النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١
الُعُ (٥) - النَِّكَاءِ: ١٢٧/٤ -١٣٠
يفتيكم فيهن أيضاً . ﴿فِى الْكِتَبِ﴾ صلة يتلى، وكذلك: ﴿فِ يَتَهَى النِّسَاءِ﴾.
﴿أَِّ﴾ في موضع جر صفة ليتامى و﴿لَا تُؤْتُوُنَّهُنَ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ
تَنكِحُوهُنَّ﴾: في صلة اللاتي. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اُلْوِلْدَانِ﴾: مجرور؛ لأنه
معطوف على ﴿يَتَمَىَ النِّسَاءِ﴾، وكذلك قوله: ﴿ وَأَن تَقُومُواْ﴾ في موضع جر
عطفاً على ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾.
والتقدير: يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين، وأن تقوموا لليتامى
بالقسط ﴿وَإِنِ أُمْرَأَةٌ﴾ مرفوع بفعل يفسره: خافت ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا
صُلْحَاً﴾: صلحاً: منصوب على المصدر على تقدير: فيُصلح الأمر صلحاً.
البلاغة:
يوجد جناس مغاير في ﴿يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالضُّلْحُ﴾ وفي ﴿تَمِيلُواْ
كُلَّ اُلْمَيْلِ﴾. ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ تشبيه مرسل مجمل.
المفردات اللغوية:
ج
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ يطلبون منك الفُتيا ﴿فِىِ النِّسَاءِ﴾ في شأن النساء وميراثهن
يُفْتِيكُمْ﴾ يبين لكم ما أشكل عليكم ﴿مَا كُنِبَ لَهُنَّ﴾ أي فرض لهن من
ميراث وصداق ﴿وَأَن تَقُومُواْ﴾ أي تُعْنَوا عناية خاصة بهن ﴿بِالْقِسْطِ﴾
بالعدل في الميراث والمهر ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ، عَلِيمًا﴾ فيجازيكم به ﴿خَافَتْ مِنْ
بَعْلِهَا﴾ توقعت من زوجها ما تكره ﴿نُشُورًا﴾ ترفعاً وتكبراً عليها بترك
مضاجعتها والتقصير في نفقتها لبغضها وطموح عينه إلى أجمل منها ﴿أَوْ
إِغَرَاضًا﴾ عنها بوجهه أي ميلاً وانحرافاً ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا
صُلْحًا﴾ في القسم والنفقة، بأن تترك له شيئاً، طلباً لبقاء الصحبة، فإن رضيت
بذلك وإلا فعلى الزوج أن يوفيها حقها أو يفارقها ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ من الفرقة
والنشوز والإعراض ﴿ وَأَحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ شدة البخل أي إن الشح
1
٣٠٢
الُ (٥) - النِّشَكَّاءِ: ١٢٧/٤ -١٣٠
حاضر لها لا يغيب عنها، أي جبلت مطبوعة عليه، فكأنها حاضرته لا تغيب
عنه، المعنى أن المرأة تكاد لا تسمح بنصيبها من زوجها، والرجل يكاد لا
يسمح لها بنفسه إذا أحب غيرها.
﴿وَإِن تُحْسِنُواْ﴾ عشرة النساء ﴿ وَتَتَّقُواْ﴾ الجور عليهن ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيجازيكم به ﴿أَن تَعْدِلُواْ﴾ تسووا ﴿بَيْنَ اُلِنِّسَاءِ﴾ في
المحبة ولو حرصتم على ذلك ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ اُلْمَيْلِ﴾ إلى التي تحبونها في
القسم والنفقة ﴿فَتَذَرُوهَا﴾ أي تتركوا الممال عنها ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ التي ليست
مطلقة ولا هي ذات زوج أو بعل . ﴿وَإِن تُصْلِحُواْ﴾ بالعدل بالقسم ﴿ وَتَتَّقُواْ﴾
الجور ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا﴾ لما في قلبكم من الميل ﴿رَّحِيمًا﴾ بكم في
ذلك.
﴿مِّن سَعَتِهِ،﴾ أي فضله وغناه بأن يرزقها زوجاً غيره ويرزقه غيرها
{وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ لخلقه في الفضل ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبره لهم.
سبب النزول:
نزول الآية (١٢٧):
ج
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ﴾: روى البخاري عن عائشة في هذه الآية قالت:
هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها قد شركته في مالها حتى في
العَذْق (النخلة بحملها) فيرغب عن أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلاً،
فيشركه في مالها، فيعضلها (بمنعها عن الزواج) فنزلت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي: كان لجابر بنت عم دميمة، ولها مال
ورثته عن أبيها، وكان جابر يرغب عن نكاحها، ولا يُنْكِحها خشية أن يذهب
الزوج بمالها، فسأل النبي ◌َّر عن ذلك، فنزلت.
سبب نزول الآية (١٢٨):
﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ﴾: روى الترمذي عن ابن عباس أنها نزلت بسبب سَوْدة
٣٠٣
الجُرْ (٥) - النَشَاءِ: ١٢٧/٤ -١٣٠
بنت زَمْعَة، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله و له فقالت: لا تطلِّقني
وأمسكني، واجعل يومي منك لعائشة، ففعل، فنزلت: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ
يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ فما اصطلحا عليه فهو جائز. قال الترمذي: هذا
حديث حسن غريب. وروى أبو داود والحاكم عن عائشة مثل ذلك.
