النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
الْجُ (٦) - المَائِدَة: ٣٥/٥-٣٧
ليجعلوه فدية لأنفسهم، قال الزمخشري: ٤٥٨/١: وهذا تمثيل للزوم العذاب
لهم وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه. وعن النبي يَّر: ((يقال للكافريوم
القيامة: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم،
فیقال له: قد سئلت أيسر من ذلك)).
المفردات اللغوية:
﴿ أَتَّقُواْ اللّهَ﴾ خافوا عقابه بأن تطيعوا أوامره وتجتنبوا نواهيه ﴿وَأَبْتَغُواْ﴾
اطلبوا ﴿إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ما يتوسل به إلى رضوان الله أو يقربكم إليه من
طاعته، فالوسيلة: القربة التي ينبغي أن يُطلب بها، وتطلق أيضاً على أعلى
منزلة أو درجة في الجنة.
﴿ وَجَهِدُواْ فِ سَبِيلِهِ﴾ لإعلاء دينه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تفوزون ﴿لَوْ
أَنَّ لَهُم﴾ لو ثبت ﴿يُرِيدُونَ﴾ يتمنون ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائم.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى حسد اليهود ومكرهم وهمهم الفتك برسول الله اليه
وقتلهم الأنبياء، وفند ادعاءهم بأنهم أبناء الله وأحباؤه، أمر المؤمنين بالتقوى
والتقرب إليه بصالح الأعمال، ولا يتكلوا على مثل مزاعم أهل الكتاب، وهو
المقصود الأصلي من مهام القرآن.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته، كان المراد بها
الكف عن المحارم وترك المنهيات.
فيا أيها المؤمنون اتقوا سخط الله وعقابه بامتثال أمره واجتناب نهيه،
واطلبوا إليه القربة التي ينبغي أن يطلب بها، وهي التي توصلكم إلى مرضاته
والقرب منه والظفر بمثوبته في الجنة.

٥٢٢
الجُعُ (٦) - المائدة: ٣٥/٥-٣٧
والوسيلة درجة في الجنة، روى أحمد ومسلم من حديث عبد الله بن عمر أنه
سمع النبي وَّه يقول: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي،
فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة
في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون هو، فمن سأل لي
الوسيلة، حلت له الشفاعة)) فالوسيلة أعلى منزلة في الجنة: وهي منزلة رسول
الله ◌َيّ، وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش.
ولما أمر تعالى المؤمنين بترك المحارم وفعل الطاعات، أمرهم بقتال الأعداء
من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم، والتاركين للدين القويم،
فقال: ﴿وَجَهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ﴾ والجهاد من الجهد: وهو المشقة والتعب،
وسبيل الله: هي طريق الحق والخير والفضيلة والحرية للأمة، والجهاد في سبيل
الله يشمل جهاد النفس بكفها عن أهوائها، وحملها على العدل في جميع
الأحوال، وجهاد الأعداء الذين يقاومون دعوة الإسلام.
ورغبهم الله تعالى بما أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة من الفلاح
والسعادة العظيمة الخالدة، فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي إن جاهدتم
وتقربتم إلى الله بطاعته، حققتم الفوز والفلاح وسعادة الدنيا والآخرة،
والمسلم مطالب دائماً بالجهاد بمختلف أنواعه؛ لأن فعل الحسنات وترك
السيئات شاق على النفس.
وبعد أن أمر الله المؤمنين بالتقوى وتزكية النفس، أخبر بما أعده لأعدائه
الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي إن
الذين جحدوا ربوبية ربهم وجحدوا آياته الدالة على وجوده ووحدانيته،
وكذبوا رسله، وعبدوا غيره من صنم أو وثن أو عجل أو بشر، وماتوا على
هذه الحال من غير توبة، لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهباً،
بل ومثله أو ضعفه معه، ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به،

٥٢٣
الجُرُ (٦) - المَائِدَة: ٣٥/٥-٣٧
. وتيقن وصوله إليه، ما تُقبِّل ذلك منه، بل لا مندوحة عنه، ولا محيص له ولا
مناص، ولهذا قال: ﴿وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي موجع مؤلم لهم، بسبب ما جنته
نفوسهم، كما أن الفلاح والسعادة بسبب الطاعة والاستقامة النابعة من
[الشمس: ٩١/
النفس الإنسانية: ﴿أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنهَا
٩ - ١٠].
ثم وصف الله تعالى العذاب بأنه دائم وأن أهل النار مقيمون فيها على
الدوام: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ﴾ [المائدة: ٣٧/٥] أي يتمنون الخروج
مما هم فيه من شدة العذاب، وماهم بخارجين منها، ولهم عذاب دائم مستمر
لاخروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ
يَخْرُجُوْ مِنْهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُواْ فِيَهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ
[الحج: ٢٢/٢٢]
(٢٢)
فمعنى قوله: ﴿مُقِيمٌ﴾ أنه دائم ثابت لا يزول ولا يحول.
روى البخاري ومسلم والنسائي من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول
الله وَله: ((يؤتى بالرجل من أهل النار، فيقال له: يا ابن آدم، كيف وجدت
مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال: هل تفتدي بقراب الأرض ذهباً؟
قال: فيقول: نعم يارب، فيقول الله تعالى: كذبت، قد سألتك أقل من ذلك،
فلم تفعل، فيؤمر به إلى النار)).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى أن الناس صنفان: صنف المؤمنين الطائعين، وهؤلاء
هم المفلحون الناجون في الدنيا والآخرة، وصنف الكافرين الجاحدين ألوهية
الله وربوبيته ووحدانيته، والمكذبين رسله، وهؤلاء هم الخاسرون في الحقيقة في
الدنيا والآخرة، وإقامتهم دائمة في نار جهنم.
وهذا هو الفارق بين الإسلام وغيره من الأديان، فاليهود يعتمدون على
أمنيات كاذبة ومزاعم باطلة أنهم أبناء الله وأحباؤه، وشعب الله المختار،
والنصارى يعتقدون أن المسيح فداء لهم بنفسه من الخطيئة والمعصية. أما

٥٢٤
الُ (٦) - المائدة: ٣٥/٥-٣٧
المسلمون فيعتمدون على أن أساس الفلاح والنجاة في الآخرة: هو تزكية
النفس بالفضائل، والعمل الصالح.
والخلود ثابت للفريقين، فالمؤمنون مخلدون في الجنة، والكافرون مخلدون في
النار. قال يزيد الفقير: قيل لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما، إنكم يا
أصحاب محمد وَ ل تقولون: إن قوماً يخرجون من النار، والله تعالى يقول:
﴿وَمَا هُم بِخَرِينَ مِنْهَا﴾ فقال جابر: إنكم تجعلون العامّ خاصاً، والخاص
عامّاً، إنما هذا في الكفار خاصة؛ فقرأت الآية كلها من أولها إلى آخرها، فإذا
هي في الكفار خاصة(١).
قال الرازي عن آية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُوْاْ إِلَيْهِ
اُلْوَسِيلَةَ﴾: هذه الآية آية شريفة مشتملة على أسرار روحانية، ونحن نشير
هاهنا إلى واحد منها، وهو أن من يعبد الله تعالى فريقان: منهم من يعبد الله لا
لغرض سوى الله، ومنهم من يعبده لغرض آخر.
والمقام الأول: هو المقام الشريف العالي، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَجَهِدُواْ
فِى سَبِيلِهِ﴾ أي في سبيل عبوديته وطريق الإخلاص في معرفته وخدمته.
والمقام الثاني: دون الأول، وإليه الإشارة بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
والفلاح: اسم جامع للخلاص من المكروه والفوز بالمحبوب(٢).
أما قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ فقد استدل به بعض الناس على
مشروعية الاستغاثة أو التوسل بالصالحين، وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين
العباد.
وتحقيق القول في التوسل مايأتي معتمداً على تفسير الألوسي(٣):
(١) تفسير القرطبي: ١٥٩/٦
(٢) تفسير الرازي: ٢٢٠/١١، طبعة دار إحياء التراث العربي- بيروت.
(٣) تفسير الألوسي: ١٢٤/٦-١٢٨

٥٢٥
الُعُ (٦) - المائدة: ٣٥/٥-٣٧
أولاً - التوسل بمعنى التقرب إلى الله بطاعته وفعل مايرضيه، وهو المراد
بالآية: ﴿وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ اُلْوَسِيلَةَ﴾: هو أساس الدين وفرض الإسلام.
وعلى هذا يحمل توسل أهل الصخرة الثلاثة، فإنهم توسلوا إلى الله عز وجل
بصالح الأعمال، أي طلبوا الفرج بصلاح أعمالهم، ولا شك أن الأعمال
الصالحة سبب لثواب الله تعالى لنا، ولم يتوسلوا بذوات الأشخاص.
ثانياً - التوسل بالمخلوق والاستغاثة به بمعنى طلب الدعاء منه، لاشك في
جوازه إن كان المطلوب منه حياً، فقد صح أنه پ# قال لعمر رضي الله عنه لما
استأذنه في العمرة: ((لاتَنْسَنا ياأخي من دعائك)) وأمره أيضاً أن يطلب من
أويس القرني رحمه الله أن يستغفر له، وأمر أمته ◌َ له بطلب الوسيلة له كما
تقدم: ((فمن سأل لي الوسيلة، حلت له الشفاعة)).
وثبت أن عمر رضي الله عنه قال في الاستسقاء: ((اللهم إنا كنا إذا أجدبنا،
توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)) أي بدعائه
وشفاعته، لا بذاته وشخصه.
وأما إذا كان المطلوب منه الدعاء ميتاً أو غائباً فغير جائز، قال الألوسي:
فلا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من السلف،
نعم السلام على أهل القبور مشروع ومخاطبتهم جائزة، فقد صح أنه (چو كان
يعلّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: ((السلام عليكم أهل الديار من
المؤمنين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم
والمستأخرين، نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا
تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم)).
1
ولم يرد عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم - وهم أحرص الخلق على
خير - أنه طلب من ميت شيئاً.

٥٢٦
الجُرُ (٦) - القَائِدَة: ٣٥/٥-٣٧
ثالثاً - القسم على الله تعالى بأحد من خلقه، مثل أن يقال: اللهم إني أقسم
عليك، أو أسألك بفلان إلا ماقضيت لي حاجتي.
وقد أجاز العز بن عبد السلام ذلك في النبي وّ؛ لأنه سيد ولد آدم، ولم
يجز أن يقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء، والملائكة، والأولياء؛ لأنهم
ليسوا في درجته، ودليله مارواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح عن
عثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي وَّل
فقال: ادع الله تعالى أن يعافيني، فقال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت
فهو خير لك، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ، فيحسن الوضوء، ويدعو بهذا
الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك وَلّ﴾ نبي الرحمة، يارسول الله، إني
توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، لتُقضى لي، اللهم فشفِّعه فيَّ)) ونقل عن
أحمد مثل ذلك.
والحق ألا دلالة في الحديث على التوسل بذات النبي ◌ّ وشخصه، وإنما
توسل بدعاء النبي ێے وشفاعته.
ومنع أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى التوسل بالذات والقسم على
الله تعالى بأحد من خلقه، وهو رأي ابن تيمية رحمه الله. والحديث المذكور على
حذف مضاف أي بدعاء وشفاعة النبي ◌َّر، فقد جعل الدعاء وسيلة، وهو
جائز، بل مندوب، والدليل على هذا التقدير قوله في آخر الحديث: ((اللهم
فشفعه فيَّ)) بل في أوله أيضاً ما يدل على ذلك.
وليس في الأدعية المأثورة عن أهل البيت الطاهرين وغيرهم من الأئمة،
ليس فيها التوسل بالذات المكرمة مثل﴿، ولو فرضنا وجود ماظاهره ذلك
فمؤول بتقدير مضاف، أو نحوه.
قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة
المسجون بالمسجون.

٥٢٧
الُعُ (٦) - المائدة: ٣٥/٥-٣٧
وكره العلماء الدعاء بحق خلقك؛ لأنه لاحق للخلق على الخالق.
والخلاصة: إن الدعاء لله تعالى يكون مباشرة، وبلا وساطة؛ إذ لا يحتاج
الله إلى الوسطاء بالنص القرآني القطعي الدلالة وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ
رَبُّكُمُ أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠/٤٠] وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦/٢]. وقوله
﴾ [الفاتحة: ٥/١].
تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
وروى الترمذي وقال حديث حسن صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما
أنه وَ لّ قال له: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت
فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)) وهذا الحديث بعد الآيات نص
واضح يعيّن أو يوجب الاستعانة بالله تعالى وحده، دون سواه.
وأما الآيتان (٣٦ - ٣٧) فذكرتا نوعين من الوعيد:
الأول - استحالة قبول الفداء من الكفار يوم القيامة، وثبوت استحقاقهم
العذاب الأليم.
والثاني - تمنيهم الخروج من عذاب النار، وإلزامهم بالعذاب المقيم أي
الدائم الثابت الذي لا يزول ولا يحول. فكلما رفعهم لهب النار إلى أعلى جهنم،
ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد، فيردوهم إلى أسفلها.
واستدل بعضهم بهذه الآية على أنه تعالى يخرج من النار من قال: ((لا إله
إلا الله)) على سبيل الإخلاص؛ لأنه تعالى جعل الإقامة الدائمة في النار من
تهديدات الكفار وأنواع ماخوفهم به من الوعيد الشديد، ولولا أن هذا المعنى
مختص بالكفار، وإلا لم يكن لتخصيص الكفار به معنى(١).
(١) تفسير الرازي: ٢٢٢/١١

٥٢٨
الجُزُرُ (٦) - المَائِدَة: ٣٨/٥-٤٠
حد السرقة
﴿ وَاُلْشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُوْاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿َ فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ ◌َ
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ, مُلْكُ الشَمَوَتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن
يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
الإعراب:
﴿وَاُلْسَارِقُ﴾ مبتدأ، وفي خبره وجهان: أحدهما - أن يكون خبره مقدراً،
وتقديره: فيما يتلى عليكم السارق والسارقة، هذا مذهب سيبويه. والثاني -
مذهب الأخفش والمبرد والكوفيين: أن الخبر: ﴿فَقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا﴾
ودخلت الفاء في الخبر لأنه لم يرد سارقاً بعينه، وإنما أراد: كل من سرق
فاقطعوا. وهو يتضمن معنى الشرط والجزاء، فتدخل الفاء في خبر المبتدأ.
وإنما قال: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ بالجمع؛ لأنه يريد أيمانهما، وهي قراءة شاذة.
وكل ما في البدن منه عضو واحد يثنى بلفظ الجمع، وليس للإنسان إلا يمين
واحدة، فنزل منزلة ما ليس في البدن منه إلا عضو واحد، مثل قوله تعالى:
﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. ويجوز تثنيته بلفظ المثنى مثل: رأيت وجهيهما، ويجوز
أيضاً بلفظ المفرد مثل: رأيت وجههما.
(جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا﴾: جزاء: إما منصوب نصب المصادر والعامل فيه معنى
الكلام المتقدم، فكأنه قال: جازوهما جزاء، وإما منصوب لأنه مفعول
لأجله، والتقدير: فاقطعوا أيديهما لأجل الجزاء . ﴿نَكَلًا﴾ بدل من قوله:
جزاء.
:
المفردات اللغوية:
﴿ وَالسَّارِقُ﴾ من يأخذ المال خفية من حرز مثله ﴿فَأَقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ محل

٥٢٩
اِلُ (٦) - المَائِدَة: ٣٨/٥-٤٠
القطع من الرسغ، والذي يقطع به هو ربع دينار فصاعداً عند الجمهور غير
الحنفية ﴿نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ﴾ عقوبة لهما تمنع الناس من ارتكاب السرقة ﴿وَاَللَّهُ
عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه.
﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ رجع عن السرقة ﴿وَأَصْلَحَ﴾ عمله ﴿فَإِنَ اَللَّهُ
يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي إن التوبة تسقط حق الله، ولا تسقط حق
الآدمي العبد بالقطع ورد المال. لكن بينت السنة أنه إن عفا عنه المسروق منه
قبل الرفع إلى الإمام، سقط القطع، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وأبي
يوسف، وكذا يسقط الحد بهبة المسروق إلى السارق بعد الرفع إلى الإمام في
رأي أبي حنيفة ومحمد.
سبب النزول:
نزلت هذه الآية في طعمة بن أُبيرق حين سرق درع جار له يدعى قتادة بن
النعمان في جراب دقيق به خرق، وخبأها عند زيد بن السمين اليهودي،
فتناثر الدقيق من بيت قتادة إلى بيت زيد، فلما تنبه قتادة للسرقة، التمسها عند
طعمة، فلم توجد، وحلف ما أخذها، وماله بها علم، ثم تنبهوا إلى الدقيق
المتناثر، فتبعوه، حتى وصل إلى بيت زيد فأخذوها منه، فقال: دفعها إلي
طعمة، وشهد ناس من اليهود بذلك، وهم رسول الله و38َ أن يجادل عن
طعمة؛ لأن الدرع وجد عند غيره، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ
يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية المتقدمة، ثم نزلت هذه الآية لبيان حكم السرقة(١).
وأخرج أحمد وغيره عن عبد الله بن عمرو أن امرأة سرقت على عهد رسول
الله، فقطعت يدها اليمنى، فقالت: هل لي من توبة يا رسول الله؟ فأنزل الله في
سورة المائدة: ﴿فَمَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهٍ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمُ (®َ﴾(٢).
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ١١١
(٢) أسباب النزول للسيوطي.

٥٣٠
الُعُ (٦) - المَائِدَة: ٣٨/٥-٤٠
المناسبة:
هناك تناسب واضح بين حكم السرقة وحكم الحرابة، فالحرابة كما يقول
الحنفية: سرقة كبرى، والأخرى: سرقة صغرى، فبعد أن بيّن الله تعالى عقوبة
المحاربين الذين يفسدون في الأرض، وأمر الناس بتقوى الله حتى يبتعدوا عن
الحرام والمعاصي، ذكر عقوبة اللصوص الذين يأخذون المال خفية، ومن
أنواع عقاب المحاربين في آية الحرابة: قطع الأيدي والأرجل من خلاف،
وعقاب السرقة: قطع اليد.
التفسير والبيان:
يأمر تعالى ولاة الأمور ويحكم بقطع يد السارق والسارقة، فمن سرق من
رجل أو امرأة، تقطع يده من الرسغ، ويبدأ بقطع اليد اليمنى، فإن عاد
قطعت رجله اليسرى من مَفْصل القدم، ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى، ثم
يعزر ويحبس؛ لما رواه الدار قطني من أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إذا سرقَ
السارق فاقطعوا يده، ثم إذا عاد فاقطعوا رجله اليسرى)) وهذا رأي المالكية
والشافعية. وقال الحنفية والحنابلة: لا يقطع أصلاً بعد اليد اليمنى والرجل
اليسرى.
وصرح القرآن بحكم السارقة؛ لحدوث السرقة كثيراً من النساء كالرجال،
مما يقتضي الزجر، وإن كان الغالب في تشريع الأحكام إدراج النساء في حكم
الرجال.
والسرقة: أخذ المال خفية من حرز المثل، والخرز نوعان: حرز بنفسه:
وهو المكان كالدار والصندوق، وحرز بغيره وهو الحافظ: كالأماكن العامة
المحروسة بحارس، والمتاع الذي يوجد صاحبه عنده. والحرز: هو مانصب عادة
لحفظ أموال الناس.

٥٣١
الُُُ (٦) - المَائِدَة: ٣٨/٥-٤٠
ولا تقطع يد السارق إلا إذا كان بالغاً عاقلاً، كما هو الشأن في المطالبة
بجميع التكاليف الشرعية ومنها عقوبات الحدود، لا فرق فيها بين الجماعة
والفرد، وألا تكون هناك شبهة كالسرقة من المحارم والضيف من المضيف،
لحديث رواه ابن عدي عن ابن عباس: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات)) وأن يؤخذ
المال من الحرز إما بنفسه أو بالحافظ، لما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه
عن عبد الله بن عمرو أن النبي وَ ل ◌َو سئل عن الثمر المعلَّق فقال: (( .. ومن سرق
منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع)).
وأن يكون المسروق بالغاً مقدار النصاب الشرعي.
وللفقهاء رأيان أو ثلاثة في تقدير نصاب السرقة، فقال الحسن البصري
وداود الظاهري: يجب القطع بسرقة القليل والكثير؛ لظاهر الآية، وللحديث
الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة: ((لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع
یده، ویسرق الجمل فتقطع يده)).
وقال الجمهور: تقطع يد السارق في ربع دينار أو ثلاثة دراهم فصاعداً؛ لما
رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن (الجماعة) من حديث عائشة رضي الله
عنها: (كان رسول الله ◌َي﴿ يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً)) ولما في
الصحيحين عن ابن عمر: ((أن النبي ◌َّهِ قطع في ◌ِجَنّ - تُرْس - ثمنه ثلاثة
دراهم)) وهذا قول الخلفاء الراشدين الأربعة.
ورأى الحنفية: أن نصاب السرقة دينار أو عشرة دراهم، فلا قطع فيما
دون عشرة دراهم، لما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله
وَالر: ((لا قطع فيما دون عشرة دراهم)). ولولا أن هذا الحديث ضعيف لأمكن
ترجيح مذهب الحنفية من قبيل الاحتياط، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات،
ولأن ثمن المجَنّ الذي قطع النبي ◌َّ بسرقته مختلف في تقديره، فقدر بثلاثة
دراهم أو بأربعة أو بخمسة أو بعشرة دراهم، والأخذ بالأكثر في باب الحدود
أولى، درءاً للشبهة.

٥٣٢
الجُ (٦) - الثائِدَة: ٣٨/٥-٤٠
وتثبت السرقة إما بالإقرار أو بالبينة (شاهدين) ويسقط الحد بالعفو عن
السارق أو التوبة قبل رفع الأمر إلى الإمام الحاكم، وبملك المسروق بالهبة
وغيرها، ولو بعد رفع الأمر إلى الحاكم في مذهب أبي حنيفة ومحمد. وبشرط
كون الملك قبل رفع الأمر إلى القضاء في مذهب الجمهور، لما رواه أصحاب
السنن من حديث ابن عباس: أن لصاً سرق رداء صفوان بن أمية من تحت
رأسه، حينما كان متوسداً عليه حين نام في المسجد، فاستيقظ صفوان واستاق
اللص إلى رسول الله وَ فأمر بقطع يده، فقال صفوان: إني لم أرد هذا، هو
عليه صدقة، فقال رسول الله وَله: ((فهلا قبل أن تأتيني به)).
ويجب رد المسروق بعينه إن كان قائماً، وبقيمته إن كان مستهلكاً عند
الشافعية والحنفية لما رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم عن سمرة: ((على اليد
ما أخذت حتى تؤديه)). ولا يجب ردّ القيمة حال الاستهلاك عند الحنفية؛ إذ لا
يجتمع حد وضمان، لما أخرجه النسائي عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله
وَّر قال: ((لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد)) لكنه حديث مرسل. وتوسط
المالكية فقالوا: إن كان السارق موسراً عند الحد، وجب عليه القطع والغرم،
تغليظاً عليه، وإن كان معسراً لم يتبع بقيمته، ويجب القطع فقط، ويسقط
الغرم، تخفيفاً عنه، بسبب عذره بالفاقة والحاجة.
ثم علل سبحانه وتعالى حكم حد السرقة، فقال: ﴿جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا
مِّنَ اللَّهِ﴾ أي إن قطع يد السارق والسارقة جزاء لهما بعملهما وكسبهما
السّئ، نكالاً أي إهانة وتحقيراً ومنعاً من العودة للسرقة، وعبرة لغيرهما.
وهذه العقوبة وإن نفر منها بعض الناس، لكنها العقوبة المناسبة التي هي
الأشد تأثيراً ومنعاً للسرقة، وتوفيراً لأمن الناس على أموالهم وأنفسهم، ولا
يدرك أحد ما للسرقة من مخاطر نفسية وعصبية، ومالها من أثر في إحداث
القلق والرعب في النفوس، ولاسيما في الليالي المظلمة، إلا من تعرض
للسرقة، فهي فضلاً عن كونها خسارة ماحقة، تجعل الشخص معدوماً يائساً

٥٣٣
الُ (٦) - المَائِدَة: ٣٨/٥-٤٠
بائساً يحتاج إلى الاقتراض ليؤمن قوته وقوت أسرته، ويتمنى أن يعثر على
السارق ليقضي عليه، هي مثيرة للقلق والهلع، فيصبح الحي الذي تعرض
لسرقة فأكثر مهدداً كله بالأخطار، فلا يكاد ينام إنسان وهو مطمئن، وإذا
اقتحم اللص منزلاً في الليل أو في النهار، أوقع السكان في الذعر، وربما
حدث القتل وإطلاق النار، وفي ذلك ضرر وأذى لا يمكن حصر حدوده أو
التنبؤ بنتائجه، فكم من إنسان شاب شعره، وكم من امرأة وطفل فقدا
أعصابهما، وكم من مخاوف أقضت مضاجع الناس في بيوتهم، حتى إن القتل
لا يكاد في رأيي يعادل السرقة أحياناً؛ لأنه حادث فردي ينتهي أثره فوراً
بالنسبة إلى غير أسرة القتيل، وهو ينحصر بما يكون من علاقة خاصة بين
القاتل والمقتول، أما السرقة فإن تأثيرها جماعي ودائم، تبعد بنحو دائم
أصحاب الأموال والمتاجر والمزارع والمصانع من الطمأنينة والثقة، وتهدد
ثرواتهم بالضياع والخسارة.
ثم أكد الله تعالى ضرورة حد السارق فقال: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي غالب
في تنفيذ أوامره، يمضيها كيف يشاء، قوي في انتقامه من الشراق، حكيم في
صنعه وتشريعه، لا يشرع إلا مافيه المصلحة والحكمة، ويضع الحدود
والعقوبات بما يراه الأنسب والأقطع لدابر الجريمة، واستئصال شأفة
المجرمين، وزجر أمثالهم من التفكير في مثل جريمتهم، وكأنه يقول: لا
تتساهلوا في شأن السراق واشتدوا في تطبيق حدهم، ففي ذلك الخير كله
وعينه، وإن كره الحاقدون وانتقد الجاهلون.
ثم بيَّن الله تعالى حكم التائبين الذين ندموا على مافعلوا وأصلحوا أحوالهم
فقال: ﴿فَنْ تَابَ مِنْ بَعّدٍ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ﴾ أي فمن تاب من بعد سرقته،
وأناب إلى الله، ورجع عن السرقة، ورد أموال الناس أو بدلها إليهم، وأصلح
نفسه وزكاها بأعمال التقوى والبر، وكانت توبته بنية صادقة مع العزم على
ترك العود، فإن الله يقبل توبته، فلا يعذبه في الآخرة.

٥٣٤
لُ (٦) - المَائِدَة: ٣٨/٥-٤٠
وأما القطع فلا تسقطه التوبة عند جمهور الفقهاء، وتسقطه في رأي
الحنابلة، وهو الأولى؛ لأن ذكر الغفور الرحيم يدل على سقوط العقوبة وهي
القطع.
وأكد الله تعالى عدالة حد السرقة وأنه جاء على وفق الحكمة والعدل
والرحمة فقال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ﴾ أي ألم تعلم أيها الرسول وكل
مبلِّغ حكم الله أن الله هو المالك لجميع من في السماوات والأرض، وهو
المدبر له، والحاكم فيه الذي لا معقب لحكمه، وهو الفعال لما يريد، ولا يفعل
إلا مافيه الحكمة والعدل والرحمة، حتى يتوافر الأمن للفرد والجماعة،
وتطمئن النفوس على أموالها، لتنصرف إلى أعمالها وهي آمنة على البيت
والأهل وأماكن العمل، ومن حكمته: أنه وضع العقاب للمحاربين المفسدين
في الأرض واللصوص المهددين حرمة المال وحرية الإنسان، وأنه يغفر
للتائبين من الفريقين، إذا صدقوا في التوبة وأصلحوا أعمالهم؛ لأن الهدف
ليس هو العقاب لذاته، وإنما تحقيق الصلاح ونشر الأمن وإشاعة الطمأنينة،
ومن حكمته وعدله أنه يعذب العصاة تربية وزجراً لهم ولأمثالهم وتأميناً لمصالح
العباد، ومن رحمته: أنه يرحم التائبين ويسقط عنهم العقاب، وهو القادر على
كل شيءٍ من التعذيب والرحمة، والله أرحم بعباده من أنفسهم، وأشد من رحمة
الأم بولدها، فهذا العقاب للحرابة والسرقة لمصلحتهم ومصلحة إخوانهم في
المجتمع، فليس لأحد أن يتباكى على يد أثيم أو يشفق على يد عضو في المجتمع؛
لأن هذا العضو فاسد ضار يهدم ويخرب وليس فيه أمل بخير إذا لم يصلح حاله.
فقه الحياة أو الأحكام:
العقاب دواء المنحرف الذي لا علاج له بغير التأديب، وليس من العدل
ولا من الرحمة والحكمة والمصلحة أن تسود الجريمة في المجتمع، ويعيش الناس
في فوضى واضطراب، وقلق واشمئزاز.

٥٣٥
: ٣٨/٥-٤٠
الُرُ (٦) - القَائِدَة
وتشريع الإله فيه كل الخير لمن أراد السعادة لنفسه ولأمته، وليس أدل على
فشل التشريعات الجزائية الوضعية من أن الجريمة في بلادها تزداد وتكثر،
ويتفنن المجرمون في أنواع الجريمة، لعدم توافر العقاب الزاجر الفعال الذي
يستأصل الجريمة أو يقلل من وجودها.
والبلاد التي يطبق فيها التشريع الجنائي الإسلامي مثل واضح بارز في العالم
لانتشار الأمن والطمأنينة على الأنفس والأموال، ولا يظن أحد أن هذه
البلاد ملأى بالمشوهين ومقطوعي الأيدي والأرجل، وإنما تطبيق الحدود نادر
تقريباً، لأنه لا يطبق حد إلا إذا توافرت شروط كثيرة، تتجاوز العشرة، مما
أدى إلى تضييق الحد بسبب الشبهة وانتفاء شرط من الشروط أو الضوابط،
ولا تقطع أكثر من يد أو يدين في بلاد سكانها نحو عشرة ملايين. ففي السرقة
مثلاً لا يجب القطع إلا بجمع أوصاف في السارق، وفي الشيء المسروق، وفي
الموضع المسروق منه، وفي صفته.
أما ما يعتبر في السارق فخمسة أوصاف: وهي البلوغ والعقل، وأن يكون
غير مالك للمسروق منه، وألا يكون له عليه ولاية، فلا قطع بين السيد
والعبد بأخذ أحدهما مال الآخر.
والسرقة من السارق توجب القطع عند المالكية، كالسرقة من الغاصب؛
لأنّ حرمة المالك باقية عليه لم تنقطع عنه. وقال الشافعي: لا يقطع؛ لأنه سرق
من غير مالك ومن غیر حِرز.
وأما ما يعتبر في الشيء المسروق فأربعة أوصاف: وهي النصاب كما تقدم
بيانه، وأن يكون مما يُتموَّل ويُتملك ويحل بيعه. أما مالا يتمول ولا يحل بيعه
كالخمر والخنزير فلا يقطع أحد بسرقته باتفاق حاشا الحر الصغير عند الإمام
مالك وابن القاسم. وقيل: لا قطع بسرقته، وهو مذهب الشافعي وأبي
حنيفة؛ لأنه ليس بمال. ورد المالكية: هو من أعظم المال؛ ولم يقطع السارق

٥٣٦
لُ (٦) - المَائِدَة: ٣٨/٥-٤٠
في المال لعينه، وإنما قطع لتعلق النفوس به، وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها
بالعبد.
وإن كان مما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه كالكلب المأذون في اتخاذه ولحوم
الضحايا، فقال أشهب: يقطع سارق المأذون في اتخاذه، وكذا سارق لحم
الأضحية أو جلدها إذا كان قيمة ذلك ثلاثة دراهم، وقال ابن القاسم: لا
يقطع سارق الكلب، وهو مذهب المالكية، فلا يقطع من سرق كلباً ولو معلَّماً
أو للحراسة؛ لأنه نهى وَلّر عن بيعه.
وأما آلات الملاهي فيقطع إن كان يبقى منها بعد إفساد صورتها وإذهاب
منفعتها المقصودة ربع دينار فأكثر.
وكذلك الحكم في أواني الذهب والفضة التي لا يجوز استعمالها ويؤمر
بكسرها، يقوم مافيها من ذهب أو فضة دون صنعة، وكذلك الصليب من
الذهب أو الفضة.
والوصف الثالث: ألا يكون للسارق فيه ملك، كمن سرق مارهنه أو ما
استأجره، ولا شبهة ملك كالذي يسرق من المغنم أو من بيت المال؛ لأن
للسارق فيه نصيباً، وتقطع يد السارق من بيت المال في رأي الإمام مالك؛
لعموم لفظ السرقة.
والوصف الرابع: أن يكون مما تصح سرقته كالمال والعبد الصغير؛ لأن
مالا تصح سرقته كالعبد الكبير فلا قطع فيه.
وأما ما يعتبر في المسروق منه: فوصف واحد وهو الحرز لمثل ذلك الشيء
المسروق، وجملة القول فيه: إن كل شيء له مكان معروف، فمكانه حِرزه،
وكل شيء معه حافظ فحافظه حِرزه، فالدور والمنازل حرز لما فيها، غاب عنها
أهلها أو حضروا، وكذلك بيت المال حرز لجماعة المسلمين، والسارق لا
يستحق فيه شيئاً، في رأي المالكية.

٥٣٧
الجُزُ (٦) - الَائِدَة: ٣٨/٥-٤٠
ومن سرق من المغانم بعد تعين الحقوق بالقسمة فعليه القطع، ومن أخذ
منها شيئاً قبل القسمة فوق حقه قطع، وإلا لم يقطع.
والقبر والمسجد حرز، فيقطع النباش عند الأكثر، وقال أبو حنيفة: لا
قطع عليه؛ لأنه سرق من غير حرز مالا معرضاً للتلف لا مالك له؛ لأن الميت
لا يملك.
وظهور الدواب حرز لما حملت، وأفنية الحوانيت حرز لما وضع فيها في
موقف البيع، سواء كان معه أهله، أم سرقت بليل أو نهار. وكذلك موقف
الشاة في السوق مربوطة أو غير مربوطة، والدواب على مرابطها والسيارات في
الشوارع حرز لها، سواء كان معها أهلها أم لا. والسفينة حرز لما فيها، سواء
كانت سائبة أو مربوطة، فإن سرقت السفينة نفسها فهي كالدابة إن كانت
سائبة فليست بمحرزة، وإن كانت مربوطة فهي محرزة. وإن كان معها أحد
فهي محرزة بالحافظ، كالدابة بباب المسجد أو في السوق ليست محرزة إلا أن
يكون معها حافظ. ومن ربطها بفِناء المسجد أو اتخذ موضعاً مَرْبِطاً لدوابه، فإنه
حرز لها.
ولا خلاف في أن الساكنين في دار واحدة كالفنادق التي يسكن فيها كل
رجل بيته على حدة، يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذ، وقد خرج
بسرقته إلى قاعة الدار، وإن لم يدخل بها بيته، ولا خرج بها من الدار.
ولا يقطع الأبوان بسرقة مال ابنهما، لقوله عليه الصلاة والسلام فيما
رواه ابن ماجه عن جابر: ((أنت ومالك لأبيك)) ويقطع الولد في رأي جمهور
المالكية في سرقة مال الأبوين؛ لأنه لا شبهة له فيه. وقال الحنفية وابن وهب
وأشهب من المالكية: لا يقطع؛ لأن الابن ينبسط في مال أبيه في العادة. وقال
مالك: لا يقطع الجد؛ لأنه أب.
وقال أبو حنيفة وأبو ثور: لا قطع على أحد من ذوي المحارم مثل العمة
والخالة والأخت وغيرهم.

٥٣٨
لُعُ (٦) - القَائِدَة: ٣٨/٥-٤٠
وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: يقطع من سرق من هؤلاء.
وأما سارق المصحف فيقطع إذا كانت قيمته ما تقطع فيه اليد، وهو رأي
الشافعي وأبي يوسف وأبي ثور وابن القاسم. وقال أبو حنيفة: لا يقطع من
سرق مصحفاً.
وأما الطرار (النشال) فقال مالك والأوزاعي والشافعي: يقطع. وقال أبو
حنيفة ومحمد بن الحسن وإسحاق: إن كانت الدراهم مصرورة في ظاهر كُمّه
فطرَّها فسرقها لم يقطع، وإن كانت مصرورة إلى داخل الكُمّ، فأدخل يده
فسرقها قطع.
وأما إقامة الحدود في السفر وفي دار الحرب: فقال مالك والليث بن سعد:
تقام الحدود في أرض الحرب، ولا فرق بين دار الحرب والإسلام؛ لعموم
القرآن وهو الصحيح.
وقال أبو حنيفة: إذا غزا الجند أرض الحرب، وعليهم أمير، فإنه لا يقيم
الحدود في عسكره، إلا أن يكون إمام مصرأو الشام أو العراق أو ما أشبهه،
فيقيم الحدود في عسكره، لحديث جنادة بن أبي أمية عند الترمذي قال: ((كنا
مع بُشر بن أرطاة في البحر، فأُتي بسارق يقال له: مِصْدر قد سرق تُجْتِية(١)،
فقال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((لا تقطع الأيدي في الغزو)) ولولا ذلك
لقطعته.
واتفق العلماء على أنه إذا اشترك جماعة في سرقة، فحصل لكل واحد منهم
نصاب، فيقطع الكل. أما إذا كان المسروق كله نصاباً، فلا يقطع أحد في رأي
أبي حنيفة والشافعي؛ لأن كل واحد منهم لم يسرق نصاباً. وقال المالكية: إن
كان لكل واحد قدرة على حمله بانفراده، لا يقطع أحد، وإن احتاجوا في
إخراجه إلى تعاون بعضهم، فيقطعون جميعاً.
(١) البختية: الأنثى من الجمال البخت، وهي جمال طوال الأعناق.

٥٣٩
لُحُ (٦) - للغَائِدَة: ٣٨/٥-٤٠
وقال الحنابلة: يقطعون جميعاً، لضرورة حفظ المال.
وإن اشترك اثنان في نقب وتعاونا فيه، قطعا عند المالكية والحنابلة، وإن
انفرد أحدهما بالإخراج فالقطع عليه خاصة، وقال أبو حنيفة: إن شارك في
النقب ودخل وأخذ قطع وإلا فلا قطع. وقال الشافعي: لا قطع على من نقب
ولم يسرق، وأما من سرق من نقب غيره، فإنه سرق من حرز مهتوك الحرمة.
ولو دخل أحدهما فأخرج المتاع إلى باب الحرز، فأدخل الآخر يده فأخذه،
فعليه القطع عند الجمهور، ولا قطع عليه عند أبي حنيفة.
وإن أخطأ الحاكم فقطع يد السارق اليسرى بدل اليمنى، لا يزاد عليه،
استحساناً، في قول أكثر العلماء.
وإذا وجب حد السرقة فقتل السارق رجلاً، فقال مالك يقتل ويدخل
القطع فيه. وقال الشافعي: يقطع ويقتل؛ لأنهما حقان المستحقين، فوجب أن
يوفى لكل واحد منهما حقه، وهذا هو الصحيح، كما اختار ابن العربي
والقرطبي.
والحكمة في البدء بالسارق قبل السارقة في هذه الآية، وفي الزنى بالزانية
قبل الزاني: هو أن حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على
النساء أغلب، فبدأ بما تكون الدواعي منه أكثر على ارتكاب الجرم.
والمستفاد من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِ﴾: هو أنه لا قرابة بين الله تعالى وبين أحد توجب المحاباة حتى يقول
قائل: نحن أبناء الله وأحباؤه، والحدود تقام على كل من يقارف موجب الحد
أي يرتكب الجرم. وقد سبق مثل هذه الجملة في الرد على مزاعم اليهود
والنصارى.

٥٤٠
اِلُ (٦) - المَائِدَة: ٤١/٥-٤٣
مسارعة المنافقين واليهود إلى الكفر
وموقف اليهود من أحكام التوراة
يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ
قَالُواْ ءَامَنَا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوْاْ سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ
سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوَكَ يُحِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ
أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَهُ فَأَحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ
لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاً أُؤْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِ
سَفَّعُونَ لِلْكَذِبِ
٤١
الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ فَإِن جَاءُوَكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمَّ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ
فَلَنْ يَضُرُوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
اُلْمُقْسِطِينَ ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُ التَّوَرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ
٤٣
بَعْدِ ذَلِكَ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
القراءات:
﴿لَا يَحْرُنكَ﴾:
وقرأ نافع: (لا يحزنك) ..
﴿لِلسُّحْتَّ﴾: قرئ:
١- (للسُّخْت) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة.
٢- (للسُّحُت) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
سَمَّعُونَ لِلْكَذِبٍ﴾ إما مبتدأ وخبره: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾ أو صفة
الموصوف محذوف تقديره: فريق سماعون، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم