النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ لُ (٦) - المَشَكَّةِ: ١٦٣/٤-١٦٦ الأنبياء المتقدمين، فهو ليس بدعاً من الرسل، ولوآمنوا بالرسل حقيقة لآمنوا بالنبي محمد ◌َّ، فالوحي جنس واحد لم يتغير، وفي كتبهم البشارةبه ووصفه. والوحي: إعلام من الله نبياً أو رسولاً كلاماً أو معنى بطريقة تفيده العلم اليقيني القاطع بما أعلمه الله به. أو هو كما قال الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد: عرفان يجده الشخص من نفسه، مع اليقين بأنه من قِبَل الله بواسطة أو بغير واسطة. ونموذج الوحي واحد: إلى نوح وبدأ به؛ لأنه أقدم الأنبياء وأول نبي شرعت على لسانه الشرائع، ثم إلى من بعده من النبيين: وهم إبراهيم أبو الأنبياء وخليل الله، وإسماعيل ابنه الأكبر وأبو العرب وجد المصطفى عليه الصلاة والسلام ومات بمكة، وإسحاق وهو ابن إبراهيم وأبو يعقوب المسمى إسرائيل، وإليه تنسب اليهود ومات بالشام، ثم لوط وإبراهيم عمه، ثم يعقوب، ثم الأسباط أولاد يعقوب العشرة، وحفيداه ابنا يوسف، فيصبح مجموعهم اثني عشر سبطاً، والأسباط في بني إسرائيل من نسل إسحاق کالقبائل في ولد إسماعيل. ثم إلى موسى وهارون وأيوب وداود وسليمان بن داود ویونس، وقدم عيسى ابن مريم على هؤلاء؛ لأن اليهود طعنوا به، والواو لا تقتضي الترتيب، وخص هؤلاء الأنبياء بالذكر لشرفهم وكرامتهم على الله. وآتى الله داود زبوراً، والزبور: هو الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود عليه السلام. وكان مئة وخمسين سورة ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام، وإنما هي حِكَم ومواعظ. وكان داود عليه السلام حسن الصوت؛ فإذا أخذ في قراءة الزبور اجتمع إليه الإنس والجنّ والطير والوحش لحسن صوته، وكان متواضعاً يأكل من عمل يده، وكان يصنع الدروع(١). · (١) تفسير القرطبي: ٦٠/ ١٧ ٣٨٢ لِزُ (٦) - الشَّاءِ: ١٦٣/٤-١٦٦ وأرسلناك يا محمد كما أرسلنا رسلاً غير هؤلاء، منهم من قصصنا عليك قبل تنزيل هذه السورة، ذكروا في السور المكية، كما قال تعالى في سورة الأنعام عن إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ كُلَّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُّوُبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ وَزَّكَرِيَّا وَيَحْنَى وَعِيسَى وَإِلَيَاسِّ كُلٌّ مِّنَ اُلْصَِّحِينَ ٨٤ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ ٨٥ [الأنعام: ٨٤/٦-٨٦]. ٨٦ ومجموع الأنبياء الذين نص القرآن على أسمائهم خمسة وعشرون، وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ویونس، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد. وأجمع السور لقصص الأنبياء: هود والشعراء. وهناك رسل آخرون لم نقصصهم عليك، لم يذكروا في القرآن؛ لأن أممهم مجهولة، وفي ذكر غيرهم فائدة أجدى، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمٍَّ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦/١٦] وقال تعالى أيضاً: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤/٣٥]. والقصد من إيراد قصص الأنبياء العظة والتثبيت والذكرى كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِىِ الْأَلْبَبِّ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف: ١١١/١٢] وقال سبحانه أيضاً: ﴿وَكُلَّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَثْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ، فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِى هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (9) [هود: ١٢٠/١١]. والمشهور في عدد الأنبياء والمرسلين حديث أبي ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه رحمه الله في تفسيره، حيث قال أبو ذر: قلت: يارسول الله، كم الأنبياء؟ قال: (( مئة ألف وأربعة وعشرون ألفاً)) قلت: يارسول الله، كم ٣٨٣ الُعُ (٦) - النَشَاءِ: ١٦٣/٤-١٦٦ الرسل منهم؟ قال: ((ثلاث مئة وثلاثة عشر، جمّ غفير)) قلت: يارسول الله، من كان أولهم؟ قال: آدم قلت: يارسول الله، نبي مرسل؟ قال: (( نعم خلقه الله بیده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم سواه قبلاً )) ثم قال: (( يا أبا ذر، أربعة سریانيون: آدم، وشيت، ونوح، وأَخْنُوخ وهو إدريس، وهو أول من خط بالقلم، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك ياأبا ذر، وأول نبي من بني إسرائيل: موسى، وآخرهم عيسى، وأول النبيين: آدم وآخرهم نبيك)) ورواه أيضاً أبو حاتم بن حبان البستي في كتابه (الأنواع والتقاسيم) وقد وسمه بالصحة (١). ثم ذكر الله تعالى مزية لموسى عليه السلام وهي أنه كليم الله خصه الله بهذه المزية؛ لأن قومه هم المقصودون بالحديث: ﴿وَكَلَّمَ اُللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤/٤] أي تكليماً صحيحاً حقيقياً بلا واسطة، والتكليم للأنبياء يسمى وحياً، كما قال تعالى: ﴿﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَادٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىُّ حَكِيمٌ (4)) [الشورى: ٥١/٤٢] والحكمة في الحجاب: توجيه الاهتمام والانتباه إلى شيء واحد، والرسول الذي يوحي بإذن الله ما يشاء: هو جبريل ملك الوحي، المعبر عنه بالروح الأمين. وليس لنا أن نبحث عن كيفية الحديث وهل كان مشافهة أو لا؟ فالله أعلم بذلك. ثم ذكر تعالى الحكمة من إرسال الرسل وهي إقامة الحجة على الناس، وتبيان طريقة الهداية الأسلم؛ إذ لو لم يرسلوا لاحتج البشر بجهلهم ما يجب عليهم من الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَّبِعَ ءَايَلِكَ مِن قَبْلِ أَنْ نَّذِلَّ وَنَخْرَى ( ١٢)﴾ [طه: ١٣٤/٢٠] وقال عز وجل: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥/١٧] فكان إرسال الرسل وإنزال الكتب لئلا يبقى لمعتذر عذر. (١) تفسير ابن كثير: ٥٨٥/١ وما بعدها. ٣٨٤ الجُزْءُ (٦) - النَشَكّاء: ١٦٣/٤-١٦٦ ومهمة الرسل: أنهم يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب. وكان الله عزيزاً لا يغلبه أحد، حكيماً في صنعه وجميع أفعاله، فلا يبقى لأحد اعتراض. ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَ له: ((لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها ومابطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين ((وفي لفظ آخر:)) من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه)). ولما تضمنت الآية المتقدمة: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣/٤] إثبات نبوته وَله، والرد على من أنكر ذلك من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى: ﴿لَِّنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنَزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦/٤] فهو استدراك لما علم من السياق من إنكار اليهود والمشركين وغيرهم نبوة النبي، وعدم شهادتهم برسالته، ومضمونه أن الله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العظيم، الذي ﴿لَا يَأْنِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢/٤١] وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك. ثم أكد تعالى شهادته بقوله: ﴿أَنَزَلَةُ بِعِلْمِةٍ،﴾ أي فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يعلمه الله به، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَآءٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥/٢]. والملائكة يشهدون بذلك أيضاً، أي بصدق ماجاءك وأوحي إليك، وأنزل عليك، مع شهادة الله تعالى بذلك ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على ما شهد به لك، ٣٨٥ لُعُ (٦) - الشتاء: ١٦٣/٤-١٦٦ حيث أقام الدليل، وأوضح السبيل، فشهادته أصدق وأوقع: ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَدَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩/٦]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أن الوحي جنس واحد، فمن آمن بالنبوات أو آمن بنبي، وجب عليه الإيمان بباقي الأنبياء . : وأول الأنبياء الذي أتى بتشريع هو نوح، وقيل: إدريس أول نبي بعثه الله في الأرض، ثم انقطعت الرسل، حتى بعث الله نوحاً، ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله إبراهيم نبياً واتخذه خليلاً، ثم بعث إسماعيل بن إبراهيم، ثم إسحاق بن إبراهيم، ثم لوطاً ابن أخي إبراهيم، ثم يعقوب وهو إسرائيل بن إسحاق، ثم يوسف بن يعقوب، ثم شعيب بن يَوْبَب، ثم هود بن عبد الله، ثم صالح بن أسف، ثم موسى وهارون ابنا عمران، ثم أيوب، ثم الخضر وهو خضرون، ثم داود بن إيشا، ثم سليمان بن داود، ثم يونس بن متى، ثم إلياس، ثم ذا الكفل، واسمه: عويدنا من سِبط يهوذا بن يعقوب، ثم موسى ثم عيسى، ثم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عليهم صلوات الله وسلامه. وبين موسى بن عمران ومريم بنت عمران أم عيسى ألف وسبع مئة سنة، وليسا من سبط واحد. وفي هذه الآية تنبيه على قدر نبينا وشرفه، حيث قدمه في الذكر بقوله: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ على بقية الأنبياء. والكتب المنزلة على الأنبياء أربعة هي: الزبور على داود، والتوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والقرآن على محمد عليهم السلام. وموسى هو کلیم الله. والأنبياء آلاف كثيرة والرسل مئات كما سبق، منهم من ذكر اسمه وقصته في القرآن وهم خمسة وعشرون نبياً، ومنهم من لم يذكر. ٣٨٦ الجُرُ (٦) - النِشَكَاءِ: ٤ /١٦٧ - ١٧٠ ومهمة الرسل التبشير والإنذار، والحكمة من إرسالهم هداية الناس إلى الحق والخير والصراط المستقيم. والله تعالى وملائكته شهدوا بصدق رسالة النبي محمد، والله يعلم أنه أهل لإنزال القرآن عليه، ودلت الآية: ﴿أَنَزَلَهُ بِعِلْمِةٍ،﴾ على أنه تعالى عالم بكل علم، وكفى الله شاهداً. ضلال الكافرين وجزاؤهم ودعوة الناس إلى الإيمان بالرسول ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُواْ ضَلَلا بَعِيدًا (٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمَّ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اَلَهِ يَسِيرًا ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَامِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ١٧٠ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيًّا حَكِيمًا الإعراب: (خَلِدِينَ فِهَا﴾ منصوب على الحال، والعامل فيها: يهديهم، ومعناه: ما يهديهم إلا طريق جهنم في حال خلودهم . ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي مصحوباً بالحق وهو القرآن، وقيل: الباء للتعدية، أي جاءكم ومعه الحق؛ فهو في موضع الحال. ﴿فَامِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ﴾: خيراً: إما منصوب بفعل مقدر دل عليه ﴿فَامِنُواْ﴾ فهو يدل على إخراجهم من أمر وإدخالهم فيما هو خير لهم، فكأنه قال: ائتوا خيراً لكم. وكذلك قوله تعالى فيما بعد: ﴿أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ﴾ أو منصوب؛ لأنه صفة لمصدر محذوف وتقديره: فآمنوا إيماناً خيراً لكم؛ أو منصوب؛ لأنه خبر (يكن) المقدرة، وتقديره: فآمنوا يكن خيراً لكم. ٣٨٧ الُعُ (٦) - الْتَشَاءِ: ١٦٧/٤ - ١٧٠ المفردات اللغوية: ﴿ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي منعوهم من دين الإسلام بكتمهم نعت محمد بََّ، وهم اليهود ﴿قَدّ ضَلُّواْ﴾ لم يهتدوا إلى الحق ﴿كَفَرُواْ﴾ بالله ﴿وَظَلَمُواْ﴾ نبيه بكتمان نعته ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ أي الطريق المؤدي إليها ﴿يَسِيرًا﴾ هيناً ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أي أهل مكة ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾ محمد وَه ﴿خَيْرًّا لَّكُمْ﴾ أي آمنوا به واقصدوا خيراً لكم مما أنتم فيه ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى اُلسَمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً، فلا يضره كفركم ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه ﴿ حکِيمًا﴾ في صنعه بهم. المناسبة: أثبت الحق تعالى في الآيات السابقة نبوة محمد بشهادته له بما أنزل عليه، ثم أنذر في هذه الآيات من يكفر به، وقد ذكر فيها صفات اليهود الذين تقدم ذكرهم، وهي أنهم كفروا بمحمد وبالقرآن، وصدوا غيرهم عن سبيل الله. التفسير والبيان: إن الذين كفروا بالله وبرسوله وبالقرآن، وصدوا غيرهم عن دين الإسلام واتباع النبي محمد والاقتداء به، بإلقاء الشبهات في قلوبهم، نحو قولهم: لو كان رسولاً لأتى بكتابه دفعة واحدة من السماء، كما نزلت التوراة على موسى، وقولهم: إن الله تعالى ذكر في التوراة أن شريعة موسى لا تبدل ولا تنسخ إلى يوم القيامة، وقولهم: إن الأنبياء لا يكونون إلا من ولد هارون وداود .. هؤلاء وهم اليهود قد ضلوا ضلالاً بعيداً أي خرجوا عن الحق والصواب وبعدوا عنه بعداً عظيماً شاسعاً. ثم أعلن الله تعالى حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه، وهو أنه لا ٣٨٨ لُزُ (٦) - الِشَّةِ: ١٦٧/٤-١٧٠ يغفر لهم، ولا يهديهم طريقاً إلى الخير، ولا يوفقهم بعدئذ إلى صواب، وليس من شأنه أن يوصلهم إلا إلى الجزاء على أعمالهم وهو طريق جهنم. وقوله: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ استثناء منقطع، فهي طريق الكافرين الظالمين. ومصيرهم في جهنم هو الخلود فيها، أي البقاء فيها على حال واحدة لا تغيير فيها ولا فناء، وهو خلود أبدي، والأبد: الزمن الممتد، والله أعلم باستمراره بما يتناسب مع أعمالهم، وكان ذلك الجزاء سهلاً على الله دون غيره؛ لأنه القادر