وروى ابن عيينة وسعيد بن منصور عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن
رافع بن خديج كانت تحته خَوْلة بنة محمد بن مسلمة، فكره من أمرها إما كبراً
وإما غيره، فأراد أن يطلقها، فقالت: لا تطلقني، واقسم لي ماشئت، فجرت
السنة بذلك، ونزلت: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ﴾. وله شاهد موصول أخرجه
الحاكم من طريق ابن المسيب عن رافع بن خديج.
وروى البخاري والحاكم عن عائشة رضي الله عنها: ﴿وَإِنِ امْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ
بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها
يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حِلّ، فنزلت هذه الآية.
المناسبة:
اشتملت السورة على موضوعين عامين: كان أولهما في أحكام النساء
واليتامى والقرابة والإرث والمصاهرة، ثم أبانت بدءاً من قوله تعالى:
﴿ وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ﴾ أسس الدين، وأحوال أهل الكتاب والمنافقين،
والقتال. ثم عاد الكلام هنا إلى أحكام النساء واليتامى الضعفاء، وتوطيد
دعائم الرابطة الزوجية بالإصلاح، وبالعدل بين الزوجات حال التعدد.
التفسير والبيان:
ويستفتونك يا محمد في شأن النساء وحقوقهن الشاملة للميراث وحقوق
الزواج، أي المالية والزوجية، كالعدل في المعاملة، والعشرة الطيبة وعلاج
حالة النشوز. قل: الله يفتيكم فيهن ويبين لكم ما أشكل من أمورهن، وكذلك
٣٠٤
المُجُزُ (٥) - النِّشَكَّاءِ: ١٢٧/٤ -١٣٠
يوضح لكم أحكاماً أخرى في المتلو عليكم في القرآن من أول السورة،
كأحكام معاملة النساء اليتامى في المواريث، وإيتاء أموال الأيتام بقوله:
﴿ وَءَاتُوْ اَلْيَّ أَمَهُمْ﴾ [النساء: ٢/٤] والتحرج من الزواج باليتيمات: ﴿وَإِنْ
خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الْيَ فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ﴾ [النساء: ٣/٤].
فقد جرت عادتكم القبيحة ألا تعطوهن ماكتب (فرض) لهن من الإرث إذا
كان في أيديكم، لولايتكم عليهن، وترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن والتمتع
بأموالهن. ويحتمل: وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن، روي أن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه كان إذا جاءه ولي اليتيمة نظر، فإن كانت جميلة غنية
قال: زوّجْها غيرك، والتمس لها من هو خير منك، وإن كانت دميمة ولا مال
لها قال: تزوجها، فأنت أحق بها. هذا مع العلم أنه كان الرجل منهم يضم
اليتيمة ومالها إلى نفسه، فإن كانت جميلة تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة
عضلها عن التزوج حتى تموت فيدفنها.
والمستضعفين: معطوف على يتامى النساء، أي وما يتلى عليكم في شأن
المستضعفين من الأولاد الذين لا تعطونهم حقهم في الميراث المنصوص عليه في
قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَ أَوْلَدِكُمْ﴾ وقد كانوا في الجاهلية إنما يورّثون
الرجال القوامين بالأمور دون الأطفال والنساء.
ويصح في حال العطف على يتامى النساء أن يكون العامل هو يفتيكم بمعنى
يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط.
والخلاصة: إن الله يذكِّر بحق الضعيفين: المرأة والطفل اليتيم، سواء
بالآيات السابقة ليتدبروا معناها ويعملوا بما فيها، لتغافلهم عنها، أو بالإفتاء
المجدد فيهما عدا المذكور سابقاً.
﴿وَأَنْ تَقُومُواْ﴾ أي والله يفتيكم أيضاً بأن تعاملوا اليتامى بالعدل، وأن
تُعْنَوا بشؤونهم عناية خاصة. ويجوز كما ذكر الزمخشري أن يكون قوله ﴿وَأَن
٣٠٥
الُ (٥) - النِّشَكّاءِ: ١٢٧/٤-١٣٠
تَقُومُوا﴾ منصوباً بفعل مقدر وهو: ويأمركم أن تقوموا، وهو خطاب للأمة في
أن ينظروا لهم، ويستوفوا لهم حقوقهم، ولا يدَعوا أحداً يظلمهم أو يهضم
حقوقهم.
وما تفعلوا من خير قليل أو كثير لليتامى والضعفاء والنساء، فإن الله به
عليم، فيجازيكم عليه أحسن الجزاء. وهذا تهييج على فعل الخيرات وامتثال
الأوامر، وأن الله عز وجل عالم بجميع ذلك، وسيجزي عليه أوفر الجزاء
وأتمه.
ثم أخبر الله تعالى عن طرق علاج الخلاف بين الزوجين، وذكر أحوالاً
ثلاثة: حال نفور الرجل عن المرأة، وحال اتفاقه معها، وحال فراقه لها.
فالحالة الأولى:
ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها، فلها أن
تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غيرها من حقوقها
عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا حرج عليها في بذلها شيئاً من مالها له، ولا
عليه في قبوله منها. والخوف هنا مستعمل في حقيقته بشرط ظهور أمارات تدل
علیه.
