النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
الزُ (٥) - التَّاءِ: ١٠٤/٤
اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا﴾: أنه كان يقول: لم يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها
جزاء، ثم عذَرهم إن عنَّ ما يمنعهم من أدائها من العذر، إلا الذكر، فإن الله لم
يجعل له حدّاً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله، فقال:
فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم بالليل والنهار، في البر والبحر، والسفر
والحضر، والغنى والفقر، والصّحة والمرض والشّر والعلانية، وعلى كل حال.
وأما فرضية الصلاة بنحو دائم: فإن الله تعالى أبان أنه إذا أقمتم، وهو
مقابل لقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَيْثُمَّ فِى الْأَرْضِ﴾ وزال عنكم الخوف الذي ترتب عليه
قصر الصلاة وقصر صفتها وهيئتها، فأدّوا الصلاة على وجهها الأكمل تامّة
الأركان والعدد والهيئة، إن الصلاة مفروضة عليكم في وقت معين، أي إنها
مفروضة مؤقتة، لا يجوز تجاوز أوقاتها المعلومة، بل لا بدّ من أدائها في أوقاتها
سفراً وحضراً. وبيَّنت السُّنّة النَّبوية أحوال القصر والجمع تقديماً وتأخيراً في
السفر تخفيفاً ورخصةً وتيسيراً على المسافر.
والسبب في جعل الصلوات الخمس مفروضة بأوقات معينة: أن تكون
مذكرة للمؤمن بربِّه في الليل والنهار، وفي أوقات دورية، لئلا تحمله الغفلة
على الشّر أو التّقصير في الخير. كما أن في تحديد الأوقات توحيداً. لقلوب
المسلمين.
الحث على القتال بعدم التفكير في الآلام
وانتظار إحدى الحسنيين
﴿وَلَا تَهِنُواْ فِى أَبْتِغَاءِ الْقَوْءِّ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا
تَأْلَمُونٌَّ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَُ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
١٠٤

٢٦٢
الجُرُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٠٤/٤
المفردات اللغوية:
﴿وَلَا تَهِنُواْ﴾ لا تضعفوا. ﴿فِي أَبْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ في طلب القوم، وهم
الكفار، لتقاتلوهم. ﴿تَأْلَمُونَ﴾ تجدون ألم الجراح. ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا
تَأْلَمُونَ﴾ أي مثلكم ولا يجبنون عن قتالكم . ﴿وَكَانَ اَللَّهُ عَلِيمًا﴾ بكل شيء
«حکیماً)) في صنعه.
سبب النزول:
قيل: نزلت في حرب أُحد، حيث أمر النبي ◌َّ بالخروج في آثار المشركين،
وكان بالمسلمين جراحات، وقد أمر ألا يخرج معه إلا من كان في الوقعة، كما
تقدم في ((آل عمران)».
المناسبة:
الآيات السابقة في بيان كيفية الصلاة في أثناء المعركة، وقد نبهت إلى شدة
عداوة الكفار وانتظارهم الفرصة المواتية لضرب المسلمين، ونبهت أيضاً إلى ما
يجب أن يكون عليه المؤمنون من أخذ الحذر أثناء الصلاة.
وهنا ينهى الله تعالى عن الضعف في القتال؛ لأن الألم في الحروب وإن كان
مشتركاً بين الفريقين، فإن المؤمن يمتاز بما له من الرجاء عند ربه، بأنه ينتظر
إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الجنة والثواب، فهذه الآية عود إلى بعث
المؤمنين وحثهم على القتال بأسلوب إقناعي مستمد من الواقع.
التفسير والبيان:
ولا تضعفُوا في قتال الأعداء ولا تتواكلوا، واستعدوا لقتالهم دائماً بعد
الفراغ من الصلاة، ولا تترددوا في خوض المعارك الفاصلة مع الأعداء بحجة
ما يصيبكم من آلام القتل والجرح، فذلك أمر مشترك بين كل فريقين
متحاربين؛ لأنهم بشر مثلكم يتألمون ويصبرون، فما لكم لا تصبرون وأنتم
أولی بالصبر؟!

