النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
اِلُعُ (٦) - المَائِدَة: ٤١/٥-٤٣
سماعون للكذب. وقد تزاد اللام في المفعول، كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ
يُرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤/٧]. وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ١٢/
٤٣].
﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾: جملة فعلية في موضع جر صفة لقوم. و﴿يُحْرِّفُونَ﴾: جملة
فعلية حال من ضمير ﴿سَمَّعُونَ﴾. والتقدير: يسمعون مُقدِّرين للتحريف.
ويجوز أن تكون الجملة في موضع رفع؛ لأنه صفة لموصوف محذوف في موضع
رفع بالابتداء وتقديره: وفريق يحرفون، وهو عطف على ﴿سَمَّعُونَ﴾ وخبره:
﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوْاْ﴾. ﴿وَعِندَهُ التَّوْرَنَةُ﴾ الواو للحال من التحكيم،
والعامل ما في الاستفهام من التعجب ﴿فِيهَا حُكُمُ اللَّهِ﴾ ﴿فِيهَا﴾: إما متعلق
بخبر مقدم، وإما ألا يكون له محل، وتكون الجملة مبينة؛ لأن عندهم ما
يغنيهم عن التحكيم، وإما أنه حال من التوراة.
البلاغة:
﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ خوطب بلفظ الرسالة للتشريف والتكريم.
﴿ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾ آثر ﴿فِ﴾ على كلمة ((إلى)) للإيماء إلى أنهم
مستقرون في الكفر.
﴿سَمَّعُونَ﴾ صيغة مبالغة، أي مبالغون مكثرون في سماع الكذب.
خِزْىٌ﴾ تنكيره لتفخيم الأمر. وكرر قوله: ﴿وَلَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ﴾ لزيادة
التقرير والتأكيد.
﴿فِي الدُّنْيَا﴾ و﴿الْآَخِرَةِ﴾ بينهما طباق.
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ تعجب من تحكيمهم النبي ◌َّ وهم لا يؤمنون به ولا
بکتا به.
﴿وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الإشارة بالبعيد لبعد درجتهم في العتو والمكابرة.

٥٤٢
الزُعُ (٦) - المَائِدَة: ٤١/٥-٤٣
المفردات اللغوية:
﴿لَا يَحْزُنكَ﴾ لا يؤلمك فعل هؤلاء ﴿الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ اَلْكُفْرِ﴾
يقعون فيه بسرعة، أي يظهرونه إذا وجدوا فرصة ﴿مِنَ اُلَّذِينَ﴾ للبيان
﴿بَِفْوَهِهِمْ﴾ قالوا بألسنتهم ﴿وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ وهم المنافقون ﴿سَمَّعُونَ
لِلْكَذِبِ﴾ الذي أقرته أحبارهم، سماع قبول ﴿لِقَوْمٍ﴾ لأجل قوم ﴿ءَاخَرِينَ﴾
من اليهود ﴿لَمْ يَأْتُوَكَ﴾ وهم أهل خيبر ﴿يُحِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ الذي في التوراة
كآية الرجم ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ﴾ التي وضعه الله عليها أي يبدلونه ﴿إِنْ
أُوْتِلِتُمْ هَذَا﴾ الحكم المحرف أي حكم الجلد أي أفتاكم به محمد فاقبلوه ﴿وَإِن
لَّمْ تُؤََّوَهُ﴾ أفتاكم بخلافه ﴿فِتْنَتَهُ﴾ اختباره وإضلاله.
﴿خِزْىٌّ﴾ ذل بالفضيحة والصغار ﴿لِلِسُّحْتِ﴾ للكسب الحرام كالرشوة
وثمن الكلب والخمر والخنزير، وسمي المال الحرام سحتاً؛ لأنه يسحت
الطاعات والبركات أي يذهبها ﴿ فَأَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضٌ عَنْهُمْ﴾ هذا التخيير
منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ فيجب الحكم بينهم إذا
ترافعوا إلينا مع مسلم، وهو أصح قولي الشافعي، فلو ترافعوا إلينا مع مسلم
وجب القضاء بينهم ﴿ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ ﴿اَلْمُقْسِطِينَ﴾ العادلين في الحكم،
أي یشیبهم.
﴿فِيَهَا حُكُمُ اللَّهِ﴾ بالرجم، والمراد من قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ استفهام
تعجيب أي لم يقصدوا بذلك معرفة الحق، بل ما هو أهون عليهم ﴿ثُمَّـ
يَتَوَلَّوْنَ﴾ يعرضون عن حكمك بالرجم الموافق لكتابهم ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾
التحکیم.
سبب النزول: نزول الآية ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ :
روى أحمد وأبو داود عن ابن عباس قال: أنزلها الله في طائفتين من اليهود،
قهرت إحداهما الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا فاصطلحوا على أن كل

٥٤٣
لِلُعُ (٦) - المغَائِدَة: ٤١/٥-٤٣
قتيل قتلته العزيزة من الذليلة، فديته خمسون وسقاً (١)، وكل قتيل قتلته الذليلة
من العزيزة، فديته مئة وسق، فكانوا على ذلك، حتى قدم رسول الله وَ لّى،
فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلاً، فأرسلت العزيزة أن ابعثوا إلينا بمئة وسق،
فقالت الذليلة: وهل كان ذلك في حيين قط؟ دينهما واحد، ونسبتهما
واحدة، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض، إنا أعطيناكم هذا
ضيماً منكم لنا وخوفاً وفَرَقاً، فأما إذ قدم محمد، فلا نعطيكم فكادت الحرب
تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله وَلَه بينهما، فأرسلوا إليه
ناساً من المنافقين ليختبروا رأيه، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ
الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ اَلْكُفْرِ﴾ الآية.
أي أن الآية نزلت في بني قريظة والنضير، فتحاكموا إلى النبي ◌َّ، فحكم
بالتسوية بين القرظي والنضيري.
وقيل: إنها نزلت في شأن أبي لُبابة حين أرسله النبي وَّ إلى بني قريظة،
فخانه، حين أشار إليهم أنه الذَّبْح(٢).
وقيل: إنها نزلت في زنى اليهوديين وقصة الرجم؛ قال القرطبي: وهذا
أصح الأقوال(٣). والقصد ما يأتي:
روى الأئمة: مالك وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن
البراء بن عازب قال: مرَّ النبيِ نَّهَ بِيهودي مُحَمَّماً (٤) مجلوداً، فدعاهم فقال:
(١) الوسق: ستون صاعاً، والصاع: ٢٧٥١ غم.
(٢) كان ذلك يوم حصارهم، فسألوه ما الأمر؟ وعلام ننزل من الحكم؟ فأشار إلى حلقه بمعنى أنه
الذبح.
(٣) تفسير القرطبي: ١٧٦/٦
(٤) التحميم: وضع الحمة أي الفحمة في الوجه، وهو التسخيم الوارد في الرواية الأخرى من
السخام: وهو سواد القدر.

٥٤٤
الُعُ (٦) - المَائِدَة: ٤١/٥-٤٣
أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم
فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في
كتابكم؟ قال: اللهم لا، ولولا أنك أنشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني
في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا
أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على
الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال النبي
اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، وأمر به فرجم، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا
الرَّسُولُ لَا يَحْزُئِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ
هَذَا فَخُذُوهُ﴾.
وأخرج أحمد والشيخان (البخاري ومسلم) عن عمر قال: ((إن اليهود أتَوْا
النبي ◌َّ برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال: ما تجدون في كتابكم؟ قالوا:
نُسَخِّم وجوههما ويُخْزيان، قال: كذبتم إن فيها الرجم: ﴿فَأَتُواْ بِلتَّوْرَثةِ
فَأَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ فجاؤوا بالتوراة، وجاؤوا بقارئ لهم أعور
يقال له ابن صُورِيا، فقرأ حتى إذا أتى إلى موضع منها وضع يده عليه، فقيل
له: ارفع يدك فرفع يده، فإذا هي تلوح (أي آية الرجم) فقالوا: يا محمد، إن
فيها الرجم، ولكنا كنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما رسول الله وَّر، فرُجما، فلقد
يجأ عليها (ينحني) يقيها الحجارة بنفسه)).
نزول الآية (٤٢):
سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلسُّحْتِّ﴾: نزلت هذه الآية في اليهود، كان
الحاكم منهم إذا أتاه من كان مبطلاً في دعواه برشوة، سمع كلامه، وعول
عليه، ولا يلتفت لخصمه، فكان يأكل السحت، ويسمع الكذب، وكان
الفقراء منهم يأخذون من أغنيائهم مالاً ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية،
ويسمعون منهم الأكاذيب لترويج اليهودية والطعن على الإسلام، فالفقراء

٥٤٥
لِلُعُ (٦) - المغَائِدَة: ٤١/٥-٤٣
كانوا يأكلون السحت الذي يأخذونه منهم، ويسمعون الكذب، فهذا هو
المشار إليه بقوله تعالى: ﴿سَفَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ﴾. وقيل:
سماعون للكذب الذي كانوا ينسبونه إلى التوراة أكالون للربا، كما قال تعالى:
﴿ وَأَخْذِهِمُ الْرِّبَوْأْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾
المناسبة:
لما بَيَّن الله تعالى بعض التكاليف والشرائع، وأعرض عنها بعض الناس
متسارعين إلى الكفر، صبَّر الله رسوله على تحمل ذلك، وأمره بألّا يحزن لأجل
ذلك، فقال: ﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ﴾
وقد خاطب تعالى نبيه محمداً وَّله بقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾ في مواضع كثيرة،
وما خاطبه بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ إلا في موضعين: أحدهما - هاهنا،
والثاني - ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧/٥] وهذا
خطاب تشريف وتعظيم.
التفسير والبيان:
نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين على طاعة
الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله عز وجل: وهم
المنافقون واليهود.
فقال: يا أيها الرسول: وهو خطاب تشريف وتعظيم وتعليم للمؤمنين أن
يخاطبوه بوصفه، كما قال تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ
بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣/٢٤] فأصبحوا ينادونه بقولهم: ((يا رسول الله)) بعد
أن کانوا ینادونه («یا محمد)».
لا يحزنك أي لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في إظهار الكفر،
والانحياز إلى جانب الأعداء، كلما سنحت لهم الفرصة، فإني ناصرك عليهم،
و کافیك شرهم.

٥٤٦
لُ (٦) - المثائِدَة: ٤١/٥-٤٣
وليس المراد النهي عن الحزن ذاته؛ لأنه أمر طَبَعي جبلِي لا اختيار للإنسان
فيه ولا تكليف به، وإنما المراد النهي عن لوازمه من مقدمات ونتائج من تعظيم
شأن الحزن، وتعاطي أسبابه.
ثم بين من هؤلاء، وهم الذين أظهروا الإيمان بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم،
وهم المنافقون، واليهود أعداء الإسلام وأهله الذين يصغون لسماع الكذب
من أحبارهم، سواء فيما يتعلق بالنبي ◌َّر أو بأحكام دينهم، والكل سماعون
لأقوام آخرين من اليهود الذين لا يأتون مجلسك يا محمد، فهم جواسيس
ليبلغوهم ما سمعوا منه، ومعنى قوله: ﴿سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ﴾ أي لأجل قوم.
وأولئك اليهود يحرفون كلام التوراة من بعد أن وضعه الله مواضعه، أي
فرض فروضه وأحل حلاله وحرم حرامه، أي يحرفونه إما تحريفاً لفظياً بإبدال
كلمة بكلمة أو بالزيادة فيه والنقص منه، وإما تحريفاً معنوياً بحمل اللفظ على
غير معناه الحقيقي، وتأويله بمعنى آخر، وتبديله عن إصرار وعلم بالحقائق.
وهم يقولون لمن أرسلوهم إلى الرسول وَل# ليسألوه عن حكم الزانيين
المحصنين: إن أفتاكم بالتسخيم (أو التحميم) والجلد، فاقبلوا منه وارضوا به،
وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا قبوله ولا ترضوا به.
والحال أنه من يرد الله اختباره في دينه، فيظهر الاختبار كفره وضلالته،
فلن يقدر أحد على دفع ذلك عنه، ولن تملك له أيها الرسول من الله شيئاً يمنع
ذلك، ولن تستطيع هدايته وإرشاده إلى الحق.
فهؤلاء المنافقون واليهود قد أظهر الاختبار مقدار فسادهم؛ لأنهم يقبلون
الكذب، ويحرفون أحكام دينهم، اتباعاً لأهوائهم، فلا تحزن عليهم، ولا
تطمع بعد هذا بإيمانهم.
أولئك الذين اختبرهم الله هذا الاختبار لم يرد الله بعدئذ تطهير قلوبهم من

٥٤٧
الُ (٦) - المَائِدَة: ٤١/٥-٤٣
الكفر والنفاق؛ لأن من دأب على الباطل، وأمعن في السوء والشر، لم يبق فيه
أمل للخير، ولم يعد له سبيل للنور ورؤية الحق.
وجزاء الفريقين من اليهود والمنافقين الخزي في الدنيا، والعذاب العظيم
الهول الشديد الوقع في الآخرة، أما خزي المنافقين في الدنيا فهو افتضاح
أمرهم وظهور كذبهم للنبي وخوفهم من القتل، وأما خزي اليهود فهو أيضاً
فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نص كتابهم في إيجاب الرجم على الزناة
المحصنین.
ثم كرر تعالى وصفهم للتأكيد وتقرير المعنى، وهو كثرة سماعهم للكذب،
وكثرة أكلهم للسحت، أي المال الحرام من أخذ الرشوة، واستباحة أجر
البغي (الزانية) وعَسْب الفحل (أجرة ضرابه) وثمن الخمر والميتة وحلوان
الكاهن، والاستئجار في المعاصي، كما روي عن عمر وعثمان وعلي وابن
عباس وأبي هريرة ومجاهد. ويرجع أصل ذلك إلى الحرام الخسيس الذي لا
يكون فيه بركة، ويعيَّر به الإنسان(١).
ثم خيَّر الله تعالى رسوله بالحكم بين اليهود والإعراض عن الحكم، فقال
فيما معناه: فإن جاؤوك متحاكمين إليك، فأنت بالخيار بين الحكم أو القضاء
بينهم، والإعراض عنهم وتركهم إلى رؤسائهم وعلمائهم. وهذا التخيير
خاص بالمعاهَدين الذين لا ذمة لهم دون أهل الذمة، فأهل الذمة يجب الحكم
بينهم إذا تحاكموا إلينا؛ لأن من عقد معهم عقد الذمة التزموا أحكام الإسلام
في الجرائم والمعاملات، إلا في بيع الخمر والخنزير، فإنهم يقرون عليه، ولا
يرجم الزناة المحصنون في رأي أبي حنيفة ومالك؛ لأن الإسلام من شروط
الرجم، ويرجمون في رأي الشافعي وأحمد عملاً بأمر النبي وَلّ رجم اليهوديين
اللذين زنيا، وأن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان.
(١) تفسير الرازي: ٢٣٥/١١

٥٤٨
لُعُ (٦) - القَائِدَة: ٤١/٥-٤٣
وبهذا يوفق بين هذه الآية وآية ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ﴾ (الآية ٤٩
الآتية) وهو رأي الشافعية. وقيل: نسخت الآية الأولى بالثانية، وهو قول ابن
عباس والحسن البصري ومجاهد وعكرمة.
وإن تعرض عن الحكم بينهم فلن يلحقك شيء من ضررهم وعداوتهم،
فالله حافظك وعاصمك من الناس. والغرض من هذه الجملة بيان حال
الأمرين اللذين خير فيهما عليه الصلاة والسلام، وكانوا لا يتحاكمون إليه
إلا لطلب الأسهل والأخف كالجلد بدل الرجم، فإذا أعرض عنهم اغتاظوا
وربما حاولوا أذاه، فبين تعالى أنه لا تضره عداوتهم له.
وإن حكمت بينهم، فاحكم بالعدل الذي أُمِرت به، إن الله يحب العادلين،
والعدل شرعة القرآن والإسلام، سواء بين المسلمين، أو مع الأعداء.
وكيف يحكّمونك في قضية مثل الزانيين؟ وعندهم التوراة فيها شريعتهم
وحكم الله، ثم يتولون ويعرضون عن حكمك بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين
أبداً، أو المراد أنهم غير مؤمنين بكتابهم كما يدعون.
هذه الآية تعجب من تحكيمهم، لعدولهم عن حكم كتابهم، ورجوعهم إلى
حكم من يعتقدونه مبطلاً، وإعراضهم عن حكمه بعد تحكيمه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أن اليهود حكّمت النبي وَلّ، فحكم عليهم بمقتضى ما في
التوراة، واستند في ذلك إلى قول ابن صُورِيًا، وأنه سمع شهادة اليهود وعمل
بها، وأن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان.
فإذا ترافع أهل الذمة إلى الإمام: فإن كان ما رفعوه ظلماً كالقتل والعدوان
والغصب ونحوها من مسائل الجنايات، حكم بينهم، ومنعهم منه بلا خلاف.
وأما إذا لم يكن كذلك فالإمام مخير في الحكم بينهم وتركه عند مالك

٥٤٩
الُ (٦) - للَائِدَة: ٤١/٥-٤٣
والشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وهو
نص في التخيير. غير أن مالكاً رأى أن الإعراض عنهم أولى، فإن حكم حكم
بينهم بحكم الإسلام. وقال الشافعي: لا يحكم بينهم في الحدود. وقال أبو
حنيفة: يحكم بينهم على كل حال؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ
اُللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩/٥].
ودلت الآية على أن التحکیم جائز، قال مالك: إذا حگّم رجل رجلاً
فحكمه ماضٍ، وإن رُفع إلى قاض أمضاه، إلا أن يكون جَوْراً. وقال
سُحنون: يمضيه إن رآه صواباً. قال ابن العربي: وذلك في الأموال والحقوق
التي تختص بالطالب، فأما الحدود فلا يحكُم فيها إلا السلطان. والضابط أن
كل حق اختصم الخصمان به جاز التحكيم فيه، ونفذ تحكيم المحكم به (١).
وقال الشافعي: التحكيم جائز، وهو غير لازم، وإنما هو فتوى؛ لأنه لا
يقدم آحاد الناس على الولاة والحكام، ولا يأخذ آحادُ الناس الولاية من
أيديهم.
وظاهر الآية دل على أن المحكم ينفذ حكمه فيما حكم فيه، فإن اليهود
حکموا رسول الله آلے ونفذ حکمه فيهم.
وعقاب المحرِّفين: خزي في الدنيا بفضيحتهم حين أنكروا الرجم، وإذلالهم
وعذاب عظيم جداً في الآخرة.
ودلت الآية: ﴿سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ﴾ على كثرة سماع
اليهود الكذب وكثرة أكلهم المال الحرام، كالرشوة في الحكم وحلوان الكاهن
(أي ما يعطى على الكهانة) ومهر البغي وغير ذلك مما ذكر.
(١) أحكام القرآن: ٦١٩/٢

٥٥٠
الزُ (٦) - الغَائِدَة: ٤١/٥-٤٣
والرشوة حرام في كل شيء، وهي قد تكون في الحكم أو التقاضي، وهي
محرمة على الراشي والمرتشي، قال عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله الراشي
والمرتشي، والرائش الذي يمشي بينهما)) (١) لأن الحاكم حينئذ إن حكم له بما
هو حقه، كان فاسقاً؛ لقبوله الرشوة على أن يحكم له بما يريده، وإن حكم
بالباطل، كان فاسقاً؛ لأخذه الرشوة وحكمه بالباطل.
وقد تكون الرشوة في غير الحكم أو القضاء، مثل أن يرشوَ الحاكم ليدفع
ظلمه عنه، فهذه الرشوة محرمة على آخذها، غير محرمة على معطيها، كما قال
الحسن: ((لا بأس أن يدفع الرجل من ماله ما يصون به عرضه)). وحينما كان
ابن مسعود بالحبشة رشا دينارين وقال: ((إنما الإثم على القابض، دون الدافع)».
وأرشدت الآية: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ إلى التخيير في الحكم بين
المعاهدين أهل الموادعة، لا أهل الذمة، فإن النبي ◌َّ لما قدم المدينة وادع
اليهود، ولا يجب علينا الحكم بين الكفار إذا لم يكونوا أهل ذمة، بل يجوز
الحكم إن أردنا. فأما أهل الذمة فهل يجب علينا الحكم بينهم إذا ترافعوا
إلينا؟.
قال المهدوي: أجمع العلماء على أن على الحاكم أن يحكم بين المسلم
والذمي، واختلفوا في الذميين.
والنبي ◌َّ حكم بينهم بشريعة موسى عليه السلام، ولكن كان ذلك قبل أن
تنزل عليه الحدود. أما الآن وقد أكمل الله الدين وتقررت الشريعة، فلا يجوز
لأي محكّم أن يحكم بغير الأحكام الإسلامية.
ويلاحظ أن أقوال الكفار في الحدود وفي شهادتهم عليها غير مقبولة
بالإجماع، لكن فعل النبي ◌َّر ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به.
(١) رواه أحمد في مسنده عن ثوبان، وهو حديث صحيح.

٥٥١
المُرُ (٦) - المعَائِدَة: ٤١/٥-٤٣
والجمهور على رد شهادة الذمي؛ لأنه ليس من أهلها، فلا تقبل على مسلم
ولا كافر، وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين وغيرهم إذا لم يوجد مسلم.
فإن قيل: فقد حكم عليه الصلاة والسلام بشهادتهم ورجم الزانيين،
فالجواب: أنه إنما نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم العمل به، على
نحو ما عملت به بنو إسرائيل، إلزاماً للحجة عليهم، وإظهاراً لتحريفهم
وتغييرهم، فكان منفذاً لا حاكماً.
وأوضحت الآية مثلما ذكر في آيات أخرى أن بعض اليهود لا كلهم
يحرفون كلام التوراة على غير حقيقته، أي يتأولونه على غير تأويله، بعد أن
فهموه وعرفوا مواضعه التي أرادها الله عز وجل، وبيَّن أحكامه، مثل جعلهم
بدل رجم المحصن جلد أربعين، تغييراً لحكم الله عز وجل.
ودلت آية: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ أي ضلالته في الدنيا وعقوبته في
الآخرة، على أن الضلال بمشيئة الله تعالى، وأن الله تعالى غير مريد إسلام
الكافر، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك، ولو فعل ذلك الآمن، وأنه لم
يرد الله أن يطهر قلوبهم من الطبع عليها والختم، كما طهرت قلوب المؤمنين
ثواباً لهم(١).
فذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أن الآية محكمة وثابتة في سائر
الأحكام غير منسوخة، وأن الحاكم مخير، وهي مخصوصة في المعاهدين الذين
لهم مع المسلمين عهد إلى مدة، فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل
يتخير في ذلك. أما أهل الذمة فيجب على حاكم المسلمين أن يحكم بينهم إذا
تحاكموا إليه، لكن في رأي مالك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن لا يُحَدّ الذميون
حد الزنى. ورأى الشافعي وأبو يوسف: أنهم يحدون إن أتوا راضين بحكمنا.
(١) تفسير الرازي: ٢٣٣/١١، تفسير القرطبي: ١٨٢/٦

٥٥٢
لُُ (٦) - الثائِدَة: ٤١/٥-٤٣
وذهب أبو حنيفة والنخعي وعمر بن عبد العزيز إلى أن التخيير المذكور في
الآية منسوخ بقوله تعالى: ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ وأن على الحاكم أن
يحكم بين أهل الذمة. وهو رأي ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة. قال
مجاهد: لم ينسخ من المائدة إلا آيتان: قوله: ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمَّ﴾
نسختها: ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ﴾؛ وقوله: ﴿لَا تُحِلُواْ شَعَِّرَ اللَّهِ﴾
نسختها: ﴿فَقُئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
قال الرازي: احتج جماعة من الحنفية بهذه الآية: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ على
أن حكم التوراة وشرائع من قبلنا لازم علينا، مالم ينسخ، وهو ضعيف، ولو
كان كذلك لكان حكم التوراة كحكم القرآن في وجوب طلب الحكم منه،
لكن الشرع نهى عن النظر فيها، بل المراد هذا الأمر الخاص وهو الرجم؛
لأنهم طلبوا الرخصة بالتحكيم(١).
(١) تفسير الرازي: ٢٣٦/١١

لُعُ (٦) - القائِدَة: ٤٤/٥-٤٧
٥٥٣
التوراة هدى ونور وتشريع القصاص فيها
وإلزام النصارى بالحكم بها
﴿إِنََّ أَنْزَلْنَا اُلْتَّوْرَنَ فِيَهَا هُدِّى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ
لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَِّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أَسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ
شُهَدَاءً فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنٍ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَايَتِي ثَمَنَا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ
وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
٤٤
يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ
بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَ بِلِسِنِّ
وَاَلْجُرُوحَ قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ
وَقَفَّيْنَا عَلَىّ ءَاثَِّهِم بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا
٤٥
أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْظَلِمُونَ
لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَنَّةِ وَءَاتَيْنَهُ الْإِنِيلَ فِيهِ هُدَّى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهٍ وَمَنْ
التَّوْرَنَّةِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
٤٧
لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
القراءات:
﴿ النَّبِيُّونَ﴾ :
وقرأ نافع: (النبيئون).
﴿بِاَلْعَيْنِ وَالْأَفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَ بِلْسِنِّ وَالْجُرُوحَ﴾: قرئ:
١- بالنصب، على التشريك في عمل ((إن))، وهي قراءة نافع، وحمزة،
وعاصم.
٢- بالرفع، من قبيل عطف جملة على جملة، وهي قراءة الكسائي.
٣- بنصب (العين) و(الأنف) و(الأذن) و(السن) ورفع (والجروح) وهي
قراءة الباقين.

٥٥٤
الجُرُ (٦) - المَائِدَة: ٤٤/٥-٤٧
﴿ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ :
وقرأ نافع: (الأَذْن بالأذْن).
﴿ وَلْيَحْكُمْ﴾:
وقرأ حمزة: (وليَحْكُمَ).
الإعراب:
﴿ النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾ صفة للنبيين على سبيل المدح، لا
بمعنى الصفة التي تدخل للفرق بين الموصوف وغيره؛ لأنه لا يحتمل أن يكون
﴿النَّبِيُّونَ﴾ غير مسلمين.
﴿ وَأُلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ منصوب بالعطف على اسم ﴿أَنَّ﴾ وهو النفس. وقرئ
بالرفع على أنه مبتدأ وخبره ﴿بِالْعَيْنِ﴾ أو معطوف على الضمير المرفوع في
قوله: ﴿بِالنَّفْسِ﴾ أي النفس مقتولة بالنفس.
﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ منصوب عطفاً على المنصوب بأن، كأنه قال: وأن
الجروح قصاص. وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ وخبره ﴿قِصَاصُ﴾. ﴿فَمَن
تَصَدَّفَ بِهِ﴾ الضمير راجع إلى القصاص ﴿فَهُوَ﴾ أي التصدق.
﴿مُصَدِّقَا﴾ الأول حال من عيسى، ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ الثاني حال من ﴿الْإِنِيلَ﴾.
﴿فِيهِ هُدَى وَنُورٌ﴾ رفع بالظرف؛ لأنه وقع حالاً، فارتفع مابعده ارتفاع
الفاعل بفعله. ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ اللام لام الأمر، ويجزم بها الفعل. ومن قرأ بكسر
اللام وفتح الميم فاللام فيه لام كي، والفعل بعدها منصوب بتقدير (أن).
البلاغة:
﴿فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ﴾ خطاب لعلماء اليهود بطريق الالتفات عن
الغيبة: (فلا يخشوا) إلى الخطاب.

٥٥٥
لُعُ (٦) - المائدة: ٤٤/٥-٤٧
المفردات اللغوية:
﴿التَّوْرَنَةَ﴾ الكتاب الذي أنزل على موسى ﴿فِيهَا هُدَّى﴾ من الضلالة ببيان
الأحكام والتكاليف ﴿وَنُورٌ﴾ بيان لأصول توحيد الله وأمور النبوة والمعاد
﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ من بني إسرائيل. ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾ انقادوا لله ﴿لِلَّذِينَ
هَادُواْ﴾ اليهود ﴿وَالرََِّّيُّونَ﴾ هم العلماء الحكماء البصراء بأمور الناس
والحياة، المنسوبون إلى الرب وهو الخالق المدبر لأمر الملك، الذي يربي الناس
بالعلم. ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾ الفقهاء المتقون الصالحون، جمع حبر: وهو العالم بتحبير
الكلام وتحسينه ﴿بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ﴾ بما طلب إليهم حفظه من كتاب الله أن
يبدلوه ﴿شُهَدَآءَ﴾ رقباء وحفاظاً وشاهدین أنه حق.
﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ﴾ أيها اليهود في إظهار ما عندكم من نعت محمد
وَّه والرجِم وغيرهما ﴿وَأَخْشَوْنِ﴾ في كتمانه ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ﴾ تستبدلوا ﴿بَِايَتِى
ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ من الدنيا تأخذونه على كتمانها ﴿وَكَنَبَنَا﴾ فرضنا ﴿عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ في
التوراة وهو القصاص، وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مقرر في شرعنا
﴿فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ،﴾ أي بالقصاص، بأن مكن من نفسه ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اُلْكَفِرُونَ﴾ به، وهو القصاص وغيره ﴿الظَّالِمُونَ﴾
المبالغون في الظلم والجور لمخالفة شرع الله ﴿اُلْفَسِقُونَ﴾ الخارجون من الإيمان
وطاعة الله، المتجاوزون أحكام الدين.
﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَدِهِم﴾ جعلنا عيسى يقفو أثرهم ويتبعهم، كما قال:
﴿ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ﴾.
سبب النزول:
نزلت آية: ﴿إِنَّآ أَنَزَلْنَا التَّوْرَكَةَ﴾ في اليهود الذين بدلوا حكم التوراة في
الرجم، فجعلوا مكانه كما تقدم الجلد والتسخيم.

٥٥٦
لُحُ (٦) - الثَائِدَة: ٤٤/٥-٤٧
روى مسلم عن البراء بن عازب عن النبي ◌َّ أنه رجم يهودياً ويهودية، ثم
قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَّمْ
يَحْكُمْ بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَلِمُونَ﴾ ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ قال: نزلت كلها في الكفار(١).
المناسبة:
بعد أن ندد تعالى باليهود الذين أعرضوا عن حكم التوراة بالرجم،
وطلبهم الحكم الأخف والأسهل من النبي ◌َّ، ذكر ما تضمنته التوراة من
هداية بني إسرائيل وبيان أحكام الدين. ففي هذه الآية نبّه الله اليهود الذين
أنكروا ماتضمن كتابهم من رجم الزاني والقصاص من القاتل المعتدي،
ووبخهم على مخالفة الأحبار المتقدمين والأنبياء المبعوثين إليهم.
التفسير والبيان:
إنا أنزلنا التوراة على موسى الكليم، مشتملة على الهدى: بيان الأحكام
والتكاليف، والنور: أصول الاعتقاد من توحيد الله وأمور النبوة والآخرة،
أنزلناها شرعاً وقانوناً يحكم بها النبيون الذين أسلموا وجوههم الله مخلصين له
الدين، الذين بعثهم الله بعد موسى في بني إسرائيل حتى عيسى عليهم السلام.
قال ابن الأنباري: الذين أسلموا: صفة للنبيين على معنى المدح، لا على
معنى الصفة التي تميز الموصوف عن غيره؛ لأنه لا يحتمل أن يكون
﴿ النَّبِيُّونَ﴾ غير مسلمين. وهذا رد على اليهود والنصارى وتقرير أن الأنبياء
ماكانوا موصوفين باليهودية ولا بالنصرانية كما زعموا، بل كانوا مسلمين لله
منقادین لأحكامه.
(١) أسباب النزول للنيسابوري: ص ١١٢

٥٥٧
لِلُعُ (٦) - المَائِدَة: ٤٤/٥-٤٧
للذين هادوا: أي يحكم النبيون بالتوراة لأجل اليهود وفيما بينهم، فهي
شریعة خاصة بهم لا عامة، وکان داود وسليمان وعیسی يحكمون بها.
ويحكم بها الربانيون والأحبار وهم الصالحون من ولد هارون، والمقصود
بالأولين: العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم
ومصالحهم، والأحبار: هم العلماء المتقون الصالحون(١)، يحكمون بالتوراة
في الأزمنة التي لم يكن فيها أنبياء، أو مع وجودهم بإذنهم، بسبب ما
استحفظوا من كتاب الله، أي بسبب ما استودعوا من علمه، وقد أخذ الله
العهد على العلماء حفظ كتابه من جهتين: أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه
بألسنتهم، وألا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه.
قال الطبري: والربانيون: جمع ربّاني وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة
الناس وتدبير أمورهم والقيام بمصالحهم. والأحبار: هم العلماء جمع حبر:
وهو العالم المحكم للشيءٍ (٢).
﴿وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ﴾ أي وكان العلماء الصالحون على كتاب الله
شهوداً ورقباء يحمونه من التغییر والتحريف، وشاهدین أنه الحق من ربهم،
مثل عبد الله بن سَلام الذي شهد بحكم الرجم في التوراة، وكتمان صفة النبي
وَله والبشارة به.
ثم خاطب الله رؤساء اليهود المعاصرين لزمن الوحي القرآني الذين كتموا
وبدلوا، بعد أن أقام عليهم شهوداً من أنفسهم فقال: ﴿فَلَا تَخْشَوُاْ
النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ﴾ أي وإذا الحال كما ذكر، فلا تخافوا الناس أيها الأحبار
(١) أطلق لقب الربّاني على علي رضي الله عنه، لقوله: أنا رباني هذه الأمة، وأطلق لقب: حبر
الأمة على ابن عباس.
(٢) تفسير الطبري: ١٦١/٦

٥٥٨
الُُ (٦) - الغَائِدَة: ٤٤/٥-٤٧
المعاصرون، فتكتموا الحق، من صفة النبي والبشارة به، طمعاً في نفع دنيوي
عاجل، وخافوا الله فلا تحرفوا كتابي، خوفاً من الناس والرؤساء، فتسقطوا
عنهم الحدود الواجبة عليهم. ولما كان الخوف أشد تأثيراً من الطمع قدم الله
ذكره فقال: ﴿فَلاَ تَخْشَوَأْ النَّاسَ﴾.
ثم ذكر أمر الطمع والرغبة في النفع، فقال: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِئَايَتِى ثَمَنَا
قَلِيلًا﴾ أي ولا تستبدلوا بآياتي وأحكامي منفعة عاجلة حقيرة تأخذونها من
الناس من رشوة أو طمع في مال أو جاه أو رياسة كاذبة أو رضا الآخرين،
فمتاع الدنيا قليل، والرشوة التي تأخذونها سحت حرام لابقاء لها، فلا
تضيعوا بها الدين والثواب الدائم، إذ كيف تأخذون القليل الزائل بالكثير
الدائم؟!
وكل من لم يحكم بغير ما أنزل الله، مثل جعل الجلد والتحميم بدلاً من
الرجم، وكتمان صفة النبي ◌ّليل وتأويلها على غيره، وقضائهم في بعض القتلى
بدية كاملة وفي بعضهم بنصف دية، وتركهم القصاص، فأولئك هم الكافرون
الذين ستروا الحق، الظالمون الجائرون، الفاسقون الخارجون عن حدود الله،
تلك أوصافهم، وصفهم بالعتو في كفرهم حين ظلموا آيات الله بالاستهانة،
وتمردوا بأن حكموا بغيرها، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الكافرين
والظالمين والفاسقين أهل الكتاب. فهذا وعيد شديد المقصود منه تهديد اليهود
الذين حرفوا التوراة في الزاني المحصن والاقتصاص من القاتل المعتدي،
فأصبحوا كافرين غير مؤمنين لا بموسى والتوراة ولا بمحمد والقرآن.
أخرج ابن جرير الطبري عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في
المائدة: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ﴾ إلخ ليس في أهل الإسلام منها شيء،
هي في الكفار(١). قال الرازي: وهذا ضعيف؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا
(١) تفسير الطبري: ١٦٣/٦

٥٥٩
الجُعُ (٦) - المَائِدَة: ٤٤/٥-٤٧
بخصوص السبب. ثم نقل عن عكرمة: قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ﴾
إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله
وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده، فهو حاكم بما أنزل الله
تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية. ثم قال الرازي: وهذا
هو الجواب الصحيح، والله أعلم (١).
والخلاصة: إن التكفير هو لمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله، وأنكر
بالقلب حكم الله، وجحد باللسان، فهذا هو الكافر. أما من لم يحكم بما أنزل
الله، وهو مخطئ ومذنب، فهو مقصر فاسق، مؤاخذ على رضاه الحكم بغير ما
أنزل الله.
ولما جعل اليهود دية النضيري أكثر من دية القرظي، ومنعوا أن يقتل به أي
يقتص منه، مخالفين حكم التوراة وحكم رسول الله ومفر حين سألوه، نزلت
هذه الآية لبيان تشريع القصاص: ﴿ وَكَنَبِّنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾.
أي فرضنا في التوراة التماثل والمساواة في القصاص، فتقتل النفس
بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويجدع الأنف بالأنف، وتقطع الأذن بالأذن،
ويقلع السن بالسن، ويجري القصاص في الجروح، أي يعتبر فيها المساواة بقدر
الاستطاعة.
فالآية تدل على جريان القصاص في كل ماذكر، وقد أخذ أبو حنيفة: أن
المسلم يقتل بالذمي. وقال الجمهور: لا يقتل المسلم بالذمي، لأن الآية شرع
من قبلنا، وهو ليس شرعاً لنا في رأي الشافعية، ولقوله وله فيما رواه أحمد
والترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو: ((لا يقتل مسلم بكافر)). والمراد
من قوله: ﴿وَأَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ استيفاء مايماثل فعل الجاني منه، دون تعدٍ
(١) تفسير الرازي: ٦/١٢

٥٦٠
الُعُ (٦) - لَائِدَة: ٤٤/٥-٤٧
علیه، فتؤخذ العین الیمنی باليمنى عند وجودها، ولا تؤخذ اليسرى باليمنى،
وإن رضي المقتص منه. وذلك حال التعمد، أما في حال الخطأ ففي العين
الواحدة نصف الدية، وفي العينين دية كاملة.
وإذا فقأ الأعور عين الصحيح، فعليه القصاص عند أبي حنيفة والشافعي؛
أخذاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَاَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ قال ابن العربي: والأخذ
بعموم القرآن أولى، فإنه أسلم عند الله تعالى. وقال مالك: إن شاء اقتص،
وإن شاء أخذ الدية كاملة (دية عين الأعور) لأن الأدلة لما تعارضت خير المجني
علیه.
وقال أحمد: لاقود عليه وعليه الدية كاملة؛ لأن في القصاص من الأعور
أخذ جميع البصر ببعضه، وذلك ليس بمساواة.
وكذلك يقتص من الأنف والأذن والسن إذا كانت الجناية عمداً،
كالقصاص من سائر الأعضاء. أما اللسان: فقال أكثر أهل العلم: فيه من
الدية بقدر ماذهب من كلامه من ثمانية وعشرين حرفاً، وإن ذهب الكلام كله
ففيه الدية. ولسان الأخرس فيه حكومة عدل.
وأما الجروح فكل ماتمكن المساواة فيه من الأطراف كالقدمين واليدين،
ومن الجراحات المضبوطة كالموضحة مثلاً: وهي التي توضح العظم أي
تكشفه، فإن لم يمكن القصاص کرض في لحم أو كسر في عظم كعظم الصدر
ففيه حكومة عدل أي تعويض يقدره القاضي. بمعرفة الخبراء.
هذا كله في حال التعدي والعمد، أما في حال الخطأ فتجب الدية أو بعضها
أو التعويض المقدر قضاء.
ثم أشار الله تعالى إلى العامل الإنساني وهو العفو والصفح والتسامح،
فقال: ﴿فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ أي تصدق بحقه في القصاص