ومعنى الآية في هذه الحالة: إن توقعت المرأة من زوجها نشوزاً وترفعاً
عليها بأمارات وقرائن، كأن منعها نفسه ونفقته ولم يعاملها بالود والرحمة، أو
آذاها بسبّ أو ضرب ونحو ذلك، أو أعرض عنها بأن أحجم عن محادثتها
ومؤانستها لسوء في الطبع والخلق، أو لطعن في السن، أو دمامة أو ملال لها
أو طموح إلى غيرها، ففي هذه الأحوال لا بأس من اللجوء إلى الإصلاح
بينهما، بالتنازل عن بعض حقوقها أو كل حقوقها، لتبقى في عصمته، أو
تمنحه شيئاً من مالها ليطلقها وهو عوض الخلع: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ
بِهِءٌ﴾. ولكن ليذكر الزوجان دائماً ما أقامه الله بينهما من عاطفة الود والرحمة
٣٠٦
الجُزُ (٥) - النِشَّةِ: ١٢٧/٤ -١٣٠
كما قال: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا
وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ
٢١
[الروم: ٢١/٣٠].
وقد ذكرت في أسباب النزول أكثر من حالة لبعض النسوة في صدر
الإسلام، تنازلت الزوجة عن حقها في القسم لضرتها، أو اكتفت بالمبيت كل
شهرين، على أن تبقى لديه ولا يطلقها.
والحالة الثانية:
وهي حالة الاتفاق بين الزوجين المعبر عنه بالصلح: أي إن صلحهما على
ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية. ولما كان
الوفاق أحب إلى الله من الفراق، قال تعالى: ﴿وَاَلصُلْحُ خَيْرٌ﴾ من الفراق
والتسريح، أو من النشوز والإعراض، وسوء العشرة، أو هو خير من
الخصومة في كل شيء، حفاظاً على الرابطة الزوجية، ومنعاً من هدم كيان
الأسرة وإلحاق الضرر بالأولاد، ولأن الطلاق أبغض الحلال إلى الله(١)،
وكل ذلك يوجب العودة إلى المعاشرة بالمعروف والمعاملة بالعدل. وهذه الجملة
اعتراض، وكذلك قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾.
أي لقد استطرد القرآن إلى بيان طبيعة في النفوس: وهي الحرص على
البخل، فالنساء حريصات على حقوقهن في القَسْم والنفقة وحسن العشرة،
وعلى الزوج أيضاً، وعلى حقها المالي في المهر ونفقة العدة، وكذا الرجال
حريصون على أموالهم أيضاً وعلى كراهة تهديم الأسرة، فيكون التسامح
والتصالح خيراً للطرفين، مادام بهذا الطبع، والصلح عند المشاحة خير من
الفراق.
(١) روى أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله وَلجر: ((أبغض الحلال إلى
· الله الطلاق)).
٣٠٧
لِلُزُعُ (٥) - التِشَكَاةِ: ١٢٧/٤ -١٣٠
ومعنى الصلح: أن يتصالحا على أن تطيب له نفساً عن القسمة أو عن
بعضها، كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله وَ لآه
وعرفت مكان عائشة من قلبه، فوهبت لها يومها، كما روي أن امرأة أراد
زوجها أن يطلقها لرغبته عنها، وكان لها منه ولد، فقالت: لا تطلقني، ودعني
أقوم على ولدي، وتقسم لي في كل شهرين، فقال: إن كان هذا يصلح، فهو
أحب إلي، فأقرها(١).
ومن حالات الصلح أن تهب له بعض المهر أو كله، أو النفقة، فإن لم
تفعل، فليس له إلا أن يمسكها بإحسان أو يسرحها.
وإن تحسنوا البقاء مع نسائكم وإن کرهتموهن، وتصبروا على ماتكرهون،
مراعاة لحق الصحبة، وتحسنوا المعاشرة فيما بينكم؛ وتتقوا النشوز والإعراض
وما يؤدي إلى الأذى والخصومة، فإن الله كان بما تعملون من الإحسان
والتقوى خبيراً عليماً لا يخفى عليه شيء، فيجازيكم ويثيبكم عليه.
كان عمران بن حِظَّان الخارجي من أدمّ بني آدم، وامرأته من أجملهم،
فأجالت في وجهه نظرها يوماً، ثم تابعت: الحمد لله، فقال: مالك؟ قالت:
حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة، قال: كيف؟ قالت: لأنك رزقت
مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله الجنة عباده الشاكرين
والصابرين(٢).
ثم بين الله تعالى أن تمام العدل وكماله وغايته في معاملة النساء محال،
فخفف الله التكليف بالعدل التام، وطالب الرجال بقدر الاستطاعة، فقال:
﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ لأن العدل في
(١) الكشاف: ١/ ٤٢٧
(٢) الكشاف: ٤٢٨/١
٣٠٨
الُعُ (٥) - التَّاءِ: ١٢٧/٤-١٣٠
المعاملة يشمل أموراً مادية وغير مادية، أما المادية فهي كالمبيت والنفقة
والكسوة، وأما غير المادية فهي كالحب والميل وغير ذلك مما يرجع إلى
الشعور النفسي، وأحاسيس النفس يصعب كبحها.
فكلف الله ما يستطيعه الرجال وهو العدل المادي، ورفع عنهم الحرج فيما
لا يستطيعونه من الحب والاشتهاء وأحوال الجبلَّة البشرية، كما هو الشأن في
سائر التكاليف، فإن الحب والبغض ونحوهما لسنا مكلفين به.
