النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
الُ (٦) - المائِدَة: ٥٧/٥-٦٣
ثم أمر النبي ◌َ ﴿ بلالاً فأذَّن بالصلاة أذان الناس اليوم. وزاد بلال في
الصبح: ((الصلاة خير من النوم)) فأقرها رسول الله وَله.
والأذان من شعائر الإسلام، وهو العلامة الدالة المفرقة بين دار الإسلام
ودار الكفر، وكان رسول الله وَ يقول إذا بعث سرية قال لهم: ((إذا سمعتم الأذان
فأمسكوا وكُفّوا، وإن لم تسمعوا الأذان فأغيروا - أو قال: فشنوا الغارة)).
لذا قال عطاء ومجاهد والأوزاعي وداود: الأذان فرض، ولم يقولوا على
الكفاية. وقال مالك: إنما يجب الأذان في المساجد للجماعات حيث يجتمع
الناس، ثم اختلف أصحابه على قولين: أحدهما - سنة مؤكدة واجبة على
الكفاية في المصر ونحوه من القرى. والثاني - هو فرض على الكفاية. وحكى
الطبري عن مالك قال: إن ترك أهل مصر الأذان عامدين، أعادوا الصلاة.
واتفق الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور
والطبري على أن المسافر إذا ترك الأذان عامداً أو ناسياً أجزأته صلاته،
وكذلك لو ترك الإقامة عندهم، وهم أشد كراهة لتركه الإقامة، أي فهما سنة .
مؤكدة.
واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن الأذان مثنى مثنى، والإقامة
مرة مرة، إلا أن الشافعي يربع التكبير الأول، عملاً بحديث أبي محذورة.
وكذلك اتفق مالك والشافعي على الترجيع في الأذان، وذلك رجوع المؤذن
إذا قال: ((أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمداً رسول الله مرتين))
رجع فمدَّ من صوته جهده.
وقال الحنفية: الأذان والإقامة جميعاً مثنى مثنى، والتكبير عندهم في أول
الأذان وأول الإقامة: ((الله أكبر)) أربع مرات، ولا ترجيع عندهم في الأذان،
عملاً بما رآه في المنام عبد الله بن زيد وفي حديثه: (فأذن مثنى وأقام مثنى)).

٦٠٢
الُعُ (٦) - المَائِدَة: ٥٧/٥-٦٣
ورأى الإمام أحمد أنه يجوز تربيع التكبير أو تثنيته في أول الأذان، ويجوز
الترجيع وعدمه، ويجوز تثنية الإقامة وإفرادها، إلا قوله: ((قد قامت الصلاة))
فإن ذلك مرتان على كل حال، كل ذلك جائز؛ لأنه قد ثبت عن رسول الله
وَ لخير جميع ذلك، وعمل به أصحابه.
واختلفوا في التثويب لصلاة الصبح: وهو قول المؤذن: الصلاة خير من
النوم، فقال المالكية والشافعية: يسن ذلك مرتين في أذان صلاة الفجر،
لحديث أبي محذورة فيما رواه الخمسة (أحمد وأهل السنن)، ولا يسن ذلك عند
الحنفية والحنابلة.
وأجمع أهل العلم على أن من السنة ألا يؤذن للصلاة إلا بعد دخول وقتها
إلا الفجر، فإنه يؤذن لها قبل طلوع الفجر في قول مالك والشافعي وأحمد،
لقول رسول الله و 8# فيما رواه الشيخان عن ابن عمر وعائشة: ((إن بلالاً يؤذن
بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)). وقال الحنفية: لا يؤذن لصلاة
الصبح حتى يدخل وقتها، لقول النبي ◌ّلر لمالك بن الحويرث وصاحبه فيما
أخرجه الجماعة السبعة عن مالك: ((إذا حضرت الصلاة فأذّنا، ثم أقيما،
وليؤمكما أكبركما)) وقياساً على سائر الصلوات.
وأجاز مالك وأبو حنيفة وأصحابهما أن يؤذن المؤذن ويقيم غيره؛ لأن
بلالاً أذن وأقام عبد الله بن زید.
وقال الشافعي: من أذن فهو يقيم، لحديث زياد بن الحارث الصُّدَائي: ((إن
أخا صُدَاءَ أذَّن ومن أذّن فهو يقيم)).
ويترسّل المؤذن في أذانه، ولا يطرِّب به كما يفعله كثير من الجهال.
ويستحب لسامع الأذان أن يحكيه إلى آخر التشهدين، وإن أتمه جاز، وهذا
مذهب المالكية؛ لحديث الجماعة عن أبي سعيد الخدري: ((إذا سمعتم النداء،