على كل شيء، الواحد القهار، يفعل بما تقتضيه الحكمة والعدل. وفي هذا تحقير لشأنهم. وبعد أن أجاب تعالى عن شبهة اليهود، وفنَّد حجتهم، وبيَّن فساد طريقتهم، خاطب جميع الناس خطاباً يأمرهم فيه الانصياع لدعوة محمد، والإيمان برسالته. فهذا الرسول قد جاءكم بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من الله عز وجل، فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه، يكن الإيمان خيراً لكم؛ لأنه يزكيكم ويطهركم من الأدناس والأرجاس، ويرشدكم لما فيه السعادة في الدنيا والآخرة، والحق الذي أتى به من ربه: هو القرآن المعجز، والدعوة إلى عبادة الله والإعراض عن غيره. ثم هدد الحق تعالى وأنذر أنه إن تكفروا فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم وقادر على عقابكم، ولا يتضرر بكفرانكم، فإن له جميع ما في السماوات والأرض مِلْكاً وخلقاً وعبيداً، أي جميع ما في الكون مملوك لله، وهو الذي خلقهم، وكلهم عبيد له خاضعون لحكمه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدُ (جَ﴾ [إبراهيم: ٨/١٤] وقال هاهنا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه ولا يخفى عليه شيء من أعمال عباده ﴿حَكِيمًا﴾ في ٣٨٩ الُ (٦) - الْتَشَاءِ: ١٦٧/٤ -١٧٠ أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، ولا يضيع عمل عامل منهم، ولا يسوي بين المؤمن والكافر والمسيء والمحسن، لقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ﴾ [ص: ٢٨/٣٨]. ٢٨ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارٍ فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى مايأتي: اً - اليهود وغيرهم ممن كفر بالإسلام بعيدون عن الحق والصواب جداً؛ لأنهم كفروا بالله وبرسوله وبالقرآن، ومع ذلك منعوا الناس من الإسلام. أَّ - عقاب الكافرين الظالمين: الخلود في نار جهنم، وعدم المغفرة لهم، وإبعادهم عن طريق الهداية الربانية بظلمهم وبكفرهم وعنادهم، فهم ظلموا محمداً بكتمان نعته، وظلموا أنفسهم إذ كفروا، وظلموا الناس إذ كتموهم ومنعوهم عن دين الإسلام. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ هو فيمن يموت على كفره ولم يتب. ◌َّ - دعوة الإسلام هي دعوة الحق من الله، فهي الدين الحق المشتملة على شهادة أن لا إله إلا الله، المؤيدة بالقرآن المعجز، الداعية إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والإعراض عما سواه، والعقل يدل على أن هذا هو الحق، مما يدل على أن محمداً جاء بالحق من ربه. ٣٩٠ لُعُ (٦) - النِّسَاءِ: ١٧١/٤-١٧٣ المسيح عيسى ابن مريم في القرآن (يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِّنْهُ فَامِنُواْ بِلَلَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَهُ أَنتَهُواْ خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَحِدٌ سُبْحَانَهُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ, وَلٌَّ لَّهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴿ لَّنْ يَسْتَنَكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَبِكَةُ الْقُرَبُونَّ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ﴿٣) فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُوَفِّيْهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ أُسْتَنْكَفُواْ وَاُسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ٧٣ الإعراب: ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَلَاثَةٌ﴾: ثلاثة: خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة. ﴿سُبْحَنَهُ: أَنْ يَكُونَ﴾ أن المصدرية وصلتها: في موضع نصب لحذف حرف الجر وتقديره: سبحانه عن أن یکون له والد، ومن أن یکون له ولد. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: من أن يكون عبداً لله. البلاغة: ﴿يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ﴾ أطلق العام وأريد به الخاص وهم النصارى بدليل قوله بعده: ولا تقولوا ثلاثة وهو قول النصارى. ٣٩١ الُ (٦) - النِّسَاءِ: ١٧١/٤-١٧٣ ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ فيه قصر موصوف على صفة. ﴿ وَرُوحٌ مِنَةٌ﴾: ﴿مِّنْهٌ﴾: كما تأتي للتبعيض تأتي لابتداء الغاية، كما هنا، مثل قوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرَضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ٤٥ /١٣]. المفردات اللغوية: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾ أي الإنجيل والمراد بهم هنا النصارى ﴿لَا تَغْلُواْ﴾ لا تتجاوزوا الحد بالتفريط أو الإفراط ﴿إِلَّا الْحَقَّ﴾ أي إلا القول الحق من تنزيه عن الشريك والولد ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَ﴾ المراد أنه حدث بكلمة ﴿ كُن﴾ التكوينية، لا بمادة أخرى كغيره من الناس، وأوصلها الله إلى مريم . ﴿وَرُوٌ مِّنْهُ﴾ أي ذو روح من الله تعالى أي وجد بنفخ من روح الله وهو جبريل، وأضيف إليه تعالى تشريفاً له، وليس كما زعمتم: ابن الله، أو إلهاً معه، أو ثالث ثلاثة؛ لأن ذا الروح مركب، والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه . ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَثَهُ﴾ أي ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة: الله وعيسى وأمه ﴿أَنتَهُواْ﴾ عن ذلك خيراً وأتوا ﴿خَيْرًا﴾ لكم منه وهو التوحيد ﴿سُبْحَنَهُ﴾ تنزيهاً له عن الولد. ﴿لَّهُ مَا فِىِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضُِ﴾ خلقاً وملكاً وعبيداً، والملكية تنافي البنوة. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ شهيداً على ذلك. ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ يتكبر ويأنف ﴿وَيَسْتَكِْ﴾ يجعل نفسه كبيرة غروراً منه وإعجاباً بها ﴿فَيُوَفِّيْهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ثواب أعمالهم ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ،﴾ أي يزيدهم مالاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ مؤلماً هو عذاب النار ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره ﴿وَلِيًّا﴾ يدفعه عنهم ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يمنعهم منه. المناسبة: لما أجاب تعالى عن شبهات اليهود وألزمهم الطريق الأقوم، أردف ذلك بمحاجة النصارى، وألزمهم الرأي الحق في عيسى ابن مريم. ٣٩٢ لُ (٦) - النِشَكّاءِ: ١٧١/٤ -١٧٣ التفسير والبيان: ينهى الله تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، فإن النصارى تجاوزوا الحد في عيسى حتى ألهوه، فنقلوه من منزلة النبوة إلى اتخاذه إلهاً من دون الله، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقاً أو باطلاً. وكذلك اليهود غَلَوْا في تحقير عيسى وإهانته وكفروا به. والمطلوب هو التوسط بين الأمرين، فلا إفراط بتعظيم عيسى وتقديسه، ولا تفريط بتحقيره. يا أهل الكتاب لا تتجاوزوا حدود الله بالزيادة أو النقص في الدين، ولا تعتقدوا إلا بالحق الثابت بنص ديني متواتر أو برهان عقلي قاطع، وإياكم مازعمتم من دعوى الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد، ولا تكفروا بعيسى وتبهتوا أمه، وتحتقروه وتهينوه، كما فعلت اليهود، ولا تتغالوا في تعظيم عيسى وتقديسه، حتى تجعلوه إلهاً أو ابن الله، كما زعمت النصارى. إنما المسيح عيسى ابن مريم البتول الطاهرة القديسة، رسول الله إلى بني إسرائيل، أمرهم بأن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن الشرك والتثليث، وحثهم على التقوى، وزهّدهم في الدنيا، وبشرهم بخاتم النبيين والمرسلين، كما حكى القرآن عنه: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُنْ أَخْمَدٌ [الصف: ٦/٦١]. وهو مكون بكلمة كن التكوينية من غير أب: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ ـ: ٨٢/٣٦] ﴿إِذَا قَضَىَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ ٨٢ يَقُولَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧/٣]. فكما أن الله قادر على أن يخلق بشراً من غير أب ولا أم وهو آدم عليه السلام، أو من غير أم وإنما من أب فقط وهو حواء، أو بسبب ظاهر معتاد من أب وأم، قادر على أن يخلق إنساناً من غير أب وهو عيسى عليه السلام: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَآدَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ ﴾ [آل عمران: ٥٩/٣] وأخبر الله تعالى عن بشرية عيسى قَالَ لَمُ كُنْ فَيَكُونُ ٣٩٣ لِلُعُ (٦) - النِشَاءِ: ١٧١/٤-١٧٣ وعبوديته لله تعالى فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَنِىّ ﴾ [الزخرف: ٥٩/٤٣] والمادة أو الطبيعة بنفسها مخلوقة عاجزة عن ٥٩ إِسْرَءِيلَ خلق غيرها، فإن الأصل الأول للأشياء المخلوقة كلها هو الله تعالى. وهو مؤيد أيضاً بروح كائنة من الله تعالى، لا جزءاً ولا بعضاً منه، كما فهم المسيحيون، وإلا لكان كل بشر مخلوق بنفخ الروح من الله من طريق الملَك بعضاً من الله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣/٤٥] أي