ولكن الله جعل التكليف بالمستطاع في معاملة النساء مشروطاً بأن يبذلوا
مافيه وسعهم وطاقتهم؛ لأن تكليف ما لا يستطاع داخل في حد الظلم، وما
ربك بظلام للعبيد.
وعن النبي ◌ّ﴾ أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول فيما رواه أصحاب
السنن الأربع عن عائشة: ((اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلُمْني فيما تملك
ولا أملك)) يعني المحبة؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه.
﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ اُلْمَيْلِ﴾ فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور،
فتمنعوها قسمتها من غير رضا منها، يعني أن اجتناب كل الميل مما هو في حد
اليسر والسعة، فلا تفرطوا فيه، وإن وقع منكم التفريط في العدل كله، وفيه
نوع من التوبيخ، فإذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية.
﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةٍ﴾ أي فتبقى هذه الأخرى أو المرأة المرغوب عنها
كالمعلّقة، لا هي مطلقة ولا هي متزوجة، بل عليكم إرضاؤها وحسن عشرتها
وحفظ حقوقها.
روى الإمام أحمد وأهل السنن وأبو داود الطيالسي عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ◌َ له: ((من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة،
وأحد شقّيه ساقط)).
٣٠٩
لُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٢٧/٤ -١٣٠
﴿وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ أي وإن أصلحتم أموركم وقسمتم بالعدل، وتبتم
عن الميل والجور، واتقيتم الله في المستقبل في جميع الأحوال، غفر الله لكم ما
كان من ميل في الماضي إلى بعض النساء دون بعض، وكان شأن الله دائماً
المغفرة للمقصرين والرحمة بعباده التائبين الراجعين إليه.
والحالة الثالثة:
وهي حالة الفراق: أخبر الله تعالى أنه إذا تفرّق الزّوجان لاستعصاء
الحلول والعلاج والتوفيق والمصالحة بينهما، فإن الله يغني الرّجل عنها،
ويغنيها عنه، بأن يعوّضه الله من هو خير له منها، ويعوّضها عنه بمن هو خير
لها منه، وكان الله واسع الفضل، عظيم المنّ، حكيماً في جميع أفعاله وأقداره
وشرعه.
فقه الحياة أو الأحكام:
الاستفتاء في الدِّين أمر مطلوب شرعاً؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَثَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ
إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣/١٦]، والآية (١٢٧) نزلت للجواب عن
الاستفتاء فيما يجب للنساء وما يجب عليهنّ مطلقاً، وقد كان رسول الله وعليه
يسأل عن أحكام كثيرة تتعلّق بالنّساء، سواء في الميراث وغير ذلك.
والمراد بقوله: ﴿مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ أي ما فرض لهنّ من الميراث أو الصَّداق
أو النكاح وما يعم ذلك كله وغيره.
﴿ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ﴾: معناه أنهم كانوا يسألون عن أحوال
كثيرة، فما كان منها غير مبيَّن الحكم قبل نزول هذه الآية، ذكر أن الله يفتيهم
فيه. وما كان منها مبيّن الحكم في الآيات المتقدّمة مثل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ
نُقْسِطُواْ فِى الْيَ﴾ (الآية ٣) أحالهم فيه إلى تلك الآيات، وذكر أنها تفتيهم
فيما عنه يسألون. وقد جعل دلالة الكتاب على الأحكام إفتاء من الكتاب، إذ
يصح القول: إن كتاب الله بيَّن كذا، وإن كتاب الله أفتى بكذا.
٣١٠
لُ (٥) - الشَّاءِ: ١٢٧/٤ -١٣٠
واحتجّ بعض الحنفية بقوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ على أنه يجوز
لغير الأب والجدّ تزويج الصغيرة؛ لأن الله ذكر الرغبة في نكاحها، فاقتضى
جوازه.
وقال الشافعية: إن الله ذكر في هذه الآية ما كانت تفعله الجاهلية على طريق
الذّم، فلا دلالة فيها على ذلك، على أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحهنّ فعله في
حال الصّغر.
والخلاصة: إن الآية ترغُّب في الإحسان ليتامى النساء بالميراث والصداق
والنكاح وغير ذلك، كما ترغب وتأمر بالإحسان إلى الولدان الضعفاء
الصغار، ردّاً على ما كان عليه أهل الجاهلية، إذ كانوا لا يورثونهم كما لا
يورثون النساء، وتأمر أيضاً بمعاملة اليتامى بالعدل. وختمت الآية بما يؤكد
الأوامر السابقة، فأعلنت: وما تفعلوه من خير يتعلق بهؤلاء المذكورين أو
بغيرهم، فإن الله يجازيكم عليه، ولا يضيع عنده منه شيء.
ومن الأحكام التي أخبر الله تعالى أنه يفتيهم بها في النساء: علاج حالة
النشوز أو الإعراض من الرجل عن زوجته، والإعراض: الانصراف عنها
بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه، مثل أن يقلل محادثتها أو مؤانستها
لكبر سنّ أو دمامة أو عيب خلقي أو ملال. والإعراض أخفّ من النّشوز.
والعلاج بالصّلح بأن تترك له المرأة يومها، كما فعلت سودة رضي الله عنها
مع رسول الله وَسير، أو تضع عنه بعض ما يجب له من نفقة أو كسوة أو تهب له
شيئاً من مهرها، أو تعطيه مالاً لتستعطفه وتستديم المقام معه.
ولا يكون أخذ الرجل شيئاً من مال الزوجة بالصلح أكلاً بالباطل أو أخذاً
بالإكراه إذا كان هناك عذر حقيقي مما تقدّم، دون اتّخاذ الأعذار ذريعة أو
حيلة لأخذ المال، فإن لم يكن هناك مسوغ مقبول شرعاً، ولكنه تظاهر بالنشوز
والإعراض، كان أخذ المال حراماً.
٣١١
لُعُ (٥) - التَّةِ: ١٢٧/٤ -١٣٠
والسبب في أنه تعالى أجاز للرجل أخذ شيء من مال المرأة حال النشوز
الحاصل منه، وجعل لنشوز المرأة عقوبة من زوجها يعظها ويهجرها في
المضجع ويضربها، فقال: ﴿وَاَلَِّ تَخَافُونَ نُشُوزَهُربَّ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى
اَلْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤/٤]: السبب أن الله تعالى جعل للرجال
درجة القوامة على النساء، فليس للمرؤوس معاقبة رئيسه، وأن الله فضّل
الرجال على النساء في العقل والدين وتحمل التكاليف الشاقة، والتفضيل
يقتضي ألا يكون نشوز الرجل إلا لسبب قاهر، أما المرأة لغلبة عواطفها عليها
ونقصان عقلها ودينها فيكثر منها النشوز لأتفه الأسباب، ثم إن للرجل حقّ
مفارقة المرأة بالطلاق دون العكس، فلا يكون لها سبيل عليه إذا بدت منه
أمارات الفرقة وعلامات الكراهية.
ودلّ قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ على أن أنواع الصُّلح كلها مباحة في
هذه المسألة بإعطاء أحدهما للآخر مالاً، أو بتنازل المرأة عن حقّها في المبيت
مطلقاً أو لمدة معينة أو لفترة طويلة. بل إن الآية تدلّ على جواز الصّلح في غير
أحوال النزاع بين الزوجين إلا ما خصّه الدَّليل، وهو يدلّ على جواز الصُّلح
عن إنكار والصُّلح من المجهول، كما قال الجصاص(١)؛ لأن وقوع الجملة
اعتراضاً وجريانها مجرى الأمثال، مما يرجّح كون اللفظ عاماً. وقال القرطبي
ج
أيضاً: ﴿ وَالضُّلْحُ خَيْرٌ﴾ لفظ عام مطلق يقتضي أن الصُّلح الحقيقي الذي
تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق. ويدخل في هذا المعنى
الصُّلح بين الرّجل وامرأته في مال أو وطء أو غير ذلك(٢).
وأخبر الله تعالى بقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ بأن الشّحّ في كل
أحد، وأن الإنسان لا بدّ أن يشخّ بحكم خلقته وجبلّته، حتى يحمل صاحبه
(١) أحكام القرآن: ٢٨٣/١
(٢) تفسير القرطبي: ٤٠٦/٥
٣١٢
الجُ (٥) - النِّشَكَاءِ: ١٢٧/٤ -١٣٠
على بعض ما يكره. والشّح إذا أدّى إلى منع الحقوق الشرعية أو التي تقتضيها
المروءة فهو البخل وهو داء.
ودلّ قوله تعالى: ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ وهو خطاب للأزواج على أن
للزوج أن يشحّ ولا يحسن، أي إن تحسنوا وتتّقوا في عشرة النساء بإقامتكم
عليهنّ مع كراهيتكم لصحبتهنّ واتِّقاء ظلمهنّ فهو أفضل لكم.
أما العدل المرفوع من دائرة التكاليف فهو الذي لا يخضع لسلطة الإنسان
وإرادته، وإنما يكون من أمور الجبلَّة البشرية التي لم يكلفنا الله عزّ وجلّ بشيء
منها كالحبّ والكراهية، فهذا غير مستطاع، وهو داخل في تمام العدل
وكماله، وهو الذي أخبر تعالى عنه أنه محال، قال أئمة التفسير من السّلف
الصالح كابن عباس وقتادة ومجاهد وأبي عبيدة وغيرهم: إن العدل الذي أخبر
الله عنه أنه غير مستطاع: هو التّسوية بين الزوجات في الحبّ القلبي وميل
الطباع، ومعلوم أن ذلك غير مقدور. فالعدل غير المستطاع في هذه الآية هو
العدل في المحبّة القلبية فقط، وإلا لتعارضت الآية مع الآية السابقة: ﴿فَأَنْكِحُواْ
مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ اٌلْنِسَآءِ مَثْنَى﴾ .
وأما العدل المأمور به الذي جعل شرطاً في جواز تعدد الزوجات أو الجمع
بينهن فهو التسوية بينهن فيما يقدر عليه المكلف، ويملكه، مثل التسوية بينهن
في القَسْم والنفقة والكسوة والسكنى وما يتبع ذلك من كل ما يملك ويقدر
علیه.
ويترتب عليه أنه لا تجب التسوية بين النساء في المحبة، فإنها لا تملك،
وكانت عائشة رضي الله عنها كما تقدّم أحبّ نسائه إليه ◌َّ. وأخذ منه أنه لا
تجب التسوية بينهن في الوطء؛ لأنه موقوف على المحبة والميل، وهي بيد مقلّب
القلوب.
