النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
لُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٤٢/٤-١٤٧
يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وإنهم في الواقع لا يصلون إلا
قليلاً، فإذا لم يرهم أحد لم يصلوا.
وهم أيضاً مذبذبون مضطربون متحيرون بين الإيمان والكفر، فليسوا مع
المؤمنين حقيقة، ولا مع الكافرين حقيقة، بل ظواهرهم مع المؤمنين،
وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعصف به الشك، فتارة يميل إلى المؤمنين،
وتارة يميل إلى الكافرين كاليهود، كما قال تعالى في أول سورة البقرة: ﴿كُلُّمَاً
أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ الآية [٢٠] فإذا ظهرت الغلبة
لأحدهما ادعوا أنهم منه.
﴿ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي ومن صرفه عن طريق الهدى،
بسبب أعماله ومواقفه وأخلاقه، فلن تجد له سبيلاً (طريقاً) إلى الخير والسداد
يسلكه.
ثم حذَّر الله المؤمنين أن يفعلوا فعل المنافقين وأن يوالوا الكافرين، فقال:
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين،
أي لا تتخذوهم نصراء وأعواناً تصاحبونهم وتصافونهم، وتناصحونهم
وتصادقونهم، وتسرون إليهم المودة، وتفشون أحوال المؤمنين الباطنة إليهم،
كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ وَمَن يَفْعَلْ
ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَدَّةٌ وَيُعَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾
[آل عمران: ٢٨/٣] أي يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه، وقال أيضاً: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١/٥].
أما تولي الذميين الوظائف العامة في الدولة الإسلامية، فليس بمحظور،
فإنهم اشتغلوا في عصر الصحابة في الدواوين، وكان أبو إسحاق الصابي وزيراً
في الدولة العباسية.
﴿ أَتْرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي أتريدون أن تجعلوا لله

٣٤٢
الجزءُ (٥) - النِّشَاءِ: ١٤٢/٤-١٤٧
على أعمالكم حجة بينة في استحقاق العقاب إذا اتخذتموهم أولياء، يعني أن
موالاة الكافرين دليل على النفاق، ولا يصدر هذا إلا من منافق.
ثم ذكر الله تعالى عقوبة المنافقين الشهيرة: وهي ﴿إِنَّ الْنَفِقِينَ فِىِ الذَّرْكِ
اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أي إن مكانهم في الطبقة السفلى من النار، والنار سبع
دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض. قال
المفسرون: النار سبع دركات: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير،
ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، وقد يسمى بعضها باسم بعض. وأما الجنة
فهي درجات، بعضها أعلى من بعض.
والسبب في أن عذاب المنافق أشد من عذاب الكافر: هو أنه مثله في
الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله.
وهذا العذاب لن يجدوا أحداً ينقذهم منه أو يخففه عنهم: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ
نَصِیرًا﴾.
ثم ذكر الله تعالى طريق الإصلاح وهو فتح باب التوبة عن النفاق، وشرط
الله تعالى لقبول توبة المنافقين توبة صحيحة أربعة شروط في قوله: ﴿إِلَّا
الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوْ دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾، وتلك الشروط
هي الندم على الفعل السابق، والإصلاح أي الاجتهاد في فعل الأعمال
الصالحة التي تغسل أدران النفاق، والاعتصام بالله أي الثقة به والتمسك
بكتابه والاهتداء بهدي نبيه المصطفى، وبقصد مرضاة الله، كما قال تعالى:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ، فَسَيُدْخِلُهُمْ فِ رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضَّلٍ
٨٧٥ ﴾ [النساء: ١٧٥/٤] والإخلاص لله بأن
وَيَهْدِهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
يَدْعوه العباد وحده، ويتجهوا إليه اتجاهاً خالصاً، لا يبتغون بطاعتهم إلا
وجهه، ولا يلجؤون إلى أحد سواه لكشف ضر أو جلب نفع، كما قال تعالى:
[الفاتحة: ٥/١].
ـة
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

٣٤٣
الُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٤٢/٤-١٤٧
هذه شروط قبول توبة المنافق، أما الكافر فشرط توبته فقط هو الانتهاء عن
الكفر كما قال تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ
سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨/٨]. والمنافق: هو من أظهر الإيمان وأبطن الكفر.
والكافر: من أعلن الكفر صراحة.
أولئك التائبون هم مع المؤمنين أي أصحاب المؤمنين ورفقاؤهم في
الدارين، وفي زمرتهم يوم القيامة.
وسوف يعطي الله المؤمنين أجراً عظيماً لا يعرف قدره، فيشاركونهم فيه
كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
[السجدة: ٣٢ /١٧].
ثم بين الله تعالى سبب تعذيبهم وهو كفرهم بأنعم الله فقال مستفهماً
استفهاماً إنكارياً: ماذا يريد الله بعذابكم أيها الناس؟ إنه يعذبكم لا من أجل
الانتقام والثأر، ولا من أجل دفع ضر وجلب خير؛ لأن الله غني عن كل
الناس، وهو الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك، ولكنه أيضاً عادل حكيم، لا
يسوي بين الصالح والطالح، فالكافر والمنافق والعاصي لم يشكروا الله تعالى على
نعمه، ولم يؤدوا واجبهم في الإيمان الحق بالله تعالى، ولم يصرفوا نعم الله في
الخير. ولو شكروا الله بأن أصلحوا العمل، وآمنوا بالله حقاً، لاستحقوا
الثواب الجزيل المعدّ لأمثالهم، فالله شاكر يجازي من شكر ويثيب من أطاع،
علیم بخلقه، لا تخفى عليه خافية، فمن آمن بربه وقام بواجبه بشکر نعمه، علم
به وجازاه على ذلك أوفر الجزاء كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيِن
[إبراهيم: ٧/١٤]
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِنِ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ
فهو الكريم المعطاء الذي يجزي القليل بالكثير، واليسير بالعظيم، ويضاعف
الحسنة إلى عشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، فاللهم اجعلنا من المؤمنين
الشاكرين الصابرين، المخلصين الأبرار، الذين رضيت عنهم في الدنيا
والآخرة.

٣٤٤
لُُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٤٢/٤-١٤٧
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى طائفة مهمة من الأحكام:
اً - النفاق والرياء أمران قائمان في كل أمة وزمان: والنفاق إبطان الكفر
وإظهار الإسلام، والرياء إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله.
لاً - يعتمد المنافق كالثعلب على المكر والخداع، وسرعان ما يتكشف أمره
للناس، ولا يخفى على الله من فعله شيء منذ بدء نفاقه، فالمنافقون يخادعون الله
لقلة علمهم وعقلهم، والله خادعهم - على سبيل المشاكلة اللفظية - أي إن
الخداع من الله هو مجازاتهم على خداعهم أولياءه ورسله.
◌َّ - تطبق على المنافق في الدنيا أحكام الشريعة في الظاهر، وفي الآخرة قال
الحسن: يُعْطَى كل إنسان من مؤمن ومنافق نوراً يوم القيامة، فيفرح المنافقون
ويظنون أنهم قد نجوا؛ فإذا جاؤوا إلى الصراط أطفئ نور كل منافق، فذلك
قولهم: ﴿أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسْ مِن نُِّكُمْ﴾ [الحديد: ١٣/٥٧].
٤ - من أوصاف المنافقين الصلاة رياء: أي يصلون مراءاة وهم متكاسلون
متثاقلون، لا يرجون ثواباً ولا يعتقدون على تركها عقاباً. وفي صحيح الحديث
المتقدم: ((إن أثقل صلاة على المنافقين: العتمة والصبح)) والعتمة: العشاء، لا
يصلونها بسبب تعب النهار، وصلاة الصبح تأتي والنوم أحب إليهم، ولولا
السيف ما قاموا.
ثم وصفهم الله بقلة الذكر عند المراءاة وعند الخوف، وقال ◌َله ذاماً لمن
أخّر الصلاة: ((تلك صلاة المنافقين - ثلاثاً - يجلس أحدهم يرقب الشمس،
حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان - أو على قرني الشيطان - قام فنقر أربعاً لا
يذكر الله فيها إلا قليلاً)) رواه مالك وغيره.
وصفهم بقلة الذكر؛ لأنهم كانوا لا يذكرون الله بقراءة ولا تسبيح، وإنما

٣٤٥
الجُزُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٤٢/٤-١٤٧
كانوا يذكرونه بالتكبير. وقيل: وصفه بالقلة؛ لأن الله تعالى لا يقبله. وقيل:
لعدم الإخلاص فيه.
5 - من صلى كصلاة المنافقين وذكر كذكرهم لحق بهم في عدم القبول،
وخرج من مقتضى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ
﴾ [المؤمنون: ١/٢٣-٢]. اللهم إلا أن يكون له عذر، فيقتصر على
خَاشِعُونَ
الفرض حسبما علَّم النبي وَّ الأعرابي حين رآه أخل بالصلاة، فقال له -
فيما رواه الأئمة -: ((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة
فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع
حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً،
ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) وقال ◌َله فيما رواه الجماعة (أحمد وأصحاب
الكتب الستة) عن عبادة: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن)). وقال فيما رواه
الترمذي: ((لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صُلْبَه في الركوع والسجود)»
وبناء عليه قال أكثر العلماء: الطمأنينة فرض؛ لهذا الحديث. ورأى أبو حنيفة
أنها ليست بفرض، وإنما هي واجب؛ لثبوتها بخبر آحاد.
٩ - قال ابن العربي: إن من صلى صلاة ليراها الناس ويرونه فيها،
فيشهدون له بالإيمان، أو أراد طلب المنزلة والظهور لقبول الشهادة وجواز
الإمامة، فليس ذلك بالرياء المنهي عنه، ولم يكن عليه حرج؛ وإنما الرياء
المعصية: أن يظهرها صيداً للناس وطريقاً إلى الأكل، فهذه نية لا تجزئ وعليه
الإعادة(١).
لاً - المنافق مذبذب قلق مضطرب: والمذبذب: المتردد بين أمرين،
والذبذبة: الاضطراب. والمنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين، لا
(١) أحكام القرآن: ٥١١/١

٣٤٦
الجُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٤٢/٤-١٤٧
مخلصين الإيمان ولا مصرِّحين بالكفر. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر
عن النبي ◌َّل: ((مثل المنافق كمثل الشاة العاثرة بين الغنمين، تَعِير إلى هذه
مرة، وإلى هذه أخرى)).
٨ - تحرم موالاة الكافرين دون المؤمنين: والمراد كما قال ابن كثير:
مصاحبتهم ومصادقتهم، ومناصحتهم، وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال
المؤمنين الباطنة إليهم. والآيات الناهية عن ولاية الكافرين كثيرة.
ـة - عقاب المنافق في الدرك الأسفل من النار وهي الهاوية؛ لغلظ كفره،
وكثرة غوائله، وتمكّنه من أذى المؤمنين. وأعلى الدركات جهنم، ثم لَظَى، ثم
الحظّمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. وقد يسمى جميعها باسم
الطبقة الأولى، أعاذنا الله من عذابه بمنه وكرمه(١).
١٠ - توبة المنافق مقبولة بشروط هي: أن يصلح قوله وفعله، ويعتصم
بالله، أي يجعله ملجأ ومعاذاً، ويخلص دينه لله، كما نصت عليه هذه الآية،
وإلا فليس بتائب.
١١ - تعذيب المنافقين وغيرهم لا مصلحة فيه لله تعالى، كما نصت الآية
التي تقول: أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم، فنبه تعالى أنه لا يعذب
الشاكر المؤمن، وأن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم
لا ينقص من سلطانه. ولكن العذاب تقتضيه الحكمة والعدل.
قال مكحول من التابعين: أربع من كنَّ فيه كنَّ له، وثلاث من كنّ فيه كنّ
عليه، فالأربع اللاتي له: الشكر والإيمان والدعاء والاستغفار، قال الله
تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اَللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧/٤].
ج
(١) تفسير القرطبي: ٤٢٥/٥

٣٤٧
لُهُ (٥) - النِشَاءِ: ١٤٢/٤-١٤٧
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ
﴾ [الأنفال: ٣٣/٨]. وقال الله سبحانه: ﴿قُلْ مَا
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
[الفرقان: ٧٧/٢٥]. وأما الثلاث اللاتي عليه:
يَعْبَؤُّأْ بِكُمْ رَبِّ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾
فالمكر والبغي والنكث؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾
[فاطر: ٤٣/٣٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىَ أَنفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣/١٠]. وقال
تعالى: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠/٤٨].
١٢ - الله يشكر عباده على طاعتهم. ومعنى ﴿شَاكِرًا﴾: أي یشیبهم،
فيقبل العمل القليل، ويعطي عليه الثواب الجزيل، وذلك شكر منه على
عبادته.
انتهى الجزء الخامس ولله الحمد

الجُزُ السَّادِسِ
في العقيدة والشريعة والمنج
التَّفْرَةِ
٠٬٨٠
٠
ــے
ـ

2
.
.

٣٥١
الُ (٦) - الشتاء: ١٤٨/٤-١٤٩
الجهر بالسوء والعفو عنه وإبداء الخير وإخفاؤه
لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِّ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا
٤٨
إِن نُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا
٦٤٩
الإعراب:
﴿بِالسُوْءٍ﴾ في موضع نصب؛ لأنه يتعلق بالجهر، وإعمال المصدر الذي فيه
الألف واللام قليل، وليس في التنزيل إعماله إلا في هذا الموضع، ولم يعمل في
اللفظ وإنما عمل في الموضع.
﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمٍ﴾: من: في موضع نصب؛ لأن الاستثناء منقطع.
البلاغة:
◌ِ نُبِدُواْ﴾ ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ طباق.
المفردات اللغوية:
﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ اُلْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي لا يحب من أحد ذلك بمعنى
أنه يعاقبه عليه، والجهر: الإعلان ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمٍ﴾ أي فلا يؤاخذه بالجهر به،
بأن يخبر عن ظلم ظالمه، ويدعو عليه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ لما يقال ﴿عَلِيمًا﴾ بما
يفعل.
سبب النزول:
أخرج هناد بن السري عن مجاهد قال: أنزلت ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ
مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمٍ﴾ في رجل أضاف رجلاً بالمدينة، فأساء قراه، فتحول
عنه، فجعل يثني عليه بما أولاه، فرخص له أن يثني عليه بما أولاه، أي
نزلت هذه الآية رخصة في أن يشكو. وهذا مروي أيضاً عن ابن جريج.

٣٥٢
لُعُ (٦) - النّشَاءِ: ١٤٨/٤-١٤٩
المناسبة:
الآيتان متصلتان بما قبلهما في الكلام عن المنافقين وكفار أهل الكتاب،
فبعد أن حذر الله المؤمنين من عيوبهم وأعمالهم وصفاتهم وأوضح أنهم في
الدرك الأسفل من النار، أبان حكم الجهر بالسوء من القول وإبداء الخير
وإخفائه، حتى لا يفهم المؤمنون مشروعية الجهر بالسوء من القول على
الإطلاق، وفي ذلك إشاعة الفواحش والعيوب، وإضرار الأمة، وإنما
المشروعية مقيدة في حال الظلم، كما أن الإسرار بالخير والجهر به سواء.
التفسير والبيان:
يعاقب الله تعالى المجاهر بسوء القول، أي بذكر عيوب الناس وتعداد
سيئاتهم؛ لأنه يؤدي إلى إثارة العداوة، والكراهة والبغضاء، ويزرع الأحقاد
في النفوس، ويسيء أيضاً إلى السامعين، فيجرئهم على اقتراف المنكر، وتقليد
المسيء، ويوقعهم في الإثم؛ لأن سماع السوء كعمل السوء.
وكذلك الإسرار بسوء القول محرَّم ومعاقب عليه، إلا أن الآية نصت على
حالة الجهر؛ لأن ضرره أشد، وفساده أعم وأخطر، لذا قال تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِى الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
﴾ [النور: ٢٤ /١٩].
ثم استثنى الله تعالى حالة يجوز فيها إعلان السوء من القول: وهي حالة
الشكوى من ظلم الظالم لحاكم أو قاض أو غيره ممن يرجى منه رفع ظلامته
وإغاثته ومساعدته في إزالة الظلم. والشكوى على الظالم أمر مطلوب شرعاً؛ إذ
لا يحب الله لعباده أن يسكتوا على الظلم، أو أن يخضعوا للضيم أو أن يقبلوا
المهانة ويسكتوا على الذل، روى الإمام أحمد: ((إن لصاحب الحق مقالاً)).
وهذا من قبيل ارتكاب أخف الضررين ودفع أعظم الشرين.
وكل من حالتي جواز الجهر بالسوء من القول وعدم الجواز في ظل رقابة

