلَا وَأَجَلٌ
كَفَرُواْ بِرَيِّهِمْ يَعْدِلُونَ
مُسَمَّى عِندَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (3)
،وَهُوَ اَللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَفِى الْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ
٣
وَجَهْرَّكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ
الإعراب:
﴿اَلُالْمَتِ﴾ مفعول ﴿وَجَعَلَ﴾ وهو يتعدى إلى مفعول واحد بمعنى خلق.
صِے
﴿وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندَهُ﴾ ﴿وَأَجَلٌ﴾: مبتدأ مرفوع، و﴿قُسَمَّى﴾: صفته. وخبره:
صنے
عِندَهُ﴾. وجاز أن يكون مبتدأ وإن كان نكرة؛ لأنه وصفه بمسمى، والنكرة
إذا وصفت قربت من المعرفة، فجاز أن يكون مبتدأ كالمعرفة.
﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِى السَّمَوَتِ وَفِىِ الْأَرْضِّ﴾ ﴿هُوَ﴾: كناية عن الأمر والشأن.
و﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وخبره: إما ﴿يَعَلَمُ﴾، وتقديره: الله يعلم سركم وجهركم
في السماوات وفي الأرض. وإما أن يكون خبره ﴿فِي السَّمَوَتِ﴾ ويكون
المعنى: هو المعبود في السماوات.
البلاغة:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ صيغة تفيد القصر، أي لا يستحق الحمد والثناء إلا الله.

١٣٤
المُرُ (٧) - الْأَنْقال: ١/٦-٣
﴿ وَجَعَلَ الْقُلُمَتِ وَالنُّورَ﴾ بينهما طباق.
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ فيه استبعاد أن يعدلوا به غيره بعد
قيام الأدلة على قدرته. وإظهار كلمة ﴿بِرَبِهِمْ﴾ بوضعه موضع الضمير لزيادة
التشنيع والتقبيح، كما أن إضافته إليهم لتربية المهابة والتذكير بمصدر النعمة.
﴿ِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الثناء بالجميل على الفعل الاختياري الحسن، تعليماً لأصول
الإيمان والثناء.
والمدح أعم من الحمد؛ لأنه يحصل للعاقل ولغير العاقل، والحمد أعم من
الشكر؛ لأن الأول تعظيم الفاعل لأجل الإنعام عليك أو على غيرك، وأما
الشكر فهو لأجل الإنعام الواصل إليك.
والفرق بين الخالق وبين الفاطر والرب: أن الخلق هو التقدير والعلم
النافذ في جميع الكليات والجزئيات. والفاطر: الموجد المبدع، وفيه إشارة إلى
صفة القدرة. والرب: مشتمل على الأمرين(١).
(خَلَقَ﴾ الخلق: التقدير، أي جعل الشيء بمقدار معين بحسب علمه تعالى.
﴿وَجَعَلَ﴾ أي أنشأ، والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق مختص بالإنشاء
التكويني، وفيه معنى التقدير والتسوية، والجعل عام يشمل الإنشاء مثل قوله
تعالى: ﴿وَجَعَلَ اَلْظُلْمَتِ وَالنُّورَ﴾ ويشمل التشريع والتقنين، كما في قوله تعالى:
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧/٥] أي شرع، ويختص الجعل
بأن فيه معنى التضمين كإنشاء شيء من شيء أو تصيير شيء شيئاً أو نقله من
(١) تفسير الرازي: ١٤٢/١٢