ولكن لا يصح التّخاذ الميل سبباً للظلم، لقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ
٣١٣
الزُعُ (٥) - الشَّاءِ: ١٢٧/٤ -١٣٠
اُلْمَيْلِ﴾ قال مجاهد: لا تتعمدوا الإساءة، بل الزموا التسوية في القسم
والنفقة؛ لأن هذا مما يستطاع.
وينبغي صون كرامة المرأة واحترام شخصيتها وعدم إلجائها إلى الانحراف،
لقوله تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي لا هي مطلَّقة ولا ذات زوج. وهذا
تشبيه بالشيء المعلّق من شيء؛ لأنه لا على الأرض استقرّ، ولا على ما عُلِّق
عليه انحمل.
وبعد أن رغَّب الله في الصلح بين الزوجين وحثَّ عليه، ذكر في قوله:
﴿ وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّ مِّنْ سَعَتِهِ،﴾ جواز الفرقة إذا لم يكن منها بدّ،
وطيَّب الله خاطر كلٍّ من الزوجين، ووعد كل واحد منهما بأنه سيغنيه عن
الآخر، إذا كان القصد من الفرقة هو التّخوّف من ترك حقوق الله التي
أوجبها، فليحسنا الظنّ بالله، فقد يقيض للرجل امرأة تقرّ بها عينه، وللمرأة
من یوسّع عليها.
وروي عن جعفر بن محمد أن رجلاً شكا إليه الفقر، فأمره بالنكاح،
فذهب الرجل وتزوّج، ثم جاء إليه وشكا إليه الفقر، فأمره بالطَّلاق؛ فسئل
عن هذه الآية فقال: أمرته بالنكاح لعله من أهل هذه الآية: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ
يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢/٢٤]، فلما لم يكن من أهل تلك الآية أمرته
بالطلاق فقلت: فلعله من أهل هذه الآية: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّا مِّن
سَعَتِهٍ﴾(١).
ثم ختم الله الآية بأنه كان وما يزال غنّاً كافياً للخلق، حكيماً متقناً في
أفعاله وأحكامه. وهذا نصّ صريح على أن الله هو مصدر الرزق والغنى
والسعة، وأنه متكفّل بأرزاق العباد، وأن حكمته سامية عالية في كل شيء
خلقاً وإبداعاً، وتشريعاً وحُكْماً، وتصرُّفاً وجزاءً.
(١) تفسير القرطبي: ٤٠٨/٥
٣١٤
الُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٣١/٤-١٣٤
لله حقيقة الملك في الكون وكمال القدرة
والمشيئة وثواب الدُّنيا والآخرة للمجاهد
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَلَقَدْ وَضَّيْنَا ◌ُلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن
قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِىِ اُلسَّمَوَتِ وَمَا فِى
اُلْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَكَفَى بِاللَّهِ
وَكِيلًا لشـ
إِن يَشَأَ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِشَاخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ
قَدِيرًا (بنين)
مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَّوَابُ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةِّ وَكَانَ اللَّهُ
سَمِيعًا بَصِيرًا
الإعراب:
﴿مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ﴾ وإياكم: ضمير منفصل منصوب
عطفاً على ﴿الَّذِينَ﴾ وهو مفعول وصينا، والتقدير: ولقد وصينا الذين أوتوا
الكتاب وإياكم بأن اتَّقوا الله. وحذف حرف الجر من ﴿أَنِ﴾. أو تكون ﴿أَنِ﴾
المفترة؛ لأن التوصية في معنى القول.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ◌ُلَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِتَبَ﴾ أي أمرنا اليهود والنصارى في كتبهم،
والكتاب: اسم جنس يتناول الكتب السماوية. ﴿ وَإِيَّاكُمْ﴾ يا أهل القرآن.
﴿أَتَّقُواْ اللَّهُ﴾ خافوا عقابه بأن تطيعوه. ﴿وَ إِن تَكْفُرُوا﴾ وقلنا لهم ولكم: إن
تكفروا بما وصيتم به ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضَِّ﴾ خلقاً وملكاً
وعبيداً فلا يضرّه كفركم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ عن خلقه وعن عبادتهم.
﴿حَميدًا﴾ محموداً في صنعه بهم، سواء حمده الناس أو لم يحمدوه. ﴿ وَلِلَّهِ مَا
٣١٥
الزُعُ (٥) - النِّشَاءِ: ١٣١/٤-١٣٤
فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ﴾ كرر الجملة تأكيداً لتقرير موجِب التقوى ﴿وَكَفَى
بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ قيّماً حافظاً شهيداً بأن ما فيهما له.
المناسبة:
لما أمر الله تعالى بالعدل والإحسان إلى اليتامى والضعفاء، أوضح أنه ما
أمر بهذه الأفعال لحاجته إلى أعمال العباد؛ لأن كل ما في السماوات
والأرض ملكه، فهو غني عنهم وقادر على إغنائهم، ولكن ليحمل العباد على
أعمال الخير والبر.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى أنه مالك السماوات والأرض وأنه الحاكم فيهما، وأن جميع
ما فيهما لله ملكاً وخلقاً وإيجاداً وتصريفاً وعبيداً، له الحكم المطلق.
