النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١
الجُرُ (٦) - المَائِدَة: ٥١/٥-٥٣
تقتضيها الضرورة، بدليل ما قال الطبري في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَنَوَلَُّم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ
): يعني ومن يتولّ اليهود والنصارى دون المؤمنين، فإنه منهم، فإن من
تولاهم ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى
متول أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه،
فقد عادى ما خالفه وأسخطه، وصار حُكْمُه حُكْمَه(١).
ودل قوله: ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أن حكمه حكمهم، وهو يمنع إثبات الميراث
للمسلم من المرتد.
وهذا الحِكم باق إلى يوم القيامة في قطع الموالاة، وقد قال تعالى: ﴿ وَلَا
تَّرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣/١١] وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ
الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اُلْمُؤْمِنِينَّ﴾ [آل عمران: ٢٨/٣] وقال سبحانه:
﴿لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨/٣].
وأعلن تعالى فصل الموالي للكفار عن جماعة المؤمنين، فقال: ﴿وَمَن يَتَوَلَّم
◌ِنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا، ووجبت
معاداته کما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار کما وجبت لهم؛ فصار منهم،
أي من أصحابهم.
اً - إن مخاوف المنافقين التي أدت بهم إلى موالاة الكفار تتبدد أمام تدبير
الله وتأييده ونصره، وتدمير الأعداء، وإحباط مخططاتهم، وإذلالهم.
ءَّ - ظهور حقيقة المنافقين في مرأى المؤمنين، فيتعجبون من شأنهم، قائلين
لبعضهم: أهؤلاء الذين ادعوا نصرتنا بالأيمان المغلظة؟ أو قائلين لليهود على
جهة التوبيخ: أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يعينونكم على
محمد؟ فالآية تحتمل قول المؤمنين لبعضهم، أو لليهود.
(١) تفسير الطبري: ١٧٩/٦
٥٨٢
الُعُ (٦) - المَائِدَة: ٥٤/٥-٥٦
المرتدون ومعاداتهم المسلمين
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَ مِنَكُمْ عَن دِينِ، فَوْفَ بَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
أَذِلَةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَيٍِّ
ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ
﴿ إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ
ـ) وَمَن يَتَوَلَّ اُللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ
٥٦
القراءات:
﴿يَرْتَدَّ﴾: قرئ:
١- بدالين مفكوكاً، وهي لغة الحجاز، وهي قراءة نافع، وابن عامر.
٢- بدال واحدة مشددة، وهي لغة تميم، وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾: من: شرطية، ويرتدَّ: مجزوم بها.
﴿يُحُهُمْ وَيُحِبُّونَهٌُ﴾ في موضع جر صفة لقوم، وكذلك قوله تعالى ﴿أَذِلَّتِ
و﴿ أَعِزَّةٍ﴾ وكذلك ﴿يُجَهِدُونَ﴾ وصف لهم. ويجوز أن يكون في موضع نصب
على الحال منهم.
﴿وَهُمْ رَكِعُونَ﴾: جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير
﴿وَيُؤْتُونَ﴾. ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على ﴿اُلصَّلَوَةَ﴾ والواو ليست
للحال، فلا يكون لها موضع من الإعراب.
البلاغة:
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ بينهما طباق.
٥٨٣
الُرُ (٦) - المَائِدَة: ٥٤/٥-٥٦
﴿لَوْمَةَ لَآئِمٍ﴾ التنكير في الكلمتين للمبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿مَن يَرْتَدَّ﴾ يرجع عن الإسلام، والردة: الرجوع عن الإسلام إلى الكفر
أو إلى غير دين، أو ترك ركن من أركان الإسلام كالزكاة جهاراً وعناداً.
يُحُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ يثيبهم، ويخلصون له العمل ويطيعونه في كل أمر ونهي.
﴿ أَذِلَّةٍ﴾ جمع ذليل أي عاطفين على المؤمنين على وجه التذلل والتواضع، من
الذل وهو الحنو والعطف. ﴿أَعِزَّةِ﴾ أشداء متعالين عليهم. ﴿ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ
لَآيِرٍ﴾ أي إنهم صلاب في دينهم إذا شرعوا في أمر من أمور الدين كإنكار
منكر، أو أمر بمعروف أو مجاهدة في سبيل الله، لا يأبهون لقول قائل ولا
اعتراض معترض ولا لوم لائم يلومهم وينتقدهم، خلافاً للمنافقين الذين
يخافون لوم الكفار. ﴿ ذَلِكَ﴾ المذكور من الأوصاف فضل الله. ﴿ وَاللَّهُ وَسِعُ﴾.
كثير الفضل.﴿عَلِيمُ﴾ بمن هو أهله.
﴿إِنَّهَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ أي إنما ناصركم ومعينكم على طريق الأصالة والحقيقة
هو الله. وأما ولاية من عداه فهيّ على سبيل التبع والظاهر. ﴿ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾
خاشعون وخاضعون . ﴿رَكِعُونَ، وَمَن يَتَوَلَّ اُللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ أي يعينهم
وينصرهم. ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ﴾ الحزب: الجماعة المجتمعة على أمر
واتجاه خاص، وحزب الله: أتباعه، والغالبون: المنتصرون لنصر الله إياهم.
