النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
لُ (٥) - النِّسَاءِ: ٨٨/٤-٩١
قيام الأدلة عليه، فمالكم اختلفتم في شأنهم فئتين: فئة تزكيهم وتشهد لهم
بالخير، وفئة تطعن بهم وتشهد لهم بالكفر؟ والحال أنهم كافرون، صرفهم الله
عن الحق وأوقعهم في الضلال، بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول، واتباعهم
الباطل، ومعاداتهم المسلمين وبغضهم والتآمر عليهم، وعدم هجرتهم من مكة
إلى المدينة، فكأنهم نكسوا على رؤوسهم، وصاروا يمشون على وجوههم،
لفساد فطرتهم، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَنَ يَمْشِى مُكِبَّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَىَ أَمَّن
﴾ [الملك: ٢٢/٦٧]. ومعنى قوله: ﴿أَرْكَسَهُم بِمَا
٢٢
يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
كَسَبُواْ﴾ أي ردَّهم في حكم المشركين كما كانوا بسبب ارتدادهم ولحوقهم
بالمشركين واحتيالهم على رسول الله وله.
﴿ أَتْرِيدُونَ أَنْ تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ أي هل تريدون إعادتهم إلى هداية
الإسلام مع أنهم ضالون بأنفسهم؟ ومن يكون ضالاً عن طريق الحق، فلن
تجد له طريقاً للعودة إليه، أي لا طريق لهم إلا الهدى ولا مخلص لهم إليه؛ لأن
سبيل الحق واضح وهو التزام منهج الفطرة، وهداية العقل الرشيد، والتفكير
المجرد غير المتحيز في الخير والشر، والنافع والضار، والحق والباطل.
ثم ذكر الله تعالى موقفاً غريباً لهم وهو أنهم يتمنون الضلالة لكم، لتستووا
أنتم وإياهم فيها، ليقضى على الإسلام كله، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم
وبغضهم لكم، وتماديهم في الكفر، حيث لا يكتفون بضلالهم وكفرهم
وغَوايتهم، بل يتأملون إضلال غيرهم.
لذا حذر الله المؤمنين من مكائدهم وسعاياتهم هذه، فلا تتخذوا منهم
أنصاراً يساعدونكم على المشركين الوثنيين، حتى يدل الدليل الواضح على
إيمانهم ويهاجروا إلى المدينة ويتعاونوا بصدق معكم في قضاياكم، فهذا دليل
الصدق في الإيمان.
فإن أعرضوا عن الإيمان الظاهر بالهجرة في سبيل الله، ولزموا أماكنهم

٢٠٢
الزُ (٥) - النِشَكّاءِ: ٨٨/٤-٩١
خارج المدينة، فخذوهم واقتلوهم أنى وجدتموهم في أي مكان وزمان، في
الحل أو في الحرم، ولا توالوهم أو تولوهم شيئاً من مهام أموركم، ولا
تستنصروا بهم على أعداء الله ماداموا كذلك.
ثم استثنى الله من هؤلاء أحد صنفين:
الأول:
الذين يتصلون بقوم معاهدين للمسلمين ويلجؤون إلى أهل عهدكم بمهادنة
أو عقد ذمة، فينضمون إليهم في عهدهم، فاجعلوا حكمهم كحكم المعاهدين.
وهذا موافق لما جاء في صلح الحديبية في صحيح البخاري: ((من أحب أن
يدخل في صلح قريش وعهدهم، دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في صلح
محمد وأصحابه وعهدهم، دخل فيه)). قال أبو بكر الرازي: إذا عقد الإمام
عهداً بينه وبين قوم من الكفار، فلا محالة يدخل فيه من كان في حيزهم ممن
ينسب إليهم بالرحم أو الحلف أو الولاء، بعد أن يكون في حيزهم ومن أهل
نصرتهم؛ وأما من كان من قوم آخرين فإنه لا يدخل في العهد مالم يشرط،
ومن شرط من أهل قبيلة أخرى دخوله في عهد المعاهدين، فهو داخل فيهم إذا
عقد العهد على ذلك، كما دخلت بنو كنانة في عهد قريش(١).
الثاني:
المحايدون: الذين جاؤوكم وقد ضاقت صدورهم بقتالكم وأبغضوا أن
يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضاً أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا
عليكم، وهم بتعبير العصر: المحايدون، فهم لا يقاتلون المسلمين بمقتضى
العهد، ولا يقاتلون قومهم، حفاظاً على أصل الرابطة العرقية أو الجنسية
معهم، فهم قومهم، وهم بذلك معذورون.
(١) أحكام القرآن: ٢٢٠/١