١٣٥
الُعُ (٧) - الْأَنْتَطُل: ١/٦-٣
مكان إلى مكان(١). وخص السماوات والأرض بالذكر؛ لأنهما أعظم
المخلوقات للناظرين.
﴿اَلُظُلُمَتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١/٦] أي أنشأ كل ظلمة ونور، وجمع الظلمات
وأفرد النور لكثرة أسبابها، والنور واحد وإن تعددت مصادره. وقدمت
الظلمات على النور؛ لأنها أسبق في الوجود، فقد وجدت مادة الكون المظلمة
أولاً. أما السبب في جمع السماوات وإفراد الأرض مع أن الأرضين كثيرة
وهي سبع كالسماوات لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢/٦٥]
فهو أن السماء فاعل مؤثر، والأرض قابل متأثر، والمؤثر متعدد يحصل بسببه
الفصول الأربعة وسائر الأحوال المختلفة، فلو كانت السماء واحدة لتشابه
الأثر، واختلت مصالح العالم، أما الأرض فهي قابلة للأثر، والقابل الواحد
كاف في القبول(٢). وهذا الخلق والإبداع والإنشاء من دلائل وحدانية الله.
﴿ُثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ مع قيام هذا الدليل. ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يعدلون به غيره
أي يجعلون له عدلاً مساوياً له في العبادة والدعاء . ﴿خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ﴾ بخلق
أبيكم آدم منه. ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ أي حكم به، وحدَّد لكم أمداً تموتون عند
انتهائه، والأجل: المدة المضروبة للشيء.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ أيها الكفار. ﴿تَمْتَرُونَ﴾ تشكّون في البعث، بعد قيام الدلائل
والعلم أنه ابتدأ خلقكم، ومن قدر على الابتداء، فهو أقدر على الإعادة.
﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ مستحق للعبادة . ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ ما تسرون وما تجهرون
به بينكم .﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ تعملون من خير وشر.
(١) مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩/٧] ﴿وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيْرًا﴾
[الإسراء: ٦/١٧] ﴿وَجَعَلَ الْقُّلُمَتِ وَالنُّورِّ﴾ [الأنعام: ١/٦] لأن الظلمات من الأجرام
المتكاثفة، والنور من النار.
(٢) تفسير الرازي: ١٤٨/١٢

١٣٦
الُعُ (٧) - الْأَنْتُ: ١/٦-٣
التفسير والبيان:
كل أنواع الحمد والثناء والشكر والمدح الله تعالى خالق السماوات
والأرض، فهو المستحق للحمد بما أنعم على العباد في خلقه السماوات التي
تشتمل على المصابيح الليلية من نجوم وكواكب وشمس وقمر، وعلى الفضاء
سواء أكان فيه هواء أم لا، وعلى الأثير الذي ينقل الصوت، وعلى الأرض
قرار المخلوقات ومصدر الخير والرزق والثروة وبيئة الحياة، فكل ذلك لخير
البشر وما يتبعهم من الكائنات الحية. وحمد الله تعالى نفسه الكريمة تعليماً
للإيمان والثناء. وعبر بالحمد لله ولم يقل: أحمد الله، لإفادة الثبوت والدوام،
ولبيان أن ماهية الحمد وحقيقته ثابتة لله تعالى، سواء استحضر ذلك بقلبه أم
لا، أما إن قال: أحمد الله مع غفلة القلب عن استحضار المعنى كان كاذباً.
والمراد بالسماوات: العوالم العلوية التي نراها فوقنا، والمراد بالأرض:
الكوكب الذي نعيش فيه. والأرض هنا: اسم للجنس، فإفرادها في اللفظ
بمنزلة جمعها، وكذلك النور، ومثله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧/٤٠].
وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في الليل والنهار، وجمع الظلمات
وأفرد لفظ النور؛ لكثرة أسبابها كالعَتَمة والشرك والكفر، أما النور فهو واحد
متعدد المصدر، ولكون النور أشرف، كقوله تعالى: ﴿عَنِ اُلْيَمِينِ وَالشَّمَآيِلِ﴾.
وجعل هنا: بمعنى خلق، لا يجوز غيره. والمراد بالظلمة كما قال السدي
وجمهور المفسرين: ظلمة الليل، وبالنور: نور النهار، وفي ذلك ردّ على
المجوس (الثَّنَوية) القائلين بإلهين اثنين: هما النور وهو الخالق للخير، والظلمة
وهو الخالق للشر. وقال الحسن البصري: المراد منهما الكفر والإيمان(١).
وقال قتادة عن سبب التقديم: إنه تعالى خلق السماوات قبل الأرض،
(١) تفسير القرطبي ٣٨٦/٦
٠

١٣٧
الُ (٧) - الْأَنْتُ: ١/٦-٣
والظلمة قبل النور، والجنة قبل النار. أما الظلمات الحسية فجنسها وجد قبل
النور، فقد وجدت مادة الكون أولاً، وكانت دخاناً مظلماً أو سديماً (نظرية
السديم) كما يقول الفلكيون، ثم تكونت الشموس. وكذلك الظلمات المعنوية
كالجهل والكفر والشرك أسبق وجوداً من النور، فإن نور العلم والإيمان
والتوحيد يحدث بعدئذ، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَلْتِكُمْ
لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[النحل: ٧٨/١٦].
ثم الذين كفروا وجحدوا نعمة الله الصانع بعد هذا كله يعدلون بالله غيره،
أي يجعلون له عديلاً مساوياً له في العبادة وهو الشريك، مع أنه غير خالق ولا
يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً.
ثم خاطب الله المشركين الذين عدلوا به غيره مذكراً لهم بدلائل التوحيد
والبعث فقال: ﴿هُوَ اُلَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ أي خلق أباكم آدم الذي هو أصلكم من
طين، ثم تكاثرت ذريته في المشارق والمغارب، كما خلق سائر أحياء الأرض،
وهي بعد الحياة بحاجة إلى النبات؛ لأن الدم من الغذاء، والغذاء من نبات
الأرض أو من لحوم الحيوان المتولدة من النبات، فالمرجع إلى نبات الطين.
ثم حدَّد تعالى أجل وجود الإنسان بدءاً من الولادة إلى الممات، وهناك
أجل آخر له يبدأ بالإعادة من القبور، فصار قضاء الله أجلين: الأول: ما بين
أن يخلق إلى أن يموت، والثاني: ما بين الموت والبعث وهو البرزخ، وهو رأي
الحسن.
وفسر ابن عباس ومجاهد وغيرهما قوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ أجل الموت،
والأجل المسمى هو أجل القيامة.
و کل أجل مسمى عند الله، أي له بداية ونهاية محدودة لا تزید ولا تنقص،
ولا يعلمه غيره، ولو كان نبياً مرسلاً أو ملكاً مقرَّباً، فالمقصود من الأجلين:

١٣٨
الُ (٧) - الْأَنْتُ: ١/٦-٣
أجل الدنيا والإنسان، وأجل القيامة. قال تعالى عن الأول: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ
لَا يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١/١٦].
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢/٦] أي بالرغم من قيام الدلائل على التوحيد
والبعث، تشكّون أيها الكفار في خلقكم مرة ثانية أي في البعث وأمر الساعة،
علماً بأنه تعالى ابتدأ خلقكم من طين، وتكاثرت الذرية، فجعل أصل الإنسان
نطفة من ماء مهين وأودعه في قرار مكين، وهيأ له فيه ظروف الحياة، وجعله
يتنفس ويتغذى بدم الحيض، ولو تنفس بالهواء العادي أو أكل غير الدم لمات.
ومن قدر على الابتداء، فهو على الإعادة أقدر.
وأقام الله تعالى دليلاً آخر على وجوده ووحدانيته، فقال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِى
السَّمَوَتِ وَفِىِ الْأَرْضِّ﴾ أي أنه المدعو الله، القائم في السماوات والأرض
المعبود فيها، المعروف بالألوهية، يعبده ويوحده كل من في السماوات ومن في
الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه رغباً ورهباً إلا من كفر من الجن والإنس،
أي أنه المتصف بهذه الصفات المعروفة، المعترف له بها في السماوات
والأرض، ونظير هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِى السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِى الْأَرْضِ إِلَّهُ.
[الزخرف: ٨٤/٤٣] أي هو إله من في السماء، وإله من في الأرض.
﴿ يَعْلَمُ سِزَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ تأكيد وتقرير لما قبله، يعلم السر والجهر، ويستوي في
علمه الخفاء والعلانية، فهو خبر بعد خبر وصفة بعد صفة، أو حال. وقيل:
المراد أنه الله الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض من سر وجهر،
فيكون قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿فِي السَّمَوَتِ وَفِىِ الْأَرْضِّ﴾ تقديره: وهو
الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض، ويعلم ما تكسبون.
واختار الطبري قولاً ثالثاً: أن قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ﴾ وقف تام، ثم
استأنف الخبر فقال: ﴿وَفِىِ الْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَّكُمْ﴾.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ أي يعلم جميع أعمالكم خيرها وشرها، ويجازيكم
عليها.