سبب النزول:
نزلت هذه الآيات فيمن ارتد من القبائل في عهد النبي ◌َّر، وهم ثلاث:
اً - بنو مُذْلج ورئيسهم الأسود العنسي الذي تنبأ باليمن، وكان كاهناً،
وقتل على يد فيروز الديلمي.
أَ - وبنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب الذي تنبأ في اليمامة، وأرسل كتاباً
٥٨٤
الجُرُ (٦) - القائِدَة: ٥٤/٥-٥٦
إلى النبي ◌َّ﴾، يذكر فيه أنه شريك له، وأن الأرض قسمان؛ فكتب له النبي
ـة :
من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. السلام على من اتبع الهدى، أما
بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.
قاتله أبو بكر رضي الله عنه، وقتله وَحْشي الذي قتل حمزة، وكان يقول:
قتلت في جاهليتي خير الناس، وفي إسلامي شر الناس.
◌َ - وبنو أسد بزعامة طُلَيحة بن خُويلد، ارتد أيام النبيِ وَّ، وقاتله أبو
بکر في خلافته، ففر إلى الشام وأسلم وحسن إسلامه.
وارتدت سبع قبائل في عهد أبي بكر وهم:
-
اً - غَطَفان بزعامة قُرَّة بن سلمة.
٣ - فزارة قوم عيينة بن حِصْن.
◌َ - بنو سُلَيم قوم الفُجاءة عبد يا ليل.
٤ - بنو يُرْبوع قوم مالك بن نُوَيرة.
٥ - بعض قبيلة بني تميم، بزعامة سَجَاح بنت المنذر، الكاهنة زوجة
مسيلمة.
٩ - كِنْدة قوم الأشعث بن قيس.
لاً - بنو بكر بن وائل الحطّم بن زيد.
وارتد في عهد عمر جَبَلة بن الأيهم الغساني، الذي تنصر ولحق بالشام؛
لأنه كان يطوف حول الكعبة، فوطئ إزاره رجل من فَزَارة، فلطمه جبلة،
فهشم أنفه، فشكاه الفزاري إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، فحكم إما
٥٨٥
الُرُ (٦) - المائِدَة: ٥٤/٥-٥٦
بالعفو أو القصاص، فقال جَبَلة: أتقتص مني وأنا ملِك، وهو سُوقة، فقال
عمر: الإسلام سوى بينكما، ثم استمهل إلى غد، فهرب.
فصار مجموع من ارتد إحدى عشرة فئة أو فرقة(١).
وأما الذين أتى الله بقوم يحبهم ويحبونه: فهم أبو بكر وأصحابه، وقيل: هم
قوم من أهل اليمن، وقيل: هم رهط أبي موسى الأشعري، ورجح الطبري أن
الآية نزلت في قوم أبي موسى من أهل اليمن، لما روي أن النبي وَّ لما قرأ هذه
الآية قال: هم قوم أبي موسى (٢).
سبب نزول: ﴿إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ :
ذكرت روايات يقوي بعضها بعضاً أنها نزلت في علي بن أبي طالب الذي
سأله سائل وهو راكع في تطوع، فتصدق عليه بخاتمه. وأثبت الرازي أن هذه
الآية مختصة بأبي بكر(٣). والواقع أن حديث الخاتم لم يصح.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إعلام من الله عباده جميعاً الذين
تبرؤوا من اليهود وحلفهم رضاً بولاية الله ورسوله والمؤمنين (٤).
المناسبة:
بعد أن نهى الله تعالى عن موالاة الكافرين، وبيَّن أن الذين يبادرون إلى
(١) الكشاف: ص ٤٦٦، تفسير الرازي: ١٨/١٢ وما بعدها، سيرة ابن هشام: ٥٧٦/٢،
٦٢١، البداية والنهاية لابن كثير: ٤٨/٥-٥٢، تاريخ الخلفاء: ص ٧٦، سيرة عمر بن
الخطاب للطنطاويين: ص ٣٦٠
(٢) تفسير الطبري: ١٨٣/٦
(٣) تفسير الطبري: ١٨٦/٦، أسباب النزول للسيوطي، تفسير القرطبي: ٢٢١/٦، تفسير
الرازي: ٢٠/١٢-٢٣
(٤) تفسير الطبري: ١٨٧/٦
٥٨٦
الجُعُ (٦) - الغَائِدَة: ٥٤/٥-٥٦
توليهم مرتدون، ذكر استغناءه عن أهل الردة، واعتماده على صادقي الإيمان
الذين يحبهم ويؤثرون حبه من إقامة الحق والعدل على سائر ما يحبون من مال
ومتاع وولد.
التفسير والبيان:
موضوع الآيات بيان قدرة الله العظيمة على استبداله بالمرتدين من هو خير
لدينه وإقامة شريعته، وهو من كان أصلب ديناً وأشد منعة وأقوم سبيلاً، كما
قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوْ أَمْثَلَكُمْ﴾ [محمد:
٣٨/٤٧] وقال تعالى: ﴿إِن يَشَأَ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِشَاخَيِنْ﴾
[النساء: ١٣٣/٤] وقال عز وجل: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقِ جَدِيدٍ، وَمَا
[إبراهيم: ١٩/١٤-٢٠] أي بممتنع ولا صعب.
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
يا أيها المؤمنون من يرجع عن الحق إلى الباطل، فيترك دينه في المستقبل
فسوف يأتي الله بقوم بديل عنهم وصفهم القرآن بست صفات:
ا - يحبهم الله تعالى: أي يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم، ويعظمهم
ویشی علیهم ویرضی عنهم.
أَ - ويحبون الله تعالى: باتباع أمره واجتناب نهيه، وإطاعته وابتغاء
مرضاته، والبعد عما يوجب سخطه وعقابه.
◌َ، ٤ - أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين: أي عاطفين على المؤمنين
متواضعين لهم، أشداء متعالين على الكافرين المعادين لهم، وهما نحو قوله
تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمٌ﴾ [الفتح: ٢٩/٤٨] وقوله عز وجل في عزة
الإيمان: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨/٦٣].
٥ - يجاهدون في سبيل الله: أي يقاتلون من أجل رفعة كلمة الله ودينه،
وسبيل الله: هو طريق الحق والخير والفضيلة والتوحيد المؤدي إلى مرضاة الله،
والدفاع عن الوطن والأهل والديار.
٥٨٧
لُعُ (٦) - المثائِدَة: ٥٤/٥-٥٦
٩ - لا يخافون لومة لائم: لا يخشون لوم أحد واعتراضه ونقده؛ لصلابتهم
في دينهم، ولأنهم يعملون لإحقاق الحق وإبطال الباطل، على نقيض المنافقين
الذين يخافون لوم حلفائهم اليهود.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي ذلك المذكور من
الصفات التي وصف بها القوم: وهي المحبة والذلة للمؤمنين والعزة على
الكافرين والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة، هو من فضل الله يعطيه من يشاء،
ويوفق إليه من يريد، والله واسع، أي ذو سعة فيما يملك ويعطي كثير
الأفضال، عليم بمن هو أهلها، فهو تعالى واسع الفضل، عليم بمن يستحق
ذلك، ممن يُحْرَم منه.
وبعد أن نهى الله عن موالاة الكافرين، أمر بموالاة الله ورسوله والمؤمنين،
فقال: ﴿إِنََّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي ليس اليهود بأوليائكم
وأنصاركم، وإنما وليكم وناصركم بحق هو الله ومعه رسوله والمؤمنون الذين
يقيمون الصلاة، أي يؤدونها كاملة تامة الأركان والشروط، ويؤتون الزكاة
أي يعطونها بإخلاص وطيب نفس لمن يستحقها، وهم خاضعون لأوامر الله،
بلا تململ ولا تضجر ولا رياء.
ومن يناصر دين الله بالإيمان به والتوكل عليه، ويؤازر رسول الله والمؤمنين
دون أعدائهم، فإنه هو الفائز الناجي، وهو الذي يحقق النصر والغلبة،
وعندها يتحقق نصر حزب الله وغلبتهم أي جماعة المؤمنين، ويكون المؤمنون
هم الغالبين؛ لأنهم حزب الله، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَنَّ أَنَا
وَرُسُلِيَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ (4) إلى قوله: ﴿أُوْلَهِكَ حِزْبُ اللَّهُّ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ
اَللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، فهو مفلح في
الدنيا والآخرة، ومنصور فيهما.
٥٨٨
: ٥٤/٥-٥٦
لُعُ (٦) - المقَائِدَة
فقه الحياة أو الأحكام:
اً - تضمنت الآيات وعيداً لمن سبق في علمه أنه سيرتد بعد وفاة النبي
وَ ل ﴿، وإخباراً غيبياً أنه سيرتد قوم من الناس.
كما تضمنت أيضاً وعداً من الله لمن سبق له في علمه أنه لا يبدل ولا يغير
دینه، ولا یرتد.
فلما قبض الله نبيه و 38 ارتد قوم من أهل القبائل، فأبدل الله المؤمنين بخير
منهم، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتد منهم وعيده(١).
روى ابن جرير الطبري عن قتادة قال: أنزل الله هذه الآية، وقد علم أنه
سيرتد مرتدون من الناس، فلما قبض الله نبيه محمداً ولي ارتد عامة العرب عن
الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد
القيس.
قالوا: نصلي ولا نزكي، والله لا تُغصَب أموالنا، فكُلِّم أبو بكر في ذلك،
فقيل له: إنهم لو قد فَقِهوا لهذا، أعطَوْها وزادوها. فقال: لا والله، لا أفرِّق
بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عِقَالاً مما فرض الله ورسوله، لقاتلناهم
عليه، فبعث الله عصابة (جماعة) مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله
وَل، حتى سبى وقتل وحَرَق بالنيران أناساً ارتدوا عن الإسلام ومنعوا
الزكاة، فقاتلهم حتى أقروا بالماعون (وهي الزكاة) صَغَرة (أذلاء مهينين)
أقمياء (ذليلين ضعفاء).
فأتته وفود العرب فخيرهم بين خِطَّة مُخْزية أو حرب تُجْلِية، فاختاروا الخطة
المخزية، وكانت أهون عليهم، أن يقروا أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين
-
(١) تفسير الطبري: ١٨٢/٦
٥٨٩
الجُرُ (٦) - المائدة: ٥٤/٥-٥٦
في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال، ردّوه عليهم، وما أصاب
المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال(١).
والخلاصة: إن هذا من إعجاز القرآن والنبي ◌َّ؛ إذ أخبر عن ارتداد
العرب، ولم يكن ذلك في عهده، وكان ذلك غيباً، ووقع ما أخبر به بعد مدة،
وأهل الردة - كما بينت - كانوا بعد موته وَ ﴿. قال ابن إسحاق: لما قُبض
رسول الله ﴿ ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد المدينة، ومسجد
مكة، ومسجد جُؤائى (٢)، وكانوا في ردتهم على قسمين: قسم نبذ الشريعة كلها
وخرج عليها، وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها؛ قالوا:
نصوم ونصلي ولا نزكي؛ فقاتل الصدّيق جميعهم، وبعث خالد بن الوليد إليهم
بالجيوش، فقاتلهم وسَبَاهم، على ما هو مشهور من أخبارهم.
أَ - أصح ما قيل في نزول قوله تعالى: ﴿فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ
وَيُحِبُّونَهٌُ﴾: أنها نزلت في الأشعريين؛ ففي الخبر أنها لما نزلت قدِم بعد ذلك
بيسير سفائن الأشعريين وقبائل اليمن من طريق البحر، فكان لهم بلاء في
الإسلام في زمن رسول الله وَالر، وكانت عامة فتوح العراق في زمن عمر رضي
الله عنه على يدي قبائل اليمن(٣). وروى الحاكم في المستدرك بإسناده: أن النبي
وَ ل قر أشار إلى أبي موسى الأشعري، لما نزلت هذه الآية فقال: ((هم قوم هذا)).
. ٣ - المؤمنون أذلة بعضهم على بعض، رحماء فيما بينهم، يرأفون بالمؤمنين
ويرحمونهم ويلينون لهم، أعزة على الكافرين أشداء عليهم. قال ابن عباس:
هم للمؤمنين كالوالد للولد والسيد للعبد، وهم في الغلظة على الكفار كالسبع
على فريسته.
(١) المرجع السابق: ١٨٣/٦
(٢) جواثى مهموز: اسم حصن بالبحرين، وفي الحديث: ((أول موضع جمعت فيه الجمعة بعد
المدينة بجوائى)).
(٣) تفسير القرطبي: ٢٢٠/٦
٥٩٠
الجُرُ (٦) - المائدة: ٥٤/٥-٥٦
٤ - دل قوله: ﴿يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَيِّدٍ﴾
بخلاف المنافقين: على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله
عنهم؛ لأنهم جاهدوا في الله عز وجل في حياة رسول الله وَله، وقاتلوا
المرتدين بعده، ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو وليّ لله تعالى.
وقيل: الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة.
- الله ولي الذين آمنوا، وقال تعالى هنا: ﴿إِنَّمَا وَلِيْكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ﴾ قال
ابن عباس: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وقال في رواية أخرى وكما ذكر
في سبب النزول عن مجاهد والسدي: نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله
عنه.
والأصح أن الآية عامة في جميع المؤمنين؛ لأن ﴿الَّذِينَ﴾ لجماعة، ومن
عمومياتها ما يأتي:
قال جابر بن عبد الله: قال عبد الله بن سَلام للنبي وَلّ: إن قومنا من قُريظة
والنضير قد هجرونا وأقسموا ألا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك
لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء.
وأولياء الله: هم الموصوفون بالآية لا غيرهم: الذين يقيمون الصلاة،
ويؤتون الزكاة، ويخشعون لله تعالى. والمراد: يأتون بصلاة الفرض في أوقاتها
بجميع حقوقها، ويؤدون الزكاة المفروضة بطيب نفس.
٦ - من فوض أمره إلى الله، وامتثل أمر رسوله، ووالى المسلمين، فهو من
حزب الله، وحزب الله: جند الله وأنصاره والمنفذون أوامره، والمجتنبون
نواهيه. وإذا توافرت هذه الصفات كانوا هم الغالبين: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ
(٧٢)) [الصافات: ٧٧ / ١٧٣].
٥٩١
: ٥ /٥٧-٦٣
لُعُ (٦) - القَائِدَة
النهي عن موالاة الكفار وأسبابه
وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَ نَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِيتَكُمْ هُزُوًّا وَلَعِبَّا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ
٥٧
مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَءَ وَأَتَّقُواْ الَّهَ إِن كُم ◌ُؤْمِنِينَ
قُلٌ يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنَقِمُونَ
٥٨
اَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَّأَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ: (
مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَسِقُونَ ﴿ قُلْ هَلْ
أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَثُوَةً عِندَ اللَّهِ مَن لََّنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ
وَإِذَا جَآءُوكُمْ
وَالْخَازِيَرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَّ أُوْلَكَ شَرٌ مَّكَانًا وَأَضَلُ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ
قَالُواْ ءَامَنَا وَقَدَ دَّخَلُواْ بِلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُونَ
وَتَری
كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِ آلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
لَوْلَا يَنْهَنَهُمُ الرَّبَِّيُونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا
كَانُواْ يَصْنَعُونَ
٦٣
القراءات:
﴿هُزُوًا﴾: قرئ:
١- (هُزُواً) وهي قراءة حفص.
٢- (هزءاً) وهي قراءة حمزة.
٣- (هزؤاً) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَالْكُفَّارَ﴾: قرئ:
١- بالخفض، وهي قراءة أبي عمرو، والكسائي، وقراءة النحويين.
٢- بالنصب، وهي قراءة الباقين.
﴿ وَعَبَدَ الطَّغُونَّ﴾: قرئ:
١- (عَبْدَ الطاغوتِ) وهي قراءة حمزة.
٢- (عَبَدَ الطاغوتَ) وهي قراءة الباقين.
﴿ الشُّحْتَّ﴾: قرئ:
٥٩٢
لُحُ (٦) - المثائِدَة: ٥٧/٥-٦٣
١- (السُّخْت) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحمزة، وعاصم، وخلف.
٢- (السُّحُت) وهي قراءة الباقين.
﴿فَوْهِمُ الْإِثْمَ﴾: قرئ:
١- (قولهِمِ الإثم) وهي قراءة أبي عمرو.
٢- (قولهُمُ الإثم) وهي قراءة حمزة والكسائي.
٣- (قولهِمُ الإثم) وهي قراءة الباقين.
وكلهم يكسرون الهاء، ويسكنون الميم وقفاً.
﴿لَنْسَ﴾.
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً: (لبيس).
الإعراب:
﴿وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَةٌ﴾: ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ معطوف بالنصب على ﴿الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَكُمْ﴾.
وقرئ بالجر عطفاً على ﴿الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾.
﴿أَنْ ءَمَنَّا بِالَّهِ﴾ في موضع نصب بتنقمون.
﴿وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ﴾ ﴿وَمَّ﴾
(مَا): في الموضعين بمعنى (الذي)) في موضع جر بالعطف على اسم الله
تعالى. ﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَسِقُونَ﴾ عطف على ﴿بِاللَِّ﴾ وتقديره: آمنا بالله وبأن
أكثركم فاسقون.
﴿مَثُوَةٌ﴾ تمييز منصوب، والعامل فيه ﴿بِشَرِّ مِّن ذَلِكَ﴾.
﴿مَنْ لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾: إما مجرور بدلاً من ﴿بِشَرِّ﴾ بدل الشيء من الشيء؛ وإما
مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف مع حذف مضاف وتقديره: «هو لَعْن من
٥٩٣
الُ (٦) - المغَائِدَة: ٥٧/٥-٦٣
لعنه الله)) فحذف المبتدأ والمضاف؛ وإما منصوب على الذم بتقدير فعل
وتقديره: أذكر أو أذمّ من لعنه الله. ﴿ وَجَعَلَ مِنْهُمُ اُلْقِرَدَةَ﴾ معطوف على
﴿لَّعَنَهُ﴾ وكذلك ﴿وَعَبَدَ الطّغُونَ﴾ ولم يأت بضمير جمع في ﴿وَعَبَدَ﴾ حملاً
على لفظ ﴿مَنْ﴾.
﴿مَّكَانًا﴾ منصوب على التمييز. ﴿ وَقَدَ ذَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ﴾ في موضع نصب على
الحال. وكذلك ﴿خَرَجُواْ بِهِ﴾ أي: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين. والباء باء
الحال كقولهم: خرج زيد بسلاحه، أي متسلحاً.
البلاغة:
﴿ إِن كُم مُؤْمِنِينَ﴾ للحث والإثارة.
﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَا بِاللَّهِ﴾ هذا من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم
وبالعكس فقد جعلوا التمسك بالإيمان موجباً للإنكار.
﴿مَنُوَةً عِندَ اللَّهِ﴾ من باب التهكم، حيث استعملت المثوبة في العقوبة.
﴿شَرٌ مَكَانًا﴾ نسب الشر للمكان وهو لأهله مبالغة في الذم.
المفردات اللغوية:
﴿هُزُوًا﴾ مهزوءاً به وسخرية. ﴿ وَلَعِبًا مِّنَ﴾ لبيان الجنس، واللعب: ضد
الجد. ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ المشركين. ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّ﴾ بترك موالاتهم. ﴿ إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
صادقين في إيمانكم . ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ أي والذين إذا دعوتم إلى الصلاة
بالأذان والإقامة. ﴿اَنَّخَذُوهَا﴾ الصلاة. ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ بأن يستهزئوا بها
ويتضاحكوا . ﴿ذَلِكَ﴾ الاتخاذ. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم.
﴿هَلْ تَنْقِمُونَ﴾ تنكرون وتعيبون بالقول أو بالفعل. المعنى ما تنكرون إلا
إيماننا ومخالفتکم في عدم قبوله، المعبر عنه بالفسق اللازم عنه، وليس هذا مما
ينكر عقلاً وعرفاً.
٥٩٤
الجُ (٦) - القَائِدَة: ٥٧/٥-٦٣
﴿مَثُوَةٌ﴾ ثواباً وجزاء، من ثاب إليه إذا رجع، والجزاء يرجع إلى صاحبه.
﴿الطَّغُوتَ﴾: كل ما عبد من دون الله، كالشيطان والأصنام، وعبادة
الطاغوت مجاز عن طاعته. وروعي في قوله ﴿مِنْهُمُ﴾ معنى ((من)) وفيما قبله
لفظها وهم اليهود. ﴿أُوْلَئِكَ شَرٌ مَكَانًا﴾ لأن مأواهم النار. ﴿ وَأَضَلُ عَن سَوَآءِ
السَّبِيلِ﴾ طريق الحق، وأصل السواء: الوسط.
وذكر ﴿شَرٌ مَّكَنَا وَأَضَلُّ﴾ في مقابلة قول اليهود الذين قالوا للنبي رَّ لما ذكر
عيسى: لا نعلم شراً من دينكم. وقوله: ﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَسِقُونَ﴾ عطف على
﴿ءَامَنَّا﴾.
﴿وَإِذَا جَاءُوَكُمْ﴾ منافقو اليهود. ﴿ وَقَدَ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ﴾ أي دخلوا إليكم
متلبسين بالكفر.
﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ﴾ من عندكم متلبسين به، ولم يؤمنوا. ﴿وَاللَّهُ أَعْلُ بِمَا كَانُواْ
يَكْتُمُونَ﴾ أي يكتمونه من النفاق.
﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي اليهود. ﴿يُسَرِعُونَ فِى الْإِثْمِ﴾ يقعون في الكذب.
{وَالْعُدْوَنِ﴾ الظلم. ﴿ وَأَكْلِهِمُ الشُّحْتَّ﴾ المال الحرام الدنيء كالرشوة في
القضاء والربا وغير ذلك. ﴿عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ الكذب.
﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُوْ يَصْنَعُونَ﴾ أي يصنعونه من ترك النهي عن ذلك كله.
سبب النزول: نزول الآية (٥٧):
بَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: روى أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري الأصفهاني
(٢٧٤ هـ) عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن
الحارث قد أظهرا الإسلام ونافقا، وكان رجل من المسلمين يوادهما، فأنزل
الله ﴿يَهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ أَنَّخَذُواْ دِيَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ﴾.
٥٩٥
لِلُعُ (٦) - المَائِدَة: ٥٧/٥-٦٣
وبه قال: أتى النبيِ وَلّ نفرٌ من يهود فيهم أبو ياسر بن أخطب، ونافع بن
أبي نافع، وغازي بن عمرو، فسألوه: فمن نؤمن به من الرسل؟ قال: أؤمن
بالله: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ
مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوتِىَ النَّبِيُونَ مِن ◌َّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَغَحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ﴾ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى، ولا بمن
آمن به، فأنزل الله فيهم: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَا بِاللَّهِ
الآية.
وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْتَكُمْ فَسِقُونَ (®])
وفي رواية: فلما ذكر عيسى، قالوا: لا نعلم ديناً شراً من دينكم. وفي رواية
عن ابن عباس: أن قوماً من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت
سجودهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَِّينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ﴾.
المناسبة:
1
نهى الله تعالى في الآيات السابقة عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء (حلفاء
وأنصاراً) من دونه؛ لأن بعضهم أولياء بعض، ثم كرر النهي هنا للتأكيد عن
اتخاذ الكفار عامة أولياء، لإيذائهم المؤمنين ومقاومتهم دينهم.
التفسير والبيان:
موضوع هذه الآيات التنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله من أهل
الكتاب والمشركين الذين يهزؤون بشرائع الإسلام المطهرة، ويتخذونها نوعاً
من اللعب.
يا أيها المؤمنون لا تتخذوا الكفار من اليهود والنصارى والمشركين
والمنافقين الذين يهزؤون بدينكم، ويتخذون شعائره وشرائعه لوناً من اللعب،
لا تتخذوهم أولياء أي حلفاء وأنصاراً، فإن الهازئ بالشيء معاند له وساخر
به وغير مؤمن به وعدوّ له ولأهله، وإن تظاهروا بالمودة، كما قال تعالى:
٥٩٦
لُ (٦) - المَائِدَة: ٥٧/٥-٦٣
﴿ وَإِذَاَ لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا
نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴿٢﴾ [البقرة: ١٤/٢].
واتقوا الله وخافوا عذابه ووعيده أيها المؤمنون إن كنتم صادقي الإيمان
تحترمون أحكامه وتلتزمون حدوده، أو كنتم مؤمنين بشرع الله الذي اتخذه
هؤلاء هزواً ولعباً.
وكذلك إذا ناديتم إلى الصلاة بالأذان، اتخذوها أيضاً هزواً ولعباً؛ لأنهم
لا يعقلون معاني عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي إذا
سمع الأذان أدبر حتى لا يسمع التأذين.
ثم ناقشهم الحق تعالى فقال: قل يا محمد لهؤلاء أهل الكتاب الذين اتخذوا
دينكم هزواً ولعباً: هل تنكرون أو تعيبون علينا إلا إيماننا الثابت الراسخ بالله
ورسله، وإيماننا بما أنزل إلينا وبما أنزل من الكتب قبل على الرسل، وما هذا
بعيب ولا مذمة؟ فيكون الاستثناء منقطعاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ
مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
﴿وَمَا
﴾ [البروج: ٨/٨٥] وقوله :
٨
نَقَمُوْاْ إِلَّ أَنْ أَغْنَنْهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤/٩].
ولأن أكثركم فاسقون، أي متمردون خارجون عن حقيقة الدين، وليس
لكم من الدين إلا التعصب والمظاهر والتقاليد الجوف.
وقوله: ﴿ وَأَنَّ أَكْتَكُمْ فَسِقُونَ﴾ معطوف على ﴿ءَمَنَّا﴾ بمعنى: وما تنقمون
منا إلا الجمع بین إيماننا وبین الحكم علیکم بتمردکم وخروجکم عن الإيمان،
كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا مخالفتكم، حيث دخلنا في دين الإسلام، وأنتم
خارجون منه.
ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف، أي واعتقاد أنكم فاسقون.
ويمكن عطفه على المجرور، أي ما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وبما أنزل إلينا
وبأن أكثركم فاسقون.
٥٩٧
الجُرُ (٦) - المَائِدَة: ٥٧/٥-٦٣
وعبر بالأكثر؛ لأن بعض أهل الكتاب ما يزالون متمسكين بأصول الدين
من توحيد الإله وعبادته، والتزام الحق والعدل، وحب الخير.
ثم أجابهم تعالى عن استهزائهم بقوله: قل لهم يا محمد، هل أنبئكم أي
أخبركم أيها المستهزئون بديننا الذين تقولون: ((لا نعلم شراً من دينكم))
وأعلمكم بما هو شر من أهل ذلك، أو من دين من لعنه الله، بتقدير مضاف
محذوف قبل كلمة ﴿ذَلِكَ﴾. واستدعى ذلك سؤالاً آخر منهم عن الذي هو
شر: ما هو؟
فأجاب تعالى: والذي هو شر من ذلك: ﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ
مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَازِيَرَ وَعَبَدَ اُلَّغُونَ﴾ أي هل أخبركم بشر مما تقولونٍ وتظنونه
بنا هو جزاء من لعنه الله. كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأْنَبِّئُكُم بِشَرِّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ﴾
[الحج: ٧٢/٢٢]. وفي هذا انتقال من تبكيت لهم بإقامة الحجة على هزئهم ولعبهم
إلى ما هو أشد منه تبكيتاً وتشنيعاً عليهم، وهو التذكير بسوء حال أسلافهم مع
أنبيائهم، وما كان من جزاء الله لهم على فسقهم.
ومن لعنه الله، أي أبعده وطرده من رحمته، واللعنة تلزم الغضب الإلهي،
وهو يستلزم اللعنة؛ إذ هي منتهى المؤاخذة لمن غضب الله عليه.
وغضب عليه، أي غضباً لا يرضى عنه أبداً.
وجعل منهم القردة والخنازير غضباً منه عليهم وسخطاً، فعجل لهم الخزي
والنكال في الدنيا، وذلك مثل قوله تعالى المتقدم: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْاْ
[البقرة: ٦٥/٢] وقوله فيما
٦٥
مِنكُمْ فِى السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ
يأتي: ﴿فَلَمَّا عَنَوْ عَن ◌َّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُنُواْ فِرَدَةً خَسِينَ
[الأعراف: ١٦٦/٧] والجمهور على أنهم مسخوا حقيقة، فكانوا قردة وخنازير
وانقرضوا، والقردة: أصحاب السبت، والخنازير: كفار مائدة عيسى، وروي
أيضاً أن المسخين كانا في أصحاب السبت؛ لأن شبابهم مسخوا قردة،
٥٩٨
الُ (٦) - المَائِدَة: ٥٧/٥-٦٣
ومشايخهم مسخوا خنازير. والدليل على انقراضهم ما رواه مسلم وغيره عن
ابن مسعود قال: سئل رسول الله وَله عن القردة والخنازير، أهي مما مسخ
الله؟ فقال: ((إن الله لم يهلك قوماً - أو قال: لم يمسخ قوماً - فيجعل لهم نسلاً
ولا عقباً، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك)).
ونقل الطبري عن مجاهد وغيره في قوله: ﴿كُنُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ﴾ أي أذلة
صاغرين(١).
وعبد الطاغوت، أي جعل منهم من صير الطاغوت معبوداً من دون الله،
والطاغوت: كل ما عبد من دون الله، كالأصنام والشيطان والعجل، فكانت
عبادتهم للعجل مما زينه لهم الشيطان، فصارت عبادتهم له عبادة للشيطان.
أولئك المتصفون بما ذكر من المخازي والمعايب شر مكاناً مما تظنون بنا؛ إذ
لا مكان لهم في الآخرة إلا النار، وهم أضل عن قصد الطريق الوسط المعتدل
وهو الحق الذي لا يعلوه شيء. والتعبير بكلمتي ﴿شَرٌ مَّكَانًا وَأَضَلُ﴾ ليس
للمفاضلة؛ لأن هذا الدين خير محض وإنما هذا من باب استعمال أفعل
التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر، من قبيل المشاكلة للفظهم والمجاراة لهم
في اعتقادهم، كقوله عز وجل: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ
(٢٤)) [الفرقان: ٢٤/٢٥].
مَقِيلًا
٠
ثم بَيَّن الله تعالى حال المنافقين، فقال: ﴿ وَإِذَا جَآءُ وكُمْ﴾ أي إذا جاء منافقو
اليهود قالوا: آمنا بالرسول وبما أنزل عليه، والحال أنهم مستصحبون للكفر
مقيمون عليه في قلوبهم، فإذا دخلوا عندك يا محمد أو عليكم أو خرجوا من
عندكم فحالهم سواء، لم يتحولوا عن كفرهم، وهذه صفة معروفة للمنافقين
منهم: أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر، وقلوبهم منطوية على الكفر، ودأبهم
(١) تفسير الطبري: ٢٦٤/١
٥٩٩
الجُعُ (٦) - القَائِدَة: ٥٧/٥-٦٣
الخداع والمكر، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَاَ
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦/٢].
وهم جميعاً أغبياء؛ لأن الله أعلم بما كانوا يكتمون، أي عالم بسرائرهم
وما تنطوي عليه ضمائرهم، وإن تظاهروا للناس بخلاف الحقيقة، فإن الله عالم
الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء، ولم يختلف
وضعهم من الكيد والمكر والخبث والكذب والخيانة حين دخولهم على النبي
﴿َّ وعلى المؤمنين وحين خروجهم: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوْاْ سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ
سَمَعُونَ لِقَوْمٍ ءَآخَرِينَ﴾ [المائدة: ٤١/٥].
فهم بهذا شذاذ؛ لأن من كان يجالس الرسول و 38 بوعي وأدب، سرعان
ما يقذف الله في قلبه نور الإيمان، ولربما كان يقصد قتله إذا رآه وسمع كلامه.
ثم أضاف القرآن من أوصافهم شراً مما ذكر، فقال تعالى: ﴿ وَتَرَى كَثِيرًا
مِنْهُمْ﴾ أي وترى أيها النبي كثيراً من هؤلاء اليهود المستهزئين بدينك يبادرون
إلى ارتكاب الإثم والظلم والمعاصي والاعتداء على الناس وأكلهم أموالهم
بالباطل، لبئس العمل كان عملهم، وبئس الاعتداء اعتداؤهم، فما أقبح
أعمالهم وأسوأ أفعالهم!
ثم حض الله تعالى علماءهم على النهي عن قول الإثم وأكل السحت فقال:
﴿لَوْلَا يَنْهَنَهُمُ الرَّبَِّيُونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ قال البيضاوي: هذا للحض، فإن ﴿لَوْلَا﴾
إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ، وإذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض،
أي هلا كان ينهاهم الربانيون (وهم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم)
والأحبار (هم العلماء فقط)(١) عن تعاطي ذلك؟ لبئس ماكانوا يصنعون من
تركهم ذلك ورضاهم بالمنكر، كأنهم جعلوا أكثر إثماً من مرتكبي المنكرات؛
(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٤، البيضاوي: ص ١٥٦
٦٠٠
الجُ (٦) - القائِدَة: ٥٧/٥-٦٣
لأن كل عامل لا يسمى صانعاً، ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه
ويتدرب وينسب إليه، كما قال الزمخشري(١). وقال القرطبي: والصنع بمعنى
العمل إلا أنه يقتضي الجودة (٢).
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: هي أشد آية في القرآن، أي ليس في
القرآن ماهو أشد توبيخاً للعلماء من هذه الآية. وقال الضحاك: ما في القرآن
آية أخوف عندي منها، أي إنها حجة على العلماء إذا قصروا في الهداية
والإرشاد، وتركوا النهي عن الشرور والآثام التي تفسد نظام الحياة للفرد
والمجتمع.
فقه الحياة أو الأحكام:
الأية تأكيد صريح لما سبق من قطع الموالاة مع الكفار عامة؛ لأنهم
يستهزئون بشرائع الإسلام وأحكامه، وبخاصة وقت النداء أي الأذان للصلاة.
قال الكلبي: كان إذا أذن المؤذن، وقام المسلمون إلى الصلاة، قالت
اليهود: قد قاموا لا قاموا، وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا،
وقالوا في حق الأذان: لقد ابتدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم، فمن
أين لك صِياح مثل صياح العير؟ فما أقبحه من صوت، وما أسمجه من أمر.
وعن مشروعية الأذان قال العلماء: ولم يكن الأذان بمكة قبل الهجرة،
وإنما كانوا ينادون: ((الصلاة جامعة)) فلما هاجر النبي وَّه وصُرفت القِبلة إلى
الكعبة أمر بالأذان، وبقي ((الصلاة جامعة)) للأمر يعرض كصلاة الجنازة
وصلاة العيد وصلاة الكسوفين. وكان النبي ◌َّ قد أهمه أمر الأذان حتى أُرِيه
عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب، وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم. وقد
كان النبي وَّ سمع الأذان ليلة الإسراء في السماء.
(١) الكشاف: ٤٧١/١
(٢) تفسير القرطبي: ٢٣٧/٦