النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
الُ (٧) - المائدة: ١٠٦/٥-١٠٨
على أهله، فدفعا متاعه، ففتح أهله متاعه، فوجدوا كتابه وعهده وما خرج
به، وفقدوا شيئاً فسألوهما عنه، فقالوا: هذا الذي قبضنا له ودفع إلينا.
فقالوا لهما: هذا كتابه بيده، قالوا: ما كتمنا له شيئاً، فترافعوا إلى النبي
وَّ، فنزلت هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا إِذَا
لَّمِنَ الْأَثِمِينَ﴾
فأمر رسول الله و هو أن يستحلفوهما في دبر صلاة العصر: بالله الذي لا إله
إلا هو، ماقبضنا غير هذا ولا كتمنا، فمكثا ماشاء الله أن يمكثا، ثم ظهر
معهما إناء من فضة منقوش مموَّه بالذهب، فقال أهله: هذا من متاعه، قالا :
نعم، ولكنا اشتريناه منه ونسينا أن نذكره حين حلفنا، فكرهنا أن نكذب
نفوسنا، فترافعوا إلى النبي ◌َِّ فنزلت الآية: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَ أَنَّهُمَا أُسْتَحَقًّا
إِثْمًا﴾ فأمر النبي وَّه رجلين من أهل البيت أن يحلفا على ماكتَمَا وغيَّبا
ويستحقانه.
ثم إن تميماً الداري أسلم وبايع النبي وَ ل﴿ وكان يقول: صدق الله ورسوله،
أنا أخذت الإناء(١).
والخلاصة: اتفق المفسرون على أن سبب نزول هذه الآية هو تميم الداري
وأخوه عدي النصرانيان حين خرجا إلى الشام للتجارة ومعهما بُدَيل بن أبي
مريم من بني سهم مولى عمرو بن العاص، وكان مسلماً مهاجراً.
المناسبة:
حكم سبحانه في الآية السابقة أن المرجع والمصير إليه بعد الموت، وأنه
يحاسب الناس ويجازيهم على أعمالهم يوم القيامة، فناسب أن يذكر ما تتطلبه
الوصية قبل الموت من إشهاد، حفاظاً عليها وإثباتاً لها لتنفيذها.
(١) تفسير الطبري: ٧٥/٧

١٠٢
الزُ (٧) - المَائِدَة: ١٠٦/٥-١٠٨
التفسير والبيان:
يامن صدقتم بالله ورسوله، ليُشهد المحتضر على وصيته اثنين عدلين من
الرجال المسلمين، فقوله ﴿مِّنكُمْ﴾ أي من المؤمنين وقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
اَلْمَوْتُ﴾ أي اقترب منه وظهرت أمارات الموت، أو يشهد للضرورة اثنين
آخرين من غير المؤمنين في حال السفر، وذلك يدل على تأكيد الوصية
والإشهاد عليها.
وهناك في الكلام حذف تقديره: إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم
مصيبة الموت، فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم، ودفعتم إليهما مامعكم من
المال، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة، فارتابوا في أمرهما، وادعوا عليهما
خيانة، فالحكم أن تحبسوهما بعد الصلاة.
ووقت الشهادة: بعد صلاة العصر؛ لأنها كانت معهودة للتحليف عندها
وكان ذلك وقت القضاء وفصل الدعاوى، وكونها عقب الصلاة للتغليظ
والتهويل؛ لقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوْةِ﴾ أي تقفونهما
وتستوثقون منهما وتقدمونهما للحلف بعد العصر، كما فعل النبي ◌َّ مع تميم
وأخيه. وروي عن ابن عباس أن الشاهدين إذا كانا غير مسلمين، فالمراد
بالصلاة: صلاة أهل دينهما. ورجح الطبري أنها صلاة بعينها من صلوات
المسلمين؛ لأن الله تعالى عرّف هذه الصلاة بالألف واللام، ولا يكون ذلك
عند العرب إلا في معروف إما في جنسه أو عينه، وأما اليهود والنصارى فلهم
صلوات عديدة غير واحدة، فيكون معلوماً أنها المعنية بذلك في عرف القضاء
والناس.
وإن شككتم في صدق الشاهدين وإقرارهما فيحلفان بقولهما: لا نشتري
بيمين الله عوضاً نأخذه من الدنيا بأن تحلف به كذباً، والمراد بالثمن عند
الأكثرين: المثمون وضمير ﴿بِهِ﴾ يعود إلى القسم المفهوم من ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾

١٠٣
الُرعُ (٧) - المَائِدَة: ١٠٦/٥-١٠٨
والمعنى: لا نستبدل بصدق القسم بالله وصحته عرضاً من الدنيا، ولو كان
المقْسَم له أو المشهود له من أقاربنا، أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال، ولو
كان من نقسم له قريباً منا، على معنى أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم
أبداً، وأنهم داخلون تحت قوله تعالى: ﴿كُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ
عَلَىَّ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَاُلْأَقْرَبِينٌ﴾(١). أما الأمين فيصدق بلا يمين.
والخلاصة: أن يحلف الشاهد بأن يقول الحق، ويشهد بالعدل، ولا يتأثر
بعوض مالي يأخذه عوضاً عن يمينه، ولا بمراعاة قريب له إن كانت الشهادة
له . ﴿ وَلَا نَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ﴾ أي ويقولون في يمينهما أيضاً: لا نكتم الشهادة
التي أوجبها الله وأمر بحفظها وإظهارها من وقت التحمل إلى الأداء، كما
قال: ﴿ وَأَقِيمُوْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ﴾ فإنا إن فعلنا ذلك، واشترينا بالقسم ثمناً أي
عوضاً أو راعينا به قريباً، أو كتمنا شهادة الله، كنّا من العاصين المتحملين إثماً
كبيراً نعاقب عليه.
﴿ فَإِنّ عُثِرَ﴾ أي اطلع على أمارة كذبهما أو خيانتهما وكتمانهما وأنهما فعلا
ما أوجب الإثم، فترد اليمين إلى الورثة، فيحلف رجلان يقومان مقام
الشاهدين، الأوليان بالميت أي من أقاربه الذين هم أحق بالإرث إن لم يوجد
مانع شرعي، فيحلفان بالله لشهادتنا أي يميننا أحق وأصدق من أيمانهما، وما
اعتدينا في طلب هذا المال وفي الحكم على الشاهدين بالخيانة، إنا إذا اعتدينا
أو خوناهما وهما ليسا بخائنين لمن الظالمين، أي المبطلين الكاذبين. فالمراد
بقوله: ﴿لَشَهَدَنْنَآ﴾ اليمين، كما قال تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتِ
بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦/٢٤]، والمراد بقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ﴾ أي من
الذين استحقت عليهم الوصية أو استحق عليهم الإيصاء، والأوليان بالميت:
الأقربان منه.
(١) الكشاف: ٤٨٨/١

١٠٤
الجُرُ (٧) - المثائِدَة: ١٠٦/٥-١٠٨
وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي
نزلت لها.
وحكمة تشريع هذه الشهادة وهذه الأيمان: هي مطابقة الشهادة واليمين
للواقع، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَ﴾ أي أقرب أن يؤدي الشهداء الشهادة على
وجهها الحقيقي بلا تبديل ولا تغيير، خوفاً من عذاب الله، وهذه حكمة
تغليظ الشهادة بكونها بعد العصر، أو خوفاً من ردّ اليمين على الورثة، وفي
ذلك الخزي والفضيحة بين الناس، فيظهر كذبهم بين الناس، فيكون الخوف
من عذاب الله أو من ردّ اليمين مدعاة الصدق والبعد عن الخيانة.
ثم طوَّق الله هذا التشديد على صدق الشهادة بباعث ذاتي دائم وهو تقوى
الله: ﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُواْ﴾ أي راقبوا الله واحذروا عقابه في أيمانكم أن تحلفوا
بها كاذبة وأن تأخذوا مالاً عليها وأن تخونوا من ائتمنكم، واسمعوا سماع تدبر
وقبول لهذه الأحكام واعملوا بها، وإلا كنتم من الفاسقين: المتمردين
الخارجين عن دائرة حكم الله وشرعه، المطرودين من هدايته، المستحقين
لعقابه، والله لا يوفق من فسق عن أمر ربه فخالفه وأطاع الشيطان.
فقه الحياة أو الأحكام:
أكثر المفسرين - كما قال الطبري - على أن هذه الآية محكمة غير منسوخة،
ومن ادعى النسخ فعليه البيان، ثم صوَّب الطبري القول بالنسخ؛ لأن المعمول
به بين أهل الإسلام قديماً منذ بعثة النبي محمد بَ له وما بعد ذلك: أن إثبات
الحق يكون إما ببينة المدعي أو بيمين المدعى عليه إذا لم يكن للمدعي بينة
تصحح دعواه، وأن من ادعى سلعة في يده أنها له اشتراها من المدعي: القول
قول المدعي بيمينه، إذا لم يكن لمن هي في يده بيِّنة تثبت مدعاه(١).
(١) تفسير الطبري: ٨١/٧

١٠٥
لُ (٧) - الَائِدَة: ١٠٦/٥-١٠٨
وقد استنبط العلماء من هذه الآيات الثلاث ما يأتي من الأحكام:
اً - الحض على الوصية والاهتمام بأمرها في السفر والحضر.
أَ - الإشهاد عليها لإثباتها وتنفيذها.
٣ - الأصل كون الشاهدين مسلمين عدلين.
٤ - جواز شهادة غير المسلم على المسلم للضرورة أو الحاجة. وقد اختلف
العلماء في هذا الحكم، فقال الجمهور من الفقهاء: قوله سبحانه: ﴿أَوْ ءَآخَرَانِ
مِنْ غَيْرِكِمْ﴾ منسوخ؛ لقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢/
٢٨٢]، وقوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢/٦٥] أي من المؤمنين
كما هو الظاهر وآية الدين التي فيها: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ﴾ من آخر ما نزل، فهي
ناسخة لما ذكر هنا، ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة، فجازت في الماضي
شهادة أهل الكتاب، أما اليوم فوجد المسلمون في كل مكان، فسقطت شهادة
الكفار، وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفسّاق لا تجوز، والكفار فسّاق
فلا تجوز شهادتهم، فلا تجوز شهادة الكفار على المسلمين، ولا على بعضهم
بعضاً، للأدلة السابـ
وقال أبو حنيفة: تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض، ولا تجوز على
المسلمين؛ لأن آيات الشهادة بحسب السياق في كلها هي في الكلام عن
المسلمين، وأما فيما بينهم فتقبل شهادتهم لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ
مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِةٍ إِلَيَّكَ﴾ [آل عمران: ٧٥/٣] فأخبر أن منهم الأمين على
مثل هذا القدر من المال، فيكون أميناً على قرابته وأهل ملته بالأولى. ولقوله
تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ﴾ [الأنفال: ٧٣/٨] فأثبت لهم الولاية
بعضهم على بعض، وهي أعلى رتبة من الشهادة. ولما روي عن جابر بن
عبد الله رضي الله عنهما أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله وَّيه برجل منهم
وامرأة زنيا، فقال رسول الله وَ لقوله: ((ائتوني بأربعة منكم يشهدون)).
٢