٢٠٣
لُ (٥) - النِشَّاءِ: ٨٨/٤-٩١
اُلَّذِينَ يُقَتِلُونَكَم
سَبيل اُللهِ
وَقَتِلُوا فِى
وكلا الفريقين يعاملون بقوله تعالى:
[البقرة: ٢ /١٩٠].
١٩٠
وَلَا تَعْتَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ
وكان من رحمة الله ولطفه بكم أن سالموكم وكفّ بأس هذين الفريقين
عنكم، ولو شاء الله لسلطهم عليكم بأن يلهمهم القتال فيقاتلوكم.
فإن اعتزلكم هؤلاء وأمثالهم فلم يقاتلوكم، وألقوا إليكم المسالمة، فليس
لكم أن تقاتلوهم مادامت حالهم كذلك. وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم
بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال، وهم كارهون، كالعباس
ونحوه، ولهذا نهى النبي ◌َّ يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره. قال
الزمخشري: فقرر أن كفهم عن القتال أحد سبي استحقاقهم لنفي التعرض
عنهم وترك الإيقاع بهم.
ثم بيَّن الله تعالى حكم جماعة أخرى موافقة في الظاهر للفئة السابقة، ولكن
نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء قوم منافقون يظهرون للنبي بَيّ
ولأصحابه الإسلام، ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم
(النساء والصبيان) ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون،
ليكونوا في أمان من المسلمين، وهم في الباطن مع الكفار(١)، كما قال تعالى:
﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤/٢] وقال هاهنا: ﴿كُلَّ مَا
رُدُوَأْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُزْكِسُواْ فِيهَا﴾ أي كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين،
أركسوا فيها، أي قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه وانهمكوا فيها، وكانوا شراً
فيها من كل عدو، كما قال الزمخشري(٢)، وقال السدي: الفتنة هاهنا
الشرك، أي كلما دعوا إلى الشرك تحولوا إليه أقبح تحول، فهم قد مردوا على
النفاق. حكى ابن جرير: أنها نزلت في قوم هم بنو أسد وغطفان، وقيل:
غيرهم.
(١) تفسير ابن كثير: ٥٣٣/١
(٢) الكشاف: ٤١٥/١-٤١٦

٢٠٤
لُ (٥) - النِشَكَاءِ: ٨٨/٤-٩١
وحكمهم أنه إن لم يعتزلوكم، ويسالموكم، ويقفوا على الحياد، ويكفوا
أيديهم عن القتال مع المشركين، فخذوهم أسراء، واقتلوهم حيث لقيتموهم،
وأولئكم جعلنا لكم عليهم حجة واضحة، أو برهاناً بيِّناً واضحاً على قتالهم،
لظهور عداوتهم.
وهذا كله تأكيد لحرص الإسلام على السلم والأمن والعهد والصلح، قال
الرازي: قال الأكثرون: وهذا يدل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا، وطلبوا
الصلح منا، وكفوا أيديهم عن قتالنا، لم يجز لنا قتالهم وقتلهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أحكام كثيرة هي:
اً - وضوح موقف الإسلام من المنافقين: وهو الحكم عليهم بالكفر
وجواز قتلهم، فلا يصح الانقسام في الحكم عليهم فرقتين مختلفتين، مادامت
أدلة كفرهم واضحة للعيان. والمنافقون الذين نزلت الآية في شأنهم: هم عبد
الله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول الله وَل﴿ يوم أُحُد، ورجعوا
بعسكرهم بعد أن خرجوا؛ كما تقدم في ((آل عمران)) وقال ابن عباس: هم
قوم بمكة آمنوا وتركوا الهجرة. قال الضحاك: وقالوا: إن ظهر محمد فقد
عُرفنا، وإن ظهر قومنا فهو أحب إلينا.
فصار المسلمون فيهم فئتين: قوم يتولَّوْنهم، وقوم يتبرؤون منهم؛ فقال الله
عز وجل: ﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُنَفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾؟
٣ - تمنيهم أن يكونوا مع المسلمين في الكفر والنفاق على سواء: فأمر الله
تعالى بالبراءة منهم، فقال: ﴿فَلَ نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَّةَ حَتَّى يُّهَاجِرُواْ﴾ وقال
أيضاً: ﴿مَا لَكُ مِّنْ وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢/٨].
والهجرة أنواع:

٢٠٥
الُ (٥) - النَّاءِ: ٨٨/٤-٩١
منها - الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي وَل، وكانت هذه واجبة أول
الإسلام، حتى قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري: ((لا هجرة بعد
فتح مكة)).
ومنها - هجرة المنافقين مع النبي ◌َّ في الغزوات.
وهجرة من أسلم في دار الحرب، فإنها واجبة.
وهجرة المسلم ما حرَّم الله عليه؛ كما قال ◌َ سليم فيما رواه البخاري وأبو داود
والنسائي عن ابن عمرو: ((والمهاجر: من هجر مانهى الله عنه)) أو: ((من هجر
ما حرم الله عليه)). وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن.
وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديباً لهم، فلا يُكَلَّمون ولا يخالَطون
حتى يتوبوا؛ كما فعل النبي ◌ُّر مع كعب بن مالك وصاحبيه.
٣ - أسر المنافقين وقتلهم: قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوُهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ﴾
أي إن أعرضوا عن التوحيد والهجرة فأسروهم واقتلوهم ﴿حَيْثُ تَقِفْتُمُوهُمّ)
أي وجدتموهم في مختلف الأماكن من حِلّ وحَرَم.
٤ - تحريم قتال وقتل المنضمين إلى المعاهدين الذين تعاهدوا مع المسلمين،
وكذا المحايدين الذين وقفوا على الحياد، فلم يقاتلوا المسلمين ولم يقاتلوا
قومهم.
٥ - دلت الآية ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ على مشروعية الموادعة (الهدنة) بين
أهل الحرب وأهل الإسلام إذا كان في الموادعة مصلحة للمسلمين.
٦ - لله أن يفعل مايشاء، ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء. وتسليط
الله تعالى المشركين على المؤمنين: هو بأن يُقدرهم على ذلك ويقوّيهم، إما عقوبةً
ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي، وإما ابتلاء واختباراً، كما قال

٢٠٦
الُرُ (٥) - النِّسَكَاءِ: ٨٨/٤-٩١
تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَقََّ نَعْلَمَ اَلْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَِّنَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ
٣١
[محمد: ٣١/٤٧] وإما تمحيصاً للذنوب، كما قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ [آل عمران: ١٤١/٣].
٧ - مسالمة الانتهازيين الذين يظهرون الإيمان، ولكنهم مستعدون للعودة
إلى الشرك وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ﴾ الآية.
قال قتادة: نزلت في قوم من تهامة طلبوا الأمان من النبي وَلّ ليأمنوا عنده
وعند قومهم.
وقال مجاهد: هي في قوم من أهل مكة.
وقال السدِّي: نزلت في نُعيم بن مسعود كان يأمن المسلمين والمشركين.
وقال الحسن البصري: هذا في قوم من المنافقين.
وقيل: نزلت في أسد وغَطَفان قدموا المدينة، فأسلموا، ثم رجعوا إلى
ديارهم، فأظهروا الكفر.
وانتهازيتهم واضحة في قوله تعالى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوَأْ إِلَى اُلْفِتْنَةِ أُزْكِسُواْ فِيهَا﴾
ومعنى ﴿أَرْكِسُواْ﴾: انتكسوا عن عهدهم الذي عاهدوا، وقيل: إذا دُعُوا إلى
الشرك رجعوا وعادوا إليه.

٢٠٧
لُهُ (٥) - النِّسَاءِ: ٩٢/٤-٩٣
جزاء القتل الخطأ والقتل العمد
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ: إِلَّ أَن يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ
مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن
قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِثُ رَقَبَةٍ
مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ
اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ
جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ, وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا
(٩٣)
الإعراب:
﴿أَنْ يَقْتُلَ﴾ أن المصدرية وصلتها اسم كان المرفوع و﴿لِمُؤْمِنٍ﴾ خبرها
مقدم على الاسم . ﴿إِلَّا خَطَئًا﴾ استثناء منقطع، ومثله قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ
يَصَدَّقُواْ﴾
وانتصاب خطأ: إما لأنه مفعول لأجله، أي ماكان له أن يقتله لعلة من
العلل إلا للخطأ، أو لأنه صفة لمصدر محذوف أي قتلاً خطأ، أو حال.
﴿فَتَحْرِرُ رَقَبَةٍ﴾ تحرير: مبتدأ، وخبره محذوف وتقديره: فعليه تحرير
رقبة ودية مسلَّمة، وكذلك ﴿ فَصِيَامُ شَهْرَیْنِ﴾ أي فعليه صيام شهرين.
﴿تَوْبَةً مِّنَ اللَّهُ﴾ توبة: منصوب على المصدر بفعله المقدر، وإن شئت على
المفعول لأجله.
البلاغة:
﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ﴾ ﴿وَمَن قَبَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا﴾: إطناب.

٢٠٨
٢٠٨
-
الُرعُ (٥) - النِّسَاءِ: ٩٢/٤-٩٣
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مجاز مرسل في ﴿رَقَبَةٍ﴾ من باب إطلاق الجزء وإرادة
الكل.
المفردات اللغوية:
﴿خَطَأْ﴾ أي مخطئاً في قتله بغير قصد للقتل ﴿وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا﴾ بأن
قصد رمي غيره كصيد أو شجرة، فأصابه أو ضربه بمالا يقتل غالباً.
﴿فَتَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ﴾ أي عتق مملوك ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ أي عليه نفس مؤمنة ﴿وَدِيَةٌ
مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي مؤداة إلى ورثة المقتول، والدية: مال يدفع لأهل
القتيل عوضاً عنه ﴿أَن يَصَدَّقُواْ﴾ أن يتصدقوا عليه بها بأن يعفوا عنها.
﴿مِيثَقُّ﴾ عهد كأهل الذمة أو الأمان أو الصلح ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ الرقبة
بأن فقدها أو فقد ثمنها ﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾ شهرين قمريين لا يتخللهما فطر إلا لعذر
شرعي. ولم يذكر الله تعالى الانتقال إلى الطعام كالظهار، وبه أخذ الشافعي في
أصح قوليه ﴿تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ تطهيراً لأنفسكم ولأماً لجرحكم ﴿عَلِيمًا﴾
بخلقه ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبره لهم.
سبب النزول:
نزول الآية (٩٢):
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾: أخرج ابن جرير عن عكرمة قال: كان الحارث
ابن يزيد من بني عامر بن لؤي يعذب عيَّاش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم
خرج الحارث مهاجراً إلى النبي وَلَّ، فلقيه عيَّاش بالحرَّة، فعلاه بالسيف،
وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي ◌َّر، فأخبره فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ
لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًا﴾ الآية.
نزول الآية (٩٣):
﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾: أخرج ابن جرير من طريق ابن

٢٠٩
المُ (٥) - الْتِنَّاءِ: ٩٢/٤-٩٣
جريج عن عكرمة أن رجلاً من الأنصار قتل أخا مِقْيس بن صبابة، فأعطاه
النبيِ وَّ الدية، فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله، فقال النبي وَليقول: لا
أؤمنه في حل ولا حرم، فقتل يوم الفتح. قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه
الآية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أحكام قتال المنافقين، والذين يعاهدون المسلمين على
السلم ثم يغدرون بهم ويعينون أعداءهم، ذكر هنا حكم قتل من لا يحل قتله
عمداً أو خطأ، سواء كان من المؤمنين أو المعاهدين والذميين.
التفسير والبيان:
ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بأي وجه، إلا إذا وقع القتل خطأ، أي
ماكان لمؤمن قتل مؤمن إلا خطأ، والقتل الخطأ: هو الذي يحدث من غير
قصد الفعل أو الشخص أو إزهاق الروح غالباً؛ لأن القتل جريمة عظمى ومن
الكبائر أو السبع الموبقات، قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ
فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢/٥].
وثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أن رسول الله صلو قال: ((لا يحل دم
امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث:
النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)) وهذه
الخصال الثلاث ليس لأحد من الرعية أن يفعل شيئاً منها، وإنما ذلك إلى
الإمام أو نائبه.
وأخرج بن ماجه عن ابن عمر أن النبي وسلم قال: ((من أعان على قتل مسلم
مؤمن بشطر كلمة، جاء يوم القيامة، مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله)).
وأخرج البيهقي عن البراء بن عازب أنه وَ ﴾ قال: ((لزوال الدنيا أهون عند الله
من قتل رجل مؤمن).

٢١٠
لُهُ (٥) - النِّسَاءِ: ٩٢/٤-٩٣
وسبب العقوبة على القتل الخطأ: أنه لا يخلو من تفريط وتهاون وتقصير،
مما شأنه العقاب عليه.
وعقوبة القتل الخطأ شيئان: تحرير رقبة مؤمنة أي عتق نفس مملوكة، ودية
مدفوعة إلى أهل القتيل. أما الواجب الأول وهو تحرير الرقبة فهو كفارة لما
ارتكب من الذنب العظيم، وإن كان خطأ. ومن شرطها أن تكون عتق رقبة
مؤمنة، فلا تجزئ الكافرة. والذي عليه الجمهور: أنه متى كان العبد مسلماً
صح عتقه عن الكافرة، سواء كان صغيراً أو كبيراً. قال الإمام أحمد عن عبد
الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار: أنه جاء بأمة سوداء فقال: يارسول
الله، إن علي عتق رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها
رسول الله وَله: ((أتشهدين أن لا إله إلا الله؟)) قالت: نعم. قال: ((أتشهدين
أني رسول الله؟)) قالت: نعم، قال: ((أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟)) قالت:
(نعم)) قال: ((أعتقها)) وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره.
وفي موطأ مالك ومسند الشافعي وأحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود
والنّسائي عن معاوية بن الحكم أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها
رسول الله وَله: ((أين الله؟))، قالت: في السماء، قال: ((من أنا؟))، قالت:
رسول الله وَ له، قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)).
وأما الواجب الثاني وهو الدِّية: فتجب عوضاً عما فات أهل القتيل من
قتيلهم، وهي كما ثبت في السُّنّة مئة من الإبل، ودية المرأة نصف دية الرجل؛
لأن المنفعة التي تفوت أهل الرجل بفقده أعظم من المنفعة التي تفوت بفقدها.
أخرج أبو داود والنسائي وغيرهما عن عمرو بن حزم أن رسول الله وَلل كتب
إلى أهل اليمن كتاباً جاء فيه:
((إن من اعتبط - قتل بغير سبب شرعي - مؤمناً قتلاً عن بيِّنة، فإنه قود -
قصاص يجب عليه - إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدِّية مئة من