٦٠٣
الُعُ (٦) - المَائِدَة: ٦٤/٥-٦٦
فقولوا مثل ما يقول المؤذن)). ويستحب عند الجمهور أن يقول السامع مثلما
يقول المؤذن إلا في الحيعلتين فيقول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) لحديث عمر
في صحيح مسلم.
ودل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنَقِمُونَ مِنَّا﴾ على توبيخ أهل.
الكتاب على تعيير المسلمين بشيء لا محل لإنكاره أو ذمه أو تعييبه.
وأرشد قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَنُهُمُ الرَّتَّنِيُونَ﴾ إلى النعي على العلماء توانيهم
في القيام بواجبهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد وبخ الله علماء
اليهود في تركهم النهي عن المنكر. ودلت الآية أيضاً على أن تارك النهي عن
المنكر كمرتكب المنكر، فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر. وجاء في صحيح الترمذي: ((إن الناس إذا رأوا الظالم، ولم يأخذوا
على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)).
من أقبح أقوال اليهود وإلقاء العداوة والبغضاء
بينهم وجزاء إيمان أهل الكتاب
﴿ وَقَالَتِ الُْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُوْلَةٌ غُلَتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ
كَيْفَ بَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثْرًا مِنْهُم ◌َّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن ◌َِّّكَ طُغْيَنًا وَكُفْرًا وَأَلْغَيْنَا بَيْنَهُمُ
الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَّةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًّا لِلْحَرْبِ أَطْفَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِى
اُلْأَرْضِ فَسَادًا وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ ءَامَنُواْ
وَأَتَّقَوْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَهُمْ جَنَتِ النَّعِيمِ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ
التَّوْرَنَّةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ
أَرُْلِهِمَّ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ

٦٠٤
الجُرُ (٦) - المَائِدَة: ٦٤/٥-٦٦
القراءات:
﴿ وَلْبَغْضَآءَ إِلَى﴾ :
سهل الهمزة الثانية: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحققها الباقون.
﴿إِلَهم﴾:
وقرأ حمزة (إليهُم).
الإعراب:
﴿وَلَيَزِيدَنَ كَثْرًا مِنْهُم ◌َّا أُنزِلَ﴾ ما أنزل: في موضع رفع فاعل:
﴿وَلَيَزِيدَرَ﴾ وتقديره: وليزيدن الذي أنزل إليك كثيراً منهم.
البلاغة :
﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: غل اليد: كناية عن البخل، وبسطها كناية عن الجود.
وبين ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾ طباق من حيث اللفظ.
﴿أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ﴾ استعارة؛ لأن الحرب لا نار لها، وإنما شبهت بالنار؛
لأنها تأكل أهلها، كما تأكل النار حطبها.
﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ استعارة أيضاً، استعار ذلك
لتوسعة الرزق عليهم، كما يقال: عَمَّهُ الرزق من فوقه إلى قدمه.
المفردات اللغوية:
﴿يَدُ اللَّهِ﴾ اليد: هي في الحقيقة العضو المعروف من الأصابع حتى الكتف،
أو إلى الرسغ، وتطلق مجازاً على النعمة، تقول: لفلان عندي يد أي معروف
ونعمة، وعلى العطاء والنفقة، كما يقال: ما أبسط يده بالنوال، أي العطاء
الجزيل، وعلى القدرة مثل قوله تعالى: ﴿أُوْلِىِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ﴾ [ص: ٤٥/٣٨]

٦٠٥
الجُرُ (٦) - المائدة: ٦٤/٥-٦٦
ج
أي ذوي القوة والعقول. والمقصود بقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي ممسكة عن
العطاء والإنفاق وإدرار الرزق علينا، كَّوا به عن البخل، تعالى الله عن ذلك.
﴿غُلَّتْ أَيْدِهِمْ﴾ أمسكت وانقبضت عن فعل الخير، وهو دعاء عليهم بالبخل
﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي كثير العطاء، مبالغة بالوصف بالجود، وثنى اليد لإفادة
الكثرة؛ إذ غاية ما يبذله السخي من ماله: أن يعطي بیدیه ونحن نؤمن باليد من
غير تشبيه ولا تجسيم. وإن كان قصدهم أثر اليد وهو الإنعام بقرينة الإنفاق.
﴿ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ من توسيعٍ وتضييق، لا اعتراض عليه. ﴿فَآَ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن
زَّيِّكَ﴾ من القرآن ﴿طُغْيَنًا وَكُفْرَا﴾ لكفرهم به. ﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرْبِ﴾ القتال
والإخلال بالأمن والسلم، والسلب ولو بغير قتل، وإثارة الفتنة ﴿أَطْفَأَهَا
اللَّهُ﴾ أي كلما أرادوه ردهم ﴿وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ أي مفسدين
بالمعاصي ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي يعاقبهم.
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ اُلْكِتَبِ ءَامَنُواْ﴾ بمحمد ◌ِ ﴿وَأَتَّقَوْاْ﴾ الكفر ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ
أَقَامُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ بالعمل بما فيهما على أتم وجه، سواء الإيمان
الصحيح، وِمنه الإيمان بالنبي وَّه، والعمل الصالح. ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم﴾ من
الكتب ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْفِهِمْ وَمِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي لوسع عليهم الرزق
وفاض من كل جهة ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ﴾ جماعة ﴿مُقْنَصِدَةٌ﴾ معتدلة في أمر الدين،
وهم من آمن بالنبي ◌ََّ كعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿وَكَثِرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا
يَعْمَلُونَ﴾ أي بئس مايعمله الكثيرون منهم.
سبب النزول:
أخرج الطبراني وابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود
يقال له: النباش بن قيس للنبي: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله: ﴿وَقَالَتِ
اُلُودُ یَدُ اُللَّهِ مَغْلُولَهُ ﴾. وأخرج أبو الشیخ پن حیان من وجه آخر عن ابن عباس
قال: نزلت: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةُ﴾ في فَنْحاص رأس يهود بني قينقاع
وهذا ماقاله عكرمة.