١٠٦
لُعُ (٧) - القَائِدَة: ١٠٦/٥-١٠٨
ثم إن أهل الذمة يتعاملون فيما بينهم بالبيع والإجارة والمداينة، وتقع بينهم
الجنايات والاعتداءات، ولا يكون لهم شهداء إلا من أنفسهم، ويتخاصمون
إلى قضاة المسلمين، فإذا لم يحكم بينهم بشهودهم المرضيين عندهم، ضاعت
حقوقهم، ووقع الظلم والفساد، فالحاجة ماسة إلى قبول شهادتهم بعضهم على
بعض.
هذا هو الأرجح والمقبول عملياً. وكذلك في شهادة الكفار على المسلمين
يؤخذ بقول الإمام أحمد: تجوز للضرورة حيث لا يوجد مسلم كالسفر؛ لقوله
تعالى: ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمُ ضَرَبْتُمْ فِى الْأَرْضِ﴾ قال ابن تيمية: وقول
الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضوع: هو ضرورة، يقتضي قبولها في
كل ضرورة، حضراً وسفراً. ولو قيل: تقبل شهادتهم مع أيمانهم في كل شيء
عدم فيه المسلمون، لكان له وجه؛ إذ قد يقرب أجل المسلم في الغربة، ولا
يجد مسلماً يشهده على نفسه، وربما وجبت عليه زكوات وكفارات، وربما
كان عنده ودائع أوديون في ذمته، فإذا لم يشهد غير المسلمين ضاعت عليه
مهماته ومصالحه.
٥ - وآية ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ أصل في حبس من وجب عليه حق؛ لأن التوثق
- للحقوق المالية إما بالرهن وإما بالكفالة، فإن تعذرا جميعاً لم يبق إلا التوثق
بالحبس حتى يحمله السجن على الوفاء بالحق، أو يتبين أنه معسر.
أما التوثق للحق البدني الذي لا يقبل البدل كالحدود والقصاص، فلا
يمكن إلا بالسجن، روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن تَهْز بن حكيم عن
أبيه عن جده أن النبي وَالر حبس رجلاً في تهمة. وروى أبو داود عن عمرو بن
الشَّرِيد عن أبيه عن رسول الله وََّ قال: ((لَيُّ الواجدِ يحلّ عِرْضه وعقوبته)»
عرضه: يعزر بالتوبيخ، وعقوبته: حبسه.
٩ - دل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَوةِ﴾ على مشروعية اختيار الوقت الذي

١٠٧
لُعُ (٧) - المَائِدَة: ١٠٦/٥-١٠٨
يؤثر في نفوس الشهود حالفي الأيمان رجاء أن يصدقوا في كلامهم. قال أكثر
العلماء: يريد بالآية بعد صلاة العصر؛ لأن أهل الأديان يعظمون ذلك
الوقت، ويتجنبون فيه الكذب واليمين الكاذبة. جاء في الحديث الصحيح:
((من حلف على يمين كاذبة بعد العصر، لقي الله، وهو عليه غضبان)).
لاً - الآية أصل في التغليظ في الأيمان، بأن يقول الحالف ما يرجى أن يكون
رادعاً له عن الكذب.
والتغليظ يكون بأربعة أشياء:
أ - الزمان كما هو مذكور في الآية.
ب - المكان: كالمسجد والمنبر، خلافاً للبخاري والحنفية حيث يقولون: لا
يجب استحلاف أحد عند منبر النبي وَّل، ولا بين الركن والمقام لا في قليل
الأشياء ولا في کثیرها.
وقال مالك والشافعي: أيمان القسامة بين الركن والمقام في مكة لمن كان
فيها أو في توابعها، وعند المنبر النبوي لمن كان في المدينة وتوابعها. وتغلظ
الأيمان في الدماء والطلاق والعتاق في رأي الشافعي.
جـ - الحال: ذكر مُطَرِّف وابن الماجشون وبعض الشافعية: أنه يحلف قائماً
مستقبل القبلة؛ لأن ذلك أبلغ في الردع والزجر. وقال ابن كنانة: يحلف
جالساً.
د - التغليظ باللفظ: قالت طائفة: يحلف بالله لا يزيد عليه؛ لقوله تعالى:
فَيُقْسِمَانِ بِالَّهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِى وَرَبِّ﴾ وقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ
أَصْنَنَكُ﴾.
وقال مالك: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندي حق، وما ادّعاه

