النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ الُ (٧) - المَائِدَة: ٩٤/٥-٩٦ ٣ - احتج أبو حنيفة بهذه الآية على أن الصيد للآخذ لا لمن أثاره (المثير) لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعدُ شيئاً. ٤ - كره مالك صيد أهل الكتاب ولم يحرمه؛ لقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ: أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ يعني أهل الإيمان؛ لأن صدر الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فخرج عنهم أهل الكتاب. وخالفه الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ والصيد عندهم مثل ذبائحهم. وأجاب المالكية بأن الآية تضمنت أكل طعامهم، والصيد نوع آخر، فلا يدخل في عموم الطعام، ولا يتناوله مطلق لفظه. لكن هذا الجواب ضعيف؛ لأن الصيد كان مشروعاً عند أهل الكتاب؛ فيجوز لنا أكله، لتناول اللفظ له، فإنه من طعامهم كما ذكر القرطبي. ٥ - هل يجوز للمحرم ذبح الصيد؟ قال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز ذبح المحرم للصيد؛ لنهي الله سبحانه المحرم عن قتله: ﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ﴾ فصار المحرم ليس أهلاً لذبح الصيد. وقال الشافعي: ذبح المحرم للصيد جائز؛ لأنه ذبح صدر من أهله وهو المسلم، مضاف إلى مخله وهو الأنعام، فأفاد مقصوده من حِلّ الأكل، كذبح الحلال. ٦ - هل تستثنى السباع من صيد البر؟ للعلماء آراء ثلاثة: قال مالك: كل شيء لا يعدو من السباع مثل الهر والثعلب والضبع وما أشبهها، فلا يقتله المحرم، وإن قتله فداه. ولا بأس بقتل كل ما عدا ذلك على الناس في الأغلب، مثل الأسد والذئب والنمر والفهد، وكذلك لا بأس عليه بقتل الحيات والعقارب والفأرة والغراب والحدأة؛ لقوله ◌َّر فيما رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن عائشة: ((خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحُدَيًّا)). والخلاصة: أنه لا بأس بقتل المذكور في هذا الحديث ويقاس عليها السباع. ٦٢ الُ (٧) - الَائِدَة: ٩٤/٥-٩٦ وأما قاتل الزُّنْبور والبُرْغُوث والذباب والنمل ونحوه فيطعم قاتله شيئاً في رأي مالك. وثبت عن عمر إباحة قتل الزنبور. وقال أبو حنيفة: لا يَقتل المحرم من السباع إلا الكلب العقور والذئب خاصة، سواء ابتدأه أو ابتدأهما، وإن قتل غيره من السباع فداه، فإن ابتدأه غيرهما من السباع فقتله فلا شيء عليه. ولا شيء عليه في قتل الحية والعقرب والغراب والحِدَأَة؛ لأن النبي ◌َ لل خص دواب بأعيانها، وأرخص للمحرِم في قتلها من أجل ضررها، فلا وجه أن يزاد عليها إلا أن يجمعوا على شيء فيدخل في معناها. والخلاصة: لا بأس بقتل المذكور في الحديث، ولا يقاس عليها السباع. أما الذئب فهو كالكلب. وقال الشافعي: كل مالا يؤكل لحمه، فللمحرم أن يقتله، وصِغار ذلك وكِياره سواء، إلا السِّمْع وهو المتولد بين الذئب والضبع. وليس في الرََّمَة والخنافس والقِرْدَان والحلَم (الصغيرة من القردان) ومالا يؤكل لحمه شيء؛ لأن هذا ليس من الصيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُمَّاً﴾ فدل أن الصيد الذي حُرِّم عليهم: ماكان قبل الإحرام حلالاً. أما القملة فتُفدَى وإن كانت تؤذي؛ لأنها مثل الشعر والظفر ولبس المخيط؛ لأن في طرح القملة إماطة الأذى عن نفسه إذا كانت في رأسه ولحيته، فكأنه أماط بعض شعره؛ فأما إذا ظهرت فقتلت فإنها لا تؤذي. والخلاصة: كل مايؤذي مما ذكر في الحديث ونحوه من السباع، وكذا الخنافس والقردان لا شيء في قتله. ٦ - صيد الحرم المكي والمدني: أي حرم مكة وحرم المدينة، وزاد الشافعي حرم الطائف: لا يجوز قطع شجره، ولا صيد صيده، ومن فعل ذلك أثم ولا جزاء عليه في مذهبي مالك والشافعي، ودليل التحريم قوله وّير في الصحيح: ((اللهم إن إبراهيم حرَّم مكة، وإني أُحرِّم المدينة مثل ما حَرَّم به مكة، ومثله ٦٣ الُ (٧) - الغَائِدَة: ٩٤/٥-٩٦ معه، لا يُخْتلى خَلاها (١)، ولا يُعْضَد شجرها، ولا ينقَّرُ صيدها)» ودليل عدم أخذ الجزاء: عموم قوله وده في الصحيح: ((المدينة حَرَمٌ مابین عَيْرِ إلی ثور، فمن أحدث فيها حَدَثاً أو آوى مُحدِثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً(٢)) فأرسل و ليل الوعيد. الشديد، ولم يذكر كفارة. وقال أبو حنيفة: صيد المدينة غير محرَّم، وكذلك قطع شجرها؛ لحديث سعد بن أبي وقاص عن النبي وَالر أنه قال: ((من وجدتموه يصيد في حدود المدينة أو يقطع شجرها، فخذوا سَلَبه)) أي مايكون معه من متاع وسلاح، لكن اتفق الفقهاء على أنه لا يؤخذ سَلَب من صاد في المدينة، فدل ذلك على أنه منسوخ. واحتج لهم الطحاوي أيضاً بحديث أنس: ((ما فعل النُّغَيْر؟)) فلم ينكر صیده وإمساكه. قال القرطبي: وهذا كله لا حجة فيه. أما الحديث الأول فليس بالقوي، ولو صح لم يكن في نسخ أخذ السَّلَب ما يسقط ماصح من تحريم المدينة، فكم من مُحَرَّم ليس عليه عقوبة في الدنيا. وأما الحديث الثاني فيجوز أن يكون صيد في غير الحرم. ٧ - ذكر الله تعالى جزاء صيد الإحرام حال القتل العمد، والمتعمد: هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام، ولم يذكر المخطئ والناسي، والمخطئ: هو الذي يقصد شيئاً فيصيب صيداً، والناسي: هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه. فاختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال: منها قول الجمهور: يجب (١) الخلى: النبات الرقيق مادام رطباً، ويختلى: يقطع. - (٢) عير: جبل بناحية المدينة. وأما ثور فهو جبل بالمدينة يقع خلف جبل أحد، وهو غير ثور الذي بالقرب من مكة. والصرف: التوبة، والعدل: الفدية. ٦٤ الُ (٧) - المَائِدَة: ٩٤/٥-٩٦ الجزاء على قتل صيد الإحرام مطلقاً، ذاكراً أم ناسياً، وقد ثبت وجوب الجزاء في العمد بالقرآن، وفي الخطأ والنسيان بالسنة أي بما ورد من الآثار عن عمر وابن عمر، ولأن الله تعالى أوجب الجزاء ولم يذكر الفساد، ولا فرق بين أن يكون ذاكراً للإحرام أو ناسياً له، ولأن النبي وَلّ سئل عن الضَّبع فقال: ((هي صيد)) وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشاً، ولم يقل عمداً ولا خطأ. وقوله: (متعمداً)) خرج على الغالب، فألحق به النادر كأصول الشريعة. وقال أحمد في رواية عنه والطبري: لا شيء على المخطئ والناسي، عملاً بالنص القرآني. ٨ - حالة العود أو التكرار: إن قتل المحرم في إحرامه شيئاً من الصيد، ثم عاد إلى القتل مرة أخرى، فعليه في رأي الجمهور (مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم) الجزاء كلما قتل؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآية .. فالنهي دائم مستمر عليه، مادام محرماً، فمتى قتله، فالجزاء لأجل ذلك لازم له. ٩ - دل قوله تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ على أن الواجب عليه جزاء مماثل واجب أو لازم من النَّعَم. وهذا مؤيد لرأي الجمهور غير أبي حنيفة وأبي يوسف، كما تقدم في تفسير الآية. والجزاء إنما يجب بقتل الصيد، لا بنفس أخذه، كما قال تعالى، فمن أخذ الصيد ثم حبسه بعد أن نتف ريشه أو قطع شيئاً من أعضائه وسلمت نفسه وصح ولحق بالصيد، فلا شيء عليه في مذهب مالك. ١٠ - جزاء الصيد شيئان: دواب وطير؛ فيجزَى عند الشافعي ماكان من الدواب بنظيره في الخلقة والصورة، ففي النعامة: بدَنة، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش: بقرة، وفي الظبي: شاة، أي أن المثل في رأيه هو الأصل في ٦٥ الُ (٣) - البَقَرة: ٢٦٧/٢ المناسبة: بَيَّن الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة ما يجب أن يتصف به المنفق عند الإنفاق من الإخلاص لله، وقصد تزكية النفس، والبعد عن الرياء، وما يجب أن يتحلى به بعد الإنفاق من البعد عن المن والأذى. ثم بين تعالى هنا صفة المال المبذول: وهو أن يكون من جيد الأموال. التفسير والبيان: يامن اتصفتم بالإيمان آمركم أن تنفقوا الطيب الجيد من الأموال، سواء أكان نقوداً أم ماشية أم حبوباً وزروعاً أم سلعاً تجارية وغيرها، كالمعادن والكنوز والركاز (دفين الجاهلية)، كقوله تعالى ﴿لَن تَنَالُواْ الْبَرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢/٣] وأنهاكم أن تقصدوا إلى الخبيث الرديء من أموالكم، فتنفقونه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ولا يقبل ماتكرهه نفوسكم. والخبيث ينطلق على معنيين: أحدهما - مالا منفعة فيه، كما في حديث الشيخين: ((كما ينفي الكير خبث الحديد)) والثاني - ما تنكره النفس، وهو مقصود الآية: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾. وكيف يروق لكم أن تتصدقوا بالخبيث الرديء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم إلا أن تتساهلوا وتتسامحوا فيه تساهل من غض بصره عن شيء فلم یر العیب فيه، ولو كان لأحدكم حق أو دين، فجاءكم دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم؟! فحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه. واعلموا أن الله - وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها - فهو غني عنها وعن إنفاقكم وغني عن جميع خلقه، وإنما يأمركم به لمنفعتكم، ولتحقيق المساواة بين الغني والفقير، وليختبر كم فيما تنفقون، فلاتتقربوا إليه بالرديء، ٦٦ لُعُ (٣) - البَقَرة: ٢٦٧/٢ وهو أيضاً مستحق للحمد والشكر على جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقَدَره ونعمه، ومن الحمد اللائق بجلاله: إنفاق الطيب مما أنعم به. فقه الحياة أو الأحكام: موضوع الآية: وجوب اختيار الطيب الجيد من مكاسب الأموال عند إنفاقها في سبيل الله، سواء أكانت من الزكوات الواجبة أم من الصدقات المندوبة؛ لأن القصد هو التقرب إلى الله تعالى، وادخار الثواب على فعل الخير، وذلك لا يتحقق إلا بجياد الأموال وأطيبها. والآية خطاب لجميع أمة محمد وَلٍ(١)، واختلف العلماء في المعنى المراد بالإنفاق هنا، فقال علي بن أبي طالب وعَبيدة السَّلْماني وابن سيرين: هي الزكاة المفروضة، نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد. وقال البراء بن عازب والحسن البصري وقتادة: إن الآية في التطوع، ندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا بمختار جيد. والظاهر أن الآية عامة تشمل الزكاة والصدقة، لكن الزكاة الأمر فيها على الوجوب، ومخصوصة بالقدر المفروض، وأما التطوع فالأمر فيه على الندب، وليس مخصوصاً بقدر معين، فيجوز بالقليل وبالكثير، لكن يختارالجيد، ولیس القصد هو الممتاز، فهو الأولى، ولكن الحد الأدنى المطلوب هو الوسط، كما قرر الفقهاء في الزكاة. ودلت الآية على أن للوالد أن يأكل من كسب ولده؛ لأن النبي وَ ل* قال: ((أولادكم من طيِّب أكسابكم، فكلوا من أموال أولادكم هنيئاً))(٢). (١) البحر المحيط: ٣١٦/٢ (٢) رواه البزاز بلفظ: ((أولادكم من هبة الله لكم، فكلوا من كسبهم)). ٦٧ الُ (٣) - الْبَقَة: ٢٦٧/٢ واستدل أبو حنيفة رضي الله عنه بقوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ اُلْأَرْضِّ﴾ على وجوب زكاة العشر فيما سقي بالمطر، ونصف العشر فيما سقي بالبئر ونحوه مما فيه كلفة، في كل ماتخرجه الأرض من أصناف زراعية، قليلاً كان أو كثيراً، من غير تقدير بنصاب، ولا تخصيص بنوع معين من الأقوات، فتجب الزكاة عنده في الزروع والثمار كلها، ويعضده قوله وَ لجر: ((فيما سقت السماءُ العُشْر، وفيما سُقي بنضح أو دالية(١) نصف العشر)). وأجيب من قبل الجمهور: بأنه لا متعلق له من الآية؛ لأنها إنما جاءت لبيان محل الزكاة، لا لبيان نصابها أو مقدارها، وقد بيَّن النبيِ وَّ الأنصبة بقوله فيما رواه ابن ماجه: ((ليس فيما دون خمس ذَوْد صدقة، وليس فيما دون خمس أواقٍ من الوَرِق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة))(٢). وهناك أدلة أخرى للفريقين(٣). ويلاحظ أن الآيات التي تطالب بالإنفاق تختم عادة أو غالباً إما بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمُ﴾ أو بقوله: ﴿وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ وذلك يرشدنا إلى أن النفقة جزء مما أنعم الله به من رزق على العباد، وأنه تعالى سيجزيه بها ويضاعفها له أضعافاً كثيرة، ويخلف المبذول على المنفق؛ لأنه واسع الفضل . والرحمة والعطاء، ويرشدنا أيضاً إلى أن القصد هو اختبار الناس فهو لا (١) الدالية: الغرافة التي تديرها البقرة أو الجمل ونحوهما من الدواب، والناعورة التي يديرها الماء. والحديث رواه الجماعة إلا مسلماً عن ابن عمر. (٢) الذود من الإبل: مابين الثلاث إلى العشر، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، والكثير: أذواد. ونصاب الفضة: مئتا درهم، والدرهم العربي (٢، ٩٧٥ غم)، والخمسة الأوسق تعادل (٦٥٣ کغ). (٣) أحكام القرآن للجصاص الرازي: ٤٥٨/١، أحكام القرآن لابن العربي: ٢٣٥/١ ومابعدها. ٦٨ الجزء (٣) - البقرة: ٢٦٨/٢-٢٦٩ يأمرهم بالصدقة حين العَوَز، وإنما حال السعة واليسر، فكل إنسان مكلف حسب طاقته وقدرته على الإنفاق، وهو سبحانه محمود على كل حال، وعلى جميع نعمه، ومقتضى الحمد والشكر تذكر المحتاج ومواساة الفقير والمسكين، ومما يرغب في النفقة أن اليد العليا - المنفقة - خير من اليد السفلى - الآخذة. تخويف الشيطان من الفقر والفهم الصحيح للقرآن ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِنْهُ يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًاً كَثِيَرَأْ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ٢٦٩ الإعراب: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَعِدُكُمُ﴾ خبره، وسمي شيطاناً (فيعالاً) من شطن أي بَعُد؛ لأنه بعد عن رحمة الله، وقيل في وجه ضعيف: على وزن فَعْلان: من شاط يشيط: إذا احترق. البلاغة: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾ وفي قراءة ((تشاء)» على الخطاب، وهو التفات إذ هو خروج من غيبة إلى خطاب. المفردات اللغوية: ﴿ يَعِدُكُمُ اٌلْفَقْرَ﴾ أي يخوِّفكم من الفقر إن تصدقتم، فتمسكون مابأيدكم، فلا تنفقوه في مرضاة الله، والفقر: سوء الحال وضيق ذات اليد. ﴿ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي يغريكم بالبخل ومنع الزكاة ﴿وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ على الإنفاق ﴿مَّغْفِرَةً مِّنْهُ﴾ صفحاً من الله عن ذنوبكم. ﴿وَفَضْلًاْ﴾ رزقاً وخلفاً منه ﴿وَاللّهُ وَسِعُ﴾ فضله ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمنفق. ٦٩ الُزرع (٣) - البقرة: ٢٦٨/٢-٢٦٩ ﴿ُؤْتِ الْحِكْمَةَ﴾ العلم النافع المؤدي إلى العمل، المؤثر في النفس، واختلف العلماء في الحكمة: فقال السدي: هي النبوة. وقال ابن عباس: هي المعرفة بالقرآن فقْهِه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدّمه ومؤخره (أي العلم بأصول الفقه). وقال قتادة ومجاهد: الحكمة: هي الفقه في القرآن. وقال مجاهد: الإصابة في القول والفعل. وقال ابن زيد: الحكمة: العقل في الدِّين. وقال مالك بن أنس: الحكمة: التفكر في أمر الله والاتّباع له، أو هي طاعة الله والفقه في الدين والعمل به. وكل هذه الأقوال تشترك في أن الحكمة: هي الفهم الصحيح والعلم النافع واتباع المعلوم المؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة(١). ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ لأن الحكمة أوصلته إلى السعادة الأبدية ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ يتعظ، وأصله: يتذكر، فأدغم التاء في الذال ﴿أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ أصحاب العقول. التفسير والبيان: الشيطان عدو الإنسان من قديم، وهو الذي أقسم ﴿فَبِعِزَِّكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (َ﴾﴾﴾ [ص: ٨٢/٣٨-٨٣] يوسوس للناس ويخوفهم من الفقر إذا تصدقوا أوأنفقوا في سبيل الله ويقول لهم: إن عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا، ويحرضهم ويغريهم على البخل والإمساك إغراء الآمر للمأمور. والفاحش عند العرب: البخيل. والوعد: يستعمل في الخير والشر، قال الله تعالى: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الحج: ٧٢/٢٢]. وسمي ذلك التخويف وعداً: مبالغة في الإخبار بتحقق وقوعه، وكأن مجيئه بحسب إرادته، مع العلم بأن الوعد: هو الإخبار بما سيكون من جهة المخبر، والشيطان لم يقل: إني سأفقركم. (١) البحر المحيط: ٣٢٠/٢ ٧٠ الُ (٣) - البَقَرة: ٢٦٨/٢ -٢٦٩ ويوضح هذا التخويف: مارواه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((إن للشيطان لَّةً(١) بابن آدم، وللملك لَّةً، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى، فليتعوذ من الشيطان)) ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾(٢). والله تعالى في مقابلة إغراءات الشيطان ووساوسه وأمره بالفحشاء (البخل) يعدكم على لسان نبيكم مغفرة بسبب الإنفاق لذنوبكم، وتعويضاً وإخلافاً في الدنيا لما أنفقتموه، والفضل: المال والخير، والله واسع الرحمة والفضل، فيحقق ماوعدكم به، وهو عليم بما تنفقون، فيجازيكم عليه أحسن الجزاء، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَبْرُ الزَّزِقِنَ﴾ [سبأ: ٣٩/٣٤] وروى البخاري ومسلم أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((مامن يوم يصبح فيه العباد إلا مَلَكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خَلَفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تَلَفاً)) أي أن الأول يعوضه الله بتسهيل أسباب الرزق له، والآخر يذهب ماله. والله تعالى يؤتي الحكمة من يشاء من عباده، وليست الحكمة على الصحيح النبوة، ولكنها كما قال الجمهور: العلم والفقه والقرآن، فهي لا تختص بالنبوة، بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، وذلك يرشد إلى تمييز الحقائق من الأوهام، والتفرقة بين الوسواس والإلهام. وآلة الحكمة: العقل، فمن عرف ما في القرآن من أحكام وأسرار، وأدرك بسلامة عقله ما في (١) اللَّمَّة: المس والشيء القليل من الجن، والمراد: الخطرة التي تقع في القلب بوسوسة الشيطان أو الملك. (٢) وهكذا رواه الترمذي وقال: حسن غريب، والنسائي، وابن حبان في صحيحه. ٧١ الجُ (٣) - البقرة: ٢٦٨/٢ -٢٦٩ الإنفاق من فوائد تعود على الأمة بالخير وعلى المنفق بالثواب الجزيل، لم يتأثر بوساوس الشيطان، ولم يتردد في البذل والإنفاق في سبيل الله. عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله وَّه يقول: ((لا حَسَد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلَّطه على هلَكَته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها))(١). ومن يوفقه الله للعلم النافع، وعلى التخصيص فهم القرآن والدين، ويرشده إلى هداية العقل، فقد هدي إلى خيري الدنيا والآخرة، وأدرك الأمور على حقيقتها. ولا يتعظ بالعلم ويتأثر بالموعظة وينتفع بالتذكار إلا كل ذي عقل سليم يفهم به الخطاب الشرعي ومعنى الكلام الإلهي. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآية متصلة بما قبلها، فهي تحث المؤمن على الإنفاق في سبيل الله: سبيل الخير؛ لأن الله وعد بالمغفرة جزاء الإنفاق، وبالإخلاف والتعويض والإمداد بالفضل الإلهي من المال والرزق، والله تعالى يعطي من سعة، فلا تنفد خزائنه، ويعلم حيث يضع ذلك، ويعلم الغيب والشهادة. وتحذر الآية من وساوس الشياطين، فإن للشيطان مدخلاً في تثبيط الإنسان عن الإنفاق في سبيل الله، وهو مع ذلك يأمر بالبخل والفحشاء وهي المعاصي، والإنفاق فيها. ومن أعطي الحكمة (العلم النافع الصحيح) وفهم القرآن، فقد أعطي أفضل ما أعطي من جمع كتب علم الأولين من الصحف وغيرها. والآية تحض (١) رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. ٧٢ لِجُ (٣) - البَقَة: ٢٧٠/٢-٢٧١ على العلم وترفع شأن الحكمة، وتهدي إلى استعمال العقل في أشرف ماخلق له. قال بعض الحكماء: من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه، ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم؛ فإنما أعطي أفضلَ ما أعطي أصحاب الدنيا؛ لأن الله تعالى سمى الدنيا متاعاً قليلاً، فقال: ﴿قُلِّ مَنَعُ الذُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ · [النساء: ٧٧/٤] وسَى العلم والقرآن ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾. صدقة السر وصدقة العلن ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ, وَمَا لِلَّلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴿ إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمَّ وَيُكَفِرُ عَنكُم مِّن سَبِثَانِكُمُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ٢٧١ القراءات: ﴿ فَنِعِمَا﴾: قرئ: ١- بكسر النون والعين، وهي قراءة ابن كثير، وورش، وحفص، هنا وفي النساء [الآية: ٥٨]، وهي على لغة من يحرك العين، فيقول: نعم، ويتبع حركة النون بحركة العين، وتحريك العين هو الأصل، وهي لغة هذيل. ٢- بفتح النون، وكسر العين، وهي قراءة ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وهي الأصل، لأنه على وزن ((فعل)) ويحتمل أن يكون على لغة من أسكن، فلما دخلت ((ما)) أدغمت حركة العين لالتقاء الساكنين. ٣- بكسر النون وإخفاء حركة العين، وهي قراءة أبي عمرو، وقالون، وأبي بكر. ﴿ وَيُكَفِرُ﴾: قرئ: ٧٣ الُ (٣) - البَفَرَة: ٢٧٠/٢-٢٧١ ١- (ونكفِّرْ) وهي قراءة نافع، وحمزة، والكسائي. ٢- (ونكفِّرُ) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو. ٣- (ويكفِّرُ) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿نِعِمَّا﴾ أصله نعم ما وهي لغة هذيل، ونعم فعل ماض مخصوص للمدح، وفيه ضمير مرفوع، والتقدير: نعم الشيء شيئاً إبداؤها، وإبداؤها: هو المقصود بالمدح وهو مرفوع؛ لأنه مبتدأ، وما قبله: الخبر، ثم حذف (إبداء) وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه، فصار الضمير المجرور المتصل ضميراً مرفوعاً منفصلاً وهو ﴿مِّ﴾ مرفوعاً بالابتداء، لقيامه مقام المبتدأ. و((ما)) في موضع نصب على التمييز . ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ بالرفع: استئناف وتقديره: ونحن نكفّر و﴿مِّن سَبِّئَاتِكُمٌ﴾: من للتبعيض، أي شيئاً من سيئاتكم. وقيل: من زائدة، والأكثرون على أنها ليست زائدة؛ لأن ((من)) لا تزاد في الإيجاب، وإنما تزاد في النفي، نحو: ماجاءني من أحد. البلاغة: يوجد جناس اشتقاق بين ((أنفقتم ونفقة)) وبين ((نذرتم ونذر)). ويوجد طباق بین اتبدوا وتخفوها». المفردات اللغوية: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ﴾ أديتم من زكاة أو صدقة ﴿أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَذْرٍ﴾ النذر: لغة: العزم على التزام شيء خاص، وشرعاً: التزام طاعة تقرباً إلى الله تعالى ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ﴾ تظهروا الصدقات النوافل أو التطوعات ﴿فَنِعِمَّا هِىّ﴾ الأصل: فنعم ماهي، بمعنى شيئاً إبداؤها ﴿وَإِن ٧٤ الجُرُ (٣) - الََرة: ٢٧٠/٢-٢٧١ تُخْفُوهَا﴾ تسروها خير لكم من إبدائها وإيتائها الفقراء والضمير يعود على الصدقات. أما صدقة الفرض (الزكاة) فالأفضل إظهارها ليقتدى به ولئلا يتهم المزكي بالمنع، وإيتاء الفقراء: متعين. سبب النزول: قال ابن أبي حاتم في قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىَّ﴾ الآية أنزلت في أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، أما عمر فجاء بنصف ماله، حتى دفعه إلى النبي ◌ََّ، فقال له النبي ◌َّ: ((ماخلَّفت وراءك لأهلك ياعمر؟)) قال: خلفت لهم نصف مالي. وأما أبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه، حتى دفعه إلى النبي ◌ََّ، فقال له النبي ◌َلّ: ((ماخلَّفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟)) فقال: عِدَة الله وعدة رسوله. فبكى عمر رضي الله عنه وقال: بأبي أنت وأمي يا أبا بكر، والله ما استبقنا إلى باب خير قط، إلا كنت سابقاً (١). وقال الكلبي: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ﴾ الآية، قالوا: يا رسول الله، صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية(٢). المناسبة: بعد أن رغب تعالى في الإنفاق في سبيله، أوضح أن الله يعلم مصرف كل صدقة، سواء أكانت في طاعة أم في معصية، وخيَّرنا بين إخفاء صدقة التطوع وإظهارها، ولكن الإخفاء هو الأفضل، ويؤيده حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ماتنفق يمينه))(٣) فكان موضوع الآية الترغيب في إخفاء الصدقات؛ بعداً عن الرياء. (١) تفسير ابن كثير: ٣٢٣/١ (٢) أسباب النزول للنيسابوري: ص ٤٨-٤٩ (٣) أخرجه أحمد والشيخان والنسائي عن أبي هريرة. ٧٥ الُ (٣) - البَقَرَة: ٢٧٠/٢-٢٧١ التفسير والبيان: ما أنفقتم من نفقة، سواء كانت لله أو للرياء أو كانت مصحوبة بالمن أو الأذى أو لم تصحب بهما؛ أو نذرتم نذراً في طاعة (وهو نذر التبرر) أو في معصية (وهو نذر اللجاج والغضب)، فإن الله عالم به ومجاز عليه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وهذا ترغيب في الخير وترهيب من الشر. وما للظالمين الذين ظلموا أنفسهم بأن بخلوا بالمال ولم يتصدقوا من أنصار ينصرونهم يوم القيامة، كقوله: ﴿مَا لِلَّالِمِينَ مِنْ حَيْدٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨/٤٠]. وإن تظهروا صدقات التطوع بقصد حمل الناس على فعلها فنعم مافعلتم، وإن تخفوها، ولم تُعْلموا بها أحداً، وتعطوها الفقراء، فهو خير لكم بعداً عن الرياء والسمعة، ويمحو عنكم بالصدقة بعض ذنوبكم؛ لأن الصدقة لا تكفر جميع الذنوب أو السيئات. والله خبير وبصير بكل عمل تعملونه وبكل دقائق الأمور، فهو يعلم السر وأخفى، فيجازيكم على أعمالكم، واحذروا الرياء والإنفاق لغير الله، فلا تخفى عليه نياتكم في الإبداء والإخفاء. فقه الحياة أو الأحكام: كانت العرب تكثر من النذور، فذكر الله تعالى النوعين: ما يفعله المرء تبرعاً، وما يفعله نذراً أي بإلزامه نفسه. ويخبر الله تعالى بأنه عالم بجميع مايفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، ويجازي كل واحد بحسب فعله، خيراً أو شراً، وفي الآية معنى الوعد والوعيد، فمن كان خالص النية، ينفق في طاعة الله فهو مثاب، ومن أنفق رياء أو قرن صدقته بالمن أو الأذى ونحو ذلك، فهو ظالم، يذهب فعله هدراً، ولا يجد له يوم القيامة ناصراً فيه ينقذه من عذاب الله ونقمته. ولا فرق ٧٦ الزُحُ (٣) - البَفَرَة: ٢٧٠/٢-٢٧١ في مشروعية نذر التبرر بين أن يكون بشرط أو بغير شرط، مثال الأول: أن يقول الناذر: لله علي أن أصوم أو أتصدق بكذا، ومثال الثاني: أن يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بكذا. وقد اتفق العلماء