٦٠٦
لُعُ (٦) - القائِدَة: ٦٤/٥-٦٦
المناسبة:
بعد أن ذكر تعالى بعض قبائح اليهود ومخازيهم من مسارعتهم في الإثم
والعدوان وأكل السحت ونحو ذلك من جمع المال من حلال أو حرام، ذكر هنا
أقبح مخازيهم وصفاتهم وسيئاتهم، بجرأتهم على ربهم، ووصفه بالبخل، مما لا
يقول به عاقل، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
التفسير والبيان:
وصفوا الله تعالى بأنه فقير وهم أغنياء، ووصفوه بالبخل بقولهم: ﴿يَدُ
اللَّهِ مَغْلُولَهُ﴾ أي قال بعض اليهود - لما أصيب بأزمة مالية بسبب تكذيبه
النبي ◌َّ -، ونسب إلى الأمة لتكافلها فيما بينها -: إن الله بخيل. وغل اليد:
مجاز عن البخل، ويد الله مغلولة: بخيلة وبسطها: كناية عن الجود والكرم.
فهم لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكن يقولون: بخيل يعني أمسك
ماعنده من موارد الرزق بخلاً، قال تعالى: ﴿وَلَا تَّجْعَلْ يَدََكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ
يعني أنه ينهى عن البخل
وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ اٌلْبَسْطِ فَنَفْعُدَ مَلُوْمًا تَحْسُورًا (٦)﴾
وعن التبذير وهو زيادة الإنفاق في غير محله.
ورد الله عز وجل عليهم ماقالوه وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه، ودعا
عليهم بالبخل والطرد من رحمته، فقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ وهو
دعاء عليهم بالبخل والنكد والإمساك عن الخير، فكانوا أبخل خلق الله
وأنكدهم. ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة، يغللون في الدنيا
أسارى، وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم.
وأثبت الله تعالى في رده عكس ما يقولون فقال: ﴿بَلِّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ

٦٠٧
الجُ (٦) - المَائِدَة: ٦٤/٥-٦٦
كَيْفَ يَشَاءٍ﴾(١) أي بل هو الجواد الواسع الفضل، الجزيل العطاء الذي مامن
شيء إلا عنده خزائنه، وما من نعمة بخلقه فمنه وحده، لا شريك له، كما قال
تعالى: ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاً
[إبراهيم: ١٤/ ٣٤].
إِنَّ الْإِنسَنَ لَظَلُومُ كَفَّارٌ (@)
وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وصله: ((إن
يمين الله ملأى لا يَغيضها نفقةٌ، سَخَّاءُ، الليلَ والنهار(٢)، أرأيتم ما أنفق منذُ
خَلَق السماوات والأرض، فإنه لم يَغِضْ مافي يمينه - قال: وعرشُه على الماءِ،
وفي يده الأخرى الفيض - أو القَبْض - يرفع ويخفِض. وقال: يقول الله
تعالى: أَنْفقْ أُنفِقْ عليك)).
وعبر عن سعة الجود ببسط اليدين؛ لأن الجواد يعطي بكلتا يديه. والعقيدة
في هذا المعنى نفي التشبيه عن الله تعالى، وأنه ليس بجسم ولا جارحة، كما
قال ابن عطية.
أما تقتير الرزق على بعض الناس فلا ينافي سعة الجود، فإن له حكمة
وإرادة ومشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق كما قال سبحانه:
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِىِ الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ
[الشورى: ٢٧/٤٢] ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن كَشَآءُ
بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾
ج
وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦/١٣].
ثم بَيَّن الله تعالى مدى تأثير القرآن فيهم فقال: ﴿وَلَيَزِيدَنَ كثيرًا﴾ أي تالله
ليزيدن ما أنزل إليك من الآيات البينات طغياناً وهو المبالغة والمجاوزة للحد في
الأشياء، وكفراً أي تكذيباً، أي يكون ما آتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في
(١) نؤمن باليد من غير تشبيه ولا تجسيم، والظاهر هنا إرادة الإنعام على الجملة (تفسير ابن عطية
٥٠٩/٤، ٥١٢).
(٢) قال النووي: هو بنصب الليل والنهار ورفعهما؛ النصب على الظرف، والرفع على الفاعل،
أي فاعل يغيضها. والسح: الصب الكثير، ويغيض: ينقص.

٦٠٨
٨
لُ (٦) - للائِدَة: ٦٤/٥-٦٦
حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقاً وعملاً
صالحاً وعلماً نافعاً، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك طغياناً
وكفراً، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدِّى وَشِفَاءٌ وَاُلَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ فِىّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى أُوْلَكَ يُنَدَوْنَ مِن مَّكَانٍ
بَعِيدٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ اُلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَّ وَلَا
يَزِيدُ الَّلِينَ إِلََّّ خَسَارًا ﴾﴾(١)
﴾ [الإسراء: ١٧ /٨٢].
روى الطبري عن قتادة قال في آية: ﴿وَلَيَزِيدَنَ﴾: حملهم حسد محمد زَّل
والعرب على أن كفروا به، وهم يجدونه مكتوباً عندهم(١). وكان من جزاء الله
لهم على نكدهم ما قاله: ﴿ وَأَلْقَيَّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ﴾ أي وألقينا بين فئات اليهود
والنصارى العداوة والبغضاء، فكل فرقة منهم تخالف الأخرى كما قال
تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ﴾[ الحشر: ١٤/٥٩] والتاريخ القديم
والحديث يثبت ذلك بوقائع الحروب العنصرية والدينية والاستعمارية الكثيرة
الوقوع. ولا يغترن أحد بتوافق اليهود في فلسطين، فذلك أمر وقتي.
وكلما هموا بالكيد للرسول والمؤمنين الصادقين وإثارة الفتن والحروب بين
الأمم في الداخل والخارج، خذلهم الله، ورد كيدهم عليهم، فإما أن يخيب
مسعاهم، أو ينصر المؤمنين عليهم.
وهم في مساعيهم يسعون في الأرض فساداً، أي من سجيتهم أنهم دائماً .
يفسدون في الأرض ولا يصلحون، والله لا يحب من كانت هذه صفته، بل
يبغضه ويعاقبه ويسخط عليه.
ثم فتح الله تعالى باب الأمل والتوبة أمامهم فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ
ءَامَنُواْ﴾ أي لو أنهم آمنوا بالله ورسوله، واتقوا ماكانوا يتعاطونه من المآثم
(١) تفسير الطبري: ١٩٥/٦

٦٠٩
الُعُ (٦) - للائِدَة: ٦٤/٥-٦٦
والمحارم، لكفرنا عنهم سيئاتهم التي اقترفوها، ولأدخلناهم جنات النعيم التي
ينعمون بها، أي لأزلنا عنهم المحذور وأنلناهم المقصود.
ولو أنهم عملوا من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير بما في التوراة والإنجيل
المنزلين من عند الله بأصل التوحيد، المبشِّرين بالنبي من ولد إسماعيل، وعملوا
بما أنزل على النبي محمد نَّه وهو القرآن، لوسَّع الله عليهم رزقهم، وأنزل
عليهم من خيرات السماء، وأخرج لهم من بركات الأرض، كما قال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىِّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَّكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾
[الأعراف: ٩٦/٧] قال ابن عباس: ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ يعني لأرسل
السماء عليهم مدراراً ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني يخرج من الأرض بركاتها.
ثم ذكر تعالى أن أهل الكتاب ليسوا سواء في اعتقادهم وأفعالهم فقال:
﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ أي جماعة معتدلة في أمر الدين
كعبد الله بن سلام وأصحابه من اليهود، والنجاشي وأمثاله من النصارى،
وكثير غالب منهم فاسقون خارجون عن أصول الدين، وبئس العمل عملهم.
وهناك نظائر لهذه الآية التي تشهد لبعض أهل الكتاب بالاعتدال مثل قوله
تعالى عن بعض اليهود: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ
رومي
[الأعراف: ١٥٩/٧] وقوله تعالى عن أتباع عيسى: ﴿فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧/٥٧].
فقه الحياة أو الأحكام:
غريب أمر اليهود وطبعهم، فإنهم ماتركوا فعل فاحسة أو منكر إلا
اقترفوه، ولم يسلم منهم الأنبياء فقتلوهم، بل امتد أذاهم وخزيهم إلى الله عز
وجل، فقال بعضهم: إن الله بخيل، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء.
لكن غلت أيديهم في الآخرة، وحجبهم الله عن الخير والبر ولعنهم

٦١٠
الُعُ (٦) - المائدة: ٦٤/٥-٦٦
وطردهم من رحمته في الدنيا بدعائه عليهم بقوله: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾.
تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً فهو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، على
وفق الإرادة والحكمة كما يشاء، ونعم الله تعالى أكثر من أن تحصى.
ووالله ليزيدن اليهود بسبب فظائعهم ومخازيهم طغياناً وكفراً، أي تجاوزاً
للحد في بغض النبي وَ لّ وعداوته، وكفراً بما جاء به، وإذا نزل شيء من
القرآن فكفروا، ازداد كفرهم.
وألقى الله بين طوائف اليهود العداوة والبغضاء، كما قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ
جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ فهم متباغضون غير متفقين؛ فهم أبغض خلق الله إلى
الناس.
وكلما أوقعوا الفتنة وجمعوا وأعدّوا، شتت الله جمعهم وبدد شملهم. وأما
تجمعهم في فلسطين فذلك أمر موقوت، وتنبيه لنا أن نعود إلى ديننا، ونوحد
صفوفنا، وليتم تدبير الله في هزيمتهم هزيمة منكرة لا تقوم لهم بعدها قائمة، فهم
إن عاجلاً أو آجلاً إلى زوال. قيل: إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله:
التوراة، أرسل الله عليهم ◌ُخْتَنَصَّر، ثم أفسدوا فأرسل عليهم بطرس الرومي،
ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين؛
فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله، وكلما أوقدوا ناراً، أي أهاجوا شراً،
وأجمعوا أمرهم على حرب النبي وَلّ أطفأها الله، وقهرهم ووهَّن أمرهم،
ويسعون في الأرض فساداً، أي في إبطال الإسلام، وذلك من أعظم الفساد.
ومع كل هذه المخازي والمعايب فتح الله أمام أهل الكتاب باب التوبة،
ليصلحوا ما أفسدوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ اُلْكِتَبِ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ
لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَهُمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ
٦٥
)﴾. وهذا دليل على عظم
معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم.
ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل، ونفذوا مافيهما من تعليمات وأحكام

٦١١
الُرُ (٦) - القائِدَة: ٦٤/٥-٦٦
ودعوة إلى الإيمان برسالة الإسلام، لوسع الله عليهم الرزق وزادهم من
النعم، وأفاض عليهم من أنواع الخيرات، ونظير هذه الآية. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ
يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْنَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢/٦٥-٣]. ﴿وَأَلٍَّ
اُسْتَقَدِمُواْ عَلَى الطَّرِيفَةِ لَأَسْقَيْنَهُم ◌َّءَ غَدَقًّا (٣)﴾ [الجن: ١٦/٧٢]. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ
الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَّكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٧/
٩٦] فجعل تعالى التقى من أسباب الرزق، كما في هذه الآيات، ووعد بالمزيد
لمن شكر فقال: ﴿لَيِنِ شَڪَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧/١٤].
وفي هذا دلالة واضحة على أن ما أصابهم من ضنك وضيق إنما هو بسبب
جناياتهم، لا من قصور في فيض الله تعالى.
وأخبر تعالى أن منهم أمة مقتصدة معتدلة مؤمنة بكل ماأنزل الله إليهم وإلى
النبي وَّرَ، وهم المؤمنون منهم كالنجاشي وسَلْمان وعبد الله بن سَلام،
اقتصدوا فلم يقولوا في عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام إلا ما يليق بهما.
والاقتصاد: الاعتدال في العمل.
فالعبرة في الأديان الثابتة من عند الله: هو العمل بها والاهتداء بهديها، لا
التعصب الجنسي لها أو ضدها، وإحداث صراع حاد بين أهلها، فمن آمن بحق
بدين آمن تلقائياً ومباشرة بكل دين أنزله الله ورضيه لعباده، والدين دين الله،
وليس حكراً على أحد، ولا دين بشر أحدثه للناس.
لذا كان واقع الناس غريباً عن حقيقة الدين، وأصبح الكثير منهم خارجاً
عن حدود الدين: ﴿وَكَثِيْرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ أي بئس شيء عملوه، كذبوا
الرسل، وحرّفوا الكتب، وأكلوا السحت.
وهكذا لا تخلو أمة أو زمن من المعتدلين، ولا يخفت صوت الحق مهما
حاول الفسقة كبته وخنقه، وإذا كثر أهل السوء، وقل الصالحون هلكت
الأمم.

٦١٢
لُعُ (٦) - للَائِدَة: ٦٧/٥-٦٩
أمر الرسول بتبليغ الوحي وعصمته من الناس
ودعوة أهل الكتاب للإيمان برسالته
◌َأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ
رِسَالَتَهُ وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ ﴿ قُلْ
يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن
رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ تُغْيَنًا وَكُفْرَأْ فَلَا تَأْسَ عَلَى
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّئُونَ وَالنَّصَلَى مَنْ
اُلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ (3)
ءَامَنََ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَِحًا فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
٦٩
القراءات:
ج
﴿رِسَالَتَهُ﴾:
وقرأ نافع وابن عامر: (رسالاته).
﴿فَلاَ تَأْسَ﴾ :
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً: (فلا تاس).
﴿ وَالصَِّئُونَ﴾ :
وقرأ نافع، وحمزة وقفاً (والصابُون).
الإعراب:
﴿ وَالصَِّئُونَ﴾: مبتدأ خبره محذوف تقديره (كذلك) والنية به التأخير عما في
حيِّز: إن ومعمولها، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى

٦١٣
اِلُعُ (٦) - القَائِدَة: ٦٧/٥-٦٩
حكمهم كذا، والصابئون كذلك (الكشاف: ١/ ٤٧٤) أو أنه مبتدأ وخبره:
﴿مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اُلْآَخِرِ﴾ (ابن الأنباري: ٣٠٠/١). وقيل: إنه
معطوف على الضمير المرفوع في ﴿هَادُواْ﴾ وهو ضعيف؛ لأن العطف على
المضمر المرفوع المتصل لا يجوز من غير فصل ولا تأكيد.
البلاغة:
﴿لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾ تعبير فيه غاية التحقير والتصغير.
﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَبِّكُمْ﴾ أضاف كلمة (الرب) إليهم تلطفاً معهم في
الدعوة.
﴿فَلَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ وضع الظاهر ﴿اَلْكَفِرِينَ﴾ موضع الضمير
((عليهم)) لإظهار مدى رسوخهم في الكفر.
المفردات اللغوية:
﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ أي بلِّغ جميع ما أنزل إليك، غير مراقب في تبليغه
أحداً، ولا خائف أن ينالك مكروه. والتبليغ: إعلان الدعوة الإسلامية،
وإعلام جميع ما تضمنته من أحكام وأخبار للناس . ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ
اَلنَّاسَِّ﴾ أن يحفظك ويكلأك ويضمن لك العصمة والصون من أعدائك أي
من قتلك، فلا تأبه لهم ولا عذر لك في مراقبتهم. وهذا عِدَة من الله بالحفظ
والكلاءة، ووعد الله منجز ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ اَلْكَفِرِينَ﴾ أي لا يمكنهم
مما يريدون إنزاله بك من الهلاك.
﴿لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾ أي من الدين الحقيقي معتد به، أو على دين يعتدّ به
﴿حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنِجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ بأن تعملوا بما
فيه، ومنه الإيمان بالله تعالى وبرسوله خاتم النبيين ﴿وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّ
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ من القرآن ﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ لكفرهم بالقرآن ﴿فَلاَ تَأْسَ﴾
تحزن ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ﴾ إن لم يؤمنوا بك، أي لا تهتم بهم.

٦١٤
الُعُ (٦) - المَائِدَة: ٦٧/٥-٦٩
﴿وَاُلَّذِينَ هَادُواْ﴾ هم اليهود ﴿وَالصَِّئُونَ﴾ الخارجون عن الأديان كلها
كما قال الزمخشري، وقال مجاهد: الصابئون: طائفة من النصارى والمجوس
ليس لهم دين، وروي عن مجاهد والحسن البصري: هم طائفة من المجوس
واليهود لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.
وقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى الشمس کل یوم خمس
صلوات(١).
سبب النزول: نزول الآية (٦٧):
﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾: أخرج أبو الشيخ بن حيان عن الحسن البصري: أن
رسول الله وَلّ قال: إن الله بعثني برسالة، فضِقْتُ بها ذَرْعاً، وعرفت أن
الناس مكذبي، فوعدني لأبلغنّ أو ليعذبني، فنزلت: ﴿يَّأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ
إِلَيْكَ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لما نزلت: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ
إِلَيْكَ مِن رَّيٌِّ﴾ قال: يا ربّ، كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون علي،
فنزلت: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾.
وأخرج الحاكم والترمذي عن عائشة قالت: كان النبي ◌َّ ◌ُجرس، حتى
نزلت هذه الآية: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ﴾ فأخرج رأسه من القبة،
فقال: ((يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله)). قال السيوطي: في هذا
الحديث دليل على أن الآية ليلية، نزلت ليلاً، فراشية، والرسول في فراشه.
وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة قال: كنا إذا أصبحنا ورسول
الله وَّ في سفر، تركنا له أعظم شجرة وأظلها، فينزل تحتها، فنزل ذات يوم
(١) تفسير الرازي: ١٠٥/٣، تفسير ابن كثير: ٨٠/٢

٦١٥
لِلُ (٦) - المَائِدَة: ٦٧/٥-٦٩
تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه، وقال: يا محمد، من يمنعك
مني؟ فقال رسول الله مَّ: الله يمنعني منك، ضع السيف، فوضعه، فنزلت:
﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِّ﴾.
وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال: سئل رسول الله وَل: أي آية من
السماء أنزلت أشد عليك؟ فقال: كنت بمنى أيام موسم، واجتمع مشركو
العرب وأفناء الناس (أي لا يُعلَم ممن هم) فنزل علي جبريل فقال: ﴿يَأَيُها
الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية، فقمت عند العقبة فقلت: أيها الناس، من
ينصرني على أن أبلغ رسالات ربي، ولكم الجنة؟.
أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله، وأنا رسول الله إليكم، تُفلحوا، ولكم
الجنة، قال ◌َّ: فما بقي رجل ولا أَمَةٌ ولا صبي إلا يرمون علي بالتراب
والحجارة، ويقول: كذاب صابئ، فعرض علي عارض، فقال: اللهم اهدِ
قومي فإنهم لا يعلمون، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك، فجاء العباس
عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه.
قال السيوطي: وهذا يقتضي أن الآية مكية، والظاهر خلافه.
وقال الرازي: واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت، إلا أن الأولى حملها
على أنه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى، وأمره بإظهار التبليغ من غير
مبالاة منه بهم(١).
نزول الآية (٦٨):
﴿قُلْ يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾: روى ابن جرير الطبري وابن أبي
حاتم عن ابن عباس قال: جاء رسولَ الله وَّ رافع بن حارثة، وسلام بن
(١) تفسير الرازي: ٥٠/١٢

٦١٦
لُعُ (٦) - القائِدَة: ٦٧/٥-٦٩
مسكين، ومالك بن الصيف، ورافع بن حرملة، فقالوا: يا محمد، ألست
تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها
من الله حق، فقال رسول الله وَله: بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم مافيها،
مما أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أُمرتم أن تبينوه للناس، وأنا
بريء من أحداثكم، قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الحق والهدى،
ولا نؤمن بك، ولا نتبعك، فأنزل الله: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ
حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَبِّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلاَ تَأْسَ
عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾(١).
وقال ابن عباس: جاء جماعة من اليهود إلى النبي ◌َّ فقالوا: ألستَ تُقرّ أن
التوراة حق من عند الله؟ قال: بلى، فقالوا: فإنا نؤمن بها ولا نؤمن بما
عَدَاها، فنزلت الآية، أي لستم على شيء من الدين حتى تعملوا بما في
الكتابين من الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، والعمل بما يوجبه ذلك
منهما(٢).
المناسبة:
أمر الرسول و ﴿ بألّا ينظر إلى قلة المقتصدين المعتدلين وكثرة الفاسقين من
أهل الكتاب، ولا يخشى مكروههم، فقال: ﴿بَلِّغْ﴾ أي واصبر على تبليغ ما
أنزلته إليك من كشف أسرارهم وفضائح أفعالهم، فإن الله يعصمك من
كيدهم، ويصونك من مكرهم.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى رسوله محمداً وَله مخاطباً له بصفة الرسالة بإبلاغ جميع ما
(١) تفسير الطبري: ٢٠٠/٦، أسباب النزول للسيوطي.
(٢) تفسير القرطبي: ٢٤٥/٦

٦١٧
اِلُعُ (٦) - القَائِدَة: ٦٧/٥-٦٩
أنزله الله عليه، فقام بالواجب أتم القيامة، وبلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة،
ونصح للأمة، فجزاه الله خير الجزاء، قال البخاري عند تفسير هذه الآية من
حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: من حدثك أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل
الله عليه فقد كذب، وهو يقول: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ﴾
وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي. وفي الصحيحين عنها أيضاً أنها قالت:
(لو كان محمد بَ ل كاتماً شيئاً من القرآن لكتم هذه الآية: ﴿ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ
مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَّهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧/٣٣].
ومعنى الآية يا أيها الرسول المرسل من عند ربه برسالة إلى الناس كافة بلِّغ
جميع ما أنزل إليك من ربك، ولا تَخْشَ في ذلك أحداً، ولا تخف أن ينالك
مكروه.
وإن لم تبلغ فوراً ما أنزل إليك ولم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به، بأن كتمته
ولو إلى حين، فما قمت بواجب التبليغ إلى الناس، كما قال تعالى: ﴿مَّا عَلَى
الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ [المائدة: ٩٩/٥].
والحكمة في هذا الأمر بالتبليغ وتأكيده بقوله: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ﴾ بجعل
كتمان بعضه مثل كتمان كله، مع أن الرسل معصومون من كتمان شيء مما
أنزله الله إليهم. هو إعلام الرسول ولو بأن التبليغ حتم لا يجوز له الاجتهاد
بتأجيل شيء عن وقته.
والحكمة بالنسبة إلى الناس أن يعرفوا هذه الحقيقة بالنص، فلا يختلفوا
فيها.
وقد بلغ النبي ◌َّ فوراً جميع ما أنزل إليه من القرآن، قال البخاري: قال
الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، وقد
شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة، وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم
المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين

٦١٨
الُرُ (٦) - المَائِدَة: ٦٧/٥-٦٩
ألفاً، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله وَ لَه قال
في خطبته يومئذ: ((أيها الناس، إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟»
قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء
وينكسها إليهم ويقول: ((اللهم هل بلغت)).
روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله في حجة الوداع:
((يا أيها الناس، أي يوم هذا؟)) قالوا: يوم حرام، قال: ((أي بلد هذا؟))
قالوا: بلد حرام، قال: ((فأي شهر هذا؟)) قالوا: شهر حرام، قال: ((فإن
أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم
هذا، في شهركم هذا)) ثم أعادها مراراً، ثم رفع أصبعه إلى السماء، فقال:
((اللهم هل بلغت)) مراراً، قال أحمد: يقول ابن عباس: والله لوصية إلى ربه عز
وجل، ثم قال: ((ألا فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب
بعضكم رقاب بعض)».
ثم أعلن الله لنبيه كفالته وضمانه بعصمته من الناس، أي إنه يحميه من
الفتك والقتل ولا يمكن الأعداء مما يريدون، وقد حاول المشركون قتله
وقرروا ذلك في دار الندوة بعد موت أبي طالب، فعصمه الله وهاجر إلى
المدينة، وكذلك فعل اليهود بعد الهجرة، والمراد العصمة من القتل، فلا
يعترض عليه بأنه تعرض لأذى المشركين في مكة، وفي الطائف، وبعد الهجرة
يوم أحد حيث شج في وجهه، وكسرت رباعيته صلوات الله عليه.
روى الترمذي وأبو الشيخ بن حيان والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن بضعة
رجال من الصحابة: ((أن النبي وَلّ كان يُحرس في مكة قبل نزول هذه الآية،
وكان العباس ممن يحرسه، فلما نزلت ترك رسول الله (َ﴾ الحرس)). وروي
((أن أبا طالب كان يبعث مع رسول الله من يحرسه إذا خرج حتى نزل ﴿وَاللَّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسَِّ﴾ فذهب ليبعث معه، فقال: يا عم، إن الله حفظني، لا
حاجة لي إلى من تبعث)).

٦١٩
: ٦٧/٥-٦٩
لِجُرُ (٦) - العَائِدَة
وعن أنس رضي الله عنه: كان رسول الله وَ ل يحرسه سعد وحذيفة، حتى
نزلت هذه الآية، فأخرج رأسه من قبة أدم، وقال: انصرفوا يا أيها الناس،
فقد عصمني الله من الناس.
وهذه الآية المكية وضعت في سياق تبليغ أهل الكتاب المأمور به في المدينة،
لتدل على تعرض النبي ◌َّ لإيذائهم، كما تعرض لإيذاء المشركين، والله
عصمه من الفريقين.
وقيل: نزلت الآية بعد يوم أحد، بدليل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اُلْكَفِرِينَ﴾ ومعناه: أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك.
وللآية معنى أعم في الواقع وهو: بلّغ أنت والله هو الذي يهدي من يشاء
ويضل من يشاء)) كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَنهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى
مَنْ يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢/٢] وقال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾
[الرعد: ١٣ /٤٠].
ثم كشف القرآن لكل الناس: أهل الكتاب والمسلمين عن حقيقة مهمة جداً
هي أن النسبة إلى الدين لا تنفع إلا بالعمل به، فقال: ﴿قُلْ يَأَهْلَ اُلْكِنَبِ
لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾ أي قل يا محمد لأهل الكتاب (اليهود والنصارى): لستم على
شيء من الدين يعتد به حتى تقيموا التوراة والإنجيل فيما أمرا به من التوحيد
الخالص والعمل الصالح، ومما فيهما الإيمان بمحمد والأمر باتباعه والإيمان
بمبعثه والاقتداء بشريعته، وتعملوا بما أنزل إليكم من ربكم، يعني القرآن
العظيم، الذي أكمل الله به الدين وختم برسالة محمد رسالات الأنبياء.
ثم كرر تعالى ما ذكر في الآية السابقة (٦٤): وهو القسم من الله تعالى بأن
كثيراً من أهل الكتاب لا يزيدهم القرآن إلا غلواً في تكذيبهم وكفراً على
كفرهم، لتعصبهم الموروث وحقدهم وحسدهم ﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِمْ﴾
[البقرة: ١٠٩/٢]، وإهمالهم التفكير بإنصاف وتجرد، فلا تأس على القوم
الكافرين، أي لا تحزن يا محمد ولا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم،
فإن ضرر ذلك راجع إليهم، لا إليك، وفي المؤمنين غنى عنهم.

٦٢٠
الجُعُ (٦) - للائِدَة: ٦٧/٥-٦٩
أما القليل منهم الذين آمنوا بالله وحده لا شريك له وبكتبه ورسله، فلا
يزيدهم القرآن إلا هدى ورشاداً وإسعاداً.
وبعد الكشف عن تلك الحقيقة المهمة وضع القرآن قانوناً عاماً لكل
الناس، وهو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي إن الذين صدقوا بالله ورسوله وهم
المسلمون، واليهود حملة التوراة أتباع موسى عليه السلام، والصابئون(١)
كذلك الخارجون عن الأديان كلها(٢) والنصارى أتباع المسيح عليه السلام،
من آمن منهم(٣) بالله ورسله واليوم الآخر إيماناً صحيحاً صادقاً، وعمل عملاً
صالحاً، فلا خوف عليهم أبداً من عذاب يوم القيامة، ولا هم يحزنون أبداً
على لذات الدنيا ونعيمها ولا على شيء يصيبهم في الآخرة، بل هم في جنات
النعيم.
:
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت آية التبليغ على رد قول من قال: إن النبي ◌َّل كتم شيئاً من أمر الدين
تقيّة، وعلى بطلان هذا القول من الرافضة. ودلت أيضاً على أنه نَّه لم يُسِرّ إلى
أحد شيئاً من أمر الدين؛ لأن المعنى بلِّغ جميع ما أنزل إليك ظاهراً.
قال ابن عباس: ((المعنى بلّغ جميع ما أنزل إليك من ربك، فإن كتمت شيئاً
منه فما بلغت رسالته)) وهذا تأديب للنبي وَّر، وتأديب لحملة العلم من أمته
ألا يكتموا شيئاً من أمر شريعته، وقد علم الله تعالى من أمر نبيه أنه لا يكتم
شيئاً من وحيه.
ودلت آية ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ على نبوته وَلّ؛ لأن الله عز وجل
(١) مبتدأ وخبره محذوف.
(٢) ولم يعطف على ما قبله بالنصب؛ لأن الصابئين أشد الفرق المذكورين في الآية ضلالاً.
(٣) بدل منصوب من اسم إن وما عطف عليه.