من الله. وتأييده بالروح الأمين ثابت بقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧/٢] ووصف الله المؤمنين أيضاً بتأييدهم بروح من الله فقال: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوجٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢/٥٨]. قال مجاهد: ﴿بِرُوجِ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢/٥٨] أي ورسول منه، أي أنه مخلوق من روح مخلوقة. وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣/٧] وفي قوله: ﴿ وَطَهِّرُ بَيْتِىَ لِلطَِّفِينَ﴾ [الحج: ٢٦/٢٢] وكما روي في الحديث الصحيح: ((فأدخل على ربي في داره)) أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد، ومط واحد. وإذا كان الخلق الحقيقي لله تعالى لعيسى وغيره، فآمنوا بالله الواحد الأحد، وصدقوا بأن الله واحد أحد، لا ولد له ولا صاحبة، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله، وآمنوا إيماناً لائقاً بكل الرسل دون تفرقة وهو أنهم عبيد الله لهم مهام فوضهم الله بها، ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة: الآب والابن والروح القدس، أو الله ثلاثة أقانيم كل منها عين الآخر، وكل منها إله كامل، ومجموعها إله واحد، ولا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ففي هذا ترك للتوحيد الخالص الذي جاءت به المسيحية في أصلها الصحيح، وهو المبدأ الذي دعا إليه عيسى ومن قبله إبراهيم وسائر الأنبياء، ولا يعقل الجمع بين التثليث والتوحيد، فهو تناقض ترفضه ٣٩٤ الزرعُ (٦) - النِّشَاءِ: ١٧١/٤-١٧٣ بداءة العقول، لذا ندد الله تعالى بالقائلين بالتثليث فقال: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣/٥] وقال في آخر المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَنِعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ المَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَّهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦/٥] وقال في أول المائدة: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧/٥]. ﴿أَنْتَهُواْ﴾ أيها النصارى عن القول بالتثليث، وقولوا قولاً آخر يكن خيراً لكم منه وهو التوحيد الخالص الذي دعا إليه جميع الأنبياء والمرسلين ومنهم عیسى. ﴿إِنََّا اللَّهُ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ بالذات، منزه عن التعدد، ليس له أجزاء أو أقانیم، ولا هو مرکب من أجزاء، سبحانه، أي إنه منزه عن أن یکون له ولد أو شريك، كما قلتم في المسيح: إنه ابنه أو هو عينه، فإن أردتم الابن الحقيقي فهذا محال على الله تعالى؛ لأنه يقتضي كونه أباً أو زوجاً، وإن أردتم الابن المجازي فلا يختص ذلك بعيسى. ليس لله ولد حقيقة، بل له كل ما في السماوات وما في الأرض، أي الجميع ملکه وخلقه وجمیع مافيهما عبيده، وهم تحت تدبيره وتصریفه، وهو و کیل علی كل شيء، والمسيح من جملة مخلوقاته، فكيف يكون له منهم صاحبة وولد؛ لأن الملكية تنافي البنوة، كما قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَنْ فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا (45)﴾ [مريم: ٩٣/١٩] وقال: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَ يَكُونُ لَهُ، وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١/٦]. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي شهيداً على ذلك، وقال الرازي: والمعنى أن الله سبحانه كاف في تدبير المخلوقات، وفي حفظ المحدثات، فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر (١). (١) تفسير الرازي: ١١٧/١١ ٣٩٥ المُرُ (٦) - التِشَاءِ: ١٧١/٤-١٧٣ ﴿أَّنْ يَسْتَنْكِفَ﴾، أي لن يتكبر أو يأنف المسيح عن عبادة الله وحده، أو عن أن يكون عبداً لله، لعلمه بعظمة الله وما يستحقه من العبودية والشكر، وكذلك الملائكة المقربون لن يترفعوا عن أن يكون أحدهم عبداً لله. ومن يستنكف أو يترفع عن عبادته تعالى وحده، ويدعي الإشراك أو التثليث، فسيحشرهم إليه جميعاً للجزاء، ويجازيهم ويحاسبهم على أعمالهم، أي فيجمعهم إليه يوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا جور فيه ولا حيف. فأما المؤمنون بالله الذين يعملون الأعمال الصالحة، فيعطيهم أجورهم وثواب أعمالهم كاملة غير منقوصة، أي يعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة، ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه. وأما الذين استنكفوا وتكبروا أي امتنعوا من طاعة الله وعبادته