٢٦٣
الُ (٥) - الشَّاءِ: ١٠٤/٤
والحقيقة أنه لا يوجد لقتالهم هدف مقبول؛ لأنهم على الباطل، والباطل في
النهاية زائل، وأنتم على حق، ولم يعدهم الله بالنصر كما وعدكم، وليس لهم
ثواب ولا ثمرة عائدة إليهم من قتالهم والله ضمن لكم الجنة، وليس عندهم
ملجأ يستمدون منه النصر إلا الأصنام وهي لا تضر ولا تنفع، وأنتم
بعبادتكم الله وحده تلجؤون إليه في طلب النصر والرحمة، وهو الذي بيده
مفاتيح السماوات والأرض، وبقدرته ومشيئته يتحقق النصر.
وإنكم ترجون من الله مالا يرجون من ظهور الدين الحق على سائر الأديان
الباطلة، ومن الثواب الجزيل ونعيم الجنة.
والله تعالى وعدكم إحدى الحسنيين: النصر أو الجنة بالشهادة إذا أخلصتم
النية، ونصرتم دين الله، ودافعتم عن حرماته.
أما فاقد الأمل، اليائس من الآخرة، فإنه يكون عادة جباناً ضعيف العزيمة
فاتر الهمة، يقاتل فقط تنفيذاً للأوامر أو للعصبية، والعنصرية، والنزعة
الجامحة في التفوق والسيادة على الأمم.
وكان الله عليماً حكيماً، عليماً بحالكم، حكيماً فيما يأمركم به وينهاكم
عنه، فلا يكلفكم شيئاً إلا ما فيه صلاحكم في دينكم ودنياكم على مقتضى
علمه وحكمته.
فقه الحياة أو الأحكام:
نظير هذه الآية: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ فَرٌْ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْعٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل
عمران: ١٤٠/٣]، وكلتا الآيتين تحضّان على القتال، والصبر في ميدان المعركة،
والثبات أمام الأعداء، وتجنب الاستضعاف والتراخي وفتور الهمة والعزيمة.
وفيهما إقناع بأدلة واقعية، فإن الحرب دمار وخراب وتقتيل وجراح

٢٦٤
لُ (٥) - النَشَاءِ: ١٠٥/٤-١١٣
وخسارة مال للفريقين المتحاربين، فإن كان المؤمنون يتألمون مما أصابهم من
الجراح، فأعداؤهم يتألمون أيضاً مما يصيبهم.
ولكن للمؤمنين مزية: وهي أنهم يرجون النصر وثواب الله، وغيرهم لا
يرجونه؛ لأن من لا يؤمن بالله لا يرجو من الله شيئاً، فينبغي أن تكونوا
أرغب منهم في القتال.
والله تعالى عليم بكل الأشياء وأحوال عباده المؤمنين، فلا يشرع لهم إلا ما
فيه الحكمة البالغة والمصلحة المؤكدة، والنفع الثابت الدائم.
القضاء بالحق والعدل المطلق
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَكَ اللَّهَ وَلَا
﴿ وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا
تَكُنْ لِلْخَايِنِينَ خَصِيمًا
وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَانًا أَثِمًا
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا
يَرْضَى مِنَ اُلْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴿ هَتَأَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ
فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ
وَكِيلا
وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ
وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا
غَفُورًا رَّحِيمًا
وَمَن يَكْسِبْ خَطِيْئَةً أَوْ إِنَّمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيّئًا فَقَدٍ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَّا
حَكِيمًا
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَمَّت ◌َابِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن
وَإِثْمًا مُبِينًا
يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمّ وَمَا يَضُرُونَكَ مِن شَىْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ
اُلْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمَّ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَكَ عَظِيمًا

٢٦٥
الُرُ (٥) - النِّشَّاءِ: ١٠٥/٤-١١٣
الإعراب:
﴿ِاَلْحَقِّ﴾ حال مؤكدة من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾.
﴿ِمَا أَرَنَكَ اللَّهُ﴾ أي أراكه الله، فالكاف المفعول الأول، والهاء المحذوفة:
المفعول الثاني؛ لأن ((أرى)) هنا تتعدى إلى مفعولين؛ لأنها قلبية اعتقادية. ولا
يجوز أن تكون ((أرى)) بمعنى ((أعلم))؛ لأن ((أعلم يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل،
وليس في الآية إلا مفعولان: الكاف والهاء. ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلاءِ﴾ ها: للتنبيه في
أنتم وأولاء، وهما مبتدأ وخبر.
﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا﴾ لم يقل: بهما؛ لأن معنى قوله: ومن يكسب خطيئة أو
إثماً: ومن يكسب أحد هذين الشيئين، ثم يرم به؛ لأن ((أو)) لأحد الشيئين.
البلاغة:
يوجد جناس مغاير في ﴿يَخْتَانُونَ﴾ ﴿خَوَّانًا﴾ وفي ﴿وَأَسْتَغْفِرِ﴾ ﴿غَفُورًا﴾
وفي ﴿يَسْتَغْفِرٍ﴾ ﴿غَفُورًا﴾.
ويوجد طباق السلب في ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿بِمَّآ أَرَكَ﴾ بما عرَّفك وأوحى به إليك ﴿لِلْخَآَيِنِينَ﴾ الذين يخونون
الناس وأنفسهم بالسرقة وارتكاب المعاصي واتهام الآخرين بها . ﴿ خَصِيمًا﴾
مخاصماً ومدافعاً عنهم. ﴿ وَلَا تُحَدِلْ﴾ الجدال: أشد أنواع المخاصمة.
﴿يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يخونونها بالمعاصي؛ لأن وبال خيانتهم عليهم. ﴿خَوَّانًا﴾
كثير الخيانة.
﴿أَثِيمًا﴾ مبالغاً في ارتكاب الإثم.﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يستترون من الناس حياء
وخوفاً. ﴿يُبَيِّتُونَ﴾ يضمرون ويدبرون. ﴿مَا لَا يَرْضَى مِنَ اُلْقَوْلِ﴾ من عزمهم