ولقد أمرنا من قبلكم من اليهود والنصارى وغيرهم بما أمرناكم،
ووصیناهم بما وصیناكم به من تقوى الله عزّ وجلّ بعبادته وحده لا شريك له،
وإقامة سننه وشريعته.
وإن تكفروا نعم الله وإحسانه، فإن الله مالك الملك لا يضرّه كفركم
وعصيانكم، كما لا ينفعه شكركم وتقواكم، وقد أوصى بهما لرحمته، لا
لحاجته. وقوله: ﴿وَإِن تَكْفُرُوا﴾ عطف على ﴿اَتَّقُوا﴾ لأن المعنى أمرناهم
وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله الملك، والمعنى - كما
قال الزمخشري(١) -: إن الله الخلق كله، وهو خالقهم ومالكهم، والمنعم
عليهم بأصناف النعم كلها، فحقّه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصّ، يتّقون
عقابه، ويرجون ثوابه، ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من الأمم السالفة
(١) الكشاف: ٤٢٨/١-٤٢٩
٣١٦
لُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٣١/٤-١٣٤
ووصيناكم أن اتَّقوا الله، يعني أنها وصية قديمة ما زال يوصي الله بها عباده،
لستم بها مخصوصين؛ لأنهم بالتقوى يسعدون عنده، وبها ينالون النجاة في
العاقبة، وقلنا لهم ولكم: وإن تكفروا فإن الله في سماواته وأرضه من الملائكة
والثقلين من يوحّده ويعبده ويتّقيه.
وكان الله بذاته غنيّاً عن خلقه وعن كل شيء وعن عبادتهم جميعاً، مستحقّاً
لأن يحمد بذاته وكمال صفاته لكثرة نعمه، وإن لم يحمده أحد منهم، قال الله
سبحانه: ﴿مَّ أُرِدٌ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو
[الذاريات: ٥٧/٥١-٥٨].
٥٨
اُلْقُوَّةِ الْمَنِينُ
ثم كرر القول للتأكيد: ولله ما في السماوات وما في الأرض خلقاً وملكاً
يتصرّف فيهما كيف شاء إيجاداً وإعداماً، إحياءً وإماتةً، وكفى بالله وكيلاً، أي
قيِّماً وحافظاً وكفيلاً لأمور العباد في أرزاقهم وسائر شؤونهم.
قال الزمخشري: تكرير قوله: ما في السماوات وما في الأرض: تقرير لما
هو موجب تقواه، ليتّقوه فيطيعوه ولا يعصوه؛ لأن الخشية والتّقوى أصل
الخير كله(١).
ثم هدّد تهديداً عاماً صريحاً فقال:
إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين، أي إن يرد إفناءكم وإيجاد قوم
آخرين بدلاً منكم، فهو قادر على ذلك؛ لأن كل شيء في السماوات والأرض
تحت قبضته وخاضع لسلطانه، وكان الله على ذلك من الإعدام والإيجاد بليغ
القدرة، لا يمتنع عليه شيء أراده.
وهذا غضب على المشركين الذين كانوا يؤذون النَّبِي وَل ويقاومون دعوته،
(١) المرجع السابق: ص ٤٢٩
٣١٧
الُ (٥) - النَّةِ: ١٣١/٤-١٣٤
وتخويف وبيان لاقتداره على الإذهاب والتَّبديل إذا عصيتموه، كما قال:
﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨/٤٧]، قال
بعض السَّلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره. وقال تعالى: ﴿إِن
[إبراهيم: ١٤/
٢٠
يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقِ جَدِيدٍ ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ بِعَزِيزٍ
١٩ - ٢٠] أي وما هو عليه بممتنع.
ثم قال تعالى: ﴿مَّنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي من كان بسعيه وعمله
وجهاده يريد ثواب الدُّنيا أي نعيمها بالمال والجاه ونحوهما، فعند الله ثواب
الدُّنيا والآخرة، كالمجاهد الذي يريد بجهاده الغنيمة، فما له يطلبها فقط وهي
خسيسة، بل عليه أن يطلب خيري الدُّنيا والآخرة، فيأخذ الغنيمة وينال الجنة
إن جاهد لله خالصاً، والمعنى: فعند الله ثواب الدُّنيا والآخرة له إن أراده،
فعليه أن يرجو ثوابهما معاً. وفي هذا إيماء إلى أن الدين يهدي أهله لسعادتي
الدُّنيا والآخرة، وأن تلك الهداية من فضله تعالى ورحمته، ولو استقام المسلمون
على أوامر ربّهم وهدي دستورهم لظلّوا سادة العالم.
وهي نظير قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى الذُّنْيَا
وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقِ، وَمِنْهُم مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَائِنَا فِِ الدُّنْيَا
حَسَنَةً وَفِى الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ جَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا
كَسَبُواْ﴾ [البقرة: ٢٠٠/٢-٢٠٢]، وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ
ج
نَزِدْ لَهُ فِى حَرِئِ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْيِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِىِ الْآَخِرَةِ مِن
﴾ [الشورى: ٢٠/٤٢]، وقال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ
٢٠
نّصِيب
فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن تُرِيدٌ﴾ - إلى قوله - ﴿كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍِ﴾
[الإسراء: ٢١/١٧].
ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي كان الله وما يزال
سميعاً لأقوال عباده، بصيراً بكل قصد وعمل، فعليهم أن يراقبوه في الأقوال
والأفعال.
٣١٨
لُزُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٣١/٤-١٣٤
فقه الحياة أو الأحكام:
المستفاد من هذه الآيات هو معرفة ثوابت الأخبار الدائمة في الوحي الإلهي
منذ بدء الخليقة، وفي كل ملة ودين، ولكل العاملين والمجاهدين في سبيل الله،
وهي ما يأتي:
١ - لله ملك السماوات والأرض ملكاً وخلقاً وتصرفاً وسلطاناً.
٢ - الأمر بالتقوى بامتثال الأوامر الإلهية واجتناب النواهي عام لجميع
الأمم. قال بعض العارفين عن آية ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ﴾: هذه الآية هي رَحَى
آي القرآن؛ لأن جميعه يدور عليها.
٣ - الله تعالى لا تضره معصية العباد وكفرهم، ولا تنفعه طاعتهم وإيمانهم.
ولقد كرر قوله: ﴿وَإِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ﴾ في الآية (١٣١)
مرتين، ثم في الآية (١٣٢): إما تأكيداً، ليتنبه العباد وينظروا ما في ملكوته
. وملكه، وأنه غني عن العالمين، أو كرره لفوائد: فأخبر أولاً أن الله تعالى يغني
كلاً من سعته (رزقه)؛ لأن له ما في السماوات وما في الأرض، فلا تَنفَد
خزائنه. ثم قال ثانياً: أوصيناكم وأهل الكتاب بالتقوى، وإن تكفروا فإنه غني
عنكم؛ لأن له ما في السماوات وما في الأرض. ثم أعلم ثالثاً بحفظ خلقه
وتدبيره إياهم بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ لأن له ما في السماوات وما في
الأرض. وقال: ﴿مَا فِىِ السَّمَوَتِ﴾ ولم يقل: من في السماوات؛ لأنه ذهب
به مذهب الجنس، وفي السماوات والأرض من يعقل ومن لا يعقل.
والخلاصة: كان التكرار لترسيخ الاعتقاد بأن كل شيء من سعة الله،
وللإعلان عن غنى الله المطلق فلا يتضرر بكفر العباد، ولبيان قيام الله بحفظ
خلقه وتدبيره إياهم.
٤ - لله المشيئة المطلقة والقدرة الكاملة في إذهاب المشركين والمنافقين وكل
٣١٩
الُ (٥) - النِشَاءِ: ١٣١/٤-١٣٤
العصاة، والإتيان بآخرين هم أطوع لله من الموجودين. وفي الآية: ﴿إِن يَشَأْ
يُذْهِبْكُمْ﴾ تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورياسة، فلا يعدل
في رعيته، أو كان عالماً فلا يعمل بعلمه، ولا ينصح الناس، من أن يذهبه
ويأتي بغيره.
والقدرة صفة أزلية لله تعالى، لا تتناهى مقدوراته، كما لا تتناهى
معلوماته، والماضي في قوله مثلاً: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ والمستقبل في
صفاته بمعنى واحد. وإنما خص الماضي بالذكر لئلا يتوهم أنه حديث في ذاته
وصفاته. والقدرة: هي التي يكون بها الفعل، ولا يجوز وجود العجز معها.
٥ - من عمل بما افترضه الله عليه طلباً للآخرة، آتاه الله ذلك في الآخرة،
ومن عمل طلباً للدنيا آتاه بما كتب له في الدنيا، وليس له في الآخرة من
ثواب؛ لأنه عمل لغير الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا لَهُ فِىِ الْآَخِرَةِ مِن
نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠/٤٢]. وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِىِ الْآَخِرَةِ إِلَّا
النَّارُ﴾ [هود: ١٦/١١] وهذا على أن يكون المراد بالآية: المنافقون والكفار،
وهو اختيار الطبري(١).
والحق كما ذكر ابن كثير: أن الآية عامة ومعناها ظاهر، فلا يقتصرنَّ
قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب
العالية في الدنيا والآخرة (٢).
(١) تفسير الطبري: ٢٠٥/٥، تفسير القرطبي: ٤١٠/٥
(٢) تفسير ابن كثير: ٥٦٥/١
٣٢٠
لِلُزُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٣٥/٤-١٣٦
العدل في القضاء والشهادة بحق
والإيمان بالله والرسول والكتب السماوية
يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىَّ أَنفُسِكُمْ
أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنُّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا قَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَىَّ
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ
أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِىّ
أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ
ضَلَلَا بَعِيدًا
القراءات:
﴿وَإِن تَلْوُرأْ﴾: قرئ:
١- (وإن تَلُؤْا) وهي قراءة ابن عامر، وحمزة.
٢- (وإن تَلْوُوا) وهي قراءة الباقين.
﴿ نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ﴾ قرئ:
١- (نُزِّل، أُنزِل) بالبناء للمفعول، وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو،
وابن عامر.
٢- (نَزَّل، أَنْزَل) بالبناء للفاعل، وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿شُهَدَآءَ﴾ منصوب إما لأنه صفة قوامين، أو حال من ضمير قوامين.
﴿ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّ﴾: إنما قال: بهما، ولم يقل: به؛
لأن ﴿أَوْ﴾ لأحد الشيئين لأربعة وجوه: