النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ الجُ (٧) - المَائِدَةِ: ٩٠/٥-٩٣ والبغضاء بأن يزرع الكراهية والحقد والنفرة من بعضكم، فيتحقق هدفه من التفريق والتشتيت بعد التأليف بالإيمان والجمع بأخوة الإسلام. ويريد أيضاً صرفكم بالسكر المذهب للعقل والاشتغال بالقمار عن ذكر الله الذي تطمئن به القلوب وتسعد به النفوس في الدنيا والآخرة، وعن الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، والتي تزكو بها النفوس، وتتطهر القلوب. فالخمر إذا أذهبت العقل، هانت كرامة الإنسان على غيره، وفقد القدرة على إدراك الخير والبعد عن الشر، هذا فضلاً عن أضرار الخمر الصحية في كل أعضاء جهاز الهضم والأعصاب، بل قد يمتد الضرر إلى الأولاد، فينشأ الواحد منهم معتوهاً ضعيف المدارك، وكثيراً ما أدت الخمر إلى الطلاق وتدمير الأسرة. والميسر الذي يؤدي إلى الربح بلا عمل ولا تجارة، وخسارة الطرف الآخر يؤجج في النفس نار العداوة والبغضاء، وكثيراً ما تقاتل المتقامران وحدث بينهما السباب والشتم والضرب الشديد. والخلاصة: للخمر مضار كثيرة: شخصية صحية، واجتماعية بزرع العداوة والبغضاء، ودينية بالصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ومالية بتبديد الأموال في الضار غير النافع . وكذا للقمار أضرار نفسية عصبية بإحداث توتر في الأعصاب وقلق واضطراب، واجتماعية ودينية ومالية كالخمر تماماً. وقد نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ﴾ كما تقدم في قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وانتَشَوْا، فعبث بعضُهم ببعض، فلما صحوا، ورأى بعضُهم في وجه بعض آثارَ ما فعلوا، وکانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فجعل الرجل يقول: لو كان أخي بي رحيماً ما فعل هذا بي، فحدثت بينهم الضغائن، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ﴾ الآية. ولم يذكر في القرآن تعليل الأحكام الشرعية إلا بإيجاز، أما هنا فإنه فصل في بيان : ٤٢ الُ (٧) - المَائِدَة: ٩٠/٥-٩٣ الحكمة أو العلة، فذكر ثلاث حِكم، ودل على تحريم الخمر والميسر بأكثر من دلالة ليشير إلى ضررهما وخطرهما. ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ مرثم أكمل بالله تعالى التحريم وشدد في الوعيد، فقال: الرّسُول واحذروا﴾ أي أطيعوا كل ما جاء عن الله والرسول من اجتناب الخمر والميسر وغيرهما من سائر المحرمات، واحذروا ما يصيبكم إذا خالفتم أمرهما من فتنة ووقوع في المهالك في الدنيا، وعذاب في الجخرة ؛ إذ لم يحرم الله شيئاً الحي لضريبة بالولوضحميد كما قالى تعاليه ـ أمرِهِة أن الذِينُ يُخالِفَونَ عَنَ تصيبهم فتنة أو يصيبهم [النور: ٢٤/ ٦٣]. ﴿فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَغُ الْمُبِينُ أي فإن أعرضتم ولم تعملوا بما أمرتم به، فإن رسول الله بلّغكم، فانقطعت حجتكم، ومن أنذر فقد أعذر، ولم يعد لكم مطمع في التعلل والاعتذار. (نشر أيان الله تعالي محكم الذين ماتوا قبل تحريم الخمر وهم يشربونها فقال: أي ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات كمن مات قبل تحريم الخمر والميسر كحمزة، ولا على الأحياء الباقين في الحياة الذين شربوا الخمر وأكلوا الميسر قبل التحريم مثل عبد الله بن مسعود إثم ومؤاخذة؛ إذ ليس للتشريع ولا للقانون أثر رجعي، إذا ما اتقوا الله، وآمنوا بما أنزل من الأحكام، وعملوا الصالحات التي شرعت فيما مضى كالصلاة والصيام وغيرهما، ثم اتقوا ما حُرِّم عليهم بعدئذ، وآمنوا بما أنزل، ثم استمروا على التقوى والإحسان وعمل الصالح من الأفعال، والله يحب المحسنين ويثيبهم على إحسانهم وإخلاصهم وإتقانهم عملهم. وبهذا يظهر أن المراد بالتقوى والإيمان الأولين: تحصيل أصل التقوى وأصل الإيمان، والمراد بالآخرين منهما الثبات والدوام عليهما، والمقصود بالتقوى الثالثة: اتقاء ظلم العباد وإحسان الأعمال والإحسان إلى الناس ٤٣ الُ (٧) - المَائِدَة: ٩٠/٥-٩٣ بمواساتهم بما رزقهم الله من الطيبات. وتقييد رفع الجناح بالإيمان والتقوى لبيان الواقع، وهو الجواب عن سؤال بشأن مؤمنين خيف أن ينالهم شيء من الإثم. يعني أن المؤمنين لا جناح عليهم فيما تناولوه من المطعومات والمشروبات المباحات إذا ما اتقوا المحارم، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، وهذا ثغات الحماية الطبيع أيخ صلى ريض مالية قبل الضارة إلى الكمية في قوله تعالى: [البقرة: ٢ /١٤٣]. وقد عرف مما تقدم أن هذه الآية عذر لمن مات وحجة على بقية الناس؛ لأنه لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة: يا رسول الله، فكيف بإخواننا الذين ماتوا، وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر؟ فنزلت. وقد أراد عمر بعد هذه الآية إقامة الحد على قُدَامة بن مظعون الجُمَحي وهو ممن هاجر إلى الحبشة، حين شهد عليه الشهود بأنه شرب الخمر بعد التحريم بهذه الآية، روى الزهري أن الجارود سيد بني عبد القيس وأبا هريرة شهدا على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمرية وأراد عمرو أن يحللهم، فقال قدامة . ليص لكذلك؛ لأن الله يقول: ءَاكَنوا وعْمِلُوا الصَّلِحَتِ جَنَاحٌ فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت اجتنبت محارم الله. وأجاب ابن عباس: إن هؤلاءالآهات أنزلين عشراً من غَتَمْ روُحُجة يد على الناس؛ لأن الله تعالى يقول: الآية، ثم قرأ الآية الأخرى، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر، فقال عمر: صدقت ماذا ترون، فرأى علي والصحابة حده، فجلد ثمانين جلدة. فقه الحياة أو الأحكام: ١ - حدث تحريم الخمر في سنة ثلاث بعد الهجرة بعد وقعة أحد التي حدثت م ٤٤ لُ (٧) - المَائِدَة: ٩٠/٥-٩٣ في شوال سنة ثلاث من الهجرة، واستظهر ابن حجر أنها حرمت سنة ثمان من الهجرة. وأما حد الخمر فثبت بالسنة النبوية، إما أربعون جلدة وهو رأي الشافعية، وإما ثمانون جلدة وهو رأي الجمهور، روى البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن أنس رضي الله عنه قال: ((كان النبي ◌َّ يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين)) وروى مسلم عن علي رضي الله عنه قال: ((جلد رسول الله صَلّ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلُّ سُنَّة، وهذا أحب إلي». ٢ - تضمنت الآية تحريم الخمر وكل مسكر، والميسر وهو القمار بأنواعه، والأنصاب وهي الأصنام أو الفرد والشطرنج، والأزلام وهي قِداح الاستقسام، يقال: كانت في البيت - أي البيت الحرام - عند سَدَنة البيت وخُدَّام الأصنام؛ يأتي الرجل إذا أراد حاجة، فيقبض منها شيئاً، فإن كان عليه ((أمرني ربي)) خرج إلى حاجته، على ما أحب أو كره. قال ابن عطية: ومن هذا القبيل: هَوَى الزجر بالطير، وأخذ الفأل في الكتب ونحوه مما يصنعه الناس اليوم. ٣ - تم تحريم الخمر على التدرج، كما عرفنا؛ فإنهم كانوا مولعين بشربها، وأول ما نزل في شأنها: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا [النحل: ٦٧/١٦]. ثم نزل وَرِزْقًا حَسَنَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩/٢] والمنافع: هي في تجارتهم، فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس، وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها، فنزلت هذه الآية ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣/٤] فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة، حتى نزلت: ٤٥ الُعُ (٧) - المَائِدَة: ٩٠/٥-٩٣ ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُرُ وَاُلْمَيْسِرُ وَاُلْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ﴾ فصارت حراماً عليهم حتى صار يقول بعضهم: ما حرم الله شيئاً أشد من الخمر. وبه يتبين مع ما ذكر في أسباب النزول المتقدمة والأحاديث الواردة: أن شرب الخمر قبل هذه الآية كان مباحاً معمولاً به، معروفاً عندهم، بحيث لا ينكر ولا يُغَيّر، وأن النبي ◌َّ أقر عليه، وهذا مالا خلاف فيه. ٤ - فهم الجمهور من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرِّجْس عليها، والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها. وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزَني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين، فرأوا أنها طاهرة، وأن المحرم إنما هو شربها. وقد استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة، قال: ولو كانت نجسة، لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، ولنهى رسول الله وَيقول عنه، كما نهى عن التخلي في الطرق. وأجاب القرطبي: بأن الصحابة فعلت ذلك؛ لأنه لم يكن لهم شُروب (١) ولا آبان يريقونها فيها، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كُنُف في بيوتهم. وأيضاً فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهراً يعم الطريق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها. وقوله تعالى: ﴿رِجْسُ﴾ يدل على نجاستها؛ فإن الرجس في اللسان العربي: النجاسة، ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم حتى نجد فيه نصاً لتعطلت الشريعة؛ فإن النصوص فيها قليلة؛ فأي نص يوجد على تنجيس البول والعَذِرة والدم والميتة وغير ذلك؟ وإنما هي الظواهر والعمومات والأقيسة(٢). (١) السرب: حفيرة تحت الأرض. (٢) تفسير القرطبي: ٢٨٨/٧ - ٢٨٩ ٤٦ لُ (٧) - المَائِدَة: ٩٠/٥-٩٣ على الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء ٥ - دل قوله : ههَا جَعَن ولا بيع ولا تخليل ولا مداواة ولا غير ذلك. بوجه من الوجوه، بدليل الأحاديث الواردة، منها ما رواه مسلم عن ابن عباس أن رسول الله وَل﴾ قال: ((إن الذي حرم شربها حرَّم بيعها)). ومنها ما رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن النبي وَ ط ◌ّ أنه قال في التداوي بالخمر: ((إنه ليس بدواء ولكنه داء)) رداً على طارق بن سُوَيد الجعَفِي الذي قال: ((إنما أصنعها للدواء)). وهذا رأي الأطباء. لكن أجاز الحنفية التداوي بالخمر والنجاسات والسموم إذا تعينت، وعلم يقيناً أن فيها شفاء للضرورة لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا [الأنعام: ١١٩/٦]. مَا أُضْطُرِّرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ والحقيقة أنه ما أكثر الأدوية وشركات الدواء ومصانعه في عالم اليوم، فإنهم صنعوا لأكثر الأمراض علاجاً، فلم يعد الشخص بحاجة أو ضرورة للتداوي بالخمر وغيرها مما حرم الله الانتفاع به وجعله نجساً، روى البخاري وغيره عن ابن مسعود أن النبي ◌َّ قال: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)). ولا يجوز لمسلم تملك الخمر ولا تمليكها من أحد؛ لأن الشرع نهى عن الانتفاع بها، وأمر باجتنابها. ٦ - أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر والدم، وفي ذلك دليل على تحريم بيع العَذِرات وسائر النجاسات، ومالا يحل أكله، لذا كرِه مالك والشافعي وغيرهما بيع زِبل الدواب. ٧ - إن تخللت الخمر بنفسها طهرت وجاز أكل الخل باتفاق الفقهاء، أما تخليل الخمر فلم يجزه جمهور الفقهاء؛ لأن النبي ◌َّر استؤذن في تخليل خمر ليتيم، فقال: ((لا)) ونهى عن ذلك، فأراقها وليه عثمان بن أبي العاص. وأباح ٤٧ لُ (٧) - المَائِدَة: ٩٠/٥-٩٣ الحنفية تخليلها وأكل ما تخلل منها بمعالجة، أي بإلقاء شيء فيها، كملح أو غيره؛ لأن التخليل يزيل الوصف المفسد، ويجعل في الخمر صفة الصلاح، والإصلاح مباح. ٨ - قال القرطبي: هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالتَّرد والشطرنج، قماراً أو غير قمار، لقوله تعالى: فكل فَاعُالَُّدَ يُوْفَ وَهُالْعَ إِنَّمَا يُريدُ الشَّيْطَرُ أَنْ وَاُلْبَغْضَآءَ فِىِ الْخَرِ وَالْبَيْسِ؟ وأوقع العداوة والبغضاء بين الغَاكفين عليه، وصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حراماً مثله. وأيضاً فإن ابتداء اللعب يورث الغفلة، فتقوم تلك الغفلة المستولية على القلب مكان السكر. سئل القاسم بن محمد عن الشطرنج أهي ميسر؟ وعن النرد أهو ميسر؟ فقال: كل ما صدّ عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر (١). ٩ - حيثيات التحريم واضحة في الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِبِدُ الشَّيْطَنُ. أَنْ يُوقِيَ} أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن يُوقع العداوة والبغضاء يـ بسبب الخمر وغيره، فحذرنا منها ونهانا عنها. وسبب النزول المتقدم في عبث القبيلتين من الأنصار اللتين شربتا الخمر يؤكد هذا. ١٠ - قوله تعالى: ﴿وَأَطِعُهْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ). تأکید للتحريم، ج وتشديد في الوعيد، وامتثال الأمر، وكف عن المنهي عنه، فإن خالفتم فما على الرسول إلا البلاغ في تحريم ما أمر بتحريمه، وعلى المرسل أن يعاقب أو یثیب بحسب ما يُعصَى أو يطاع. ١١ - دلت آية على أن من فعل ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَِ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ؟ م) ما أبيح له حتى مات على فعله، لم يكن له ولا عليه شيء، لا إثم ولا مؤاخذة (١) تفسير القرطبي: ٢٩١/٦ - ٢٩٢ ٤٨ الُ (٧) - المَائِدَة: ٩٠/٥-٩٣ ولا ذم ولا أجر ولا مدح؛ لأن المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع، فلا حاجة للتخوف ولا للسؤال عن حال من مات، والخمر في بطنه وقت إباحتها. وهذه الآية نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ ١٢ - دل حديث البخاري المتقدم عن أنس في سبب نزول هذه الآية المتضمن أن الخمر كان من الفضيخ (المتخذ من البسر): على أن نبيذ التمر إذا أسكر خْرٌ، وهو نص ولا يجوز الاعتراض عليه؛ لأن الصحابة رحمهم الله هم أهل اللسان، وقد عَقَّلوا أن شرابهم ذلك خمر؛ إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره. ١٣ - ذهب جمهور العلماء من السلف وغيرهم إلی أن کل ما یسکر نوعه، حرم شربه، قليلاً كان أو كثيراً، نِيئاً كان أو مطبوخاً، ولا فرق بين المستخرج من العنب أو غيره، وأن من شرب شيئاً من ذلك حُدَّ. فأما المستخرج من العنب، المسكر النيء: فهو الذي انعقد الإجماع على تحريم قليله وكثيره، ولو نقطة منه. وأما ما عدا ذلك فالجمهور على تحريمه. وخالف أبو حنيفة وأبو يوسف في القليل مما عدا ما ذكر، وهو الذي لا يبلغ الإسكار، وفي المطبوخ المستخرج من العنب، فأباحا القليل غير المسكر. والمعتمد في الفتوى هو رأي محمد رحمه الله بتحريم القليل والكثير من كل مسكر، للحديث المتقدم الذي رواه النسائي وابن ماجه وغيرهما عن ابن عمرو: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)). واتفق الحنفية على أن الحد في غير الخمر لا يجب إلا بالإسكار. ١٤ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتَّقَواْ وَأَحْسَنُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ دليل على أن المتقي المحسن أفضل من المتقي المؤمن الذي عمل الصالحات، فضَلَه بأجر الإحسان. ٤٩ الجُزءُ (٧) - المثائِدَة: ٩٤/٥-٩٦ الصيد في حالة الإحرام وجزاء صيد البر (وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ: أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِبَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُ بِالْغَيْبٍ فَمَنٍ أُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَثَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفََّةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَلَ أَمْرِهِ، عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَفَّ وَمَنْ عَادَ فَيَنَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزُ ذُو أَنْشِقَامٍ ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اٌلْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ وَ لِسَيَّارَةِ وَحُزْمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُمًا وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٩٦٦ القراءات: ﴿فَجَزَآءٌ مِّثْلُ﴾: قرئ: ١- (فجزاءٌ) بالتنوين، ورفع (مثل) على الوصفية، وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي. ٢- (فجزاءُ) بالرفع والإضافة إلى (مثل) وهي قراءة باقي السبعة. ﴿كَفَّرَةٌ طَعَامُ﴾: قرئ: ١- (كفارةُ طعامٍ) وهي قراءة نافع، وابن عامر. ٢- (كفارةٌ طعامٌ) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ◌ْلَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾: يبلوَنَّ: فعل مضارع مبني، وإنما بني لاتصاله بنون التأكيد؛ لأنها أكّدت فيه الفعلية، فردَّته إلى أصله، والأصل في الفعل البناء. ﴿مِّنَ الصَّيْدِ﴾: من: إما للتبعيض؛ لأن المحرَّم صيد البر خاصة، أو لبيان ٥٠ : ٩٤/٥-٩٦ لِلُعُ (٧) - المَائِدَةِ الجنس؛ لأنه لما قال: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ﴾ لم يُعلم من أيّ جنس هو، فبيّن فقال: ﴿مِّنَ الصَّيْدِ﴾. بِالْغَيْبٍ﴾ حال أي غائباً. ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ حال من الضمير المرفوع في ﴿قَلَهُ﴾. ﴿فَجَزَآءٌ﴾: مبتدأ وخبره محذوف وتقديره: فعليه جزاء. ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ صفة جزاء، وتتعلق بالخبر المحذوف وهو (فعليه) ويجوز أن تتعلق بـ ﴿يَحْكُمُ﴾ ويجوز أن تتعلق بالمصدر وهو ﴿فَجَزَآءٌ﴾ وتعدَّى بمن إلى النَّعَم. ﴿هَدْيَا﴾ حال من هاء (به) والضمير يعود للجزاء . ﴿بَلِغَ اُلْكَعْبَةِ﴾ صفة لهدي وهو نكرة لأن الإضافة فيه في نية الانفصال؛ لأن التنوين فيه مقدر وتقديره: بالغاً الكعبة. ﴿أَوْ كَفَّرَةٌ﴾: عطف على جزاء . ﴿طَعَامُ مَسَكِينَ﴾ إما بدل من (كَفَّرَةٌ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: أو كفارة هي طعام. (صِيَامًا﴾ تمييز منصوب. ﴿مَتَعًا لَّكُمْ﴾ منصوب على المصدر؛ لأن قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اُلْبَحْرِ وَطَعَامُ﴾ بمعنى: أمتعتكم به إمتاعاً، فأقيم متاعاً مقامه؛ لأنه في معناه. المفردات اللغوية: لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ ليختبرنكم، والابتلاء: الاختبار. ﴿تَنَالُهُ: أَيْدِيكُمْ﴾ أي يكون في متناول اليد، وهو صغار الصيد . ﴿ وَرِمَاحُكُمْ﴾ أي تصطاده الرماح وهو كبار الصيد، وكان ذلك بالحديبية وهم محرمون، فكانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم، والمراد به كثرة الصيد وسهولة أخذه. ﴿لِيَعْلَمَ اَللّهُ﴾ يظهر علمه. ﴿حُرُمٌ﴾ محرمون بحج أو عمرة. ﴿فَجَزَآءٌ﴾ فعليه جزاء. ﴿مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أي شبهه في الخلقة، والنعم: الأنعام وهي ٥١ الجُزُ (٧) - المَائِدَة: ٩٤/٥-٩٦ الإبل والبقر والغنم. ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ رجلان عادلان لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به، وقد حكم ابن عباس وعمر وعلي رضي الله عنهم في النعامة بَيَدنة، وابن عباس وابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة، وحكم بالشاة أيضاً ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام؛ لأنه يشبهها. ﴿بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أي يبلغ به الحرم، فيذبح فيه ويتصدق به على مساكين الحرم، ولا يجوز أن يذبح حیث کان. ﴿أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ﴾ أي، أو عليه كفارة غير الجزاء وإن وجده هي ﴿طَعَامُ مَسَكِينَ﴾ من غالب قوت البلد: ما يساوي قيمة الجزاء، لكل مسكين مد. ﴿أَوْ عَدْلُ﴾ مساوٍ له مما يدرك بالعقل، وبكسر العين: مساوٍ له مما يدرك بالحس. ﴿وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ ثقل جزاء أمره الذي فعله، أي عاقبة أمره الثقيلة ﴿عَفَا اُللَّهُ عَمَّا سَلَفَّ﴾ من قتل الصيد قبل تحريمه. ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره. ﴿ذُو أَنِقَامٍ ﴾ أي ينتقم ممن عصاه. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرِ﴾ أبيح لكم أيها الناس حلالاً كنتم أو محرمين، وصيد البحر: ما يصاد منه مما يعيش فيه عادة، والمراد بالبحر: الماء الكثير الذي يعيش فيه السمك كالأنهار والآبار والبرك ونحوها، أي أحل لكم أن تأكلوا صيد البحر، وهو ما لا يعيش إلا فيه كالسمك، بخلاف ما يعيش فيه وفي البر كالسرطان. ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما قذف به ميتاً إلى ساحله أو طفا على وجه ﴿لَّكُمْ﴾ تأكلونه. ﴿وَ لِلسَّيَّارَةِ﴾ المسافرين منكم الماء. ﴿مَتَعًا﴾ تمتيعاً. يتزودونه، جمع سيار: وهو المسافر. ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ وهو ما يعيش في البر من الوحش المأكول، وحرم أن تصيدوه. ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمَا﴾ أي محرمين، فلو صاده حلال، فللمحرم أكله في رأي جمهور العلماء، كما بينت السنة، إذا لم يُصَدِ له ولا من أجله. وأجاز الحنفية للمحرم أكل الصيد على كل ٥٢ الزُُ (٧) - المَائِدَة: ٩٤/٥-٩٦ حال إذا اصطاده الحلال، سواء صِيد من أجله أو لم يُصَد؛ لظاهر قوله تعالى: ج ﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُّمٌ﴾ فحرم صيده وقتله على المحرمين، دون ما صاده غيرهم . ﴿تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون وتساقون إليه يوم الحشر. سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن مقاتل: أنها نزلت في عمرة الحديبية، حيث ابتلاهم الله بالصيد، وهم محرمون، فكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم، وكانوا متمكنين من صيدها، أخذاً بأيديهم، وطعناً برماحهم، وذلك قوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ، أَيْدِيَكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ فهموا بأخذها، فنزلت هذه الآية. المناسبة: وجه النظم والربط بين الآيات أنه تعالى قال: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ ثم استثنى الخمر والميسر من ذلك، فصارا من المحرمات، لا من المحللات، ثم استثنى أيضاً نوعاً آخر وهو هذا النوع من الصيد: وهو صيد الإحرام، وبيَّن جزاءه، فصار مستثنى مما أحل الله، داخلاً فيما حرمه ومنعه على المؤمنين. التفسير والبيان: يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، ليختبرنكم الله بإرسال كثير من الصيد، أو ببعض الصيد وهو صيد البر، تأخذونه بالأيدي أو تصطادونه بالرماح، وهو بيان لحكم صغار الصيد وكباره. وخص الأيدي والرماح؛ لأن الصيد يكون بهما غالباً. وتنكير قوله: ﴿بِشَىْءٍ﴾ للتحقير. وإنما امتحنوا بهذا الشيء الحقير تنبيهاً على أن من لم يثبت أمام هذه الأشياء، علماً بأن الصيد طعام لذيذ شهي وخصوصاً في الأسفار، فكيف يثبت عند شدائد المحن؟! والامتحان ٥٣ الجُرَءُ (٧) - المَائِدَة: ٩٤/٥-٩٦ بترك ما ينال بسهولة، وهو طيب، أشق على النفس وأدل على التقوى والخوف من الله، من ترك ما لا ينال إلا بمشقة، وهو قليل الأهمية. وكذلك يكون الصيد بالفخ والحبالة ونحوها من الوسائل، وما وقع فيها يكون لصاحبها، فإن ألجأ الصيد إليها أحد كان صاحبها شريكه فيه. ثم بَيَّن الله تعالى سبب الابتلاء أو الاختبار بقوله: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِاَلْغَيْبٍ﴾ أي يبتليكم الله حال إحرامكم ليظهر ما علمه أزلاً من أهل طاعته ومعصيته أنه حاصل منهم في حال الحياة، وأن صلابة الإيمان تظهر الخوف من الله تعالى في حال السر والخفية كما في حال الجهر والعلانية. والخلاصة: إنه تعالى يريد أن يعاملكم معاملة المختبر، وإن كان هو عالماً به منذ الأزل، لتزكية النفوس وتطهيرها وصقلها. ﴿فَمَنِ اُعْتَدَى﴾ أي فمن تجاوز حدود الله بعد هذا البيان الشافي في الصيد، فله عذاب شديد الألم في الآخرة؛ إذ هو لم يبال باختبار الله له؛ لأن المخالفة بعد الإنذار مكابرة وعدم مبالاة. ثم حرم الله تعالى صيد البر حال الإحرام، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وهذا النهي العام لكل مسلم ذكر وأنثى هو الابتلاء المذكور في الآية السابقة: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمْ﴾. فيا أيها الذين صدقوا بالله والرسول والقرآن، لا تقتلوا صيد البر - والقتل يشمل كل ما يزهق الروح - وأنتم محرمون بحج أو عمرة، لا بالمباشرة ولا بالتسبب كالإشارة والدلالة، ولا في حرم مكة والمدينة وإن لم تكونوا محرمين كما ثبت في السنة؛ لقوله وَلله لبعض أصحابه: ((هل أشرتم؟ هل دللتم؟)) قالوا: لا، قال: ((إذن فكلوا)). فهذه الآية تدل على أن المحرم ممنوع من الصيد مطلقاً داخل الحرم وخارجه، وعلى أن الحلال ممنوع من الصيد داخل الحرم. ٥٤ ◌ِلُ (٧) - المَائِدَة: ٩٤/٥-٩٦ ويرى الجمهور أنه لا بأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يُصَد له، ولا من أجله؛ لما رواه النسائي والترمذي والدار قطني عن جابر: أن النبي ◌َّ قال: ((صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصَد لكم)). ورأى الحنفية: أن أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا اصطاده الحلال، سواء صيد من أجله أو لم يُصد؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرٌُّ﴾ فحرّم صيده وقتله على المحرمين، دون ما صاده غيرهم، ولحديث البَهْزي - واسمه زيد بن كعب - في رواية مالك وغيره عن النبي ◌َّ في حمار الوحش العقِير أنه أمر أبا بكر، فقسمه في الرّفاق. وحديث أبي قتادة عن النبي وَ ال30 وفيه: ((إنما هي طُعْمة أطعمكموها الله)) فقد أكل النبي ◌َّ والصحابة مما أهدي إليهم من لحم الحمار الوحشي. والمراد بالصيد: المصيد، لقوله تعالى: ـيكمْ﴾ واختلف العلماء تَنَالَهُ في المراد بمدلوله، فذهب الحنفية إلى أن المراد منه الحيوان المتوحش مطلقاً، سواء أكان مأكولاً أم غير مأكول؛ لأن الصيد اسم عام يتناول كل ما يصاد من المأكول ومن غير المأكول، وهو اسم عربي واضح الدلالة على معناه، وقد كانت العرب تصطاد، وتطلق اسم الصيد على كل ما تناولته أيديهم ورماحهم. وخصه الشافعية بالمأكول؛ لأن الذي يحرم أكله ليس بصيد، فوجب أن لا يضمن، وكونه ليس بصيد؛ لأن الصيد: ما يحل أكله؛ لقوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اُلْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ هذا ما ذكره الفخر الرازي دليلاً للشافعي، وهو في الواقع دليل ضعيف؛ لأن هذه الآية إن دلت على شيء، فليس الذي تدل عليه أن الصيد هو المأكول؛ لأن قوله: ﴿مَتَعًا لَّكُمْ﴾ أي نفعاً أعم من أن يكون من طريق الأكل أو من طريق الحلية مثلاً. وذكر الرازي أيضاً دليلاً آخر للشافعي وهو الحديث المشهور الذي رواه ٥٥ الُُ (٧) - القَائِدَة: ٩٤/٥-٩٦ البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن عائشة: ((خمس فواسق ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحِدَأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور)) هذا اللفظ للبخاري، وفي رواية ((السبع الضاري)) وفي رواية مسلم: (يقتلن في الحل والحرم)). وفيها: ((والغراب الأبقع)) والسبع الضاري نص في المسألة، ووصفت بكونها فواسق، وحكم بحل قتلها، وذِكْرُ هذا الحكم عقب الوصف المناسب مشعر بكون الحكم معللاً بذلك الوصف، وهذا يدل على أن كونها فواسق علة لحل قتلها، والفسق: الإيذاء، وهي موجودة في السباع، فوجب جواز قتلها(١). ويناقش هذا الدليل بأنه لا يصلح حجة على الحنفية القائلين: إن الصيد اسم عام يتناول المأكول وغير المأكول، لا يخرج عنه شيء إلا ما أخرج الدليل، وقد أخرج الدليل الخمس الفواسق؛ لأنها فواسق، لا لأنها ليست بصيد ولا لأنها غير مأكولة. وبه يظهر أن ما أورده الرازي دليلاً للشافعي من القرآن والخبر لا يصلح دليلاً للدعوى، وإنما الذي يصلح دليلاً أن يثبت أن الصيد خاص بالمأكول، فإن ثبت هذا كانت الآية حجة للشافعية، وإلا فهي ظاهرة في العموم حتى يقوم الدليل على الخصوص. وقوله تعالى: ﴿لَ نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ﴾ لفظ عام يشمل كل صيد بري وبحري، لكن جاء قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُمًا﴾ فأباح صيد البحر مطلقاً. ثم بيَّن الله تعالى جزاء صيد الإحرام حال القتل العمد فقال: ﴿وَمَنْ قََّلَهُ مِنكُمْ﴾ أي ومن قتل شيئاً من الصيد وهو محرم، متعمداً قتله، فعليه جزاء من الأنعام، مماثل لما قتله في الهيئة والصورة إن وجد، وإن لم يوجد المثيل فتجب القيمة. (١) تفسير الرازي: ٨٧/١٢ ٥٦ الجُرُ (٧) - المَائِدَة: ٩٤/٥-٩٦ والمماثل للنعامة بدنة (ناقة) ولحمار الوحش بقرة، وللظبي شاة، وفي الطير قيمته، إلا حمام مكة، فإن في الحمامة شاة، اتباعاً للسلف في ذلك. روى الدار قطني عن جابر عن النبي ◌َّ قال: ((في الضبع إذا أصابه المحرم كبش، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب عَنَاق، وفي اليَرْبوعِ جَفْرةٍ(١)». ويلاحظ أن ظاهر الآية ترتيب الجزاء على القتل العمد، لكن يرى الجمهور غير أحمد أن الجزاء يترتب على قتل الصيد مطلقاً، سواء تعمد القاتل قتله أو أخطأ فيه، وسواء كان متذكراً إحرامه أم ناسياً، عملاً بالثابت في السنة النبوية. وإنما خص العمد بالبيان القرآني لأجل أن يرتب عليه الانتقام عند العود؛ لأن العمد هو الذي يترتب عليه ذلك، دون الخطأ. ويرى أحمد في رواية عنه: أنه لاشيء على المخطئ والناسي؛ لأنه لما خصّ تعالى المتعمد بالذکر، دل على أن غیره بخلافه. والمراد بالمثل في رأي ابن عباس ومالك والشافعي ومحمد بن الحسن والإمامية: هو النظير؛ لأن الله أوجب مثل المقتول مقيداً بكونه من النَّعَم، فلا بد أن يكون الجزاء مثلاً من النعم، وذلك لا يكون إلا بأن يكون من الحيوانات التي تماثل المقتول، فلا تجب القيمة؛ لأنها ليست من النعم. وأوجب عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم من الصحابة في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، ونحو ذلك. ورأى أبو حنيفة وأبو يوسف أن الواجب هو قيمة الصيد المقتول باعتبار كونه صيداً، وتقدر القيمة في مكان الصيد وفي زمانه؛ لأن القيمة تتفاوت باعتبار المكان والزمان؛ لأن الله أوجب مثل المقتول مطلقاً، والنظير متعذر، فينتقل إلى المثل في المعنى، وقد عهد في الشرع عند إطلاق المثل أن يراد المشارك (١) العناق: الأنثى من ولد المعز قبل بلوغ السنة، والجفرة: الأنثى من ولد الضأن البالغة أربعة أشهر. ٥٧٠ الُ (٧) - المثائِدَة: ٩٤/٥-٩٦ في النوع أو القيمة، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤/٢] والمراد من المثل: النظير بالنوع في المثليات، والقيمة في القيميات. والحيوانات من القيميات، فتجب قيمتها، والأولى أن يراد بالمثل القيمة فيما اختلفت أنواعه، وقد أهدر الشرع في ضمان المتلفات المماثلة في الصورة. ويؤيد الحنفية قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فإن اللجوء إلى حَكَمين اثنين من عدول المسلمين إنما يكون في شيء تختلف فيه الأنظار والخبرات، وذلك في القيمة. ثم قال تعالى عن تقدير الجزاء: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ أي يحكم بالجزاء من النعم في المثل أو بالقيمة في غير المثل على رأي الجمهور رجلان مؤمنان عدلان؛ لأن تحديد المماثلة بين الصيد ومثيله يحتاج لتقدیر خبیرین، لخفائه على أكثر الناس. ويذبح المثل في الحرم المكي لقوله تعالى: ﴿هَدِّيَّا بَلِغَ اُلْكَعْبَةِ﴾ أي إن الجزاء يكون هدياً (شاة أو كبشاً مثلاً) واصلاً إلى الكعبة، ويذبح في جوارها، ويوزع لحمه على مساكين الحرم. فالمراد بالاتفاق: وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك ويفرّق لحمه على مساكين الحرم. ثم رخص الشرع فخيَّر بين ذبح الهدي أو إطعام المساكين أو الصيام، فقال تعالى: ﴿أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوَ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أي إن قاتل الصيد مخير بين الالتزام بمماثل من النعم، أو بإخراج كفارة هي طعام مساكين لكل مسكين مد بقدر قيمة الصيد. أو بما يعادل ذلك الطعام من الصيام. والقول بالتخيير هو المقرر في المذاهب الأربعة؛ لظاهر ﴿أَوْ﴾ التي هي للتخيير، لكن التخيير في رأي الحنفية محصور بالقيمة، فيخير المحكوم عليه بالقيمة: إن شاء اشتری بها هدیاً فذبح بمكة، وإن شاء اشتری بها طعاماً، فتصدق به علی کل مسكين نصف صاع من بُر أو صاعاً من تمر أو شعير، وإن شاء صام يوماً عن ٥٨ الجُ (٧) - المَائِدَة: ٩٤/٥-٩٦ كل من نصف صاع البر أو صاع التمر والشعير، والحكمان في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف: يقدران قيمة الجزاء من هدي أو طعام أو صيام، وقاتل الصيد مخير بفعل أي خصلة. وقال محمد بن الحسن والشافعي: بل الخيار للحكمین، ومتى حكما بشيء التزمه القاتل. والمراد من الكعبة: الحرم، وإنما خصت بالذكر للتعظيم، فلو ذبح الهدي في غير الحرم كان إطعاماً، والإطعام يجوز في الحرم وفي غيره. ويرى الشافعي أن الإطعام يكون في الحرم كالهدي. وهذا لم تتعرض له الآية. وعلل تعالى إيجاب الجزاء بقوله: ﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ،﴾ أي شرعنا الجزاء على قتل الصيد ليذوق القاتل وبال أمره أي ثقل فعله وسوء عاقبة أمره وهتكه لحرمة الإحرام. والماضي معفو عنه: ﴿عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أي لم يجعل إثماً فيما وقع منكم في الجاهلية أو قبل هذا التحريم من قتل الصيد في حال الإحرام، ولم يؤاخذكم علیه. ولكن ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي ومن عاد إلى قتل الصيد وهو محرم بعد هذا النهي، فإن الله ينتقم منه في الآخرة لإصراره على المخالفة والذنب. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي غالب على أمره فلا يغلبه العاصي ﴿ذُو أَنِقَاءٍ﴾ يعاقب من اقترف الذنب بعد النهي عنه. وأوجب الجمهور الكفارة على العائد، فيتكرر الجزاء عندهم بتكرر القتل؛ لأن عذابه في الآخرة لا يمنع وجوب الجزاء عليه في الدنيا. وتدل الآية على أن الجزاء الدنيوي يمنع عقاب الآخرة إذا لم يتكرر الذنب، فإن تكرر استحق المذنب جزاء الدنيا (الكفارة) والآخرة (نار جهنم). ٥٩ الجُزُ (٧) - القائِدَة: ٩٤/٥-٩٦ وأما صيد البحر فحلال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ﴾ أي أبيح لكم صيد البحر، أي اصطياده، وطعامه الذي يلقيه، فيجوز للمحرم تناول ما صيد من البحر، سواء كان حياً أو ميتاً، قذفه البحر أو طفا على وجه الماء، أو انحسر عنه الماء، فهو كما أخبر النبي ◌َ ◌ّ فيما رواه أصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة: ((الطهور ماؤه، الحل مينته)). ﴿ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي أحللنا لكم ذلك لتنتفعوا به، مقيمين ومسافرين، فمن كان مقيماً فليأكل من صيده الطازج، ومن كان مسافراً فليأكل من الطازج إن كان سفره في البحر، أو من المحفوظ أو المثلَّج إن كان سفره في البَّر، وصيود البحر فيها منفعة ومتعة في السفر والحضر، سواء بالأكل أو بالادخار، أو بالانتفاع بمنافع أخرى غير الأكل كاصطياد اللآلئ أو أخذ الزيت وما قد يفيد من العظم والسن والعنبر. ﴿وَحْمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُمًا﴾ أما صيد البر من الوحش والطير: وهو مايكون توالده ومثواه في البر، مما هو متوحش بأصل خلقته، فحرام ذاته واصطياده منكم مادمتم محرمين، لا ماصاده غيركم، فلا مانع من أكل ماصاده غيركم أو صدتموه وأنتم حلال في غير الإحرام. وقد عرفنا أن الجمهور يجيزون أكل المُحْرِمِ الصيدَ البري إذا لم يُصَد له ولا من أجله، للحديث المتقدم: ((صيد البر لكم حلال مالم تصيدوه، أو يُصَد لكم)). وتوسع الحنفية فأجازوا أكل الصيد للمحرم على كل حال إذا اصطاده الحلال، سواء صيد من أجله أو لم يصد من أجله، عملاً بظاهر الآية، وبما رواه محمد عن أبي حنيفة عن ابن المنكدر عن طلحة بن عبيد الله: ((تذاكرنا لحم الصيد يأكله المحرم، والنبي ◌َّ نائم، فارتفعت أصواتنا، فاستيقظ رسول الله وَل﴿ فقال: فیم تتنازعون، فقلنا: في لحم الصيد يأكله المحرم، فأمرنا بأكله)) وروى مسلم من حديث أبي قتادة قال: خرج رسول الله وَ لجر حاجاً، وخرجنا معه، فصرف نفراً من أصحابه فيهم أبو قتادة فقال: خذوا ساحل البحر حتى تلقوني، قال: ٦٠ الجُزُ (٧) - المَائِدَةِ: ٩٤/٥-٩٦ فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا قيل: يارسول الله، أحرموا كلهم إلا أبا قتادة، فإنه لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذا رأوا حمر وحش، فحمل عليها أبو قتادة، فأصاب منها أتاناً، فنزلوا فأكلوا من لحمها، قال: فقالوا: أكلنا لحماً ونحن محرمون؟)) الخ القصة، وفيها: ((أنهم استفتوا رسول الله وَله فقال: هل معكم أحد أمره أوأشار عليه بشيء، قال: لا، قال: فكلوا)). ثم ختم الله تعالى بيان حكم الصيد حال الإحرام بالأمر بالتقوى، كما هو الشأن الغالب في تبيان الأحكام، فقال: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي اتقوا فيما نهاكم عنه من الصيد ومن جميع المعاصي كالخمر والميسر، واخشوه واحذروه بطاعته فيما أمركم به من الفرائض، فإنكم ستعرضون عليه يوم الحشر، ومصيركم ومرجعكم إليه، فيحاسبكم حساباً عسيراً، يعاقب العاصي، ويثيب الطائع. وهذا تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم، والتذكير بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير. فقه الحياة أو الأحكام: ١ - الدنيا كلها دار ابتلاء واختبار، وقد اختبر الله تعالى المؤمنين ليمتحن مدى صلابتهم في التمسك بأحكام دينهم وأصول شرعهم، اختبرهم بالصيد · مع الإحرام وفي الحرم، وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة، وشائعاً عند الجميع منهم، ومصدر رزق ومتعة وتسلية، وذلك كما اختبر بني إسرائيل في ألا يعتدوا في السبت، فاحتالوا يوم الجمعة على صيد السمك بإقامة حواجز أمام حركة الجزر البحري بعد المد الحامل للسمك، ثم أخذوا ما حجز يوم الأحد، أما المؤمنون فقد امتثلوا المنع والحظر. ٢ - الصحيح أن الخطاب في الآية لجميع الناس تُحلّهم ومُحرمهم، لقوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ أي ليكلفنكم، والتكليف كله ابتلاء، وإن تفاضل في الكثرة والقلة، وتباين في الضعف والشدة.