على وجوب الوفاء بنذر الطاعة، وحرمة فعل المعصية المنذورة، بدليل ما أخرجه النسائي عن عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((النذر نذران: فما كان من نذر في طاعة الله تعالى، فذلك . لله تعالى، وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله تعالى، فذلك للشيطان، ولا وفاء فيه، ويكفِّره ما كفَّر اليمين)). وأما نذر المباح كالأكل والركوب واللبس فيخير فيه في رأي جمهور الفقهاء بين الفعل والترك، لخبر أبي داود: ((لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى)). وأما المرأة التي نذرت أن تضرب الدف يوم قدوم النبي ◌ّليه وقول الرسول لها: ((أوفي بنذرك)) فإن فعلها صار من القُرَب، لسرور المسلمين بقدومه وَ لَّه وإغاظة الكفار، وإرغام المنافقين. وذهب جمهور المفسرين إلى أن الآية (٢٧١) في صدقة التطوع، وفيها دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، وكذلك سائر العبادات: الإخفاء أفضل في تطوعها؛ لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فمن تصدق لجهة عامة أو لمشروع خيري، أو لأي أمر عام مثلاً، فلا بأس من إعلان صدقته أو مشاركته ومساهمته، لترغيب الناس، وللاقتداء به، وليكون أدعى للتسابق في الخيرات. ويؤكد التخيير ما قاله رسول الله وس# فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر والحاكم عن معاذ: ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسرّ بالقرآن كالمسرّ بالصدقة)). ويؤكد أفضلية الإسرار بصدقة التطوع ما ذكرناه وهو ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة من حديث السبعة الذين ٧٧ لُرعُ (٣) - البقرة: ٢٧٠/٢-٢٧١ يظلهم الله في ظله، ومنهم: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) وروى أحمد وابن أبي حاتم عن أبي أمامة: ((أن أبا ذَرّ قال: يارسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: صدقة سرّ إلى فقير، أو جَهْدٌ من مُقِلّ، ثم قرأ الآية: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ﴾ وروى الطبراني مرفوعاً: ((إن صدقة السر تطفئ غضب الرب)). ودليل إعلان الصدقة المفروضة: ماروى ابن جرير الطبري عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: ((جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، يقال: بسبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها، يقال: بخمسة وعشرين ضعفاً. وأما الصدقة الواجبة (الزكاة): فأكثر العلماء على أن إظهارها أفضل من إسرارها؛ لأن الفرائض لا يدخلها رياء، والنوافل عرضة لذلك، أخرج مسلم في صحيحه عن النبي ◌َّلهم أنه قال: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) ومن هنا قيل: صلاة النفل فرادى أفضل، والجماعة في الفرض أبعد عن التُّهمَة. بل إن إظهار الفرائض أمر لابد منه لإقامة شعائر الدين، وفيه الدلالة على قوة الإسلام، كما أن فيه الأخذ والعمل بمبدأ القدوة الحسنة. وتجوز صدقة التطوع للمسلم والكافر، والبر والفاجر، والفقير والغني؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ فقد أطلق كلمة ﴿اُلْفُقَرَآءَ﴾ ولم يقيدها بفقراء المسلمين، وجعل الخيرية في إعطائها للفقير، ولم يمنعها عن الغني، وورد في الصحیحین: «في کل کبد خَرَّی رطبة أجر)) أي أن رحمة جميع المخلوقات مدعاة للثواب. وأما الزكاة المفروضة وزكاة الفطر فهي خاصة بالمسلمين وبالفقراء، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ ولحديث معاذ حينما أرسله النبي ◌َّهِ والياً إلى اليمن: ((خذها من أغنيائهم، وردها في فقرائهم)) (١). (١) رواه الجماعة عن ابن عباس. ٧٨ لُرُ (٣) - البَقَرة: ٢٧٢/٢-٢٧٤ والخلاصة: إن الصدقة الواجبة، والإنفاق في المصالح العامة كبناء المدارس والمشافي والدعوة إلى الدين والجهاد، ونفقة التطوع بقصد ترغيب الآخرين في التصدق ينبغي إعلانها، وهو أفضل من الإخفاء. وأما الصدقة على الفقراء لسد حاجاتهم فإسرارها أفضل من إعلانها، ستراً لحالهم وحفظاً لكرامتهم. مستحقو الصدقات لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِّ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَقُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافَأْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَ اللَّهَ بِهِ، عَلِيهُ ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا (٢٧٤) هُمْ يَحْزَنُنَ القراءات: يَحْسَبُهُمُ ﴾: قرئ: ١- بفتح السين، وهي قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وكذا يقرؤونها. حيث وقعت، وهي القياس، لأن ماضيه على فَعِلَ، بكسر العين، وهي لغة تمیم. ٢- بكسر السين، وهي قراءة باقي السبعة، وهي لغة الحجاز. ﴿ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾: قرئ: ١- (ولا خوفٌ عليهم) وهي قراءة حمزة. ٠ ٧٩ الجُرُ (٣) - البقرة : ٢٧٢/٢-٢٧٤ ٢- (ولا خوفٌ عليهِم) وهي قراءة باقي السبعة. الإعراب: لِلْفُقَرَاءِ﴾ جار ومجرور: إما مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره: الصدقات للفقراء، وإما منصوب لتعلقه بفعل: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ﴾ في الآية السابقة، أي: وما تنفقوا من خير للفقراء، أو متعلق بمحذوف والمعنى اعمدوا للفقراء أو اجعلوها لهم. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ جملة فعلية حال منصوب من ضمير ﴿أُخْصِرُوا﴾. ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾ جملة فعلية حال من الفقراء، وكذلك: ﴿ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ﴾ و﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ ويحتمل أن يكون ے ذلك كله حالاً من ضمير ﴿أُحْصِرُوا﴾ ويحتمل أن يكون مستأنفاً، فلا يكون له موضع من الإعراب. ومعنى: ﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافَأْ﴾ أي لا يسألون ولا یلحفون. ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ﴾ مبتدأ موصول، وتمت الصلة عند قوله: سراً وعلانية: وهما مصدران في موضع الحال من ضمير ﴿ يُنفِقُونَ﴾. ثم أخبر عن المبتدأ بقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ودخلت الفاء في خبر المبتدأ، لتضمن المبتدأ الموصول حرف الشرط، وهذا لا يكون إلا إذا كانت الصلة جملة فعلية، ولم يدخل على عامل يغير معناه نحو ليت ولعل وكأن. البلاغة: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْدِ اللَّهَ﴾ خبر بمعنى النهي، أي لا تطلبوا غير ثواب الله من أعراض الدنيا. ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ إطناب بعد قوله: ﴿يُوَنَّ إِلَيْكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾. ويوجد طباق بين قوله: ﴿بِأَلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ وقوله ﴿سِرَّا وَعَلَنِيَةً﴾. المفردات اللغوية: ﴿هُدَهُمْ﴾ إدخال الناس في الإسلام، وإنما عليك البلاغ والإرشاد إلى ٨٠ لُ (٣) - البقرة: ٢٧٢/٢-٢٧٤ الخير والله هو الهادي إلى الدخول في الإسلام، فالهدى نوعان: هدى التوفيق إلى طريق الخير والسعادة وهو مختص بالله تعالى، وهدى الدلالة والإرشاد إلى الخير وهو مهمة النبيِ وَلَّ. ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ مال ﴿فَلِأَنْشُِكُمْ﴾ أي ثوابه لأنفسكم لا ينتفع به غيركم ﴿أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اُللَّهَ﴾ طلب مرضاته وثوابه ﴿أُحْصِرُوا﴾ منعوا وحبسوا في طاعة الله لجهاد أو تعلم علم ﴿يُؤَنَّ إِلَيْكُمْ﴾ يصل إليكم جزاؤه غير منقوص ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ لا تنقصون منه شيئاً، وهذه الجملة وجملة ﴿يُوَفَّ﴾ تأكيد للجملة الأولى: ﴿فَلِأَقُسِكُمْ﴾. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا﴾ سفراً وسيراً في الأرض للكسب والتجارة والمعاش بسبب شغلهم عنه بالجهاد ﴿التَّعَفُّفِ﴾ إظهار العفة وترك السؤال ﴿بِسِيمَهُمْ﴾ علامتهم من التواضع وأثر الجهد ﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أي لا يسألون الناس أصلاً شيئاً، ولا يقع منهم إلحاف أي إلحاح: وهو أن يلازم السائل المسؤول حتى يعطيه ﴿بِهِ، عَلِيهُ﴾ خبير، مطلع عليه ومجاز عليه. سبب النزول: ١ - نزول الآية (٢٧٢): ورد في سبب نزولها روايات عديدة مضمونها واحد منها: مارواه النسائي والحاكم والبزار والطبراني وغيرهم عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا(١) لأنسابهم من المشركين، فسألوا، فرخص لهم، فنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ الآية. وروي أن ناساً من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ورضاع، وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام، فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوا عليهم. (١) رضخ له: أعطاه قليلاً.