١٠٨
الجُرُ (٧) - المَائِدَة: ١٠٦/٥-١٠٨
علي باطل، لما رواه أبو داود عن ابن عباس أن النبي ◌َّ قال لرجل حلَّفه:
((احلف بالله الذي لا إله إلا هو، ما له عندك شيء)) يعني للمدعي.
وقال الحنفية: يحلف بالله لا غير، فإن اتهمه القاضي، غلظ عليه اليمين؛
فيحلفه ((بالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم الذي
يعلم من السر مايعلم من العلانية، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي
الصدور)).
وزاد الشافعية: التغليظ بالمصحف. وقال أحمد: لا يكره ذلك.
٨ - قدر المال الذي يحلف به: قال مالك: لا تكون اليمين في أقل من
ثلاثة دراهم، قياساً على حد القطع في السرقة. وقال الشافعي: لا تكون
اليمين في ذلك في أقل من عشرين ديناراً قياساً على الزكاة، وكذلك عند منبر
كل مسجد.
ـة - الأصل قبول أخبار الشهود وتصديقهم دون يمين لقول الله تعالى:
﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ وشرط في تحليف الشاهدين الارتياب في
خبرهما، فإذا لم يكن الشاهدان عدلين وارتاب الحاكم بقولهما حلَّفهما، بدليل
قوله تعالى: ﴿إِنِ أَرْتَّبْتُمْ﴾ ومتى لم يقع ريب فلا يمين. وأصبح تحليف الشهود
السمة العامة في المحاكم الحالية. وسبب الريبة في الآية: هو الاحتياط؛ لقبول
شهادة الكافر بدلاً عن شهادة المسلم للضرورة. وقد حلف ابن عباس المرأة
التي شهدت بالرضاع.
١٠ - تجيز الآية شهادة المدعين لأنفسهم واستحقاقهم بمجرد أيمانهم:
وهذا مخالف للمقرر في الشريعة: أن البينة على من ادعى، واليمين على من
أنكر. وهو محض العدل، وقد أجاب الجمهور بأن حكم الآية هذا منسوخ.
وأما جواب القائلين بأن الآية محكمة غير منسوخة: فهو قبول يمين المدعي

١٠٩
الجُ (٧) - المَائِدَةِ: ١٠٩/٥
بسبب العثور على خيانة المدعى عليه واستحقاقه الإثم، وهذا موافق للأصول
حيث يتقوى جانب المدعي بالشاهد، أو بنكول خصمه عن اليمين، أو قوة
جانبه باللوث (القرينة على القتل)، أو قوة جانبه بشهادة العرف في تداعي
الزوجين، ومنها العثور على الخيانة، فإن اليمين تكون بجانب أقوى المتداعيين
شبهة.
١١ - الآية تدل على مشروعية اليمين المردودة، أي رد اليمين من المدعى
عليه إلى المدعي.
١٢ - أولى الورثة المدعين بقبول اليمين منهم فيما يتعلق بالتركة: أقربهم إلى
الميت؛ لقوله تعالى: ﴿لَشَهَدَنْنَآ أَحَقُّ مِن شَهَدَتِهِمَا﴾ أي يميننا أحق من
يمينهما. وهذا يدل على أن الشهادة يصح أن تكون بمعنى اليمين، مثل قوله
تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ﴾ [النور: ٦/٢٤].
سؤال الرسل يوم القيامة عن أثر دعوتهم
(﴿﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُحِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ
(١٠٩
عَلَّمُ اُلْغُيُوبِ
القراءات:
﴿اَلْغُيُوبِ﴾ :
وقرأ حمزة (الغِيوب).
المفردات اللغوية:
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ هو يوم القيامة. ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي يقول
لهم توبيخاً لقومهم: ما الذي أجبتم به حين دعوتم إلى التوحيد. ﴿عَلَّهُ

١١٠
الْجُرُ (٧) - القَائِدَة: ١٠٩/٥
اُلْغُيُوبِ﴾ ما غاب عن العباد وذهب عنهم علمه لشدة هول يوم القيامة
وفزعهم.
المناسبة:
الآية استمرار في التهديد والتخويف والزجر، فبعد أن أمر الله بالتقوى،
وحذَّر من إخفاء شيء من الوصية أو غيرها، أعقب ذلك بالتحذير من
الحساب يوم القيامة، أي اتقوا الله واذكروا دائماً يوم يجمع الله الرسل. وعادة
القرآن أنه إذا ذكر أنواعاً كثيرة من الشرائع والأحكام والتكاليف، كما ذكر
هنا، أتبعها إما بالإلهيات، وإما بشرح أحوال الأنبياء، أو بشرح أحوال
القيامة، ليؤكد ما تقدم، وهنا أتبع الشرائع بوصف أحوال القيامة، ثم ذكر في
الآية بعدها أحوال عيسى.
التفسير والبيان:
اذكر أيها الرسول يوم يجمع الله الرسل يوم القيامة، فيقول لهم على سبيل
التوبيخ والتأنيب لأممهم، ويسألهم عما أجيبوا به من أممهم، يسألهم عن
نوع الإجابة، أهي إجابة إيمان وإقرار، أم إجابة إنكار وإعراض؟ وذلك كما
قال تعالى: ﴿فَلَنَسْعَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
(٥) عَمَّا كَانُواْ
[الأعراف: ٦/٧] وقال سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
)﴾ [الحجر: ٩٢/١٥-٩٣] وهذا سؤال للطرفين: للرسل وللمرسل
يَعْمَلُونَ
إليهم.
@ [التكوير: ٨١/
بِأَمِّ ذَنْبٍ قُئِلَتْ
٨
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ
٨-٩] وهذا سؤال للشاهد دون المتهم للتوبيخ وإنكار الفعل.
وذلك يختلف باختلاف مواقف القيامة وأحوالها، فبعضها يسأل الله الرسل
للشهادة على أممهم، وبعضها يسأل الأمم، وقد يسأل الخصم وقد يسأل
الشهود، وقد يسأل الفريقان.