٢١١
لُهُ (٥) - النِشَاءِ: ٩٢/٤-٩٣
الإبل .. ثم قال: وعلى أهل الذهب ألف دينار)) أي أن جنس الدِّية بحسب رأس
المال الشائع عند أهلها، فعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الفضة
عشرة آلاف درهم عند الحنفية، واثنا عشر ألف درهم عند الجمهور، وعلى
أهل الإبل مئة، وقال الشافعي: لا تؤخذ من أهل الذهب ولا من أهل الورِق
(الفضة) إلا قيمة الإبل بالغة ما بلغت.
وإنما تجب دية الإبل أخماساً، كما روى الإمام أحمد وأصحاب السُّنن عن
ابن مسعود، قال: ((قضى رسول الله وَله في دية الخطأ عشرين بنت مخاض،
وعشرين بني مخاض ذكوراً، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذّعة وعشرين
حِقَّة)). وهذا مذهب أحمد ومالك والشافعي، وكذا عند أبي حنيفة إلا أنه يجعل
مكان ابن اللبون: ابن مخاض(١).
وأما دية شبه العمد في رأي الحنفية فهي مثلثة: أربعون خلفة (حامل)
وثلاثون حقّة، وثلاثون جذعة(٢).
ومالك لا يقول بشبه العمد إلا في قتل الوالد ولده. وأما دية العمد فما
اتَّفق عليه عند أبي حنيفة ومالك في المشهور من قوله. وأما عند الشافعي فكدية
شبه العمد.
ودية الخطأ على العاقلة، وهي عند علماء الحجاز: قرابة القاتل من جهة
أبيه، وهم عصبته؛ لأن الناس تعاقلوا في زمن النَّبِي بَّ وفي زمن أبي بكر، ولم
یکن هناك دیوان.
وعند الحنفية: العاقلة: هم أهل ديوان القاتل، على النحو الذي نظمه عمر
ابن الخطاب. فإن عجزت العاقلة أخذت الدِّية من بيت المال العام (وزارة
المالية).
(١) أحكام القرآن للجصاص: ٢٣٢/١-٢٣٣
(٢) المرجع السابق: ص ٢٣٤

٢١٢
الزُ (٥) - النِّشَاءِ: ٩٢/٤ -٩٣
فإن قيل: كيف تتحمل العاقلة الدية وتؤخذ بجريرة القاتل، والله يقول:
﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيَّهَا وَلَا يَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤/٦]،
ويقول النَّبي ◌َّ فيما رواه البزار عن ابن مسعود: ((لا يؤخذ الرّجل بجريرة أبيه
ولا بجريرة أخيه)) وقال لأبي رَمْثة وابنه فيما رواه أبو داود والنسائي من حديث
أبي رَمْثة: ((إنه لا يجني عليك ولا تجني علیه)).
فالجواب: أن هذا ليس من باب تحميل الشخص وزر غيره؛ لأن الدِّية على
القاتل ابتداء، وتحمل العاقلة إياها من باب المعاونة، كما يتعاون هو في دية
قاتل آخر، وكما تتعاون القبيلة في النصرة فترد الغارات، تتعاون بمالها،
فيدي بعضها عن بعض.
وقد دلّت الأحاديث على أن العاقلة (العصبة من جهة الأب) تحمل الدِّية،
روى الشيخان عن أبي هريرة: أن امرأة ضربت بطن امرأة أخرى، فألقت
جنيناً ميتاً، فقضى رسول الله وسلّم على عاقلة الضاربة بالغُرَّة، فقام حمل بن
مالك فقال :
كيف ندي من لاشرب، ولا أكل، ولا صاح ولا استهلّ،
ومثل ذلك يُطَلُّ
فقال النَّبي ◌َّ: هذا من سجع الجاهلية.
وورد أن عمر رضي الله عنه قضى على علي بأن يعقل مولى صفية بنت عبد
المطلب حين جنى مولاها، وعلي كان ابن أخي صفية، وقضى للزبير بميراثها.
ولا خلاف بين العلماء في أن الجنين إذا خرج حيّاً فيه الكفارة مع الدِّية،
واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتاً، فقال مالك: فيه الغرّة والكفارة، وقال
أبو حنيفة والشافعي: فيه الغرّة ولا كفارة. واختلفوا في ميراث الغرّة عن
الجنين؛ فقال مالك والشافعي: الغرّة في الجنين موروثة عن الجنين على كتاب
الله تعالى؛ لأنها دية.

٢١٣
لِلُُّ (٥) - النَِّّاءِ: ٩٢/٤-٩٣
وقال الحنفية: الغرّة للأم وحدها؛ لأنها جناية جني عليها بقطع عضو من
أعضائها وليست بدية.
وذهب أبو بكر الأصمّ وجمهور الخوارج إلى أن الدِّية على القاتل، لا على
العاقلة؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ تُسَلَّمَةُ إِلَ أَهْلِهِ﴾
[النساء: ٩٢/٤]، يقتضي أن من يجب عليه هو القاتل، وكذلك في الدِّية.
ونظراً لاختلاف النظام الاجتماعي عما كان عليه في زمن العرب، وانهيار
روابط القبيلة وفقد العصبية القبلية، واعتماد كل امرئ على نفسه دون قبيلته،
كما في الوقت الحاضر، يكون الأوفق الأخذ برأي الأصم والخوارج، وهذا
ما نصّ عليه متأخرو الحنفية كما أبان ابن عابدين.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَضَدَّقُواْ﴾ معناه: أن الدِّية تجب لأهل المقتول إلا
أن يعفوا عنها ويتنازلوا عنها فلا تجب؛ لأنها إنما وجبت جبراً لخاطرهم
وتطييباً لنفوسهم، حتى لا تقع عداوة ولا بغضاء بينهم وبين القاتل، وتعويضاً
عما فاتهم من المنفعة بقتله، فإذا عفوا فقد طابت نفوسهم، وسمى الله هذا
العفو (تصدُّقاً) ترغيباً فيه.
فإن كان المقتول من الأعداء أهل الحرب وهو مؤمن كالحارث بن يزيد من
قريش أعداء النَّبِي وََّ، والمؤمنون في حرب معهم، ولم يعلم المسلمون إيمانه؛
لأنه لم يهاجر، وقد قتله عياش حين هاجر وهو لم يعلم بذلك، كما تقدم،
ومثله كل من آمن في دار الحرب ولم يعلم المسلمون بإيمانه حين قتله، فلا دية
لهم، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة فقط.
وأما إن كان المقتول من قوم معاهدين للمسلمين على السلم، كأهل الذّة
أو الهدنة، فلهم دية قتيلهم. والواجب في قتل المعاهد المؤمن أو الكافر دية
كاملة وتحرير رقبة مؤمنة أيضاً. وهذا رأي أبي حنيفة، لظاهر الآية في أهل
الميثاق، وهم المعاهدون وأهل الذّمة، ولأنه يسوّى في القصاص بين المسلم
والذّمّي، فيسوّى بينهما في الدِّية.

٢١٤
الزُعُ (٥) - النِّسَتَّاءِ: ٩٢/٤ -٩٣
وقال مالك: دية المعاهدين نصف دية المسلمين في الخطأ والعمد، لما روى
أحمد والترمذي أنّ النَّبِي وَّ قال: ((عقل - دية - الكافر نصف دية المسلم))،
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه أنه قال: كانت الدِّيات على عهد رسول الله وَلَه
ثمان مئة دينار، وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية
المسلمين، قال: فكان ذلك حتى استُخلف عمر فقام خطيباً فقال: إن الإبل
قد غلت، ففرضها عمر على أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل
الذهب ألف دينار، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة،
وعلى أهل الْخِلل مئتي حلة، وترك دية أهل الذّمّة لم يرفع فيها شيئاً. وقد روى
أهل السّنن الأربع عنه وَله: ((إن دية المعاهد نصف دية المسلم)).
وروي عن أحمد: أن ديته كدية المسلم إن قتل عمداً، وإلا فنصف ديته.
وقال الشافعي: ديته ثلث دية المسلم في الخطأ والعمد؛ لأنه أقل ما قيل في
المسألة، ولأن عمر جعل ديته أربعة آلاف، وهي ثلث دية المسلم.
وتأخذ الدِّية ورثة المقتول، وهي كميراث، يقضى منها الدّين، وتنفذ منها
الوصايا، وتقسم على الورثة، روي أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية
الزوج، فقال عمر: لا أعلم لك شيئاً، إنما الدِّية للعصبة الذين يعقلون عنه،
فشهد بعض الصحابة أن الرسول 8* أمره أن يورث الزوجة من دية زوجها،
فقضى عمر بذلك.
فمن لم يملك الرقبة ولا ثمنها أو لم يجد رقيقاً كما في عصرنا (وهذا من
أهداف الإسلام) فعليه صيام شهرين متتابعين قمريين، لا يقطعهما إفطار من
غير عذر شرعي، وإلا استأنف الصوم من جديد.
﴿ تَوْبَةٌ مِّنَ اللَّهُ﴾ أي شرعها الله لكم قبولاً منه ورحمة لتطهير نفوسكم من
آثار التقصير وقلّة الاحتراز والتّحري، مما أدى إلى القتل خطأ.
وكان الله عليماً بأحوال النفوس وما يطهرها، وقد علم أن القاتل خطأ لم

٢١٥
لُ (٥) - النِّسَاءِ: ٩٢/٤-٩٣
يتعمد، فلذلك لم يؤاخذه بالقصاص، حكيماً فيما شرعه، فإن فرض الدِّية
تعويضاً لهم في غاية الحكمة والمصلحة.
القتل العمد:
أما من قتل مؤمناً عمداً فجزاؤه على قتله عذاب جهنم خالداً فيها أي باقياً
فيها، وغضب الله عليه أي انتقم منه لما ارتكبه من هذا الجرم الخطير، وأخزاه
ولعنه أي أبعده عن رحمته، وهيأ له عذاباً عظيماً.
وهل تقبل توبة القاتل عمداً؟
يرى ابن عباس وجماعة آخرون من الصحابة والتابعين(١): أنه لا توبة
لقاتل العمد، للأحاديث الكثيرة التي تدلّ على عظم هذه الجريمة، كما تقدّم
عن ابن عمر والبراء بن عازب. ويختلف هذا عن التائب من الشرك - وقد
كان قاتلاً زانياً - فإنه تقبل توبته؛ لأنه لم يكن يؤمن بالشريعة التي تحرم هذه
الأمور، فله شبه عذر، وترغيباً له في الإسلام. أما المؤمن العالم بحرمة القتل
فلا عذر له.
ويرى الجمهور أنه تقبل توبة القاتل عمداً، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ
الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣/٣٩]، وهذا عام
في جميع الذنوب من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق وغير ذلك، فکل
من تاب تاب الله عليه. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا
. ج
دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨/٤] وهذه عامة في جميع الذنوب ما عدا
الشرك.
وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مئة نفس، ثم سأل عالماً:
هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله
(١) انظر تفسير ابن كثير: ٥٣٦/١، الكشاف: ٤١٧/١

٢١٦
لُعُ (٥) - النِشَّاءِ: ٩٢/٤-٩٣
فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة. وإذا كان هذا في
بني إسرائيل فلأن يكون قبول التوبة في هذه الأمة بطريق الأولى والأحرى؛
لأن الله وضع عنّا الآصار والأغلال التي كانت عليهم، وبعث نبيّنا بالحنيفية
السمحة.
ولأن الكفر أعظم من القتل، والتوبة عنه تقبل، فتقبل عن القتل بالأولى،
ثم إن آية الفرقان تدلّ على قبول توبته وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ
إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُنَ وَمَنْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴿ يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ، مُهَانًا
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٦٨/٢٥-٧٠].
٦٩
فأما الآية الكريمة: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾ فقال أبو هريرة
وجماعة من السّلف: هذا جزاؤه إن جازاه. وعليه يحمل كل وعيد على ذنب،
وقد يكون له أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه على قول أصحاب
الموازنة، أي وزن الحسنات والسيئات.
وعلى قول الجمهور حيث لا عمل له صالحاً ينجو به، فليس بمخلد أبداً،
بل الخلود هو المكث الطويل، لا الدوام، وقد تواترت الأحاديث عن رسول
الله ◌َلجر أنه: ((يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان)).
ويرى بعضهم (عكرمة وابن جريج) أن حكم الآية إنما هو لمن استحلّ
القتل، فإنما فتر متعمداً، أي مستحلاً، فجزاؤه حينئذٍ جهنم خالداً فيها أبداً.
واختار الرازي في الجواب: أن هذه الآية قد خصصت في موضعين:
أحدهما - القتل العمد إذا لم يكن عدواناً كقتل القصاص.
والثاني - القتل الذي تاب عنه. وإذا دخلها التخصيص في هذين، فنحن

٢١٧
لُ (٥) - النِّشَاءِ: ٩٢/٤-٩٣
نخصص هذا العموم فيما إذا حصل العفو، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٍ﴾ [النساء:
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
اً - شأن الإيمان الامتناع النهائي عن قتل النفس، لا عمداً ولا خطأ؛
لأنه اعتداء على صنع الخالق، وجريمة عظيمة، ومنكر قبيح.
أَ - أجمع العلماء على أن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ
مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئًا﴾ أنه لم يدخل فيه العبيد، وإنما أريد به الأحرار دون العبيد،
وكذلك أيضاً قوله عليه الصّلاة والسّلام: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم)) (١) أريد
به الأحرار خاصة.
◌َّ - ﴿فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي فعليه تحرير رقبة مؤمنة كالرقبة التي
أوجبها الله في كفارة الظهار. وهناك اختلافات في شأن إعتاق الرّقبة لا داعي
لذكرها في عصرنا الآن.
٤ - الواجب الثاني في القتل الخطأ هو الدِّية: وهي ما يعطى عوضاً عن دم
القتيل إلى وليه. والمسلَّمة: المدفوعة المؤداة، ولم يعين الله في كتابه ما يُعطى في
الدِّية، وإنما في الآية إيجاب الدِّية مطلقاً، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على
القاتل، وإنما أخذ ذلك من السُّنّة، وقد بيّنت ذلك.
ه - دلّ قوله: ﴿إِلََّ أَنْ يَضَدَّقُوا﴾ على جواز العفو عن الدِّية،
والتّصدُّق: الإعطاء؛ والمراد: إلا أن يبرئ الأولياء ورثةُ المقتول مما أوجب
(١) رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن ابن عمرو، ورواه أحمد والبخاري وأصحاب
السنن إلا ابن ماجه عن أبي جحيفة.

٢١٨
لُ (٥) - النِّسَاءِ: ٩٢/٤-٩٣
الله لهم من الدِّية على عاقلة القاتل. أما الكفارة التي هي الله تعالى فلا تسقط
بإبرائهم؛ لأنه أتلف شخصاً في عبادة الله سبحانه، فعليه أن يخلّص آخر لعبادة
ربِّه.
وإنما تسقط الدِّية التي هي حقّ لهم. وتجب الكفارة في مال الجاني ولا
يتحملها أحد عنه.
٩ - ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾: موضوعها المؤمن
يقتل في بلاد الكفار أو في حروبهم على أنه من الكفار، ففي المشهور من قول
مالك، وقول أبي حنيفة: إن كان هذا المقتول رجلاً مؤمناً قد آمن وبقي في
قومه وهم كفرة، فلا دية له، وإنما كفارته تحرير الرقبة؛ لأن أولياء القتيل
كفار، فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقووا بها، ولأن حرمة هذا الذي آمن ولم
يهاجر قليلة، فلا دية؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِّن
وَلَنَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُّهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢/٨]. فإن قتل المؤمن في بلاد المسلمين
وقومه حرب، ففيه الدِّية لبيت المال والكفارة(١).
وقال الشافعي والأوزاعي والثوري وأبو ثور: الوجه في سقوط الدِّية: أن
الأولياء كفار فقط، فلا تدفع ديته سواء قتل في ديار الحرب أو في ديار
الإسلام. ولو وجبت الدِّية لوجبت لبيت المال على بيت المال، فلا تجب الدِّية
في هذا الموضع، وإن جرى القتل في بلاد الإسلام.
ويؤيد هذا الحكم ما جاء في صحيح مسلم من قتل أسامة رجلاً من جهينة
قال: لا إله إلا الله، خوفاً من السلاح في تقديره، قال له النَّبي ◌َّةِ: ((أعتق
رقبة)) ولم يحكم بقصاص ولا دية.
٧ - ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيْثَقٌ﴾: هذا في الذّمّي
(١) أحكام القرآن للجصاص: ٢٤٠/١ وما بعدها.

٢١٩
الجُزُ (٥) - النِّسَاءِ: ٩٢/٤-٩٣
والمعاهد يقتل، فتجب الدِّية والكفارة، وهو قول ابن عباس والشعبي
والنخعي والشافعي.
٨ - أجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل؛ لأن لها
نصف الميراث، وشهادتها نصف شهادة الرجل. وهذا ثابت بالسُّنّة لا بالقرآن.
أما القتل العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء، لقوله عزّ وجلّ:
﴿اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ و﴿الْخُّ بِآلْخُرِّ﴾ كما تقدم في سورة البقرة.
واختلف العلماء في رجل يسقط على آخر فيموت أحدهما :
فقال شريح والنخعي وأحمد وإسحاق: يضمن الأعلى الأسفل، ولا يضمن
الأسفل الأعلى. وقال مالك في رجلين جرّ أحدهما صاحبه حتى سقطا وماتا :
على عاقلة الذي جَبَذَه الدِّية. وقال بعض أصحاب الشافعي: يضمن نصف
الدِّية؛ لأنه مات من فعله، ومن سقوط الساقط عليه.
أما في حال التصادم: فقال الشافعي في رجلين يصدم أحدهما الآخر
فماتا: دية المصدوم على عاقلة الصادم، ودية الصادم هَدْر. وقال في الفارسين
إذا اصطدما فماتا: على كل واحد منهما نصف دية صاحبه؛ لأن كل واحد
منهما مات من فعل نفسه وفعل صاحبه.
وقال مالك وأبو حنيفة: على كل واحد منهما دية الآخر على عاقلته.
وذلك يقال أيضاً في تصادم السفينتين، أو السيارتين اليوم.
ـة - إن دية أهل الكتاب فيها اختلاف:
فقال المالكية وأحمد: هي على النصف من دية المسلم، ودية المجوسي ثمان
مئة درهم، ودية نسائهم على النّصف من ذلك، لحديث عمرو بن شعيب
المتقدّم.

٢٢٠
لُحُ (٥) - النِّسَاءِ: ٩٢/٤ -٩٣
وقال الحنفية: الدِّيات كلها سواء، المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي
والمعاهد والذّمي؛ لقوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ﴾ وذلك يقتضى الدِّية كاملة كدية
المسلم (١)، ويؤيده أن رسول الله وَلقوله - فيما رواه ابن عباس - جعل دية يهود
بني قريظة والنضير سواء، دية كاملة. لكنه حديث عن ابن عباس ضعيف جداً.
وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي
ثمان مئة درهم؛ لأنه أقل ما قيل في ذلك، كما أوضحت، والذّمة بريئة إلا
بيقين أو حجّة.
١٠ - صيام شهرين متتابعين لمن لم يجد الرّقبة ولا اتّسع ماله لشرائها،
فلوأفطر يوماً بلا عذر استأنف. وهذا قول الجمهور. فإن وجد عذر كالحيض،
أو مرض، لم يستأنف في رأي مالك. وقال أبو حنيفة، والشافعي في أحد
قوليه: يستأنف في المرض.
١١ - ذكر الله عزّ وجلّ في كتابه العمد والخطأ ولم يذكر شبه العمد، فقال
مالك: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، وأما شبه العمد فلا نعرفه.
وأثبت فقهاء الأمصار وجمهور أئمة المذاهب شبه العمد بما روى أبو داود
من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله وسلم قال: ((ألا إن دية الخطأ شبه
العمد: ما كان بالسوط والعصا مئة من الإبل، منها أربعون في بطونها
أولادها)) لكنه حديث مضطرب عند المحدثين. ذكر ابن عبد البر أنه لا يثبت من
جهة الإسناد.
واختلف القائلون بشبه العمد في تحديده وبيان ما هو عمد على أقوال
ثلاثة :
(١) أحكام القرآن للجصاص: ٢٣٨/١ وما بعدها.