النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
الُرُ (٦) - القائِدَة: ١/٥-٢
ما سيقت له من التقرب إليه تعالى. والهدي: ما أهدي إلى بيت الله تعالى من ناقة
أو بقرة أو شاة. وهو في رأي الجمهور عام في جميع مايتقرب به من الذبائح
والصدقات. وأخذ العلماء من ذلك عدم جواز الأكل من الهدايا التي تقدم
للذبح في الحرم، إلا هدي التطوع والقران والتمتع، فإنه يجوز الأكل منها
لصاحبها وللأغنياء؛ لأنه دم نسك يقدم شكراً لله تعالى على ما أنعم به من
التوفيق للعبادة، فيجوز الأكل منه، ولأنه قد صح أن النبي أكل من هدي
القران والتمتع، وحسا من المرقة، فيبقى غيرها على عدم الجواز؛ لأنها دم
مخالفات وعقوبات وكفارات، فلا يجوز الانتفاع بشيء منها.
والقلائد: المراد بها الهدايا التي تقلد، وهي التي كانت للتطوع أو النذر أو
القران أو التمتع. أما الهدايا التي تجب بسبب الجنايات فلا تقلد. وهي على
حذف مضاف، أي لاتحلوا ذوات القلائد: وهي كل ما عُلِّق على أسنمة الهدايا
وأعناقها، علامة أنها لله سبحانه.
والتقليد أي وضع القلادة سنة إبراهيمية أقرها الإسلام، وهي عند
الشافعي وأحمد سنة في البقر والغنم، قالت عائشة رضي الله عنها: أهدى
رسول الله مرة إلى البيت غنماً فقلَّدها(١). وأنكره مالك والحنفية، وكأنهم لم
يبلغهم هذا الحديث في تقليد الغنم، أو بلَغ لكنهم ردوه لتفرد الأسود به عن
عائشة.
واتفقوا فيمن قلَّد بدنة على نية الإحرام، وساقها: أنه يصير محرماً، قال
الله: ﴿لَا تُحِلُواْ شَعَكَِّرَ اللَّهِ﴾ إلى أن قال: ﴿فَأَصْطَادُواْ﴾ ولم يذكر الإحرام،
لكن لما ذكر التقليد عرف أنه بمنزلة الإحرام.
فإن بعث بالهدي ولم يسُق بنفسه، لم يكن محرماً، وهو مذهب الجمهور؛
(١) أخرجه البخاري ومسلم.

٤٢٢
الجُ (٦) - المَائِدَة: ١/٥-٢
لحديث البخاري عن عائشة قالت: ((أنا فتلتُ قلائد هَدْي رسول الله بيديَّ؛ ثم
قلدها بيديه، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله شيء أحلَّه الله له
حتى نُحر الهدي)».
وقال الحنفية: من أهدى هدياً حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى يُنحر
الهدي، وهو - فيما رواه البخاري - رأي ابن عباس.
ولا يجوز بيع الهدي ولا هبته إذا قُلِّد أو أُشعر؛ لأنه قد وجب. وإن مات
مُوجِبُه لم يورث عنه ويذبح في الحرم، بخلاف الأضحية فإنها لاتجب إلا بالذبح
خاصة عند مالك إلا أن يوجبها بالقول؛ فإن أوجبها بالقول قبل الذبح،
فقال: ((جعلت هذه الشاة أضحية)) تعينت. وعليه إن تلفت ثم وجدها أن
يذبحها. وقال الشافعي: لا بدَل عليه إذا ضلَّت أو سُرِقَت، إنما الإبدال في
الواجب.
ولا تحلوا قوماً قاصدين إلى البيت الحرام، أي لاتمنعوا الكفار القاصدين
البيت الحرام على جهة التعبد والقربة. وهذا كله منسوخ بآية السيف: ﴿فَقْنُلُواْ
اُلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥/٩] وقوله تعالى: ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ
اَلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨/٩] فلا يمكَّن المشرك من
الحج، ولا يؤمَّن في الأشهر الحرم، وإن أهدى وقلَّد وحج.
ودل قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّتِهِمْ وَرِضْوَنًا﴾ على جواز ابتغاء الفضل
ج
أي الأرباح في التجارة.
ج
ودل قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا حَلْثُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ على إباحة صيد غير المحرم بعد
الانتهاء من أعمال الحج، فهو أمر إباحة بإجماع الناس، لرفع ماكان محظوراً
بالإحرام. وقال المالكية: الأمر على أصله من الوجوب، وإنما فهمت الإباحة
من النظر إلى المعنى، والإجماع، لا من صيغة الأمر. وخص الصيد بالذكر؛
لأنهم كانوا يرغبون فيه كثيراً كبيرهم وصغيرهم.

٤٢٣
لُعُ (٦) - المَائِدَة: ٣/٥
وأرشد قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ﴾ إلى حرمة الاعتداء بالباطل؛
لأن المعنى: لا يحملنكم بغض قوم أن تتعدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى
الظلم، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود والترمذي والحاكم عن
أبي هريرة: ((أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)). ودل قوله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ﴾ على وجوب التعاون بين الناس على البر والتقوى،
والانتهاء عما نهى الله عنه، وحرمة التعاون على المعاصي والذنوب، ويؤكده
حديث (الدال على الخير كفاعله)) رواه الطبراني عن سهل بن سعد وعن ابن
مسعود، وهو صحيح.
المطعومات المحرمات وإكمال الدين والضرورة
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالَّمُ وَمُ الْخِنِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيْقَةُ
وَالْمَوْفُوذَةُ وَالْمُتَرَدِيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْنُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ
وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِلْأَزْلَمِّ ذَلِكُمْ فِسْقُّ الْيَوْمَ يَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ
تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ اَلْيَوْمَ أَكْعَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ
اَلْإِسْلَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخَْصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
القراءات:
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: قرئ:
١- (فمنِ اضْطُر) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة.
٢- (فمنُ اضطر) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ﴾ أن المصدرية مع صلتها: في موضع رفع بالعطف على

٤٢٤
الجُرُ (٦) - القائِدَة: ٣/٥
قوله تعالى: ﴿اَلْمَيْتَةُ﴾ وتقديره: حرم عليكم الميتة والاستقسام بالأزلام:
وهو قَسْمهم الجزور في الجاهلية عشرة أقسام.
﴿فَمَنِ اضْطُرَ﴾ في موضع رفع بالابتداء، وهي شرطية، والجواب: ﴿فَإِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ﴾ وهو خبر المبتدأ، ومعه ضمير محذوف، وتقديره: فإن الله غفور
رحیم.
المفردات اللغوية:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ أي أكلها ﴿ وَاَلَّمُ﴾ أي المسفوح ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ
بِهِ﴾ بأن ذبح على اسم غيره ﴿وَالْمُنْخَيِقَةُ﴾ الميتة خنقاً ﴿وَاُلْمَوْقُوذَةُ﴾ المقتولة
ضرباً ﴿وَاَلْمُتَرَدِيَةُ﴾ الساقطة من علو إلى أسفل فماتت ﴿ وَالنَّطِيحَةُ﴾ المقتولة
بنطح أخرى لها ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْثُ﴾ أي أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء
فذبحتموه ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ أي على اسم النصب وهي الأصنام ﴿وَأَنْ
تَسْتَقْسِمُواْ﴾ تطلبوا القسم والحكم بالأزلام، جمع زَلَم (بفتح الزاي وضمها مع
فتح اللام): قِدْح (بكسر القاف) صغير لاريش فيه ولا نصل، وكانت سبعة
عند سادن الكعبة، عليها أعلام، وكانوا يحكمونها، فإن أمرتهم ائتمروا وإن
نهتهم انتهوا ﴿ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ خروج عن الطاعة.
﴿أَلْيَوْمَ يَبِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ أن ترتدوا عنه بعد طمعهم في ذلك
لما رأوا من قوته ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أحكامه وفرائضه، فلم ينزل بعدها
حلال ولا حرام ﴿ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ بإكماله، وقيل: بدخول مكة آمنين
﴿وَرَضِيتُ﴾ اخترت ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ مجاعة فاضطر إلى أكل شيء مما حرم
عليه، فأكله ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾ مائل ﴿لِاثْءٍ﴾ معصية ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ له ما
أكل ﴿رَّحِيمٌ﴾ به في إباحته له، بخلاف المائل لإثم، أي الملتبس كقاطع
الطريق والباغي مثلاً فلا يحل له الأكل.

٤٢٥
الجُرُ (٦) - القَائِدَة: ٣/٥
سبب النزول
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أخرج ابن منده في كتاب الصحابة من طريق عبد
الله بن جبلة بن حبان بن حجر عن أبيه عن جده: حبان قال: كنا مع رسول
الله، وأنا أوقد تحت قدر فيها لحم ميتة، فأنزل تحريم الميتة، فأكفأتُ القدر.
التفسير والبيان:
يخبر تعالى عباده خبراً متضمناً النهي عن تعاطي هذه المحرمات، التي أشير
إلى شيء منها بقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. والمحرم إجمالاً أربعة أنواع
ذكرت في سورتي البقرة والنحل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ
الْخِيِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهٌِ﴾، وهي عشرة أنواع ذكرت تفصيلاً هنا:
١ - الميتة:
وهي مامات من الحيوان حتف أنفه من غير فعل فاعل، من ذكاة أو
اصطياد، ويراد بها شرعاً: مامات دون تذكية (ذبح شرعي). وقد حرمت
لخبثها ولما فيها من الضرر ببقاء بعض المواد الضارة في جسمها إما بسبب
المرض أو بسبب احتباس الدم فيها، فإن ذكيت ذهب الدم الضار منها، على
أن الطباع السليمة تعافها وتنفر منها وتأنف من أكلها، فهي ضارة للدين
وللبدن، لذا حرمها الله عز وجل.
فيحرم أكلها اتفاقاً، وأما شعرها وعظمها فقال الحنفية: طاهران يجوز
استعمالهما، وقال الشافعي: نجسان لا يجوز استعمالهما.
ويستثنى من الميتة نوعان: السمك والجراد، لما رواه أحمد والدارقطني
والبيهقي وابن ماجه من قوله عن ابن عمر: ((أحلت لنا ميتتان ودمان،
فالميتتان: السمك والجراد، والدمان: الكبد والطحال)) ولما رواه مالك في
موطئه والشافعي وأحمد في مسنديهما، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن

٤٢٦
الجُرُ (٦) - المَائِدَة: ٣/٥
ماجه في سننهم وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول
الله سئل عن ماء البحر فقال: ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)).
٢ - الدم:
أي الدم المسفوح، أي المائع الذي يُسْفَح ويراق من الحيوان لا المتجمد
كالكبد والطحال وما يبقى في اللحم بعد الذبح عادة، بدليل قوله تعالى في آية
أخرى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. وسئل ابن عباس عن الطحال فقال: كلوه،
فقالوا: إنه دم، فقال: ((إنما حرم عليكم الدم المسفوح)) أي السائل من الحيوان
عند التذكية، قليلاً كان أو كثيراً.
وسبب تحريم الدم المسفوح: أنه مباءة الجراثيم والسموم، وأنه مستقذر
طبعاً، ويعسر هضمه، ومن فضلات الجسم الضارة كالبراز، وأن فصائل الدم
مختلفة، ولا تناسب فصيلة غيرها، فهو قذر يضر الأجسام. ولا عبرة بما كان
العرب في الجاهلية يفعلونه من أكل الدم المختلط بالشعر وهو المسمى بالعلهز،
وحشو الأمعاء بالدم ثم شيّه وأكله.
٣ - لحم الخنزير:
وهو يشمل جميع أجزائه حتى الشحم والجلد، وإنما خص اللحم بالذكر؛
لأنه المقصود الأهم، وقد نفر الشرع من الانتفاع بجميع أجزاء الخنزير في قوله
تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ وفي قوله - فيما رواه مسلم في
صحيحه عن بريدة بن الخصيب الأسلمي -: ((من لعب بالردشير فكأنما صبغ
يده في لحم الخنزير ودمه)) فإنه تنفير من مجرد اللمس، فيكون التهديد على أكله
والتغذي به أشد. وفي الصحيحين أن رسول الله قال: ((إن الله حرم بيع الخمر
والميتة والخنزير والأصنام)) فقيل: يارسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها
تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: ((لا، هو
حرام)).

٤٢٧
الُ (٦) - المَائِدَة: ٣/٥
وقد أجاز قوم استعمال شعر الخنزير في الخرْز للضرورة، والضرورة تقدر
بقدرها، ولا حاجة اليوم إليه لتقدم الصناعة.
وسبب تحريم لحم الخنزير: مافيه من الضرر والقذر لملازمته القاذورات،
واحتوائه غالباً على الديدان كالدودة الوحيدة والشعرة الحلزونية، ولعسر
هضمه لكثرة شحم أليافه العضلية ومواده الدهنية، كما أن له طباعاً سيئة مثل
فقدان الغيرة على أنثاه، والطباع تنتقل مع اللحم والأكل. وإذا كانت الحظائر
الحديثة ترعى صحياً تربية الخنازير، ويشرف الأطباء على فحص اللحم، فإن
هذا لا يتيسر لكل الناس، كما أن الأضرار المعنوية لا يمكن تجنبها، وعلى كل
حال يلتزم المسلم بالتحريم مطلقاً، سواء توافرت علة المنع في الوقت الحاضر
أو لا؛ لأن المعوّل عليه شرعاً رعاية مصالح الناس قاطبة لا أفراد معينين.
٤ - ما أُهِلَّ به لغير اللَّه:
أي ماذبح وذكر عليه اسم غير الله، ومعنى أهل: رفع الصوت لغير الله
عند ذبحه، سواء اقتصر على ذكر غير الله، كالقول عند الذبح: باسم المسيح أو
باسم فلان، أو جمع بين ذكر الله وذكر غيره بالعطف، كالقول: باسم الله
واسم فلان، فإن ذكر كلام بغير العطف مثل باسم الله، المسيحُ نبي الله، أو
باسم الله، محمد رسول الله، فقال الحنفية: تحل الذبيحة، ويعتبر ذكر غير الله
كلاماً مبتدأً، ولكن يكره الوصل صورة.
وسبب التحريم: تعظيم غير الله، ومشاركة الكفار في عبادة غير الله،
والتقرب لآلهتهم بالذبائح، وقد كان أهل الجاهلية يرفعون أصواتهم عند
الذبح أمام الأصنام قائلين: باسم اللات والعزى، أو باسم هبل.
لذا حرم الإسلام ذلك؛ لأن الله تعالى أوجب أن تذبح الحيوانات على اسمه
العظيم، فمتى عدل بها عن المقرر شرعاً، وذكر عليها اسم غيره من صنم أو
طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات، فإنها حرام بالإجماع. وإنما
اختلف العلماء في متروك التسمية عمداً أو نسياناً كما سيأتي في سورة الأنعام.