١٣٩
الُ (٧) - الْأَنْفَظُل: ١/٦-٣
فقه الحياة أو الأحكام:
المقصود من هذه الآيات إيراد الدلائل على وجود الله ووحدانية الصانع؛
لأن تقدير السماوات والأرض بمقادير مخصوصة، لا يمكن حصوله إلا
بتخصيص الفاعل المختار، وهو الله.
ويستنبط من الآيات ما يلي:
اً - الله تعالى هو المستحق لجميع أنواع المحامد على نعمه الكثيرة التي لا
تعد ولا تحصى.
أَ - إثبات الألوهية؛ لأن الحمد كله لله فلا شريك له.
٣ - إقامة الأدلة على قدرة الله تعالى وعلمه وإرادته، بإخباره عن خلق
السماوات والأرض، أي الإيجاد والاختراع والإنشاء والإبداع، والخلق
يكون بمعنى الاختراع، ويكون بمعنى التقدير، وكلاهما مراد هنا، وذلك
دليل على حدوثهما؛ فإنه تعالى رفع السماء بغير عمد، وجعلها مستوية من
غير عوج، وجعل فيها الشمس والقمر آيتين، وزينها بالنجوم، وأودعها
السحاب والغيوم علامتين؛ وبسط الأرض وأودعها الأرزاق والنبات، وبثَّ
فيها من كل دابة، وجعل فيها الجبالَ أوتاداً، وسبلاً فجاجاً، وأجرى فيها
الأنهار وشقَّ البحار، وفَجَّر فيها العيون والآبار من الأحجار، كل ذلك دالّ
على وحدانيته وعظيم قدرته.
وأتبع خلق الجواهر والذوات بخلق الأعراض والمستلزمات، وهي جعل
الظلمات.
٤ - الكفار جاحدون نعمة الله عليهم، فبالرغم من أن الله وحده خلق هذه
الأشياء، يجعلون الله عَدْلاً وشريكاً. والتعبير بـ ((ثم)) دليل على قبح فعل
الكافرين؛ لأن معنى الآية: أن خلقه السماوات والأرض قد تقرر، وآياته قد
سطعت، وإنعامه بذلك قد تبيَّن، ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم.

١٤٠
الجُرُ (٧) - الْأَنْفَظُ: ١/٦-٣
2
- ابتداء خلق الإنسان من طين؛ لأن المراد من قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن
طِينٍ﴾ آدم عليه السلام، والْخَلْق نسله، والفرع يضاف إلى أصله.
وفي إيراد خلق الإنسان بعد خلق السماوات والأرض: بيان خلق العالم
الكبير بعد خلق العالم الصغير وهو الإنسان، وجعل فيه ما في العالم الكبير.
وعلى هذا يكون كل إنسان مخلوقاً من طين وماء مهين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلََةٍ مِّن طِينٍ ﴿٤ ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ
[المؤمنون: ١٢/٢٣ - ١٣].
٤ - حدَّد الله تعالى أجل الدنيا وأجل القيامة، وأجل الإنسان بالموت
والبعث، فلا يعلم الإنسان متى يموت، ومتى يبعث. فالمراد من قوله: ﴿ثُمَّ
قَضَّ أَجَلَاً﴾ أي حكم أجلاً وهو أجل الدنيا أو الموت، وقوله: ﴿وَأَجُلٌ مُسَمِّى
عِندَهُ﴾ أجل ابتداء القيامة والآخرة.
٧ - الله المعظم وهو المعبود في السماوات وفي الأرض، وهو المنفرد
بالتدبير فيهما، وهو الذي يعلم سرّ العباد وجهرهم في السماوات وفي
الأرض، فلا يخفى عليه شيء. وكل ذلك مع مراعاة القاعدة: وهي تنزيهه جلّ
وعزّ عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة.
والله يعلم ما يكسبه كل إنسان من خير أو شر، والكسب: الفعل
لاجتلاب نفع أو دفع ضرر، ولهذا لا يقال لفعل الله: كسب.