فيعذبهم عذاباً مؤلماً في الدنيا والآخرة حسبما يستحقون، ولا يجدون لهم من غير الله تعالى ولياً يلي أمورهم ويدبر مصالحهم، ولا مناصراً ينصرهم من بأس الله ويرفع عنهم العذاب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠/٤٠] أي صاغرين حقيرين ذليلين، كما كانوا ممتنعين مستكبرين. فقه الحياة أو الأحكام: في الآيات دلالات على أحكام جوهرية في العقيدة هي: اً - التغالي في الأمور ممنوع شرعاً، فقد تغالى اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم، وتغالى النصارى فيه حتى جعلوه رباً، وأول عبارة في الإنجيل هي: ((هذا كتاب إلهنا وربنا يسوع المسيح)) فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر، ولذا ورد ٣٩٦ الْجُرُ (٦) - النَّسَاءِ: ١٧١/٤-١٧٣ في صحيح البخاري عنه عليه الصلاة والسلام: ((لا تُطروني(١) كما أطرتِ النصارى عيسى، وقولوا: عبدُ الله ورسوله)». أَ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتْهُ﴾ فيه إشارة إلى ثلاثة أحكام: الأول - قوله: ﴿عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ﴾ دل على أن من كان منسوباً بوالدته كيف يكون إلهاً، وحق الإله أن يكون قديماً لا محدثاً. الثاني - لم يذكر الله عزّ وجلّ امرأة وسماها باسمها في كتابه إلا مريم ابنة عمران، فإنه ذكر اسمها في نحو من ثلاثين موضعاً لحكمة: هي ترسيخ صفة العبودية لها، ومجاراة عادة العرب في ذكر الإماء بأسمائهن، أما الحرائر فكانوا يصونون أسماءهنّ عن الذكر والتصريح بها، لئلا تبتذل أسماؤهنّ. الثالث - اعتقاد أن عيسى عليه السلام لا أب له واجب، فإذا تكرر اسمه منسوباً للأم استشعرت القلوب نفي الأب عنه، وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود وقذفهم ها بالزنى. ◌َّ - كان لعيسى أربعة أسماء: المسيح، وعيسى، وكلمةٌ، وروحٌ. والمراد بالكلمة: أنه وجد بكلمة ﴿ كُن﴾ التكوينية، فكان بشراً من غير أب. والمراد بقوله ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾: أنه وجد بنفخة جبريل عليه السّلام، ويسمى النفخ في كلام العرب روحاً؛ فإن الروح والريح متقاربان، والنفخ ريح يخرج من الروح. والمراد من قوله ﴿مِّنْهُ﴾ التشريف والتفضيل، لا أنه جزء أو بعض من الله، فكل الخلائق من روح الله، كما يقال: هذه نعمة من الله، والمراد كون تلك النعمة كاملة شريفة. ويقال: هذا روح من الله أي من خلقه. (١) الإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. ٣٩٧ لُ (٦) - الْتَشَكّةِ: ١٧١/٤-١٧٣ وقد وقع النصارى في الخطأ والضلال حينما قالوا: عيسى جزء من الله؛ لأنه روح من الله. ٤ - الإيمان بأن الله إله واحد خالق المسيح ومرسله، وبأن الرّسل ومنهم عيسى عبيد الله: هو الواجب الذي لا محيد عنه، وهو الحق الذي تقبله العقول. الرشيدة، فلا يصح جعل عيسى إلهاً. ٥ - يحرم القول بتعدد الآلهة أو بأن الآلهة ثلاثة، قال ابن عباس: يريد بالتثليث: الله تعالى وصاحبته وابنه. والنصارى مجمعون على التثليث ويقولون: إن الله جوهر واحد، وله ثلاثة أقانيم، فيجعلون كل أُقنوم إلهاً، ويعنون بالأقانيم: الوجود والحياة والعلم. والسائد أنهم يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس، فيعنون بالأب: الوجود، وبالروح: الحياة، وبالابن: المسيح. ومحصول كلامهم كما تقدّم يؤول إلى القول بأن عيسى إله، بسبب ما كان يظهر على يديه من المعجزات وخوارق العادات، وذلك خارج عن مقدور البشر، فيكون المقتدر عليها متصفاً بالألوهية. وليس أدلّ على إسقاط صفة الألوهية عنه: أنه لو كان إلهاً لخلص نفسه من أعدائه، ودفع شرّهم، ولم يمكّنهم من صلبه، كما يزعمون. أَ - الانتهاء عن القول بالتثليث هو الخير المحض، وهو الصواب؛ لأن الله إله واحد، منزه عن أن يكون له ولد، بل له ما في السماوات وما في الأرض، والملكية تنافي البنوة، فلاشريك له، وعيسى ومريم من جملة ما في السماوات وما في الأرض، وما فيهما مخلوق، فكيف يكون عيسى إلهاً وهو مخلوق. لاً - لن يترفع المسيح ولن يأنف ولن يحتشم من أن يكون عبداً لله، وكذلك الملائكة المقرّبون من رحمة الله ورضاه لن يترفعوا عن عبوديتهم لله. ومن يأنف عن عبادة الله ويستكبر فلا يلتزم بفعل العبادة أو الطاعة، فإن الله سيجمع. الخلائق إلى المحشر، ويجازي كلاً بما يستحق. ٣٩٨ لُرءُ (٦) - النشاء: ١٧٤/٤ -١٧٥ فالمؤمنون العاملون الصالحات لهم ثواب أعمالهم كاملاً غير منقوص، ويزيدهم الله من فضله ورحمته وإحسانه. والمستنكفون المتكبرون يعذبون عذاباً مؤلماً، دون أن يجدوا لهم وليّاً يلي أمورهم، أو نصيراً ينصرهم. ٨ - استدلّ بعضهم بقوله: ﴿وَلَا اُلْمَلَئِكَةُ الْقَرَّبُونَ﴾ على تفضيل الملائكة على البشر، وأنهم أعظم من المسيح خَلْقاً وأفعالاً. وردّ عليهم بأن الآية في معرض تفضيل الملائكة في عظم الْخَلْق والقدرة على الأعمال العظيمة، فهم أقدر على الامتناع من عبادة الله من المسيح، ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل. دعوة الناس إلى الإيمان بالنور المبين (القرآن) (٧) فَأَمَّا ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ قَّدْ جَءَكُمْ بُرْهَنٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ، فَسَيُدْ سِلُهُمْ فِ رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ١٧٥ القراءات: (صِرَطًا﴾: وقرأ قنبل (سراطاً). الإعراب: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرًَّا مُسْتَقِيمًا﴾: صراطاً: إما منصوب بتقدير فعل، وتقديره: يعرّفهم صراطاً، ودل ﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾ على المحذوف؛ أو منصوب على أنه مفعول ثانٍ ليهدي، وتقديره: ويهديهم صراطاً مستقيماً إلى ثوابه. ٣٩٩ الْجُرُ (٦) - النِّسَّةِ: ١٧٤/٤-١٧٥ المفردات اللغوية: (بُرْهَنٌ﴾ حجة من ربكم عليكم، وهو النبي ﴿نُرًّا قُبِينًا﴾ وهو القرآن (صِرَاطًا﴾ طريقاً ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ سوياً وهو دين الإسلام. المناسبة: أقامت الآيات السابقة الحجة على المنافقين والمشركين واليهود والنصارى، وأثبتت نبوة محمد، فكان ذلك مقدمة لهاتين الآيتين اللتين وجهت فيهما الدعوة إلى الناس كافة لاتباع دعوة الإسلام. التفسير والبيان: يا أيها الناس، قد جاءكم برهان ساطع ودليل قاطع من ربكم، يبين لكم حقيقة الإيمان بالله وأنظمة المجتمع الصالحة لحياة أفضل، وهو النبي محمد رَّال، النبي العربي الأمي الأمين، الذي نشأ بينكم في الجاهلية، ولكنه لم يتلوث بمفاسدها وأدرانها، وإنما تعهده ربه بالتربية والعناية والإعداد لحمل الرسالة، فكان المثل الأعلى في سلوكه وخلقه وسيرته وقيادته، وكإِن برهاناً عملياً عظيماً على صدق رسالته: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤/٦]. وأنزلنا إليكم مع هذا البرهان نوراً مبيناً أي ضياء واضحاً على الحق، وهو القرآن الكريم الذي جاء لتصحيح العقيدة والنظام، فقرر التوحيد الخالص، وحارب الوثنية والشرك، وأبان زيف اليهودية والنصرانية المحرفة الحالية، وأرسى معالم الهداية وأوضح طريق العبادة الصحيحة لله تعالى، ووضع أسس الأخلاق وأنظمة الحياة الرشيدة في السياسة والحرب والسلم والاقتصاد والاجتماع وعلوم الكون، فكان ذلك أيضاً بالإضافة إلى السيرة الذاتية للنبي برهاناً على كون هذا الدين هو دين الحق الذي لا معدل عنه ولا مثيل له. وترتب عليه أن الذين آمنوا بالله، وتمسكوا واعتصموا بالقرآن أو ٤٠٠ الُ (٦) - النِّسَاءِ: ١٧٤/٤ -١٧٥ الإسلام، واتبعوا نوره، فيدخلهم الله في رحمته، ويعمهم بفضله في الدنيا والآخرة، أي يرحمهم فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثواباً ورفعاً بالقرآن، قال ابن عباس: الرحمة: الجنة، والفضل: ما يتفضل به عليهم ممالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر(١). ويهديهم طريقاً قويماً يوصلهم إلى إحراز السعادة في الدنيا بالعزة والكرامة واتباع طريق السلامة في الاعتقاد والعمل، وفي الآخرة بالجنة والرضوان، أي يوفقهم إلى ذلك، ولا توفيق ولا هداية خاصة بغير الاعتصام بالقرآن المجيد واتباع سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام. روى الترمذي عن علي بن أبي طالب مرفوعاً: ((القرآن: صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين)). فقه الحياة أو الأحكام: البرهان العظيم من الله لعباده هو محمد، وسمي برهاناً؛ لأن معه البرهان وهو المعجزة أو الحجة، فإن المعجزات حجته. والنور المبين: هو القرآن الكريم، وسمي نوراً؛ لأن به تتبين الأحكام، ويهتدى به من الضلالة، فهو نور مبين أي واضح بيِّن. فمن آمن بالله واعتصم بالقرآن عن معاصيه، والعصمة: الامتناع، فاز بالجنة والرضوان، وحظي بالفضل الإلهي العظيم في الدنيا والآخرة. ودل قوله تعالى: ﴿وَفَضْلٍ﴾ على أنه تعالى يتفضل على عباده بثوابه من غير مقابل؛ إذ لو كان في مقابلة العمل لما كان فضلاً. قال الرازي: الرحمة والفضل محمولان على ما في الجنة من المنفعة والتعظيم، وأما الهداية فالمراد منها السعادات الحاصلة بتجلي أنوار عالم القدس والكبرياء (١) التفسير الكبير للرازي: ١٢٠/١١