٢٦٦
الُرُ (٥) - الشَّاءِ: ١٠٥/٤-١١٣
على الحلف على نفي السرقة ورمي اليهودي بها . ﴿ مُحِيطًا﴾ عالماً بكل شيء،
أي شاملاً علمه الأشياء كلها.
﴿جَدَلْتُمْ﴾ خاصمتم. ﴿وَكِيلًا﴾ مدافعاً محامياً يتولى أمرهم ويذب
عنهم، أي لا أحد يفعل ذلك. ﴿سُوْءًا﴾ ذنباً يسوء به غيره. ﴿أَوْ يَظْلِمْ
نَفْسَهُ﴾ يعمل ذنباً قاصراً عليه. ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ منه أي يتب،
والاستغفار: طلب المغفرة من الله مع الندم على الذنب والتوبة منه. ﴿إِنَّمَا﴾
ذنباً فإنما يكسبه على نفسه؛ لأن وباله عليها ولا يضر غيره.
﴿خَطِيِّئَةً﴾ ذنباً صغيراً، والفرق بين الخطيئة والإثم: أن الخطيئة هي
الذنب المتعمد أو غير المتعمد، أو الذنب الصغير. والإثم: الذنب المتعمد
الملحوظ فيه أنه ذنب، أو أنه الذنب الكبير.
﴿يَرْمِ بِهِ،﴾ ينسبه إليه ويقذفه به. ﴿أَحْتَمَلَ﴾ تحمل أي كلف نفسه أن
تحمل . ﴿بُهْتَنَا﴾ البهتان: افتراء الكذب على غيرك، مما يجعله يتحير عند
سماعه ويصطدم بما يبهته.
﴿لَمَّت﴾ أضمرت. ﴿أَن يُضِلُّكَ﴾ أن يصرفوك عن القضاء بالحق
بتلبيسه عليك. ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ﴾ لأن وبال إضلالهم عليهم. ومن:
زائدة.
سبب النزول:
روى الترمذي والحاكم وابن جرير عن قتادة بن النعمان: أن هؤلاء
الآيات أنزلت في شأن ◌ُعْمة بن أُبْرِقَ، وكان رجلاً من الأنصار، ثم أحد بني
ظَفَر، سرق درعاً لعمه كان وديعة عنده، وقد خبأها في جراب دقيق، فجعل
الدقيق ينتثر من خرق فيه، وخبأها عند زيد بن السمين من اليهود، فالتمسوا
الدرع عند طعمة، فلم يجدوها، وحلف بالله: ما أخذها وما له بها من علم،

٢٦٧
الجُزُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٠٥/٤-١١٣
فساروا في أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوها، فقال: دفعها
إلي طعمة، وشهد له ناس من اليهود بذلك، ولكن طعمة أنكر ذلك، فقالت
بنو ظَفَر وهم قوم طعمة: انطلقوا بنا إلى رسول الله، فسألوه أن يجادل عن
صاحبهم، وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودي؛ فهمَّ
النبي ◌َّلر أن يفعل وكان هواه معهم، وأن يعاقب اليهودي فنزلت. وهذا قول
جماعة من المفسرين(١).
وروي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد، وسقط عليه حائط في سرقة، فمات.
المناسبة:
هذه الآيات استمرار في تحذير المؤمنين من المنافقين، والاستعداد
لمجاهدتهم، ومن أخطر حالات الحذر: القضاء بين الناس، فعلى المؤمنين
القضاء بالحق والعدل دون محاباة أحد.
وقال العلماء: إن طعمة وقومه كانوا منافقين، وإلا لما طلبوا من الرسول
إلصاق تهمة السرقة باليهودي على سبيل التخرص والبهتان، بدليل قوله تعالى:
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَمَّت طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا
يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمّ وَمَا يَضُرُونَكَ مِن شَىْءٍ﴾.
التفسير والبيان:
أمر الله تعالى رسوله أن يقضي بين الناس بالحق والعدل دون محاباة أحد،
ولا إلحاق ظلم بأحد ولو كان غير مسلم، فقال له: إنا أنزلنا إليك هذا القرآن
بالحق في خبره وطلبه وحكمه بتحقيق الحق وبيانه، لأجل أن تحكم بين الناس
بما أوحى إليك وأعلمك من الأحكام، فتقضي بالوحي إن وجد، أو تقضي
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ١٠٣

٢٦٨
لُ (٥) - التَشَاءِ: ١٠٥/٤-١١٣
بالاجتهاد إن لم يوجد وحي صريح؛ فاحكم بين الناس بشريعة الله، ولا تكن
لمن خان نفسه مخاصماً ومدافعاً تدافع عنه، وترد من طالبه بالحق، أي لا
تتهاون في تحري الحق تأثراً بقوة جدل خصم في الخصومة.
وفي هذا دلالة - كما ذكر علماء الأصول - على أنه كان للنبي وَل ◌ّر أن يحكم
بالاجتهاد، بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله
وَيُ سمع جلَبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: ((ألا إنما أنا بشر،
وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض،
فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو
لیذرها».
وفي رواية الإمام أحمد عن أم سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار
يختصمان إلى رسول الله وَ ﴿ في مواريث بينهما قد دَرَست(١)، ليس عندهما
بينة، فقال رسول الله وَله: ((إنكم تختصمون إلى، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم
أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحوٍ مما أسمع، فمن
قضيت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي
بها، انتظاماً في عنقه يوم القيامة)) فبكى الرجلان، وقال كل منهما: حقي
لأخي، فقال رسول الله وَ له: ((أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق
بینکما، ثم استهما، ثم ليحلل کل منکم صاحبه)).
وفي رواية أبي داود من حديث أسامة بن زيد زيادة هي: ((إني إنما أقضي
بینکما برأي فیما لم ينزل علي فیه».
ومن أجاز الاجتهاد للنبي ◌َّه وهم الجمهور يقول: يجوز عليه الخطأ، لكنه
لا يقر على الخطأ، بدليل هذه الحادثة، وحادثة قبول الفداء من أسارى بدر.
(١) دَرَسَ الرسم: عفا.

٢٦٩
الزُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٠٥/٤-١١٣
واللام في قوله: ﴿لِلْخَيِنِينَ﴾ للتعليل، أي لا تكن لأجل الخائنين مخاصماً
لما يستعدونك عليه. والخائنون: هم طعمة وقومه.
واستغفر الله مما هممت به في أمر طعمة وبراءته التي لم تتثبت في شأنها،
وعقاب اليهودي.
والأمر بالاستغفار في هذا ونحوه لا يقدح في عصمة الأنبياء؛ لأنه لم يكن
منه إلا الهم، والهم لا يوصف بأنه ذنب، بل إن ذلك من قبيل ((حسنات
الأبرار سيئات المقربين)) وما أمره بالاستغفار إلا لزيادة الثواب، وإرشاده
وإرشاد أمته إلى وجوب التثبت في القضاء.
والنبي ◌َّه لم يحكم في هذه القضية قبل نزول الآيات، ولم يعمل بغير ما
يعتقد أنه حق، وإنما أحسن الظن بدفاع قوم طعمة، فبيَّن الله تعالى له حقيقة
الأمر، خلافاً لما ظنه من غلبة الصدق على المسلم وغلبة الكذب على اليهودي.
ثم رغب الله تعالى قوم طعمة وغيرهم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا
زَّحِيمًا﴾ أي إنه تعالى كثير المغفرة لمن استغفره، واسع الرحمة لمن استرحمه.
ولا تجادل يا محمد عن هؤلاء الذين يخونون أنفسهم بتعديهم على حقوق
الغير، وسمى خيانة غيرهم خيانة لأنفسهم؛ لأن ضررها عائد إليهم، أي لا
تدافع عن هؤلاء الخونة، ولا تساعدهم عند التخاصم.
إن الله يبغض كثير الخيانة معتاد الإثم أي ارتكاب الذنب واجتراح السيئة،
ويحب أي يثيب أهل الأمانة والاستقامة. وجاء الكلام بصيغة المبالغة، لعلم
الله بإفراط طعمة في الخيانة وركوب المآثم.
وعبر بقوله: ﴿لِّلْخَيِنِينَ﴾ و﴿يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ مع أن السارق طعمة

٢٧٠
لِزُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٠٥/٤-١١٣
وحده؛ لوجهين: أحدهما - أن بني ظفَر قومه شهدوا له بالبراءة ونصروه،
فكانوا شركاء له في الإثم. والثاني - أنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان
خيانته، فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه (١).
ثم بيَّن الله تعالى أحوال الخائنين وخصالهم المنكرة، فقال: إن شأن هؤلاء
الخائنين أنهم يستترون من الناس عند ارتكاب الجريمة إما حياء وإما خوفاً،
ولا يستترون ولا يستحيون من الله عالم الغيب والشهادة، الذي هو معهم أي
عالم بهم مطلع علیھم، لا يخفی علیه خافٍ من سرهم، إذ یدبرون ویزورون ما
لا يرضى الله من القول، وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد
اليهودي، ليسرق دونه، ويحلف بالبراءة.
وكان الله محيطاً بأعمالهم، حافظاً لها، فلا أمل في نجاتهم من عقابه. قال
الزمخشري: وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياء،
والخشية من ربهم، مع علمهم إن كانوا مؤمنين أنهم في حضرته لا سترة ولا
غفلة ولا غيبة(٢).
ثم حذر الله المؤمنين من معاونة الخونة أو التعاطف معهم فقال: يا من
جادلتم عن الخوانين، وحاولتم تبرئتهم في الدنيا، من يجادل الله عنهم يوم
القيامة، حين يكون الحاكم هو الله تعالى المحيط بأعمالهم وأحوالهم، ومن يجرؤ
أن يكون عنهم وكيلاً بالخصومة (محامياً)؟ فعلى المؤمنين مراقبة الله والاستعداد
للجواب في ذلك الموقف الرهيب أمام الله تعالى: ﴿يَوَّمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسِ
شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَيِدٍ لِلَّهِ
[الانفطار: ٨٢ /١٩].
وبعبارة أخرى: هَبُوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا، فمن
(١) الكشاف: ٤٢٣/١
(٢) المرجع والمكان السابق.

٢٧١
الُ (٥) - النِّشَكّاءِ: ١٠٥/٤-١١٣
يخاصم عنهم في الآخرة، إذا أخذهم الله بعذابه، ومن هو المستعد أن يكون
عنهم وكيلاً أي حافظاً ومحامياً من بأس الله وانتقامه؟
وفي هذا توبيخ وتقريع لمن أرادوا مساعدة طعمة على اليهودي، وفيه دلالة
أيضاً على أن حكم الحاكم ينفذ في الظاهر فقط، لا في الباطن، أي لا يُحل
للمحكوم له الحرام، ولا يجيز له أن يأخذ شيئاً علم أنه لا حق له فيه.
ثم رغب الله تعالى في التوبة فقال: ومن يعمل ذنباً قبيحاً يسوء به غيره، أو
يظلم نفسه بمعصية كالحلف الكاذب، ثم يطلب من الله المغفرة على ذنبه، يجد
الله غفوراً للذنوب، رحيماً بأهل العيوب، تفضلاً منه وإحساناً.
وفي ذلك ترغيب لطعمة وقومه بالتوبة والاستغفار، وبيان للمخرج من
الذنب، وتحذير لأعداء الحق الذين يحاولون طمس الحقائق وهدم صرح
العدل.
ثم حذر الله تعالى من ارتكاب الذنوب والمعاصي بنحو عام فقال: ومن
يرتكب ما يوجب الإثم من المعاصي، فإن إجرامه وعمله وبال على نفسه وضرر
على شخصه، لا يتعدى إلى غيره؛ لأنه هو الذي يعاقب على فعله. وكان الله
تعالى وما يزال واسع العلم بأفعال الناس، فشرع لهم ما يمنعهم عن تجاوز
شرائعه، وهو أيضاً عظيم الحكمة بتشريعه العقاب لمرتكب الإثم.
ومن عظائم الجرائم أن يفعل الإنسان ذنباً خطأ بلا قصد أو مع علمه بأنه
ذنب، ثم يتهم به شخصاً بريئاً، فهذا هو البهتان أي افتراء الكذب، ويكون
مرتكباً جريمتين: كسبه الإثم الذي يجعله آثماً، ورميه البريء الذي يصفه بأنه
باهت.
.
ثم أبان الله تعالى حمايته لنبيه فقال: ولولا فضل الله عليك ورحمته أي
عصمته وألطافه وما أوحى إليك من الاطلاع على سرهم، لهمت طائفة من بني

٢٧٢
لُ (٥) - النَشَاءِ: ١٠٥/٤-١١٣
ظفر أن يصرفوك عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل، مع علمهم بأن
الجاني هو صاحبهم.
أي لولا فضل الله عليك بالنبوة، والتأييد بالعصمة، ورحمته لك، ببيان
حقيقة الواقع، لهمت طائفة منهم أن يصرفوك عن الحكم العادل، ولكن
محاولاتهم باءت بالفشل، إذا جاءك الوحي ببيان الحق.
وهم في الحقيقة بانحرافهم عن طريق الحق والاستقامة لا يضلون إلا
أنفسهم؛ لأن الوزر عليهم فقط ووباله ملحق بهم، وهم لا يضرونك شيئاً؛
لأنك عملت بظاهر الحال، وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك،
والله يعصمك من الناس ومن اتباع الهوى في الحكم بينهم ومن كل مكروه.
والله أنزل عليك الكتاب أي القرآن، والحكمة أي فقه مقاصد الشريعة
وفهم أسرارها، وعلمك من الكتاب والشريعة، وإفهام الحقائق ما لم تكن
تعلم قبل ذلك من خفيات الأمور، وضمائر القلوب، وأمور الدين والشريعة.
وكان فضل الله عليك عظيماً؛ إذ أرسلك للناس كافة، وجعلك خاتم
النبيين، وشهيداً عليهم يوم القيامة، وعصمك من الناس، وجعل أمتك أمة
وسطاً عدولاً، فاشكر الله على ذلك، ولتشکر أمتك تلك النعم، حتى تكون
خير أمة أخرجت للناس، وقدوة حسنة للآخرين.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات طائفة من الأحكام:
١ - تفويض الحكم إلى النبي ◌َّير ليقضي بين الناس بالحق والعدل حسبما
علَّمه الله وأوحى إليه، سواء بالنص الصريح أو بالاجتهاد والرأي المعتمد على
أصول التشريع.

٢٧٣
الُزُ (٥) - النَشَكّاءِ: ١٠٥/٤-١١٣
اً - تأنيب طعمة بن أُبيرق ومن آزره من قومه، وكانوا ثلاثة إخوة: بِشْر
وبَشير ومُبَشِّر، وأُسَيْر بن عروة ابن عم لهم؛ لأنهم تعاونوا معه على الباطل
لتبرئته من تهمة السرقة: سرقة أدراع وطعام من رفاعة بن زيد في الليل،
ومحاولة إلصاق التهمة بيهودي اسمه: زيد بن السمين.
٣ - القانون الذي يحكم به: هو ﴿بِمَا أَرَئِكَ اللَّهُ﴾ معناه على قوانين
ج
الشرع؛ إما بوحي ونصّ، أو بنظر جارٍ على سنن الوحي. وهذا أصل في
القياس، وهو يدل على جواز الاجتهاد للنبي وَلَّ، وعلى أنه في رأي القرطبي
إذا رأى شيئاً أصاب؛ لأن الله تعالى أراه ذلك، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه
العصمة؛ فأما أحدنا إذا رأى شيئاً فلا قطع فيما رآه.
٠ ٤َ - دل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِّلْخَيِنِينَ خَصِيمًا﴾ على أن النيابة أو
الوكالة عن المبطل والمتهم في الخصومة لا تجوز، فلا يجوز لأحد أن يخاصم عن
أحد إلا بعد أن يعلم أنه محقّ، وقد نهى الله عز وجل في هذه الآية رسوله عن
معاضدة أهل التهم والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من الحجة.
6 - قال العلماء: لا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريق
منهم فريقاً عنهم، ليحموهم ويدافعوا عنهم؛ فإن هذا قد وقع على عهد النبي
رَّ، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا﴾ وقوله: ﴿ وَلَا
تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾
والخطاب للنبي وَلّر، والمراد منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين، بدليل
ما ذكر بعده: ﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَوْةِ الذُّنْيَا﴾ ولأن النبي
وَولو كان حكّماً فيما بينهم، ولذلك كان يُعتَذر إليه ولا يَعتذِر هو إلى غيره،
فدل على أن القصد لغيره.
٩ - قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ دن على ان الأنبياء صلوات الله عليهم
قد يؤمرون بالاستغفار مما ليس ذنباً، كالهمّ بتقديم الدفوع عن بني أبيرق

٢٧٤
الُ (٥) - النِشَاءِ: ١٠٥/٤-١١٣
ومعاقبة اليهودي بقطع يده، وهو دفاع وعمل بالظاهر لاعتقاده براءتهم. وهذا
من قبيل ((حسنات الأبرار سيئات المقربين)).
وقيل: الأمر بالاستغفار للمذنبين من أمتك والمتخاصمين بالباطل،
وقيل: هو أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كالرجل يقول: أستغفر الله،
على وجه التسبيح من غير أن يقصد توبة من ذنب. وقيل: الخطاب للنبي وَّ
والمراد بنو أُبيرق، كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١/٣٣]،
﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍ﴾ [يونس: ١٠/ ٩٤].
٧ - قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ نهي صريح
عن الدفاع عن الخونة، أي لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم. والمجادلة:
المخاصمة. والله لا يرضى عن الخائن أو الخوَّان - الذي هو من صيغ المبالغة؛
لعظم قدر تلك الخيانة.
٨ - الإنسان قاصر النظر، محدود التفكير، سطحي المواقف: فتراه إذا
حاول ارتكاب ذنب يستتر ويستحيي من الناس، ولا يستتر ولا يستحيي من
الله، والله أحق أن نخشاه وأن نستحيي منه؛ لأن المصير إليه، وبيده وحده
الجزاء.
ـو - الحقائق تنكشف بنحو واضح قاطع يوم القيامة في عالم الحساب بين
يدي الله: فإذا جادل الوكيل بالخصومة (المحامي) لتبرئة المتهم في الحياة الدنيا،
فمن الذي يستطيع المرافعة والدفاع والجدال عن أهل الباطل يوم القيامة؟ وهو
استفهام معناه الإنكار والتوبيخ.
ومن يكون وكيلاً عليهم، أي قائماً بتدبير أمورهم؟ فالله تعالى قائم بتدبير
خلقه، ولا أحد لهم يقوم بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه وأدخلهم النار.
٠ ١ - باب التوبة للعصاة والمذنبين مفتوح: لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا

٢٧٥
لِلُ (٥) - التَِّّاءِ: ١٠٥/٤-١١٣
قال ابن
أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا زَحِيمًا
عباس: عرض الله التوبة على بني أُبَيرق بهذه الآية.
١١ - وبال الذنب وعاقبته على المذنب نفسه: لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ
إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِهِ﴾ - أي ذنباً - أي عاقبته عائدة عليه، وضرره
راجع إليه؛ لأنه المتضرر في الحقيقة في الدنيا بالتعرض للمصائب، وفي الآخرة
لعذاب جهنم.
والكسب: ما يجرّ به الإنسان إلى نفسه نفعاً أو يدفع عنه به ضرراً. ولهذا لا
يسمى فعل الرب تعالى كسباً.
١٢ - البهتان جريمة عظمى: وهو إلقاء التهمة واختلاق الكذب على
البريء، أو هو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه بريء.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِنْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا فَقَدِ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَّا
·فيه تشبيه، إذ الذنوب ثقل ووزر، فهي كالمحمولات. وقد
وَإِثْمًا مُّبِينًا
قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَنْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَثْقَاِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣/٢٩].
قال الطبري: إنما فرق بين الخطيئة والإثم: أن الخطيئة تكون عن عمد وعن
غير عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد.
١٣ - إن محاولة إضلال النبي تبوء بالفشل: لعصمة الله إياه، ولفضله عليه
ورحمته به، قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَمَّت ظَائِفَةٌ مِنْهُمْ
أَن يُضِلُّوَكَ﴾ - بأن نبهك على الحق، أو بالنبوة والعصمة - عن الحق؛ لأنهم
سألوا رسول الله وَّل ﴿ أن يبرئ ابن أُبيرق من التهمة ويُلحِقَها باليهودي، ولا
يفعل هذا إلا منافق كما أوضحت، فتفضل الله عز وجل على رسوله عليه
السلام بأن نبّهه على ذلك وأعلمه إياه .﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلََّ أَنْفُسَهُمَّ﴾ لأنهم
يعملون عمل الضالين، فوباله راجع عليهم ﴿وَمَا يَضُرُونَكَ مِن شَىْءٍ﴾ لأنك
معصوم.

٢٧٦
الجُرُ (٥) - النِّسَاءِ: ١١٤/٤-١١٥
١٤ - أنزل الله على نبيه القرآن، والحكمة: القضاء بالوحي وفهم أسرار
الشريعة وعلمه ما لم يكن يعلم من الشرائع والأحكام.
حالات النجوى الخيّرة وعقاب معاداة الرسول
واتباع غير سبيل المؤمنين (الإجماع)
، لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجُوَنُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ
إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْنِيهِ أَجْرًا
عَظِيمًا ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلٍ
اُلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَتَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا
١١٥
القراءات: ﴿نُؤْنِيهِ﴾: قرئ:
١- (يؤتيه) وهي قراءة حمزة.
؛ ٢- (يوتيه) وهي قراءة السوسي، وحمزة وقفاً.
٣- (نوتيه) وهي قراءة ورش.
٤- (نؤتيه) وهي قراءة الباقين.
﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ،﴾: قرئ:
١- (نولهِ) .. (نصلهِ) بالاختلاس، وهي قراءة قالون.
٢- (نولة) .. (نصلة) وهي قراءة أبي عمرو، وحمزة.
٣- (نولهِ) ... (نصلهِ) بالإشباع وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾: إن جعلت النجوى
بمعنى المناجاة، كان ﴿مَنْ أَمَرَ﴾ في وضع نصب على الاستثناء المنقطع، وإن

٢٧٧
الُُ (٥) - التِّشَكَّاءِ: ١١٤/٤-١١٥
جعلت بمعنى الجماعة الذين يتناجون كان ﴿مَنْ﴾ في موضع جر على البدل من
الهاء والميم في ﴿نَّجْوَهُمْ﴾ وهو بدل بعض من كل.
المفردات اللغوية:
﴿نَّجْوَدُهُمْ﴾ النجوى: المسارّة بالحديث أو السر بين اثنين، أي لا خير في
كثير من نجوى الناس أي ما يتناجون فيه ويتحدثون إلا نجوى من أمر بصدقة
أو معروف (عمل بر) أو إصلاح بين الناس. ويصح كونه جمع نجي بمعنى
جماعة المتناجين، أي المتسارّين ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ ما يقره الشرع والعقل الصحيح
وتتلقاه النفوس بالقبول ﴿أَبْتِغَاءَ﴾ طلب ﴿مَرْضَاتِ اُللَّهِ﴾ لا غيره من أمور
الدنیا.
﴿وَمَن يُشَاقِقِ﴾ يعادي ويخالف، كأن كل واحد من المتعاديين يكون في
شق.
سبب النزول:
نزلت في تناجي أهل طعمة بن أبيرق ليلاً بالفساد وتعاونهم على الشر
وإلصاق تهمة السرقة باليهودي. وروي أن طعمة لما حكم عليه النبي وَله
بالقطع، هرب إلى مكة، وارتد عن الإسلام، ومات مشركاً، فنزلت الآية:
﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ الآية.
المناسبة:
موضوع الآيتين متصل بما قبلهما وهو أمر الذين يختانون أنفسهم،
ويستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهم طعمة بن أبيرق ومساعدوه
الذين تآمروا في السر لإيقاع البريء بالسرقة، فبيَّن الله تعالى هنا أن كل حديث
سري أو تدبير خفي أو مناجاة لا خير فيه إلا ما كان بقصد التعاون أو الأمر
بالمعروف أو الإصلاح، ثم ذكر الله تعالى أن مخالفة أمر الرسول وَله واتباع غير
سبيل جماعة المؤمنين جرم عظيم يستوجب دخول نار جهنم.

٢٧٨
الجُرُ (٥) - النِّسَاءِ: ١١٤/٤-١١٥
التفسير والبيان:
لا خير في كثير من كلام الناس وتناجيهم كجماعة طعمة إلا إذا كان
التناجي في أحد أمور ثلاث:
١ - الأمر بالصدقة لإعانة المحتاج ومواساة الفقير والمسكين.
٢ - الأمر بالمعروف: وهو ما تعارف عليه الشرع من كل ما فيه مصلحة
عامة أو خير عام.
٣ - الإصلاح بين الناس في خصوماتهم ومنازعاتهم.
وذلك كما جاء في حديث رواه ابن مردويه والترمذي وابن ماجه عن أم
حبيبة قالت: قال رسول الله وقوله: ((كلام ابن آدم كله عليه، لا له، إلا ذكر الله
عز وجل، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر)) وروى الإمام أحمد عن أم
كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله وَل يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح
بين الناس، فيَنمي خيراً؛ أو يقول خيراً)) وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء
مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث
الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها)). وروى أحمد عن ابن عمر قال: قال
رسول الله : ((أفضل الصدقة إصلاح ذات البين)) وروى أبو بكر البزار
والبيهقي عن أنس أن النبي ◌َّ قال لأبي أيوب: ((ألا أدلك على تجارة؟)) قال:
بلى يا رسول الله، قال: ((تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب
بینهم إذا تباعدوا)).
وإنما قال: ﴿فِ كَثِيرٍ﴾ لأن من النجوى ما يكون في المباحات والمصالح
الخاصة من زراعة وتجارة وصناعة وغيرها، فلا توصف بالشر، ولا هي
مقصودة من الخير. وإنما المراد بالنجوى الكثير المنفي عنها صفة الخير هي
النجوى في شؤون الناس.
.

٢٧٩
لُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ١١٤/٤-١١٥
والله تعالى جعل النجوى مظنة الإثم والشر غالباً، فقال: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَمَنُوْاْ إِذَا تَجَيْهُمْ فَلاَ تَنَنَجَوْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَجَوْ بِآلِيرِ وَالنَّقْوَىّ
[المجادلة: ٩/٥٨].
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ
وثبت عن ابن عمر أن النبي ◌َّ﴾ قال فيما يرويه مالك والشيخان: ((إذا كان
ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون واحد، فإن ذلك يحزنه)) وهو ضرر، والضرر لا
يحل بإجماع.
والسبب في اتصاف النجوى بالشر كثيراً: أن العادة جرت بحب إظهار
الخير، وأن الشر والإثم هو الذي يذكر في السر، وتتم المؤامرات سراً، قال
وَلقر: ((الإثم: ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه
الناس))(١).
وخيرية الأمور الثلاثة المذكورة في الآية إنما تكون في السر لا في الجهر؛
لقوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ
فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١/٢].
ثم ذكر الله تعالى الثواب المقرر على فعل تلك الأعمال الثلاثة فذكر: ومن
يفعل هذه الأعمال الثلاثة، بقصد إرضاء الله وطاعة أمره، مخلصاً في ذلك،
محتسباً ثواب فعله عند الله عز وجل، فإن الله سيؤتيه ثواباً جزيلاً كثيراً واسعاً.
وبعد هذا الوعد بالخير والجزاء الحسن على أحوال النجوى الخيّرة أوعد الله
الذين يتناجون بالشر ويدبرون المكائد للناس ويعلنون اعتزالهم عن الجماعة
ومعاداتهم الرسول، فقال: ومن يخالف الرسول ويعاديه، ويسلك غير طريق
الشريعة التي جاء بها النبي وُّل بارتداده عن الإسلام، وإظهار عداوته لرسول
(١) أخرجه أحمد والدارمي بإسناد حسن عن وابصة بن معبد، ومطلعه: ((البر: ما اطمأنت إليه
النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ... )).

٢٨٠
الُ (٥) - النِّشَكَّاءِ: ١١٤/٤-١١٥
الهداية وسنته، ويتبع سبيلاً غير سبيل جماعة المؤمنين، يوله الله ما تولى، أي
يجعله والياً لها وسائراً على طريقها، ومستحسناً لها استدراجاً له، وتاركاً له
يتخبَّط في مهاوي الضلالة، كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِ وَمَنْ يَكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِّ
سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٢)﴾ [القلم: ٤٤/٦٨] وقال:
أَزَاغَ
﴿ فَلَمَا زَاغُوَا
اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥/٦١] وقال: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
[الأنعام: ١١٠/٦].
ويجعل الله النار مصيره في الآخرة، وساء المصير مصيره؛ لأن من خرج
عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿آحْشُرُوا
الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢/٣٧] وقال: ﴿وَرَءَا اُلْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَنُّواْ
(#@﴾ [الكهف: ٥٣/١٨].
أَنَّهُم ◌ُّوَافِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا
وفي هذا إشارة واضحة إلى أن من يتجه بنفسه في طريقة أو وجهة يتوجه
إليها ويرضاها لنفسه، يتركه الله وشأنه، ويكون عقابه أمراً منتظراً وعادلاً؛
لاختياره طريق الشر، وبعده عن منهج الاستقامة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيتان على ما يأتي:
اً - لا خير في كثير من نجوى الناس سراً، أو من كلام الجماعة المنفردة أو
كلام الاثنين، سواء كان ذلك سراً أو جهراً إلا نجوى ثلاثة: من أمر بصدقة،
ففيها عون الفقير والمسكين والمحتاج الذي لا يطلع على حاجته إلا القليل من
الناس. ومن أمر بالمعروف، والمعروف: لفظ يعم أعمال البر كلها، قال وَله :
((كل معروف صدقة، وإن من المعروف: أن تلقى أخاك بوجه طَلْق))(١) وقال
أيضاً: ((المعروف كاسمه، وأول من يدخل الجنة يوم القيامة المعروف وأهله)).
(١) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه عن جابر بن عبد الله.