النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ لُعُ (٦) - القَائِدَة: ١٥/٥-١٦ مقاصد القرآن (يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّدُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌ مُّبِيٌ يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ١٥ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَىَ النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيِهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ القراءات: ﴿صِرَاطٍ﴾: وقرأ قنبل: (سراط). الإعراب: يُبَيِّبُ لَكُمْ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿رَسُولُنَا﴾ وتقديره: قد جاءكم رسولنا مبيناً لكم. ﴿يَهْدِى بِهِ اللَّهُ﴾ جملة فعلية في موضع رفع؛ لأنها صفة لكتاب، ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال من ﴿وَكِتَبٌ﴾ لأنه قد وصف بمبین. البلاغة: ﴿ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَىَ النُّورِ﴾ فيه استعارة، استعار الظلمات للکفر والنور للإيمان. المفردات اللغوية: تُخْفُونَ﴾ تكتمون ﴿مِنَ اُلْكِتَبِ﴾ التوراة والإنجيل، كإخفاء آية ٤٨٢ لُعُ (٦) - المَائِدَة: ١٥/٥-١٦ الرجم وصفة النبي ◌َُّ ﴿وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٌ﴾ من ذلك، فلا يبينه إذا لم يكن فيه مصلحة إلا افتضاحكم. ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اُللَّهِ نُورٌ﴾ هو النبيِِّ ﴿وَكِتَبُ تُبِيرٌ﴾ قرآن بيِّن ظاهر ﴿يَهْدِى بِهِ﴾ أي بالكتاب ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ طرق السلامة ﴿اَلْظُلُمَتِ﴾ الكفر ﴿النُّورِ﴾ الإيمان ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بإرادته ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: دين الإسلام. سبب النزول: ﴿يَتَأَهْلَ اُلْكِتَبِ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة قال: إن نبي الله وَلّ أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، فقال: أيكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صُوريا، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور، والمواثيق التي أخذت عليهم، حتى أخذه أفكل: رعدة من الخوف، فقال: لما كثر فينا جَلَدنا مئة، وحلقنا الرؤوس، فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله: ﴿يَتَأَهْلَ اُلْكِتَبِ﴾ إلى قوله ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾(١). المناسبة: بعد أن حكى الله تعالى عن اليهود والنصارى نقضهم العهد وتركهم ما أمروا به، دعاهم عقيب ذلك إلى الإيمان بمحمد وَلؤ. وهذا من دلائل نبوته وَلتر، وهو من معجزات القرآن المتعددة في نواحيه. التفسير والبيان: يا أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، ووحد الكتاب؛ لأنه خرج مخرج الجنس، قد جاءكم رسولنا محمد وَالر بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل (١) تفسير الطبري: ١٠٣/٦-١٠٤ ٤٨٣ لُ (٦) - القَائِدَة: ١٥/٥-١٦ الأرض، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل ووصف الرسول هنا بصفتين : الأولى - أنه يبين لهم كثيراً مما يخفون، قال ابن عباس: ((أخفوا صفة محمد وَلَه، وأخفَوْا أمر الرجم، وعفا عن كثير مما أخفوه، فلم يفضحهم ببيانه)». ثم إن الرسول وَله بيَّن ذلك لهم، وهذا معجز؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً من أحد، فلما أخبرهم بأسرار ما في كتابهم، كان ذلك إخباراً عن الغيب، فيكون معجزاً. الصفة الثانية - ويعفو عن كثير، أي لا يظهر كثيراً مما تكتمونه أنتم، وإنما لم يظهره؛ لأنه لا حاجة إلى إظهاره في الدين. وهذا يدعوهم إلى ترك الإخفاء لئلا يفتضحوا، ولقد كان بيان القرآن لما كتموه سبباً في إسلام كثير من أحبارهم. فالصفة الأولى: أنه يبين مابدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على الله فيه، والصفة الثانية: أنه یسکت عن كثير مما غیروه، ولا فائدة في بيانه. روی الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، قوله: ﴿يَكَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّثُ لَكُمْ كَثِيرًا قِمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ﴾ فكان الرجم مما أخفوه. ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه أي الشيخان: البخاري ومسلم. ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم بأنه كتاب واضح، وأن محمداً وَليم نور، أو الإسلام نور، فالمراد بالنور محمد، وبالكتاب القرآن، وقيل: إن المراد بالنور الإسلام، وبالكتاب القرآن. والقرآن بيِّن في نفسه، مبيِّن لما يحتاج إليه الناس لهدايتهم. ثم قال تعالى فيما معناه: يهدي بالكتاب من أراد اتباع الدين الذي يرضي الله تعالى، يهديهم طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة، وينجيهم من ٤٨٤ الجُرُ (٦) - المَائِدَة: ١٥/٥-١٦ المهالك بإذنه، أي بتوفيقه، فيخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ويرشدهم إلى أوضح الطرق، وهو الدين الحق؛ لأن الحق واحد لذاته، وطريقه مستقيم واحد، أما الباطل فله شعاب كثيرة وكلها معوجة. أي إنه تعالى ذكر للقرآن ثلاث فوائد أو مقاصد: ا - إن المتبع لما يرضي الله يهديه إلى الطريق المؤدي إلى النجاة والسلامة من الشقاء والعذاب في الدنيا والآخرة باتباع الإسلام؛ لأنه دين الحق والعدل والإخلاص والمساواة. أَ - إنه يخرج المؤمنين به من ظلمات الكفر والشرك والوثنية والوهم والخرافة إلى نور التوحيد الخالص. ءَّ - إنه يهدي إلى الطريق الموصل إلى الهدف الصحيح من الدين، وإلى خيري الدنيا والآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: النبي محمد وَ ل نور كشف زيف أهل الأديان الأخرى، فهو يبين لأهل الكتاب (اليهود والنصارى) ما يخفونه من كتبهم، من الإيمان به، ومن آية الرجم، ومن قصة أصحاب السبت الذين مسخوا قردة، فإنهم كانوا يخفونها. وهو يعفو عن كثير أي يتركه ولا يبينه، وإنما يبين مافيه حجة على نبوته، ودلالة على صدقه وشهادة برسالته، ويترك ما لم يكن به حاجة إلى تبيينه. فهو مترفع عما لا فائدة فيه. والقرآن الكريم يبين الأحكام وما رضيه الله من طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة، والمؤمِّنة من كل مخافة، وهي الجنة، ويخرج المؤمنين به من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الإسلام والهدايات بتوفيقه وإرادته، ويرشد إلى الدين الحق. ٤٨٥ الُعُ (٦) - المَائِدَة: ١٧/٥-١٩ الرد على معتقدات اليهود والنصارى ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَّ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُم وَمَن فِى الْأَرْضِ جَمِيعَأُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاأَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءٍ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ ﴿﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَدِرَى نَحْنُ أَبْتَؤُّأْ اللَّهِ وَأَحِبَّتُؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَنْ خَلَقَّ يَغْفُرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءٍ، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ١٨ يَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيْرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيْرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ١٩ الإعراب: ﴿ أَنْ تَقُولُواْ﴾: أن وصلتها في تأويل المصدر في موضع نصب على أنه مفعول لأجله. البلاغة: ﴿يَغْفُرُ﴾ ﴿وَيُعَذِبُ﴾ فيه طباق. المفردات اللغوية: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمْ﴾ حيث جعلوه إلهاً، وهم اليعقوبية: فرقة من النصارى، وساد مذهبهم بعدئذ بين جميع المسيحيين ﴿فَمَن يَمْلِكُ﴾ أي يدفع ويمنع ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ من عذاب الله ﴿شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأَمَّهُ, وَمَن فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي لا أحد يملك ذلك، ولو كان المسيح إلهاً لقدر عليه. ٤٨٦ لُ (٦) - الثائِدَة: ١٧/٥-١٩ ويهلك: يميت ويعدم ﴿فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ﴾ سكون وهدوء من الرسل، أي انقطاع الوحي وعدم ظهور الرسل مدة من الزمن. سبب نزول الآية (١٨): ﴿ وَقَالَتِ اُلْيَهُودُ وَالنَّصَرَى﴾: روى ابن إسحاق وابن جرير الطبري وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: أتى رسولَ الله ◌َلقول ابن أبي، ونعمان بن قصي، وبحريّ بن عمرو، وشاس بن عدي من اليهود، فكلموه وكلمهم، ودعاهم إلى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا: ماتخوّفنا يا محمد؟ نحن والله أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿ وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبْنَوْاْ اللَّهِ وَأَحِبَّؤُهُ﴾ إلى آخر الآية(١). سبب نزول الآية (١٩): ﴿ يَأَهْلَ اُلْكِنَبِ﴾: روى ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: دعا رسول الله وَ له يهود إلى الإسلام، فرغَبهم فيه وحذَّرهم، فأبوا عليه، فقال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب: يامعشر يهود، اتقوا الله، فوالله لتعلمن أنه رسول الله، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حُرَيمة ووهب بن يهودا: إنا ماقلنا لكم هذا، وما أنزل من كتاب من بعد موسى، ولا أرسل الله بشيراً ولا نذيراً بعده، فأنزل الله الآية(٢). المناسبة: بعد أن أقام الله الحجة على أهل الكتاب عامة، وأوضح أنهم مقصرون (١) تفسير الطبري: ١٠٥/٦، تفسير القرطبي: ١٢٠/٦ (٢) الطبري، المرجع السابق: ٦/ ١٠٧ ٤٨٧ لُ (٦) - المَائِدَة: ١٧/٥-١٩ معرضون عن الحق بعدم إيمانهم برسالة الإسلام، بيَّن ما كفر به النصارى بنحو خاص. التفسير والبيان: ٠ كانت فرقة اليعقوبية من النصارى هي القائلة بألوهية المسيح عليه السلام، ثم ساد مذهبهم بين طوائف المسيحيين الثلاث المشهورة وهي الكاثوليك والأرثوذكس، والبروتستانت الذين نشأ مذهبهم منذ أربعة قرون على يد الراهب المصلح (مارتن لوثر) الذي خلص المسيحيين من كثير من التقاليد والخرافات، وانتشر مذهبه في أمريكة وإنكلترة وألمانية، ولكنه ظل قائلاً بالتثليث ويعد الموحد غير مسيحي، ولكن يؤول الأمر في النهاية إلى وصف المسيح بأنه الرب والإله، كما هو مكتوب على أول صفحة في الإنجيل: (كتاب العهد الجديد لربنا ومخلصنا يسوع المسيح). فجميع فرق النصارى اليوم يقولون: إن الله هو المسيح ابن مريم وإن المسيح هو الله، وعمدتهم عبارة في إنجيل يوحنا وهي: (في البدء كانت الكلمة، والكلمة كانت عند الله، والله هو الكلمة) والكلمة في تفسيرهم هي المسيح. وهذا ما وصفهم به القرآن بأنهم يؤلهون المسيح، لذا فقد كفر القائلون بأن الله هو المسيح، ورد الله هذا الزعم الباطل، فقال: ياأيها النبي قل لهؤلاء النصارى: من يقدر على رفع الهلاك والموت عن المسيح وأمه، بل عن سائر الخلق جميعاً، إن أراد أن يهلكهم؟ لا أحد يقدر على هذا، فالله قادر على إهلاك الناس قاطبة، لا رادَّ لقضائه ولا معقّب لحكمه، ولا سلطان لأحد فوق مشيئته وإرادته. وإذا كان المسيح لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ولا عن أمه الهلاك، فكيف يكون هو الله؟! الله في الحقيقة هو صاحب الملك المطلق والتصرف الشامل في السماوات والأرض ومابينهما من عالمي الإنس والجن، وجميع الموجودات ملكه وخلقه. ٤٨٨ الجُرُ (٦) - المَائِدَة: ١٧/٥-١٩ والله هو الذي يخلق الأشياء من العدم حسبما يشاء، وعلى وفق حكمته وإرادته، فقد يخلق من تراب من غير أب ولا أم مثل خلق أبينا آدم عليه السلام وخلق أصول أنواع الحيوان، وقد يخلق من أب فقط دون أم كخلق حواء، وقد يخلق من أم بلا أب مثل خلق عيسى عليه السلام. وهذا رد على شبهة النصارى الذين زعموا أن المسيح بشر وإله، له طبيعة بشرية وطبيعة ناسوتية إلهية وهي الغالبة، لكونه خلق على نحو غير معتاد من أم فقط، ولأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، وصدرت عنه أعمال عجيبة لا تصدر من بشر. وهي في الحقيقة معجزات خارقة للعادة يجريها الله على يد الأنبياء قاطبة، وهي تحدث بإذن الله ومحض إرادته، لتكون دليلاً مؤيداً على صدق النبوات، وصدور تلك المزايا من عيسى وغيره لا تجعل المخلوق خالقاً؛ لأنها بمشيئة الخالق. فقد أيد الله موسى عليه السلام بالعصا واليد البيضاء؛ لأن السحر كان سائداً في عصره، وأيد الله عيسى عليه السلام بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى؛ لأن الطب كان متقدماً في زمنه، وأيد الله محمداً وله بمعجزات كثيرة كانشقاق القمر، وكانت معجزته الخالدة القرآن في أرقى مستوى من البلاغة والفصاحة؛ لأنه بعث بين العرب الذين امتازوا بفصاحة القول نثراً وخطابة وشعراً، فليس إحياء عيسى للموتى - وكان ذلك في حوادث فردية معدودة - سبباً للتأليه، فقد أقر بأنه عبد الله ورسوله، وأنه يحيي الموتى بإذن الله، أي بتوفيقه وإرادته وحکمته. والله هو القادر على كل شيء، وهو خالق كل شيء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ثم رد الله تعالى على ادعاء اليهود والنصارى القائلين: نحن أبناء الله وأحباؤه أي نحن منتسبون إلى أنبيائه، وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ٤٨٩ الُءُ (٦) - القائِدَة: ١٧/٥-١٩ ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: (أنت ابني بكري) وقال عيسى في الإنجيل للنصارى: (إني ذاهب إلى أبي وأبیکم) يعني ربي وربكم، وجاء في إنجيل متّى في وعظ المسيح على الجبل واصفاً الملائكة والمؤمنين الصالحين: (طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم أبناء الله يُدْعَوْن) وقال بُولس في رسالته إلى أهل رومية: (لأن كل الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله) فابن الله في كتبهم بمعنى حبيب الله، وحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه، ورد عليهم عقلاؤهم الذين أسلموا بأن هذا يطلق على التشريف والإكرام. ومن المعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام، وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لدى الله، وحظوتهم عنده، فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. فرد الله عليهم عن طريق نبيه: قل لهم: إذا كان الأمر كما زعمتم، فلم يعذبكم الله بذنوبكم في الدنيا، كتخريب الوثنيين مسجدكم الأكبر وبلدكم بيت المقدس، وإزالة ملككم من الأرض، وفي الآخرة التي أعد لكم فيها نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟ والأب لا يعذب ابنه، والحبيب لا يعذب حبيبه، فلستم إذن أبناء الله ولا أحباؤه، بل أنتم بشر من جملة ما خلق، ولا يحابي أحداً من عباده، وإنما يغفر لمن يشاء ممن يستحق المغفرة وهم أهل الطاعة، ويعذب من يشاء ممن يستحق العذاب، وهم العصاة، وهو فعال لما يريد، لا معقّب لحكمه، وهو سريع الحساب، فارجعوا عن غروركم بأنفسكم وسلفكم وكتبكم، فهذا لا ينفعكم، وإنما الذي ينفعكم الإيمان الصحيح، ومنه الإيمان برسالة الإسلام، وصالح الأعمال. والله المالك المطلق والمتصرف المطلق في السماوات والأرض وما بينهما، وجميع المخلوقات عبيد له، وهم ملكه وتحت قهره وسلطانه: ﴿إِن كُلُّ مَن فِ (@) [مريم: ٩٣/١٩] وإنما قال: ﴿وَمَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا ٤٩٠ لُحُ (٦) - المَائِدَة: ١٧/٥-١٩ بَيْنَهُمَأ﴾ بعد ذكر السماوات والأرض، ولم يقل: بينهن، إشارة إلى الصنفين والنوعين. وإليه المصير أي إلى الله تعالى المرجع والمآب، فيحكم في عباده بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور، وهذا إنذار لهم بأنه سيعذبهم في الآخرة على كفرهم ودعاويهم الباطلة. وقد كرر تعالى جملة: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ للرد على كل من النصارى الذين ادعوا ألوهية المسيح، والله مالكه وقادر على إهلاكه، وعلى اليهود والنصارى أيضاً، لبيان قدرته على المغفرة لمن يشاء وتعذيب من يشاء وإبطال دعاويهم الزلفى والحظوة عند الله، فإن ميزان القربى من الله هو الإيمان والعمل الصالح، لا الوراثة ولا الامتياز العنصري أو الجنسي، فليس صحيحاً أن اليهود شعب الله المختار، وليس لشعب مزية على آخر. ثم خاطب الله تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمداً مَّي خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول، بل هو المصدق لما معهم والمعقب لجمیعهم، وهو الذي بُشّرتم به في كتبكم، وأخبركم به أنبياؤكم، جاءكم يبين لكم على فترة من الرسل، أي على انقطاع منهم وطول عهد بالوحي، وبعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى بن مريم، يبين لكم ما أنتم بحاجة إليه من أحكام دينكم ودنياكم من عقائد أفسدتها الوثنية، وأخلاق أفسدها الإفراط في المادية، وعبادات أفرغتم محتواها وصارت مجرد طقوس لا معنى لها ولا روح فيها، ويبين لكم أيضاً ما أشكل عليكم من أمر دينكم. ومن المعلوم أن بين آدم ونوح عشرة قرون، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين موسى وعيسى ألف وسبع مئة سنة، وبين ميلاد عيسى والنبي ◌َّر خمس مائة وتسع وستون سنة. ﴿َنْ تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيِّرٍ﴾ أي لئلا تحتجوا وتقولوا، يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه: ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر، ٤٩١ الُ (٦) - المَائِدَة: ١٧/٥-١٩ فقد جاءکم بشیر ونذير، يبشر من أطاعه بالجنة وهو من آمن بالله وعمل بما أمر به وانتهى عما نهى عنه. وينذر من عصاه وخالف أمر الله بالنار، يعني محمداً وَلِ. ﴿ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال الطبري: معناه: إني قادر على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني(١). ومن دلائل قدرة الله نصر نبيه محمد دَلو وإعلاء كلمته في الدنيا، وعلو منزلته في الآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: أثبتت الآية الأولى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ﴾ كفر النصارى بقولهم: إن الله هو المسيح ابن مريم، أي يدينون له. وأعلمهم الله أن المسيح لو كان إلهاً لقدر على دفع ما ينزل به أو بغيره، وقد أمات أمه، ولم يتمكن من دفع الموت عنها، فلو أهلكه هو أيضاً، فمن يدفعه عن ذلك أو يرده؟! والمسيح وأمه مخلوقان محدودان محصوران، وما أحاط به الحد والنهاية لا يصلح للألوهية، وإنما الله هو مالك السماوات والأرض وما بينهما من النوعين والصنفين، يخلق ما يشاء كخلق عيسى من أم بلا أب آية لعباده، والله قادر على كل شيء. وأبطلت الآية الثانية: ﴿وَقَالَتِ اُلْيَهُودُ وَالنَّصَرَى﴾ دعاوى اليهود والنصارى معزتهم وحظوتهم عند الله، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، فإن صح ما يزعمون فلِمَ أنزل العذاب بهم في الدنيا من هزيمة وتخريب وتدمير ديارهم وتشريدهم، وأعد لهم عذاب جهنم لكفرهم ومعاصيهم، فليسوا إذن أبناء الله وأحباءه؛ فإن الحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم تقرّون بعذاب العصاة منكم، فذلك دليل على كذبكم. وإنما هم في الحقيقة كسائر البشر يحاسبهم على الطاعة والمعصية. (١) تفسير الطبري: ١٠٨/٦ ٤٩٢ الجُرُ (٦) - للغائِدَة: ٢٠/٥-٢٦ وأوضحت الآية الثالثة: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ مهمة النبي ◌َّـ في تبيان أمر النجاة والسعادة الأبدية، وإناطتها بالإيمان والعمل الصالح، فالجنة لمن أطاع الله ورسوله، والنار لمن عصى الله ورسوله، وفي تقرير أحكام الحياة وقوانين المجتمع، لئلا أو كراهية أن تقولوا: ما جاءنا من مبشر ولا منذر. وكان بين ميلاد عيسى والنبي وَّهل خمس مئة وتسع وستون سنة. تذكير موسى قومه بنعمة الله ومطالبتهم بدخول الأرض المقدسة وموقفهم الرافض ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ يَقَوْمِ ادْخُلُواْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوَكًا وَءَاتَنْكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ (٥) اُلْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِ كَنَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا نَرْنَدُواْ عَلَى أَذْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ ٢١ قَالُواْ يَمُوسَىّ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا أَدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابٌَّ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَّكَُّواْ إِن قَالُواْ يَمُوسَىّ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدَّا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ كُنتُم مُؤْمِنِينَ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَآ إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّ لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىَّ فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ لِّـ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ @ ٢٦٦ القراءات: ﴿ أَنْبِيَآءَ﴾ : وقرأ نافع (أنبئاء). ﴿فَلاَ تَأْسَ﴾ : ٤٩٣ الجُرُ (٦) - المفائِدَة: ٢٠/٥-٢٦ وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً: (فلا تاس). الإعراب: ﴿ أَنْبِيَاءُ﴾ ممنوع من الصرف؛ لأن فيه ألف التأنيث . ﴿خَسِرِينَ﴾ منصوب على الحال من واو ﴿فَتَنْقَلِيُواْ﴾ وهو العامل في الحال. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ اُلَّذِينَ﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: في موضع رفع صفة﴿رَجُلَانِ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ جملة فعلية في موضع رفع صفة ﴿رَجُلَانِ﴾. ﴿ أَبَّا مَّا دَامُواْ فِيهَا﴾ أبداً: منصوب ظرف زمان. و﴿مَّا﴾ في ﴿مَّا دَامُوا﴾ ظرفية زمانية مصدرية، وتقديره: لن ندخلها أبداً مدة دوامهم فيها. و﴿مَّا دَامُواْ﴾: في موضع نصب على البدل من قوله تعالى: ﴿ أبدا﴾ وهو بدل بعض من کل. ﴿إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىّ﴾: ﴿ وَأَخِىّ﴾ إما منصوب عطفاً على ﴿نَفْسِى﴾، أو عطفاً على اسم ﴿إِنِ﴾ ويحذف خبره لدلالة الأول عليه وتقديره: وإن أخي لا يملك إلا نفسه؛ وإما مرفوع بالابتداء عطفاً على موضع (إن وما عملت فيه) ويضمر الخبر كالأول أو معطوف على ضمير ﴿أَمْلِكُ﴾ وحسن العطف على الضمير المرفوع لوجود الفصل بين المتعاطفين . ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةٌ﴾ ظرف منصوب، ويتعلق بيتيهون فيكون التحريم مؤبداً، أو يتعلق بمحرَّمة فلا يكون التحريم مؤبداً، وجملة ﴿يَتِيهُونَ﴾ حالية من الهاء والميم في ﴿عَلَيْهِمْ﴾. البلاغة: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوًا﴾ تشبيه بليغ، أي كالملوك في رغد العيش والطمأنينة، فحذف أداة الشبه ووجه الشبه. ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ جملة اعتراضية لبيان مدى فضل الله على الصالحين. ٤٩٤ الجُرُ (٦) - المائدة: ٢٠/٥-٢٦ المفردات اللغوية: جَعَلَ فِيَكُمْ﴾ منكم. ﴿قُلُوكًا﴾ أحراراً تملكون أنفسكم وأموالكم وأهلكم بعد أن كنتم في أيدي القبط، وصرتم أصحاب خدم وحشم. ﴿َّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًّا مِّنَ اُلْعَلَمِينَ﴾ من المن والسلوى وفلق البحر وغير ذلك. ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾ المطهرة. ﴿كَذَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أمركم بدخولها وهي الشام. ﴿ وَلَا نَرْئِدُواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ تتراجعوا وتنهزموا خوف العدو. ﴿خَسِرِينَ﴾ في سعيكم. جَبَّارِينَ﴾ جمع جبار: وهو الرجل الطويل القوي المتكبر. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ قال لهم رجلان يخافون مخالفة أمر الله، وهما يوشع وكالب من النقباء الاثني عشر الذين بعثهم موسى عليه السلام لكشف أحوال الجبابرة . ﴿أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بالعصمة، فكتما ما اطلعا عليه من حالهم إلا عن موسى، بخلاف بقية النقباء، فأفشوا، فجبن القوم. ﴿أَدْخُلُواْ عَلَيَّهِمُ الْبَابٌَ﴾ باب القرية، ولا تخشوهم، فإنهم أجساد بلا قلوب. ﴿فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَ﴾ قالا ذلك تيقناً بنصر الله وإنجاز وعده . ﴿فَعِدُونَ﴾ عن القتال . ﴿قَالَ﴾ أي موسى حينئذ. ﴿رَبِّ إِنِّ لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى﴾ وإلا ﴿وَأَخِىّ﴾ ولا أملك غيرهما، فأجبرهم على الطاعة . ﴿فَاُفْرُقْ﴾ فافصل. ﴿فَإِنَّهَا﴾ أي الأرض المقدسة. ﴿مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ﴾ أن يدخلوها. ﴿يَتِيهُونَ﴾ يتحيرون .﴿فَلاَ تَأْسَ﴾ تحزن. المناسبة: الواو في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ،﴾ واو عطف، وهو متصل بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَءِيلَ﴾ كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وذكرهم موسى عليه السلام نعم الله تعالى، وأمرهم بمحاربة الجبارين، فخالفوا في القول في الميثاق، وخالفوه في محاربة الجبارين. ٤٩٥ الجُ (٦) - المَائِدَة: ٢٠/٥-٢٦ أي بعد أن أقام الله الدليل على صحة نبوة محمد رَله، وناقش أهل الكتاب في ذلك، ذكر موقفين من مواقف اليهود يدلان على عنادهم، أولهما: جحود نعم الله الكثيرة عليهم، وثانيهما: عصيانهم أوامر موسى بدخول أرض فلسطين ومحاربة الجبارين، ليكون ذلك مواساة للنبي وَ له وتعريفاً له أن صدودهم عن الحق خلُق متأصل فيهم. التفسير والبيان: أخبر الله تعالى عن كليمه موسى بن عمران عليه السلام حينما ذكَّر قومه بنعم الله عليهم في جمعه لهم بين خيري الدنيا والآخرة لو استقاموا على طريق الاستقامة. فقال: واذكر يا محمد لبني إسرائيل وسائر الناس الذين تبلغهم دعوتك حين قال موسى لقومه بعد أن أنقذهم من ظلم فرعون وقومه: تذكروا نعماً ثلاثاً : اً - تذكروا نعمة الله عليكم بتتابع الأنبياء فيكم من لدن أبيكم إبراهيم إلى من بعده، حتى ختموا بعيسى عليه السلام، ثم أوحى الله إلى خاتم النبيين من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وبنو إسرائيل من نسل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وكان جميع أنبيائهم من بعد موسى يحكمون بالتوراة. ومن المعلوم: أن النبوة: هي الإخبار ببعض الأمور الغيبية التي تقع في المستقبل بوحي أو إلهام من الله عز وجل. والخلاصة: إنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء. اَ - وجعلكم ملوكاً، أي أحراراً بعد أن كنتم مملوكين في أيدي القبط، فأنقذكم الله، فسمى إنقاذكم ملكاً. وقيل: الملك: هو من له مسكن وخادم، وقيل: من له مال لا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق. والخلاصة: إنهم أحرار عندهم ما یکفیھم من زوجة وخادم ودار، بدليل ما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ((كان بنو إسرائيل إذا كان ٤٩٦ الجُ (٦) - المَائِدَة: ٢٠/٥-٢٦ لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب مَلِكاً))، وروى أبو داود أيضاً عن زيد بن أسلم: ((من كان له بيت وخادم فهو ملك)) وعرف اليوم يؤيد هذا، فيقال للمخدوم المالك مسكنه الهانئ في معيشته: ((ملك زمانه)). ءَ - وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين: عالمي زمانهم، من فلق البحر، وإغراق العدو، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى وغير ذلك من الأمور العظام. ثم أمرهم موسى بدخول فلسطين ومجاهدة الأعداء فقال لهم: يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة (الطاهرة): أرض بيت المقدس، أو فلسطين، للسكنى لا للملك؛ لأن بيت المقدس مقر الأنبياء ومسكن المؤمنين ﴿الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي قسمها لكم وسماها، فقد وعد الله إبراهيم بحق السكنى في تلك البلاد المقدسة، لا أنها ملك لهم؛ لأن هذا مخالف للواقع، فاستنباط اليهود من ذلك الوعد أنه لا بد أن يعود لهم ذلك الملك ليس بصحيح؛ لأن الله قال بعدئذ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: كانت هبة، ثم حرمها عليهم بشؤمهم وعصيانهم. ولأن قوله: ﴿كَنَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ مشروط بقيد الطاعة، فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط. ﴿ وَلَا نَرْنَدُواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾ أي لا تتراجعوا وتدبروا من خوف الجبابرة، ولا تنكلوا عن الجهاد، فتصبحوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة. وقيل: المراد لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوة موسى عليه السلام، وإلى الوثنية والفساد في الأرض. قال النقباء الذين أرسلهم موسى عليه السلام للتجسس في الأرض المقدسة: إن فيها قوماً جبارين أي طوالاً عتاة يجبرون الناس على ما أرادوا. وكانوا من الكنعانيين، وإنا لن ندخلها أبداً حتى يخرجوا منها، فإن خرجوا منها فإنا داخلون فيها. وإنما قالوا هذا على سبيل الاستبعاد كقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. + ٤٩٧ لُعُ (٦) - المائدة: ٢٠/٥-٢٦ وهذا دليل آخر على امتناعهم عن الدخول، وعدم أحقيتهم بشيء من تراب فلسطين الطاهرة. قال رجلان من النقباء الذين يخافون الله تعالى - وقد أنعم الله عليهما بالهداية والإيمان والطاعة والتوفيق لما يرضيه، والثقة بعون الله تعالى، والاعتماد على نصرة الله، وهما الرجلان الصالحان من قوم موسى: يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا - قالا: ادخلوا عليهم باب المدينة، فإذا فعلتم ذلك نصركم الله، وأيدكم بجنده، وكنتم الغالبين. وإن توكلتم على الله واتبعتم أمره ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم وأيدكم، ودخلتم البلد التي كتبها الله لكم، والتوكل على الله صفة المؤمنين. ومع هذا كرر اليهود الرفض وأصروا على العناد والتمرد، ولم تنفعهم عظة الرجلين الصالحين شيئاً، وقالوا يا موسى: لن ندخلها أبداً ما داموا فيها، وأبداً: تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول، وقولهم: ﴿مَّا دَامُواْ فِيهَا﴾ بيان للأبد، فاذهب أنت وربك الذي أمرك بالجهاد والخروج من مصر والإتيان إلى هنا، فقاتلا الجبارين، إنا هاهنا قاعدون عن الجهاد منتظرون. وهذا قول في غاية التنكر لموسى عليه السلام، والبعد عن الأدب معه. فقال موسى غاضباً حزيناً بائاً شكواه إلى الله وحسرته، معتذراً من عصيان قومه: ﴿رَبِّ إِ لَآَ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىّ﴾ أي لا يطيعني أحد منهم، فيمتثل أمر الله، ويجيب إلى ما دعوت إليه إلا أنا وأخي هارون. وفي هذا إيماء إلى أنه لم يكن على ثقة من ثبات يوشع وكالب حال وجود العدد القليل، فاقض وافصل بيني وبين هؤلاء الفاسقين الخارجين على طاعتك، فتحكم لنا بما نستحق، وتحكم عليهم بما يستحقون. ٤٩٨ لُ (٦) - للفائِدَة: ٢٠/٥-٢٦ وهذا في معنى الدعاء عليهم. ولذلك وصل به قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ على وجه التسبيب. ويصح أن يكون المعنى: فباعد بيننا وبينهم، وخلصنا من صحبتهم كقوله تعالى: ﴿وَتَجِنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١/٦٦]. قال الله تعالى لما دعا عليهم موسى عليه السلام حين نكلوا عن الجهاد: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَهُ عَلَيَّهِمْ أَرْبَعِيْنَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِ الْأَرْضَِّ﴾ أي إن الأرض المقدسة محرم عليهم دخولها قدر مدة أربعين سنة، فتاهوا في صحراء مقفرة أي ساروا فيها متحيرين لا يهتدون طريقاً، والتيه: المفازة أو البيداء أو البرية التي يتاه فيها، لا يدرون أين مصيرهم. روي أنهم لبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ (وقال ابن عباس: وهي تسعة فراسخ) يسيرون في کل یوم جادین، حتى إذا سئموا وأمسوا، إذا هم في الموضع الذي ابتدؤوا منه، يسيرون ليلاً، وقد يسيرون نهاراً، وكان يطلع لهم عمود من نور بالليل يضيء لهم، ويظللهم الغمام من حر الشمس نهاراً، وينزل عليهم المن والسلوى، حتى انقرضوا كلهم إلا من لم يبلغ العشرين. قيل: وكانوا ست مئة ألف، ومات هارون في التيه ومات موسى بعده فيه بسنة، وكان رحمة لهما وعذاباً لأولئك، وسأل موسى ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر فأدناه. ونبئ يوشع بعد سن الأربعين، وأمر بقتال الجبارين، فسار بمن بقي، وقاتلهم، وكان يوم الجمعة، ووقفت له الشمس ساعة حتى فرغ من قتالهم. روى أحمد في مسنده حديثاً: ((إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع، ليالي سار إلى بيت المقدس)). وتتمة كلام الله تسلية لموسى عنهم: ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ اَلْفَسِفِينَ﴾ أي فلا تحزن على القوم المتمردين فيما حكمت عليهم به، فإنهم مستحقون لذلك. ٤٩٩ الجُرَعُ (٦) - الثائِدَة: ٢٠/٥-٢٦ وتساءل الزمخشري وغيره: كيف يوفق بين قوله ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ. وبين قوله ﴿الَّتِى كَنَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وأجابوا بوجهين: أحدهما - أن يراد كتبها لكم بشرط أن تجاهدوا أهلها، فلما أبوا الجهاد قيل: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ﴾ والثاني - أن يراد فإنها محرمة عليهم أربعين سنة، فإذا مضت الأربعون، کان ما كتب(١). فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت هذه القصة تقريع اليهود وبيان فضائحهم ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمر به كل منهما من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مقاتلة الأعداء، مع أن معهم موسى كليم الله يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، بالرغم مما شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من إغراقه مع جنوده في اليم، وهم ينظرون، لتقر به أعينهم. وإذا كان أسلافهم تمردوا على موسى وعصوه، فكذلك أحفادهم تمردوا على محمد عليه السلام، وهو تسلية له. 1 وهذا يدل على قبح طبائع اليهود وإمعانهم في مخالفة أوامر الله، بالرغم من تذكير موسى لهم بنعم الله الكثيرة عليهم وأهمها ثلاث: ١ - بعث كثير من الأنبياء في بني إسرائيل. ٢ - وجعلهم ملوكاً: أي يملكون أمرهم لا يغلبهم فيه غالب، بعد أن كانوا مملوكين لفرعون مقهورين، فأنقذهم الله وأغرق عدوهم. - (١) الكشاف: ٤٥٤/١ وما بعدها، التفسير الكبير للرازي: ١٩٧/١١-١٩٩ ٦ ٥٠٠ الجُرُ (٦) - المائدة: ٢٠/٥-٢٦ ٣ - وإعطاؤهم ما لم يُعط أحد من عالمي زمانهم. وقد أمرهم موسى بمجاهدة الأعداء من الكنعانيين الجبارين في فلسطين، وبدخول الأرض المقدسة (المطهرة أو المباركة) فتمردوا وأبوا الدخول، بالرغم من تبشير الرجلين الصالحين من النقباء (يوشع وكالب) لهم بالنصر والغلبة والفتح، وقالا: ولا يهولنكم عظم أجسامهم، فقلوبهم ملئت رعباً منكم، فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة. وتمادوا بعناد وإفراط على الله، فرفضوا الدخول إلى الأرض المقدسة وقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ وهذا منهم كفر؛ لأنهم شگُوا في رسالة موسى. فدعا موسى عليه السلام عليهم، وطلب فصل القضاء بينه وبينهم. فاستجاب الله دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة، ومات هارون وموسى في التیه. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: أُرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فلما جاءه صكَّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فقال: ((أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت)) قال: فرد الله إليه عينه وقال: ((ارجع إليه، فقل له: يضع يده على مَثْن ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة)) قال: ((أي رب ثم مَهْ)) قال: ((ثم الموت)) قال: ((فالآن)) فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر؛ فقال رسول الله وَلهى: ((فلو كنتُ ثَمَّ، لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر)). وفِعْلُ موسى مع الملَك؛ لأنه لم يعرفه، وأنه رأى رجلاً دخل منزله بغير إذنه، يريد نفسه، فدافع عن نفسه، فلطم عينه، ففقأها. وكان العقاب الإلهي لبني إسرائيل المتمردين عن الطاعة هو تصفيتهم وتجديد بنية الشعب، وظهور جيل جديد من الشباب يتحملون المسؤولية، وكانوا أهلاً للجهاد ومقاومة الجبارين، وجعلهم أئمة وارثين.