١١١
الُعُ (٧) - المَائِدَة: ١٠٩/٥
ويسألهم أيضاً: ماذا عملوا بعدكم وما أحدثوا بعدكم؟ فأجابوا قائلين
للربّ عز وجل: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا، بطريق التأدب مع الله
جلَّ جلاله، أي لا علم لنا بالنسبة لعلمك المحيط بكل شيء، العليم بكل
شيء، المطلع على كل شيء، فعلمنا بالنسبة إلى علمك كعدم العلم، إنك أنت
علام الغيوب، أي ما غاب عن الناس وذهب عنهم لشدة هول يوم القيامة،
أو لسعة علم الله بظواهر الأمور وبواطنها.
وبهذا يجمع بين الرأيين في تفسير الآية وتوضيح الجواب، وهما ما يأتي:
الأول - يراد به نقصان علمهم بالنسبة إلى علم الله تعالى، وهذا رأي ابن
عباس، وهو الأصح، قالوا: لا علم لنا؛ لأنك تعلم ما أظهروا وما
أضمروا، ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا، فعلمك فيهم أنفذ من علمنا.
الثاني - انعدام علمهم بسبب ما يتعرضون له من هول ذلك اليوم وفزعهم
ويذهلون عن الجواب. وهذا رأي الحسن البصري ومجاهد والسُّدِّي، جاء في
الخبر: ((إن جهنم إذا جيء بها زَفَرت زفرة، فلا یبقی نبي ولا صِدّیق إلا جثا
لركبتيه)) وقال رَ ير: ((خوفني جبريل يوم القيامة حتى أبكاني، فقلت: يا
جبريل، ألم يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر؟ فقال لي: يا محمد: لتشهدنّ
من هَوْل ذلك اليوم ما ينسيك المغفرة)).
فقه الحياة أو الأحكام:
الثابت في القرآن الكريم أن الله تعالى يسأل الرسل عن القيام بواجبهم في
التبليغ، ويسأل أقوامهم عن مدى إجابتهم دعوة الرسل ونوع الإجابة أهي
إجابة إقرار أم إجابة إنكار؟
والله في هذه الآية يوجِّه السؤال للأنبياء بقوله مثلاً: ماذا أُجِبتم في السرّ
والعلانية؟ ليكون هذا توبيخاً للكفار، فيقولون أي الرسل على سبيل النفي
الحقيقي: لا علم لنا، فيكون هذا تكذيباً لمن اتخذ المسيح إلهاً.

١١٢
المُعْ (٧) - المَائِدَة: ١١٠/٥-١١١
وقال ابن جريج: معنى قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾: ماذا عملوا بعدكم؟
قالوا: لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب.
قال الماوردي: فإن قيل: فلِمَ سألهم عما هو أعلم به منهم؟ فعنه جوابان:
أحدهما - أنه سألهم ليعلّمهم - أي الرسل - ما لم يعلموا من كفر أممهم
ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم. الثاني - أنه أراد أن يفضحهم - أي
أقوامهم - بذلك على رؤوس الأشهاد، ليكون ذلك نوعاً من العقوبة لهم.
ودلت الآية كما قال الرازي على جواز إطلاق لفظ (العلام) على الله، كما
جاز إطلاق لفظ (الخلاق) عليه. أما (العلامة) فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز
إطلاقها في حقه، ولعل السبب ما فيه من لفظ التأنيث.
التذكير بمعجزات عيسى عليه السلام
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَ أَذْكُرْ نِعْمَتِ عَلَيْكَ وَعَلَى وَلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدَتُكَ
بِرُوجِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِىِ الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ
وَالتَّوْرَةَ وَالْإِنِيلُ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُغُ فِيهَا فَتَكُونُ
طَيْرًا بِإِذْنِى وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِّ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْنَى بِإِذْنِى وَإِذْ
كَفَفْتُ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيْنَتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنّ
هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُبِيرٌ ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبْ عِنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِ وَبِرَسُولِ
قَالُواْ ءَامَنَا وَأَشْهَدْ بِأَنََّاَ مُسْلِمُونَ
القراءات:
﴿فَتَكُونُ طَيْرًّا﴾:
وقرأ نافع: (فتكون طائراً).

١١٣
الُ (٧) - المثائِدَة: ١١٠/٥-١١١
جِئْتَهُم﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (جيْتَهم).
﴿سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾:
وقرأ حمزة والكسائي (ساحر مبين).
الإعراب:
في ضمير ﴿فَتَنْفُغُ فِيهَا﴾ وجهان: أحدهما - أن يعود على الهيئة، وهي
مصدر في معنى ((الْمُهَيَّأ)) لأن النّفخ إنما يكون في المهيأ لا في الهيئة. والثاني - أن
يعود على الطير؛ لأنها تؤنث.
ومن قرأ (طائراً) جاز أن يكون جمعاً كالباقر والحامل، فيؤنث الضمير في
﴿فِيهَا﴾ لأنه يرجع إلى معنى الجماعة.
المفردات اللغوية:
﴿ أَيَّدَتُكَ﴾ قويتك. ﴿بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾ جبريل عليه السّلام الذي يؤيّد به
الله رُسُله بالتّعليم الإلهي والتّثبيت في مواطن الضّعف التي قد يتعرّض البشر
لها . ﴿فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ في حالتي الطّفولة والكهولة أو الضعف والقوة.
﴿ اَلْكِتَبَ﴾ كل ما يكتب. ﴿وَاَلْحِكْمَةَ﴾ العلم النافع. ﴿ وَالتَّوْرَدَةَ﴾ الكتاب
الذي أنزله الله على موسى، وفيه الشرائع والأحكام . ﴿وَالْإِنِيلَ﴾ الكتاب
الذي أنزله الله على عيسى، وفيه المواعظ والأخلاق.
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ﴾ تجعل الشيء بمقدار معين بإذن الله وإرادته، ويستعمل الخلق
في إيجاد الله الأشياء بتقدير معين في علمه . ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ كصورته،
والكاف: اسم بمعنى مثل، مفعول به. ﴿بِإِذْنِ﴾ بإرادتي. ﴿اَلْأَكْمَهَ﴾ من
ولد أعمى، وقد يطلق أيضاً على من طرأ له العمى بعد الولادة. ﴿ وَاُلْأَبْرَصَ﴾

١١٤
لُ (٧) - القَائِدَة: ١١٠/٥-١١١
البرص: بياض بقع في الجسد لعلّة مرضية. ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ
عَنكَ﴾ حين هموا بقتلك. ﴿إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ المعجزات. ﴿سِحْرٌ﴾
السِّحر: هو تمويه وتخييل، به يرى الإنسان الشيء على غير حقيقته.
﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِّينَ﴾ أمرتهم على لسانه، والحواريون: خلصاء
عيسى وصحبه المخلصون. ﴿أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِ﴾ أي عيسى.
المناسبة:
"كان المقصود من قوله تعالى للرُّسُل: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ توبيخ من تمرّد من
أُممهم، وأشدّ الأُمم حاجة إلى التّوبيخ واللّوم: النّصارى الذين أَُّوا عيسى
عليه السّلام؛ لأن طعن سائر الأمم كان مقصوراً على الأنبياء، وأما النَّصارى
فتعدّى طعنهم إلى جلال الله وكبريائه حيث وصفوه بما لا يليق بعاقل أن
يصف الإله به، وهو اتّخاذ الزّوجة والولد، لذا كانت هذه الآيات مذكّرة
بأنواع النِّعم على عيسى عليه السّلام، وهي بالتالي معجزات أيَّده الله بها
لإظهار صدقه، كما أيَّد سائر الأنبياء بالمعجزات، والمقصود منه: توبيخ
النّصارى وتقريعهم على سوء مقالتهم، فإنّ كل واحدة من تلك النِّعم تدلّ على
أنّ عيسى بشر عبد الله وليس بإله.
التّفسير والبيان:
الآيات تذكير بالنِّعم والمعجزات الباهرات وخوارق العادات التي أجراها
الله على يدي عيسى عليه السّلام بإرادة قاطعة من الله وحده.
اذكر يا عيسى نعمتي عليك في خلقي إيَّاك من أُم بلا أب، وجعلي إِيَّاك آية
ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء.
ونعمتي على والدتك حيث جعلتك لها برهاناً على براءتها مما نسبه الظالمون
والجاهلون إليها من الفاحشة، إذ أنطقتك في المهد فشهدت ببراءة أُمّك.

١١٥
اِلُعُ (٧) - الَائِدَة: ١١٠/٥-١١١
وأيَّدتك بروح القُدُس وهو في الأصحّ جبريل عليه السّلام، وجعلتك نبيّاً
داعياً إلى الله في صغرك وكبرك.
و ﴿تُكِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي تدعو إلى الله الناس في صغرك
وكبرك، وتبرئ أُمك من كل عيب وتهمة من الظلمة: ﴿عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَنِىَ الْكِتَبَ
وَجَعَلَنِى نَبِيًّا، وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا﴾ [مريم: ٣٠/١٩-٣١].
﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي الخط والفهم، فتقرأ الكتب وتفهم
ما فيها من العلم النافع لك في الدِّين والدُّنيا. والحكمة تشمل العلوم النظرية
والعلوم العملية. وعلّمتك التّوراة: (وهي المنزلة على موسى بن عمران كليم
الله) والإنجيل (وهو ما أوحيته إليك من المواعظ والحِكَم). وذكر هذين
الكتابين بعد ذكر الكتب للتشريف والتعظيم.
وإذ تصنع الطيور، بأن تصوّر من الطّين وتشكِّل على هيئة الطائر، بإذني
وإرادتي لك في ذلك، ثم تنفخ فيها أي في تلك الصورة التي شكَّلتها، فتكون
طيراً بإذني لك في ذلك، وهو طائر ذو روح يطير بإذن الله وخلقه، فأنت تفعل
التقدير والنفخ والله هو الذي يكوِّن الطَّر. ولم يكن ذلك مطلقاً، وإنما في
حالات فردية معدودة لا تقع إلا بإرادة الله.
وتبرئ الأكمه الذي ولد أعمى، وتشفي الأبرص من المرض الجلدي،
وتحيي الموتى، وكل ذلك بإذني وأمري، فأنت تدعوهم من قبورهم، فيقومون
أحياء بإذن الله وقدرته وإرادته ومشيئته.
وكففت عنك بني إسرائيل حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على
نبوّتك ورسالتك من الله، فكذّبوك واتَهموك بأنك ساحر، وهموا بقتلك
وصلبك، فنجّيتك منهم، ورفعتك إلي، وكفيتك شرّهم.
وقد عبَّر تعالى عن كل تلك النّعم التي امتن الله بها على عيسى بصيغة الماضي
للدّلالة على وقوعه.

١١٦
١
لُزُ (٧) - المَائِدَة: ١١٠/٥-١١١
وإذ ألهمت الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي عيسى، فجعلت لك أصحاباً
وأنصاراً، فقالوا: آمنًا بالله وبرسوله، أي أُلهموا ذلك فامتثلوا ما أُلهموا،
واشهد بأنّا مسلمون منقادون لله سرّاً وعلانية.
ويلاحظ أن الوحي قد يأتي بمعنى الإلهام كما تقدّم بيانه، كما قال تعالى:
﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَّةِ﴾ [القصص: ٧/٢٨] وهو وحي إلهام بلا
خلاف، وكما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ أَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾
[النحل: ٦٨/١٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
إن تذكير عيسى بنعمة الله عليه وعلى والدته، وإن كان لهما متذكراً لأمرين:
أحدهما - ليتلو على الأُمم ما خصّهما به من الكرامة، وميَّزهما به من علو
المنزلة. والثاني - لیؤگّد به حجّته، ویردّ به جاحده.
ثم عدَّد تعالى نعمه على عيسى عليه السّلام وهي ثمان، منها معجزات أيَّده
الله بها: وهي الكلام في المهد، وخلق الطير، وإبراء الأكمه والأبرص،
وإحياء الموتى، ومنع أذى اليهود عنه، فلم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكن شُبِّه لهم.
والنّعم الثلاث الباقية تستلزمها عادةً النّبوة والرِّسالة: وهي التّأييد والتّقوية
بجبريل روح القدس عليه السّلام، والتّعليم الإلهي بالكتابة والفهم والوحي
وإنزال الإنجيل، ومعرفة ما أنزل على من تقدّمه مثل موسى الكليم عليه
السّلام، وإلهام الحواريين الإيمان بالله وبعيسى عليه السّلام.
وكل هذه المعجزات والآيات البيّنات تدلّ على صدق رسالة عيسى، وكلها
بمراد الله ومشيئته وقدرته.
ولم ينفرد عيسى بالمعجزات الدّالة على صدقه، فهذا هو الشأن المتّبع مع كل
الأنبياء والرُّسل؛ لأن البشر لا يصدّقون عادةً بنبوّة النَّبي إلا بأشياء خارقة

٤
١١٧
لُرُ (٧) - المَائِدَة: ١١٢/٥-١١٥
للعادة، وهي المسمّاة بالمعجزات، ولكل عصر ما يناسبه من المعجزة، فقد
كان عصر عيسى مزدهراً بالطّب والعلوم والمعارف، فأجرى الله على يديه ما
يفوق الطّب البشري والمعرفة والثقافة البشرية. وكان زمان موسى فيه السّحر
والشّعوذة فأيَّده الله تعالى بما يفوق سحر السَّحرة، باليد والعصا وفلق البحر
وتفجير الماء من الحجر ينابيع هي اثنتا عشرة عيناً بعدد الأسباط (قبائل بني
إسرائيل). وزمان النَّبي محمد ◌َّ اشتهر بالتّفوق البياني في الكلام شعراً ونثراً
وخطابة، فأنزل الله عليه القرآن الكريم مشتملاً على أرفع البيان وأسمى
الفصاحة، وأبلغ البلاغة، فكان إعجاز القرآن البياني معجزة النَّبِي وَّ إلى أبد
الدّهر.
والغرض من إيراد معجزات عيسى عليه السّلام هو كما بيَّنت تنبيه
النّصارى الذين كانوا في وقت نزول هذه الآية على قبح مقالتهم وركاكة
مذهبهم واعتقادهم بتأليه بشر عادي مولود كسائر البشر، يأكل ويشرب
ويقضي حاجته کغيره من الناس.
إنزال المائدة على بني إسرائيل بطلب الحواريين
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا
مَآبِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن ككُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿ قَالُواْ نُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَ
مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيَّهَا مِنَ الشَّهِدِينَ
قَالَ
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الَّهُمَّ رَبَّنَّا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا
وَءَاخِنَا وَءَايَةً مِّنْكٌ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ (١٤) قَالَ اَللَّهُ إِنِ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ
١١۵
يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِّ أُعَذِّبُهُ, عَذَابًا لََّ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ
القراءات:
﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ :

١١٨
لُُ (٧) - القَائِدَة: ١١٢/٥-١١٥
وقرأ الكسائي: (هل تستطيع ربَّك) أي: هل تستطيع سؤال ربك.
مُنَزل
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (يُنْزِل) .
﴿مُنَزِّلُهَا﴾: قرئ:
١- بالتشديد، وهي قراءة نافع، وابن عامر، وعاصم.
٢- مخففاً، وهي قراءة باقي السبعة.
﴿فَإِّ أُعَذِّبُهُ﴾ :
وقرأ نافع: (فإنيَ أعذبه).
الإعراب:
﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ قرئ بالتّاء والنّصب، والتقدير فيه: هل تستطيع
سؤال ربّك، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ
الْقَرْيَةَ الَتِى كُنَّا فِيَهَا وَالْعِيَرَ الَّتِيّ أَقْلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢/١٢] أي: أهل
القرية وأهل العير.
عَلَيْهَا﴾ في موضع الحال.
[لِأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا﴾ بدل من ﴿لَنَا﴾ بتكرار العامل.
المفردات اللغوية:
{الْحَوَارِيُّونَ﴾ أصحاب المسيح الخلَّص. ﴿يَسْتَطِيعُ﴾ يفعل ويرضى ويجيبك
إن سألته. ﴿مَآَيِدَةً﴾ المائدة: هي الْخُوَان إذا كان عليه الطَّعام . ﴿ وَتَطْمَبِنَّ﴾
تسكن قلوبنا بزيادة اليقين. ﴿وَنَعْلَمَ﴾ نزداد علماً. ﴿صَدَقْتَنَا﴾ في ادِّعاء
النّبوة. ﴿الَّهُمَّ﴾ أي يا الله. ﴿عِيدًا﴾ يوماً نفرح به ونعظّمه ونشرِّفه. ﴿وَءَايَّةً
مِنْكٌ﴾ دليلاً آخر أو علامة على قدرتك ونبوّتي.

١١٩
: ١١٢/٥-١١٥
لِجُرُ (٧) - القَائِدَة
المناسبة:
هذه قصة المائدة التي لا يعرفها النصارى إلا من القرآن، وهي نعمة تاسعة
ومعجزة بعد النّعم الثماني المتقدّمة، إذ تم إنزال المائدة بطلب عيسى عليه
السّلام، علامة على قدرة الله وتصديق الناس بنبوّته، وهي مما امتن الله به
على عبده ورسوله عيسى لما أجاب دعاءه بنزولها.
التفسير والبيان:
اذكر يا محمد وقت قول الحواريين أصحاب عيسى المخلصين إذا قالوا
لعيسى: هل يفعل ربّك ويرضى أن ينزل علينا مائدة طعام من السماء.
والمقصود بكلمة الاستطاعة، مع أن الطلب صادر من الحواريين وهم
مؤمنون يعلمون أن الله قادر على كل شيء: أنه هل يفعل ذلك، وهل يجيبك
إلى مطلبك أو لا؟ فأرادوا علم المعاينة والمشاهدة والاطمئنان بعد توافر
الاعتقاد والعلم بقدرة الله تعالى، كما قال إبراهيم عليه السّلام: ﴿رَبِّ أَرِفِ
كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى﴾ [البقرة: ٢٦٠/٢]، لأن علم النّظر والخبَر قد تدخله
الشُّبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة المحسوس لا يدخله شيء من ذلك،
ولذلك قال الحواريون: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ كما قال إبراهيم: ﴿وَلَكِن
◌ِلِّيَطْمَيِنَ قَلْبِىّ﴾ (١) [البقرة: ٢٦٠/٢].
قال الشُّدِّي: هل يستطيع ربّك أي هل يطيعك ربّك إن سألته، وهذا تفريع
على أن استطاع بمعنى أطاع، والسِّين زائدة(٢).
وقال الطّبري: الأولى في المعنى عندي بالصّواب: هل يستجيب لك إن
سألته ذلك ويطيعك فيه (٣).
(١) تفسير القرطبي: ٣٦٥/٦
(٢) تفسير الرازي: ١٢٩/١٢
(٣) تفسير الطَّبري: ٨٤/٧

١٢٠
الجُرُ (٧) - المَائِدَة: ١١٢/٥-١١٥
وقال بعضهم: في الآية محذوف على قراءة: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾
وتقديره: هل تستطيع سؤال ربّك؟ فأجابهم عيسى: اتَّقوا الله أن تطلبوا مثل
هذا الطلب الذي يشبه ما طلبه الإسرائيليون من موسى عليه السّلام، إن كنتم
مؤمنين أي إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة.
قالوا معتذرين عن سؤالهم: نريد أن نأكل منها؛ فنحن بحاجة إلى الطّعام،
وتزداد قلوبنا اطمئناناً ويقيناً بقدرة الله وبصدق نبوّتك؛ لأن علم الحسّ
والمشاهدة أقوى دلالة على المطلوب من العلم النظري القائم على التّسليم
بالبراهين، ونكون من الشاهدين على هذه الآية عند بني إسرائيل الذين لم
يحضروها، أو نكون من الشاهدين لله بالوحدانية وبكمال القدرة، ولك
بالنّبوة، فيكون ذلك سبباً للإيمان أو ازدياد الإيمان.
وإنما سأل عيسى وأُجيب، ليلزموا الحجّة بكمالها، ويرسل عليهم العذاب
إذا خالفوا.
قال عيسى: يا ربّنا المالك أمرنا والمتولِي شؤوننا، أنزل علينا مائدة من
السماء يراها هؤلاء، وتكون لنا عيداً أي يكون يوم نزولها عيداً، قيل: هو
يوم الأحد، ومن ثم اتّخذه النّصارى عيداً.
لأوّلنا وآخرنا، أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا. وآية منك،
أي علامة من لدنك تدلّ على كمال قدرتك وصدق نبوّتي.
وارزقنا منها ومن غيرها رزقاً طيّباً نغذي به أجسامنا، وأنت خير
الرّازقين، أي خير من أعطى ورزق؛ لأنك الغني الحميد، الذي ترزق من
تشاء بغير حساب. ويلاحظ أن عيسى أخّر بدعائه طلب فائدة المائدة عن طلب
الفائدة الدِّينية والاجتماعية، بعكس ما طلب الحواريون؛ إذ قدّموا الأكل على
غيره.