٣٥٣
لُعُ (٦) - النَشَاءِ: ١٤٨/٤-١٤٩
دقيقة من الله تعالى، فهو سميع لكل ما يقال، مطلع على البواعث والنيات
المؤدية للأقوال، عليم بكل ما يصدر عن الخلق من أفعال وتصرفات، فيثيب
المحق، ويعاقب المبطل، ويعين على دفع الظلم، ويجازي كل ظالم على ظلمه.
وإبداء الخير من قول أو فعل، أو إخفاؤه، أو العفو عمن أساء يجازي الله
تعالى عليه خيراً، بل يرغب فيه، فالله تعالى يحبّ فعل الخير، ويعفو عن
السَّيئات، وهو مع ذلك قادر تمام القدرة على معاقبة المسيء، والتّخلُّق بأخلاق
الله تعالى أمر حسن مرغّب فيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيتان على ما يأتي:
اً - الجهر بالسوء من القول بإشاعة عيوب الناس أمر منكر يعاقب الله
تعالی علیه.
أَ - يباح للمظلوم اللجوء إلى القضاء والشكوى لرفع الظلم ووصف فعل
الظالم، كما أنه يجوز الدُّعاء على الظالم، ودعوة المظلوم مستجابة، روى
الحاكم عن ابن عمر: ((اتَّقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعد إلى السماء كأنها
شرارة)) وروى الطبراني والضياء عن خزيمة بن ثابت: ((اتّقوا دعوة المظلوم،
فإنها تُحْمَل على الغَمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين)).
وقال ابن عباس وغيره: المباح لمن ظُلم أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر
فهو خير له.
وقال الحسن البصري: لا يدعُ عليه، وليقل: اللهم أعِّي عليه، واستخرج
حقِّي منه. والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه، ولكن
مع اقتصاد إن كان مؤمناً، كما قال الحسن في رواية أخرى عنه. لكن لا يجوز
مقابلة الشتم أو القذف بمثله، وإنما يلجأ إلى القضاء.

٣٥٤
الزُعُ (٦) - النِّسَاءِ: ١٤٨/٤-١٤٩
ءَّ - استدلّ من أوجب الضيافة بهذه الآية، قالوا: لأن الظلم ممنوع منه،
فدلّ على وجوبها. وهو قول الليث بن سعد.
وذهب الجمهور إلى أن الضيافة من مكارم الأخلاق.
٤ - الاعتدال في طلب الحقّ أمر مطلوب شرعاً؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ
اَللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ تحذير للظالم حتى لا يظلم، وللمظلوم حتى لا يتعدى الحدّ في
الانتصار.
٥ - التعاون في إزالة الظلم من أصول الإسلام، قال عليه الصّلاة
والسّلام فيما رواه الطبراني عن النعمان بن بشير، وهو ضعيف: ((خذوا على
أيدي سفهائكم)) وقال فيما رواه أحمد والبخاري والترمذي عن أنس: ((انصر
أخاك ظالماً أو مظلوماً)) قالوا: هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال:
((تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره)).
أَ - إبداء الخير حسن لمن عمر قلبه بالإيمان والإخلاص، أو قصد ترغيب
الناس وحضّهم على فعل الخير. وإخفاء الخير أفضل إن خيف شيء من الرياء
المحبط للأجر والثواب. وهذا بيان وجه الأفضلية، أما الأصل الذي نصّت
عليه الآية لإحراز الثواب على فعل الخير غير المصحوب بالرياء: فهو أن إبداء
الخير وإخفاءه سواء.
لاً - العفو عن المسيء مندوب إليه ومرغَّب فيه؛ لأن العفو من صفة الله
تعالى، مع القدرة على الانتقام. روى ابن المبارك عن الحسن يقول: إذا جثت
الأُمم بين يدي ربِّ العالمين يوم القيامة نودي: ليقم من أجره على الله، فلا
يقوم إلا من عفا في الدُّنيا؛ يصدق هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا
وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠/٤٢] وروى أحمد ومسلم والترمذي عن أبي
هريرة أن رسول الله بَّه قال: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً
بعفو إلا عزّاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)).

٣٥٥
الجُ (٦) - التِشَّاء: ١٥٠/٤-١٥٢
الكفر والإيمان وجزاء كلّ
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اُللَّهِ وَرُسُلِهِ،
وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
٥٠
وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ
أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ عَذَابًا مُهِينًا (أَـ
بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ
اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
١٥٢١
القراءات:
يُؤتِیهِمْ﴾: قرئ:
١- بالياء، ليعود على اسم الله قبله، وهي قراءة حفص.
٢- بالنون، وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿حَقًّا﴾ مصدر مؤكّد لمضمون الجملة قبله.
﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ﴾ للكافرين يقوم مقام المفعول الثاني لأعتدنا.
البلاغة:
﴿نُؤْمِنُ﴾ ﴿ وَنَكْفُرُ﴾ طباق.
المفردات اللغوية:
﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ من الرّسل. ﴿ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ منهم. ﴿ وَيُرِيدُونَ أَنْ
يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ الكفر والإيمان. (سَبِيلًا﴾ طريقاً يذهبون إليه.
﴿ وَأَعْتَدْنَا﴾ هيأنا وأعددنا. ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ ذا إهانة وهو عذاب النار.

٣٥٦
لُ (٦) - النِّشَكَاءِ: ١٥٠/٤-١٥٢
﴿أُجُورَهُمْ﴾ ثواب أعمالهم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ للطائعين. ﴿رَّحِيمًا﴾ بأهل
طاعته.
المناسبة:
بعد أن حذّر الله تعالى من مصاحبة الكفار ومصادقتهم ومناصحتهم، وندّد
بخصال المنافقين، ونبّه المؤمنين إلى ما يُباح إعلانه من سوء القول، أوضح
سبب كفر أهل الكتاب، من طريق بيان ركني الإيمان وهما: الإيمان بالله
تعالى، والإيمان بجميع الرّسل دون تفرقة بين رسول وآخر، فمن آمن ببعض
الرّسل وكفر ببعض آخر، فهو من الكافرين الذين استحقّوا العقاب في نار
جهنم. أي إنه تعالى لما ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب:
اليهود والنصارى.
التفسير والبيان:
يتوعّد الله تعالى في هذه الآيات الكافرين به وبرسله، من اليهود
والنصارى، حيث فرّقوا بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء،
وكفروا ببعض، تعصُّباً وتمسُّكاً بالموروث، واعتصاماً بالأهواء والشهوات،
فاليهود آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمداً عليهما الصّلاة والسّلام، والنصارى
آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد ◌َّ.
فمن كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء؛ لأن الإيمان بسائر
الأنبياء واجب، فمن ردّ نبوّة نبي للحسد أو العصبيّة أو التّشهي، تبيّن أن
إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيماناً شرعياً، إنما هو عن غرض وهوى
وعصبيّة.
ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فوسمهم بأنهم
كفار بالله ورسله، ﴿ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي في الإيمان

٣٥٧
لُ (٦) - النِشَاءِ: ١٥٠/٤-١٥٢
﴿ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ
سَبِيلًا﴾ أي طريقاً ومسلكاً وسطاً بين الإيمان والكفر، وديناً مبتدعاً بين
الإسلام واليهودية، هؤلاء أخبر تعالى عنهم فقال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ
حَقًّا﴾ أي كفرهم محقّق لا محالة بمن ادّعوا الإيمان به؛ لأنه ليس شرعيّاً؛ إذ
لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله، لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلاً
وأقوى برهاناً منه، والله تعالى أعدّ وهيّأ لكل كافر مطلقاً بالدِّين، أو لمن كفر
بسبب إيمانه ببعض الرُّسل وعدم إيمانه برسل آخرين، أعدّ للكافرين عذاباً فيه
ذلّ وإهانة لهم، جزاء كفرهم.
وبه يتبيّن أن الكفر بالرُّسل نوعان: كفر بجميع الرُّسل، وكفر ببعض
الرُّسل، وأصحاب الكفر الأول لا يؤمنون بأحد من الأنبياء؛ لإنكارهم
النّبوات، وأهل الكفر الثاني يؤمنون ببعض الأنبياء ولا يؤمنون ببعض آخر،
مثل اليهود الذين يؤمنون بموسى عليه السلام ويكفرون بعيسى ومحمد عليهما
السّلام، والنصارى الذين يؤمنون بموسى وعيسى ويكفرون بمحمد وَله.
والفريقان سواء في استحقاق العذاب؛ لأن الإيمان بالله ورسله لا يتجزأ،
فمن آمن حقيقة بالله، آمن بجميع رسله الذين أرسلهم لهداية الناس، فهو
مصدر الإرسال، والرّسل سفراء بين الله وخلقه، فلا يتصور إيمان بالله وكفر
ببعض رسله. وحينئذٍ لا يقبل إيمان بموسى وكفر بعيسى، وإيمان بجميع الرُّسل
وكفر بمحمد بنّيّ، فهو مذكور في كتبهم، ومبشَر به عندهم، ومصدِّق لما
معهم، والقرآن مهيمن على ما سبقه من الكتب السماوية، والله أعلم حيث
يجعل رسالته، وهو سبحانه القائل: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ ﴾
[المائدة: ٤٨/٥].
ثم قرن الله تعالى بالفريقين السابقين الكلام عن فريق ثالث: وهم
المسلمون، للمقارنة والعظة والعبرة، وهم الذين آمنوا بالله وجميع رسله،
فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله تعالى، وبكل نبي بعثه الله، كما قال تعالى:

٣٥٨
لُ (٦) - النَشَاءِ: ١٥٠/٤-١٥٢
{ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ زَّيِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَكُهِ،
وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥/٢].
هؤلاء أعدّ الله لهم الجزاء الجزيل، والثواب الجليل: ﴿أُوْلَتِكَ سَوْفَ
يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ على ما آمنوا بالله ورسله ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي
غفوراً لذنوبهم إن كان لبعضهم ذنوب، رحيماً بهم يعاملهم بالإحسان
ويضاعف حسناتهم، كما أنه تعالى رحيم بجميع عباده حيث أرسل لهم الرّسل
لهدايتهم، وبيان المنهج الأسلم، والطريق المستقيم الأفضل.
فقه الحياة أو الأحكام:
الإيمان والكفر ضدّان لا يجتمعان، والإيمان لا يتجزّأ، وجزاء الكفر
واحد، وإن تعددت أشكاله، فمن أنكر الأديان والنّبوّات، ومن ألحد فلم
يؤمن بوجود الله ووحدانيته، ومن كفر بجميع الرُّسل، أو آمن ببعضهم وكفر
ببعضهم الآخر، فهو كافر، ويكون أهل الكتاب من اليهود والنصارى من
الكفار؛ لأنهم كفروا بمحمد ◌ّيه، والآية بيَّنت أن الكفر به كفر بالكل؛ لأنه
ما من نبي إلا وقد أمر قومه بالإيمان بمحمد وَله وبجميع الأنبياء عليهم الصّلاة
والسّلام، ونصّ سبحانه على أنّ التفريق بين الله ورسله كفر؛ وإنما كان كفراً
لأن الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرُّسل،
فإذا جحدوا الرّسل، ردّوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، وكأن ردّ
الشرائع كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر.
ونصّ سبحانه أيضاً على أن الإيمان ببعض الرُّسل والكفر ببعض كفر
بالكل. واتّخاذ طريق وسط بين الإيمان والكفر أو دين مبتدع بين الإسلام
واليهودية مرفوض في شرعة القرآن.
وأكّد تعالى أن ذلك لا ينفعهم إذا كفروا برسوله بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ
اَلْكَفِرُونَ حَقًّا﴾ وإذا كفروا برسوله فقد كفروا به عزّ وجلّ، وكفروا بكل
رسول مبشِّر بذلك الرّسول، فلذلك صاروا الكافرين حقّاً.

٣٥٩
الجُرُ (٦) - التِّاءِ: ١٥٣/٤-١٥٩
وجزاء الكفر ما صرحت به الآية: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي
أعتدنا وهيأنا لجميع أصناف الكفار عذاباً مُذِلاً.
أما المسلمون وهم النَّبي ◌َّ وأُمته، الذين صدقوا بوجود الله ووحدانيته،
وآمنوا بجميع الرُّسل، فلم يفرِّقوا بين أحد منهم، فسوف يؤتيهم الله ثواب
أعمالهم، والله غفور للعصاة منهم، رحيم بالعباد فلا يعجل لهم العذاب،
وإنما يترك لهم فرصة للتوبة والإنابة، ويهديهم بالقرآن والرُّسل والعقل
والحواس والتّجارب المتكرّرة والأحداث التي توقظ مشاعر الإيمان، يهديهم
صراطاً مستقيماً.
مواقف اليهود المتعنتة
يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىّ
أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اُللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ أَّخَذُواْ
اُلْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تْهُمُ الْبَغِنَتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَنَّا مُّبِينًا
وَرَفَعْنَا فَوَقَهُمُ اُلْطُوَرَ بِمِثَقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُ أَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَمْ لَا تَعْدُواْ
١٥٣
فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِشَقًّا غَلًِّا ﴿ فَبِمَا نَفْضِهِم مِيثَقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِئَايَتِ اللَّهِ
وَقَتْلِهِمُ الْأَنِيَّةَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفُْ بَلْ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَ
يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
١٥٥
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَا عَظِيمًا
١٥٦
وَقَوْلِهِمْ
إِنَّا قَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنِ شُبِّهَ لَهُمّ
وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكٍْ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِلَّا أَنْبَعَ الَّنِّ وَمَا قَلُوهُ
يَقِينًا (﴿َ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ اُلْكِنَبِ
إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ◌ِهِ، قَبْلَ مَوْتِ، وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا
١٥٩
القراءات:
﴿ تُنَزِّلَ﴾: قرئ:
١- (نُنَزِّل) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو.

٣٦٠
لُعُ (٦) - النِّسَاءِ: ١٥٣/٤-١٥٩
٢- (تُنَزِّل) وهي قراءة الباقين.
﴿أَرِنَا﴾:
وقرأ ابن كثير والسوسي (أرْنا). ﴿لَا تَعْدُواْ﴾: قرئ:
١- بفتح العين، وتشديد الدال، على أن الأصل: ((لاتعتدوا))، فألقيت
حركة التاء على العين، وأدغمت التاء في الدال، وهي قراءة ورش.
٢- بإخفاء حركة العين، وتشديد الدال، وهي قراءة قالون.
٣- بإسكان العين، وتخفيف الدال، من ((عدا، يعدو)) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَقَتْلِهِمُ الْأَتِيَءَ﴾ :
١- (وقتلهم الأنبياء) وهي قراءة أبي عمرو.
٢- (وقتلهُمُ الأنبياء) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
٣- (وقتلهِمُ الأنبياء) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
جَهْرَةٌ﴾ نعت لمصدر محذوف أي رؤية جهرة. ﴿لَا تَعْدُواْ﴾ فيه ثلاث
قراءات: لا تَعْدوا: بسكون العين مع تخفيف الدّال، وبسكون العين مع
تشديد الدّال، وبفتح العين مع تشديد الدّال. والقراءة الثانية ضعيفة في
القياس، لما أدت إليه من الاجتماع بين الساكنين على غير حَدّه.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ ما: زائدة للتوكيد، وهو رأي الأكثرين، والباء للسببية
متعلقة بمحذوف أي لعنّاهم بسبب نقضهم.
﴿بُهْتَنَا﴾ منصوب بالمصدر على حدّ قولهم: قلت شعراً وخطبة؛ لأن القول