٤٢٨
الجُرُ (٦) - الغَائِدَة: ٣/٥
٥ - المنخنقة:
وهي التي تموت بالخنق إما قصداً وإما مصادفة بأن انخنقت بوثاقها أو
بشبكة أو بغيرها. فهي ميتة لم تذك ذكاة شرعية، وضررها ضرر الميتة، وخصها
القرآن بالذكر بالرغم من دخولها تحت تعبير: الميتة، لئلا يظن أنها ماتت بسبب
أو بفعل فاعل يشبه التذكية، ولم تمت حتف أنفها، والمهم هو التذكية الشرعية
ولم تحدث.
أ. الموقوذة:
هي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد كالخشب أو الحجر أو الحصاة حتى
تموت بلا ذكاة شرعية سواء رميت باليد أو بالمقلاع ونحوهما، فهي ميتة،
وكانوا يأكلونها في الجاهلية.
والوقذ حرام في الإسلام؛ لأنه تعذيب للحيوان وليس معه ذكاة، روى
أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أبي يعلى: شداد بن أوس رضي الله عنه عن
النبي قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة،
وإذا ذبحتم فأحسنوا الذُّتجة، ولیحدّ أحدكم شفرته، ولیرح ذبيحته)).
أما المقتول بالمحدد كالنار والرصاص المستعمل الآن في البنادق فيؤكل
شرعاً، لما رواه أحمد والشيخان أن عدي بن حاتم قال: قلت: يارسول الله،
إني أرمي بالْمِعْراض الصيد فأصيب قال: ((إذا رميت بالْعْراض(١) فخَزَق(٢)
فكُلْه، وإن أصاب بعَرْضه - أي بغير طرفه المحدد - فإنما هو وقيذ فلا تأكله))
ففرق بين ما أصابه بالسهم، أو بالمِزْراق (الرمح) ونحوه بحده، فأحله، وما
أصاب بعرضه (بغير طرفه المحدد) فجعله وقيذاً، لم يحله، وهذا مجمع عليه بين
الفقهاء.
(١) المعراض: سهم يرمى به بلا ريش، وأكثر ما يصيب بعرض عوده دون حدّه.
(٢) خزق السهم: نفذ في الرمية، والمعنى: نفذ وأسال الدم؛ لأنه ربما قتل بعرْضه ولا يجوز.

٤٢٩
الجُ (٦) - القائِدَة: ٣/٥
واختلفوا فيما إذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه على قولين هما
قولان للشافعي رحمه الله: ((أحدهما)) - لا يحل كما في السهم؛ لأن كلاً منهما
ميت بغير جرح، فهو وقيذ ((والثاني)) - أنه يحل؛ لأنه حكم بإباحة ماصاده
الكلب، ولم يستفصل، فدل على إباحة ماذكر.
٧ - المتردية:
هي التي تقع من شاهق أو مكان عالٍ كجبل أو سطح، أو تهوي في بئر،
فتموت بذلك، فلا تحل كالميتة لا يحل أكلها بدون تذكية، فإن عقرت في البئر
في أي مكان حلت للضرورة.
٨ - النطيحة:
أي المنطوحة، وهي التي نطحتها غيرها فماتت، وإن جرحها القرن وخرج
منها الدم. وحكمها كالميتة حرام لا تؤكل شرعاً.
١ - ما أكل السبع:
وهي التي تقتل بسبب اعتداء حيوان مفترس كالأسد والذئب والنمر
والفهد ونحوها، فتموت بسبب أكله بعضها أو جرحه لها، فلا يحل أكلها
بالإجماع وإن كان قد سال منها الدم ولو من مذبحها، وكان بعض عرب
الجاهلية يأكلون مابقي من السباع، ولكن الطباع السليمة تأنف ذلك.
ويلاحظ أن في الكلام إضماراً، أي وما أكل منه السبع؛ لأن ما أكله السبع
قد فني.
ثم استثنى تعالى المذبوح شرعاً من جميع ما تقدم من المحرمات غير الميتة والدم
والخنزير أي مايمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته، فأمكن تداركه بذكاة
وفيه حياة مستقرة، فقال: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْنُ﴾ أي إلا ما أدركتموه حياً فذكيتموه
على النحو الشرعي، وذلك يعود على قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُودَةُ

٤٣٠
الجُعُ (٦) - الَائِدَة: ٣/٥
وَاُلْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ﴾ وكذا ما أهل لغير الله به، فما أدرك حياً
منها فذبح أكل، والحياة تعرف بأن يطرف بعينه أو يحرك ذنبه. قال علي كرم الله
وجهه: إذا أدركتَ ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يداً أو
رجلاً، فكلها. والصحيح من قول مالك وهو المذكور في الموطأ أنه إن كان
ذبح البهيمة ونَفَسُها يجري وهي تضطرب فليأكل.
أما الميتة والدم ولحم الخنزير فلا تحل أصلاً، ولو بذكاة.
والخلاصة: إن غلب على الظن أن الحيوان يعيش مع ما أصابه، كانت
الذكاة محللة له، أما إن غلب على الظن أنه يهلك بما حصل، فاختلفوا: فقال
الحنفية، والشافعية في مشهور المذهب: تعمل فيه الذكاة، مادام فيه أمارة على
الحياة، من تحريك عين أو ذنب أو رجل. وقال قوم منهم مالك في وجه عنه :
لاتعمل فيه الذكاة.
ومنشأ الاختلاف: هل الاستثناء متصل أو منقطع؟ فمن رأى وهم
الجمهور أنه متصل أخرج من الجنس بعض ما تناوله اللفظ، فما قبل الاستثناء
حرام، وما بعده خرج منه، فيكون حلالاً. ويؤيد كون الاستثناء متصلاً إجماع
العلماء على أن الذكاة تحلل ما يغلب على الظن أنه يعيش، ولا يجعل الاستثناء
منقطعاً إلا بدليل يجب التسليم له.
ومن رأى أن الاستثناء منقطع، رأى أنه لا تأثير للاستثناء في الجملة
المتقدمة، وكأنه قال: ماذكيتموه من غير الحيوانات المتقدمة فهو حلال؛ لأن
التحريم إنما يتعلق بهذه الحيوانات بعد الموت، وهي بعد الموت لا تذكى،
فيكون الاستثناء منقطعاً. وأجيب عن ذلك بأن الاستثناء متصل باعتبار ظاهر
الحلال، فإن ظاهر هذه الحيوانات أنها تموت بما أصيبت به، فتكون حراماً
بحسب الظاهر، إلا ما أدرك حياً وذكي، فإنه يكون حلالاً.

٤٣١
الجُ (٦) - المَائِدَة: ٣/٥
١٠ - ماذبح على النُّصُب:
النصب حجارة كانت حول الكعبة، عددها ثلاث مئة وستون حجراً
منصوباً، كانت العرب في الجاهلية يذبحون عندها، تقرباً للأصنام التي
يعظمونها، ويلطخون بها ما أقبل من البيت، كأنهم يثبتون بذلك كون الذبح
وقع قربة، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب (الحجارة). وليست
النصب هي الأوثان، فإن النصب حجارة غير منقوشة، والأوثان حجارة
منقوشة. فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح
التي ذبحت عند النصب، حتى لو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح، اجتناباً
للشرك الذي حرمه الله ورسوله.
وأضاف القرآن محرمات أخرى هي:
الاستقسام بالأزلام: أي محاولة معرفة ماقسم له، أو قدر في الأمر من خير
أو شر. والأزلام جمع زلم: وهي قطعة من خشب على هيئة السهم الذي لا
نَصْل فيه وهو الذي يجرح الصيد. ولهذه العملية معنیان: معنى روحي عبادي
أو اعتقادي، والآخر مادي.
أما المعنى الروحي العبادي: فهو يشبه عادة التطير، كان أحدهم إذا أراد
أن يقدم على عمل أو سفر، ذهب إلى الكعبة، فاستشار الأزلام الموجودة عند
الآلهة، وقد كان عند هبل المنصوب على بئر سبعة أزلام مكتوب فيها
مايتحاكمون فيه، مما أشكل عليهم، فما خرج منها رجعوا إليه.
قال ابن جرير الطبري: الأزلام عبارة عن قداح ثلاثة كتب على أحدها :
(افعل)) وعلى الآخر: ((لا تفعل)) وأغفل الثالث. فإذا أجالها (حركها) فطلع
سهم الأمر فعل، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد(١). ويفعل ذلك إذا
أراد سفراً أو غزواً أو زواجاً أو بيعاً أو نحو ذلك.
(١) تفسير الطبري: ٤٩/٦
L

٤٣٢
لُ (٦) - القائِدَة: ٣/٥
وأما المعنى المادي فهو اليانصيب اليوم الذي هو نوع من القمار، وهو
قداح الميسر، وعددها عشرة، سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة غُفْل. وكانت
تستعمل الأزلام بمثابة نوع من أنواع اللعب بالميسر في الجاهلية، كانوا
يشترون جزوراً نسيئة، وينحرونه قبل أن ييسروا، ويقسمونه ٢٨ قسماً أو
عشرة أقسام، فإذا خرج واحد باسم رجل، فاز صاحب الأقداح ذوات
الأنصباء، وغرم من خرج له الغُفْل.
فأنواع الأزلام ثلاثة: الأول - نوع مع الشخص وعدده ثلاثة: مكتوب
على واحد: افعل، والثاني لا تفعل، والثالث غفل. والنوع الثاني - سبعة قداح
واحدها قِدْح، وكانت عند هبل في جوف الكعبة، مكتوب عليها مايدور بين
الناس من النوازل. والنوع الثالث - قداح الميسر وعددها عشرة، سبعة منها
فيها حظوظ، وثلاثة غفل.
وكلا المعنيين نوع من الخرافة والوهم، والتخلف العقلي الذي يعوق تقدم
الأمة ويدعو إلى السير على غير هدى ولا بصيرة. ومثل ذلك معرفة الحظ
بواسطة المسبحة أو المصحف، أو أوراق الشدَّة أو الودع أو الفنجان، فكل
ذلك حرام منكر شرعاً، لا يجوز اللجوء إليه. وقد شرع الإسلام بديلاً شرعاً
هو صلاة الاستخارة ركعتين ثم الدعاء المأثور عقب الصلاة، وتسمية الأمر
المستخار له، وانتظار النتيجة من انشراح الصدر أو انقباضه، وتكرار الصلاة
مرات إذا لم ينكشف الحال.
وحديث الاستخارة رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن جابر
:
بن عبد الله قال: كان رسول الله لم يعلّمنا الاستخارة، كما يعلمنا سورة من
القرآن، فيقول: ((إذا هم أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم
ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك
العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم

٤٣٣
الجُزُ (٦) - المَائِدَة: ٣/٥
إن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسمي حاجته) خير لي في ديني ومعاشي وعاجل
أمري وآجله، فاقدُره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا
الأمر (ويسميه) شر لي في ديني ومعاشي وعاجل أمري وآجله، فاصرفه عني،
واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به)) قال: ويسمي حاجته.
﴿ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ أي كل المحرمات المذكورة فسق وخروج عن منهج الدِّين،
ورغبة عن شرع الله إلى معصيته، وتجاوز للمألوف من الحكمة والمعقول.
ولما حذّر الله المؤمنين من تعاطي المحرّمات المذكورة، حرّضهم على التمسك
بماشرعه لهم، وبشرهم بالغلبة بما يقوي عزيمتهم ويشجعهم، فنزل يوم عرفة
عام حجة الوداع: ﴿اَلْيَوْمَ بَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ﴾
إلخ الآية، اليوم: هو يوم عرفة عام حجة الوداع من السنة العاشرة للهجرة،
وكان يوم جمعة، وهو يوم نزول هذه الآية، يئس الكفار من إبطال دينكم
والتغلب عليكم، والرجوع إلى دينهم كفاراً، ويئس الشيطان أن يعبد في
أرضکم.
روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في هذه الآية فقال: يئس
أهل مكة أن ترجعوا إلى دينهم: وهو عبادة الأوثان أبداً.
وثبت في الصحيح أن رسول الله قال: ((إن الشيطان قد يئس أن يعبده
المصلّون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم)).
﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنٍ﴾ أي فلا تخافوهم في مخالفتكم إياهم، واخشوني
أي اتّقوني، أنصركم عليهم وأؤيدكم، وأجعلكم فوقهم في الدُّنيا والآخرة.
﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ اليوم أكملت لكم دينكم وهو الإسلام،
فأبنت لكم حلاله وحرامه وجميع الأحكام التي تحتاجون إليها، فصار كل شيء
واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، كاملاً غير منقوص.

٤٣٤
الُ (٦) - المَائِدَة: ٣/٥
﴿ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ أي منَّني، فلم يحجّ معكم مشرك أبداً، وفتحت
مكة، وتحقق الوعد، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وتحقق لكم النصر.
﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ مرضياً هو محل احتكام ومحاكمة الخلائق عليه
يوم القيامة: ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ اُلْإِسْلَِمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ اُلْآَخِرَةِ مِنَ
(٨٥) ﴾ [آل عمران: ٨٥/٣].
اُلْخَسْرِينَ
هذه بشارات ثلاث تحققت بهذه الآية، مكث بعدها النَّبي واحدةً وثمانين
ليلة ثم قُبض وتوفّاه الله.
قرأ ابن عباس هذه الآية: ﴿اُلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ﴾ فقال يهودي: لو نزلت هذه
الآية علينا، لاتخذنا يومها عيداً، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين
اثنين: يوم عيد ويوم جمعة. وروى مسلم والأئمة عن طارق بن شهاب قال:
جاء رجل من اليهود إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها
لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً؛ قال: وأي آية؟ قال:
﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه،
والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت على رسول الله بعرفة في يوم جمعة.
وليس المراد بإكمال الدِّين أنه كان ناقصاً قبل اليوم ثم أكمله، وإنما المراد
أن الأحكام صارت غير قابلة للنسخ، وأصبحت مؤبدة صالحة لكل زمان
ومكان، والمراد بالإكمال: إتمامه في نفسه وفي ظهوره، أما إتمامه في نفسه
فباشتماله على الفرائض والحلال والحرام، والتنصيص على أصول العقائد
وأسس التشريع وقوانين الاجتهاد، مثل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
[الإخلاص: ١/١١٢]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١/٤٢]، ﴿عَلِمُ
اُلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣/٦] (ومواضع أخرى)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠/١٦]، ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدتُّمْ﴾ [النحل: ١٦/
ج
٩١]، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِىِ الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩/٣]، ﴿وَجَزَّوُاْ سِيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾
[الشورى: ٤٠/٤٢]، ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤/٦] (ومواضع

٤٣٥
الُ (٦) - المَائِدَة: ٣/٥
أخرى)، ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاَلنَّقْوَى وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَاُلْعُدْوَنِ﴾ [المائدة:
٢/٥].
وأما إتمامه في ظهوره: فبإعلاء كلمته وتفوقه على كل الأديان، وتوافقه مع
المصالح العامة، وانسجامه مع التطور، ووسطيته وتوازن المصالح الخاصة
والعامة فيه.
ثم نصّ الله تعالى على حالة الضرورة التي هي استثناء من الأحكام العامة،
فذكر أن المحرمات السابقة حرام على جميع المسلمين في كل الأحوال، إلا
المضطر، الذي حمل قهراً على تناول شيء من الحرام، أو الضار، فمن اضطر
في حال مجاعة إلى أكل شيء مما ذكر من المحرمات، غير متجانف لإثم أي غير
مائل إلى حرام لذاته، ولا راغب في التمتع بما يوجب الإثم، فله أن يتناول
شيئاً منها ليدفع الضرورة والضرر وبقدر الضرورة، لا للتلذذ ولا لتجاوز
الحدود التي يحتاج إليها لسدّ الرّمق، فإن الله غفور لمثله يغفر لمتناول الحرام،
رحيم بخلقه حيث أباح لهم ما يدفع الضرر بما هو محرَّم.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّثْمٍ﴾ بمنزلة قوله في سورة البقرة: ﴿غَيْرَ
بَاغِ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣/٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى الأحكام الآتية:
اً - تحريم الميتة وما في حكمها (المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة،
وما أكل السبع منه، والمذبوحة على النصب: حجارة حول الكعبة، وما أهل
لغير الله به: ذكر اسم غير الله عليه).
٢ - حرمة الدّم ولحم الخنزير.
ءَ - إباحة البهيمة المذكاة، والتي أدركت وفيها حياة مستقرة فذبحت وهي
المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع منه وما أهل لغير الله به.

٤٣٦
الُعُ (٦) - القَائِدَة: ٣/٥
٤ - إباحة المحرمات المذكورة عند الاضطرار إليها لدفع الضرر.
٥ - الضرورة مقيّدة بقيدين: الأول - أن يقصد بالتناول دفع الضرر فقط.
والثاني - ألا يتجاوز ما يسدّ الرّمق؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها. فإن قصد
التّلذذ، أو تجاوز مقدار الضرورة وقع في الحرام.
والتذكية (الذبح الشرعي) تعمل في البهيمة الصحيحة والمريضة، فيجوز
تذكية المريضة ولوأشرفت على الموت إذا كان فيها بقية حياة.
ويرى الجمهور أن ذكاة الأم تؤثر في الجنين لما أخرجه الدارقطني من
حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعلي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم
عن النَّبي قال: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه))، وفي رواية أخرى: ((ذكاة الجنين ذكاة
أمّه، أشعر أو لم يشعر)).
ويرى أبو حنيفة: أنه إذا خرج الجنين من بطن أمه ميتاً، لم يحل أكله؛ لأن
ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين.
وأجمعوا على أن الجنين إذا خرج حيّاً أن ذكاة أمّه ليست بذكاة له.
وآلة الذكاة عند الجمهور: كل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم، فهو من آلات
الذكاة ما خلا السِّنّ والعظم، وعلى هذا تواترت الآثار. والسِّن والظفر المنهي
عنهما في التذكية: هما غير المنزوعين؛ لأن ذلك يصير خنقاً؛ فأما المنزوعان
فإذا فريا الأوداج فجائز الذكاة بهما. وحرم قوم (إبراهيم النخعي والحسن
البصري والليث بن سعد والشافعي) السّن والظفر والعظم على كل حال؛
منزوعة أو غير منزوعة.
أما المقطوع فمختلف فيه:
قال مالك: لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والوَدَجين.

٤٣٧
الُ (٦) - المائدة: ٣/٥
وقال الشافعي: يصح بقطع الخُلقوم والمري، ولا يحتاج إلى الودجين؛
لأنهما مجرى الطعام والشراب الذي لا يكون معهما حياة، وهو الغرض من
الموت.
ومالك وغيره كأبي حنيفة اعتبروا الموت على وجه يطيب معه اللحم،
ويفترق فيه الحلال - وهو اللحم - من الحرام الذي يخرج بقطع الأوداج،
وعليه يدلّ حديث رافع بن خديج في قوله المتفق على صحته فيما رواه
الجماعة: ((ما أنهر الدّم)) وهذا الرأي أوجه.
واختلفوا فيما إذا كان الذبح فوق الغَلْصَمَة (جوزة الحلق) وبقيت مع
البدن، فقال الشافعي: تؤكل؛ لأن المقصود قد حصل. وقال مالك: لا
تؤکل.
واختلفوا أيضاً فيمن رفع يده قبل تمام الذكاة ثم رجع على الفور، وأكمل
الذكاة فقيل: يجزئه، وقيل: لا يجزئه، والأول أصح؛ لأنه جرحها ثم ذكاها
بعدُ وحياتها مستجمعة فيها.
والمستحب أن يكون الذابح ممن تُرضي حاله ويطيق الذبح، سواء كان
ذكراً أو أنثى، بالغاً أو غير بالغ، مسلماً أو كتابيّاً، لكن ذبح المسلم أفضل من
ذبح الكتابي.
وما استوحش من الإنسي أو وقع في البئر، لا تكون ذكاته إلا بين الحلق
واللَّبة، على سنة الذبح، في رأي المالكية. وأجاز أبو حنيفة والشافعي ذبحه أو
طعنه في أي مكان من الجسم، لقوله فيما رواه الجماعة عن رافع بن خديج:
((إن لهذه الإبل أوابد (١) كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء، فافعلوا به
هكذا - وفي رواية - فكلوه)).
(١) الأوابد جمع آبدة: وهي التي قد توحشت ونفرت من الإنسي.

٤٣٨
الجُ (٦) - المثائِدَة: ٤/٥-٥
ويطلب الإحسان في الذّبح، للحديث المتقدم عن أبي يعلى فيما رواه أحمد
ومسلم والنسائي وابن ماجه: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء)) قال
المالكية: إحسان الذبح في البهائم: الرّفق بها؛ فلا يَصْرَعُها بعُنْف ولا يجرّها
من موضع إلى آخر، وإحداد الآلة، وإحضار نيّة الإباحة، والقُرْبة، وتوجيهها
إلى القبلة، والإجهاز(١)، وقطع الودجين والْخُلْقُوم، وإراحتها وتركها إلى أن
تبرد، والاعتراف لله بالمنّة، والشكر له بالنعمة، بأنه سخّر لنا ما لو شاء
لسلّطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرّمه علينا.
والاستقسام بالأزلام بأنواعه المختلفة حرام، وإذا قصد به طلب القَسْم
والنصيب فهو من أكل المال بالباطل. قال مجاهد: الأزلام: هي كِعاب(٢)
فارس والرّوم التي يتقامرون بها.
المطعومات الحلال والزّواج بالكتابيّات
يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّبَتُّ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكِبِينَ
تُعلُِّونَهُنَّ مِمَّا عَلََّكُمُ اللَّهُ فَكُوْ مِمَّا أَمَسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَأَذَّكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيَّةٍ وَأَنَّقُواْ الَهَّ إِنَّ
اُلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَثُّ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ لَكُ
اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَامِ
٤
وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّْ وَالْمُحْصَنَكُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن
قَبْلِكُمْ إِذَاَ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ وَمَنْ
٥
يَكْفُرْ بِالْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ اْخَسِنَ
القراءات:
﴿ وَالْمُحْصَنَتُ﴾ :
(١) أجهزت على الجريح: إذا أسرعت قتله وقد تممت عليه.
(٢) الكعاب جمع كعب: وهو فصّ كفصّ الفرد.
٦٠

٤٣٩
الُ (٦) - المَائِدَة: ٤/٥-٥
وقرأ الكسائي (المحصِنات).
الإعراب:
﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ مرفوع نائب فاعل عطفاً على ﴿الطَّيِّبَتُ﴾ لفعل أُحلّ.
﴿ مُكِِّينَ﴾ منصوب على الحال من التاء والميم في ﴿عَلَّمْتُم﴾.
مُحْصِنِينَ﴾ حال من ضمير ﴿ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ المرفوع. ومثله ﴿غَيْرَ
مُسَفِحِينَ﴾. ومثله: ﴿وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ﴾ وهو معطوف على ﴿غَيْرَ
مُسَفِحِينَ﴾ لا على ﴿مُحْصِنِينَ﴾ لدخول ﴿وَلَا﴾ معه تأكيداً للنفي المتقدم، ولا
نفي مع ﴿مُخْصِنِينَ﴾. ويجوز أن يجعل ﴿غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ﴾
وصفاً لمحصنين أو حالاً من الضمير فيه.
﴿ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِنَ﴾ ﴿فِ الْآَخِرَةِ﴾: يتعلق بفعل مقدر، دلّ عليه
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْخَسِينَ﴾ وتقديره: وهو خاسر في الآخرة. وإنما وجب هذا
التقدير؛ لأن الألف واللام في ﴿الْخَسِرِينَ﴾ بمعنى الذين، وما وقع في صلة
الذين لا يعمل فيما قبلها، فإن جعلت الألف واللام لا بمعنى الذين جاز أن
يكون ﴿اُلْخَسِنَ﴾ عاملاً فيه.
البلاغة:
﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ﴾ أطلق العام وأراد به الخاص وهو الذبائح.
﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ﴾ بينهما طباق؛ لأن الإحصان هنا العفّة،
والسفاح: الزنى.
المفردات اللغوية:
﴿يَسْتَلُونَكَ﴾ يا محمد ﴿مَاذَا أُحِلَّ لَمْ﴾ من الطعام. ﴿الطَِّّبَتُ﴾ المستلذات

٤٤٠
الجُرُ (٦) - المَائِدَة: ٤/٥-٥
التي هي من غير الخبائث، وهي كل ما لم يأتِ تحريمه في كتاب أو سنّة أو قياس
مجتهد. ﴿الْجَوَارِجِ﴾ الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر
والعقاب والصقر والبازي والشاهين، واحدها جارحة، من الْجُرح بمعنى
الكسب، قال تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِلنَّهَارِ﴾ أي ما كسبتم. ﴿مُكَلِِّينَ﴾
من التكليب، وهو تعليم الكلاب وإرسالها على الصيد، ثم استعمل في تعليم
الجوارح مطلقاً، فالمكلب: مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها
ورائضها بأنواع الحيل وطرق التأديب والتثقيف. ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ تؤدبونهن. ﴿مِمَّا
عَلََّكُمُ اللهُ﴾ من آداب الصيد. ﴿فَكُلُواْ مِّ أَمْسَكْنَ عَلَيَّكُمْ﴾ بأن قتلن، إن لم
يأكلن منه، بخلاف غير المعلمة فلا يحلّ صيدها، وعلامة المعلّمة: أن تسترسل
إذا أُرسلت، وتنزجر إذا زجرت، وتمسك الصيد ولا تأكل منه، وأقلّ ما
يعرف به ذلك ثلاث مرات، فإن أكلت منه، فليس مما أمسكن على صاحبها ،
فلا يحلّ أكله، كما في حديث الصحيحين، وفي هذا الحديث: أن صيد السهم
إذا أرسل وذكر اسم الله عليه كصيد المعلّم من الجوارح واذكروا اسم الله عليه
عند إرساله.
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ أي ذبائح اليهود والنصارى. ﴿حِلّ﴾ حلال.
﴿ وَالْمُحْصَنَتُ﴾ هنا الحرائر، وقيل: العفيفات عن الزنى. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهنّ.
﴿ يُخْصِنِينَ﴾ أعِفَّاء عن الزنى. ﴿غَيْرَ مُسَفِحِينَ﴾ معلنين بالزنى بهنّ أو مجاهرين
بالزنى . ﴿مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ﴾ مسرِّيْن بالزنى، والْخِدْن: الصديق ذكراً أو أُنثى.
﴿وَمَن يَكْفُرَ بِلْإِيَنِ﴾ أي يرتدّ. ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُ﴾ الصالح قبل ذلك، فلا
يعتدّ به ولا يُثاب عليه، والمعنى: بطل ثواب عمله . ﴿مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ إذا مات
علیه.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير الطبري من طريق الشعبي: أن عدي بن حاتم الطائي قال: