النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
الُ (٥) - الْشَاءِ: ٧١/٤-٧٦
في سبيل الله لإحلال التوحيد محل الشرك، والخير محل الشّر، والعدل والرّحمة
في موضع الظلم والقسوة، وعن إنقاذ المستضعفين إخوانكم في الدِّين رجالاً
ونساءً وصبيةً الذين منعهم كفار قريش من الهجرة وفتنوهم عن دينهم.
والتحدث عن هؤلاء يثير النخوة ويهزّ الأريحية ويوقظ الشعور بالواجب
والتفاني من أجل رفع الظلم عن الضعفاء.
إن هؤلاء المستضعفين فقدوا النصير والمعين، وهم يقولون من شدّة الألم
والعذاب: ربَّنا أخرجنا من تلك القرية (مكة) التي كفر أهلها وظلموا العباد،
واجعل لنا من عندك وليّاً يلي أمورنا، ويستنقذنا، ويحمي نفوسنا وأعراضنا،
واجعل لنا من عندك نصيراً يمنعنا من الظلم، وينصرنا عليهم، ويساعدنا على
الهجرة، فليس أمامنا إلا بابك الكريم يا الله.
ثم عقد الحق سبحانه وتعالى مقارنة بين أهداف الجهاد عند المسلمين
وأغراض القتال عند المشركين. وهي أن المؤمنين يقاتلون لأجل إعلاء كلمة
الله - كلمة الحق والتوحيد والعدل وإنصاف الشعوب، لا من أجل
الاستعمار والاستغلال، والتعدي والظلم، وسلب الملکیات ونهب الثروات،
كما هو حاصل الآن؛ وأما الكافرون فهم يقاتلون لأغراض وهمية، أو مادية
دنيئة، أو شهوانية ذاتية، فهم إنما يرضون وسوسة الشيطان، وإعلاء الوثنية،
ومناصرة الكفر، أو يطمعون في الحصول على الغنائم، أو للتفاخر والاعتزاز
وإرضاء النفس بمجرد الشعور بالانتصار والغلبة، وتحقيق السمعة والشهرة
أمام القبائل العربية والناس.
ولكن المصير المحتوم هو تغلّب الحق على الباطل في النهاية؛ لأن الحق قوي
ثابت وجنده أعزّ وأمنع، والباطل ضعيف مهزوم، وجنده أضعف وأخوف،
والحق يعلو ولا يعلى عليه، لذا أمر الله تعالى بقوله بما معناه: فقاتلوا أيها

١٦٢
الُهُ (٥) - الْفِشَكَّةِ: ٧١/٤-٧٦
المؤمنون أولياء أو نصراء الشيطان الذين أوهمهم ووسوس لهم أن في الظلم
والتدمير شرفاً وإعلاء مكانة، ولا تغرنكم قوتهم وأعدادهم وأسلحتهم، فإن
كيد الشيطان وتدبيره أو وسوسته كان ضعيفاً لا تأثير له عند ذوي العقول
الناضجة، والأفكار السامية. وأما أنتم فوليكم الرحمن وناصركم ومدبر
أموركم ما نصر تموه، وجند الله هم الغالبون، وحزب الله هم المفلحون.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات تبيِّن المواقف الثابتة للأمة الإسلامية في علاقاتها الخارجية
أثناء الحرب.
فهي أولاً خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد وَله بالاستعداد
للجهاد، وأخذ الحذر الدائم، وأمر لهم بجهاد الأعداء والنضال في سبيل الله،
وحماية الشرع، وديار الإسلام، وتخليص المستضعفين، ومطالبتهم ألا
يقتحموا عدوهم على جهالة حتى يستطلعوا ما عندهم من قوى وعَدَد وعُدَد،
ويعلموا كيف يردّون عليهم، فذلك أثبت لهم، لذا قال لهم: ﴿خُذُواْ
حِذْرَكُمْ﴾ وهو تعليم لأسلوب مباشرة الحروب.
ولا ينافي أخذ الحذر التوكل على الله، بل هو مقام عين التوكل؛ لأن
التوكل ليس معناه ترك الأسباب، وإنما هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه
ماضٍ، واتِّباع سنّة نبيِّهِ وَّهَ فِي السَّعي فيما لا بدّ منه من الأسباب من مَطْعَم
ومشرب، وتحرز من عدو، وإعداد أسلحة، واستعمال ما تقتضيه سنة الله
المعتادة. قال سهل: من قال: إن التّوكل يكون بترك السبب، فقد طعن في سنة
رسول الله وَّ﴾؛ لأن الله عزّ وجلّ يقول: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِعْتُمْ حَلَلًا طَيْبَأَ﴾
[الأنفال: ٦٩/٨]، فالغنيمة: اكتساب. وقال تعالى: ﴿فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ

١٦٣
الزُُّ (٥) - النِشَاءِ: ٧١/٤-٧٦
وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢/٨]، فهذا عمل. وقال النَّبي ◌َّ: ((إن
الله تعالى يحبّ العبد المؤمن المحترف))(١). وكان أصحاب رسول الله وَاخيه
يُقرضون على السرية(٢).
وليس في الآية دليل على أن الحذر يتعارض مع القدر، أو يمنع من القدر
شيئاً؛ ولكنّا مطالبون بألا نلقي بأيدينا إلى التهلكة، وورد في الحديث:
((اعقلها وتوكل))(٣) والقدر جارٍ على ما قضى الله، ويفعل الله ما يشاء، ويكون
أخذ الحذر من القدر، كما أوضحت في تفسير الآيات.
ودلّت الآيات ثانياً على قاعدة من قواعد الحرب أو سياسة من سياسات
المعركة وخطتها وهي النهوض لقتال العدو إذا دعا الإمام الناس إلى النفر،
أي للخروج إلى قتال العدو إما جماعة إثر جماعة، أو الزّج بطاقة الجيش
الكثيف كله في قلب المعركة، على وفق ما يرى القائد الحربي من مصلحة،
معتمداً على استطلاع أحوال العدو واستعداداته واستحكاماته، واحتمالات
تطور المعركة. ويقال للقوم الذين ينفرون: النفير.
وبناءً على هذا، فليست الآية منسوخة ولا معارضة لقوله تعالى: ﴿آنِفِرُواْ
خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١/٩]، وقوله: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [التوبة: ٩/
٣٩]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢/٩]؛ لأن
ج
كل آية يعمل بها بحسب الظرف الحربي الملائم لها، فإحداها في الوقت الذي
يحتاج فيه إلى تعيين الجميع، والأخرى عند الاكتفاء بطائفة دون غيرها.
(١) رواه الحكيم والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عمر، لكنه حديث ضعيف.
(٢) تفسير القرطبي: ١٨٩/٤، ٢٧٣/٥، أحكام القرآن للجصاص: ٢١٥/٢، والسرية: طائفة
من الجيش يبلغ أقصاها أربع مئة، سموا بذلك؛ لأنها تكون من خلاصة العسكر وخيارهم،
من الشيء السري: النفيس.
(٣) رواه الترمذي عن أنس، وهو ضعيف.

١٦٤
الُرُ (٥) - النِّسَاءِ: ٧١/٤-٧٦
وترشد الآيات ثالثاً إلى أن في الأمة في كل زمان فئة المثبطين أو المبطئين
وهم المنافقون، والتبطئة والإبطاء: التأخر، وديدنهم القعود عن القتال
ويُقعدون غيرهم معهم. فهم من جنس الأمة ودخلائها وممن يظهر الإيمان
للجماعة، ويتظاهر بالإخلاص في رسالتها. وهم جماعة انتهازيون: إن حققت
الجماعة فتحاً ونصراً وأحرزت غنيمة، يقول المنافق الواحد منهم: يا ليتني
كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً، كأنه مقطوع الصلة والمودة بالأمة ولم يعاقد على
الجهاد.
وإن أصيبت الأمة بمصيبة من قتل وهزيمة، فرح وقال: قد أنعم الله علي إذ
لم أكن معهم شهيداً أي حاضراً. فهؤلاء المنافقون يجب الحذر منهم أشدّ
الحذر، وهم مروجو الإشاعات المغرضة: إشاعة الضعف والهزيمة وعدم
تكافؤ القوى في عصرنا الحاضر.
وأكدت الآيات رابعاً أمر المؤمنين بالقتال في سيبل الله، أولئك المؤمنون
الذين يبيعون الحياة الدُّنيا بالآخرة، أي يبذلون أنفسهم وأموالهم الله عزّ وجلّ
مقابل الحصول على ثواب الآخرة.
وثواب الآخرة لمن قُتِل أو غَلَب العدو عظيم جداً لا يخضع لتصور إنسان.
وظاهر قوله تعالى: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبُ﴾ يقتضى التسوية بين من قُتل شهيداً
أو انقلب غائماً، أي إن كل من قاتل في سبيل الله، سواء قتل (استشهد) أو
غلب العدو، فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل، فللشهيد أجر، وللغانم
أجر، بدليل ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله:
((تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمانٌ بي،
وتصديق برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أُرجعَه إلى مسكنه الذي
خرج منه نائلاً ما نال من أجرٍ وغنيمةٍ)). ومعنى الجملة الأخيرة: يقتضي أن من
لم يستشهد من المجاهدين له أحد الأمرين: إما الأجر إن لم يغنم، وإما الغنيمة
والأجر. وهذا كله بالنسبة إلى المجاهد الذي أخلص النّة في الجهاد.

١٦٥
الُ (٥) - التَشَاءِ: ٧١/٤-٧٦
أما إن نوى الجهاد ولكن مع نيل المغنم، فإن أصاب الغنيمة تعجل ثلثي
أجره من الآخرة، ويبقى له الثلث، وإن لم يصب غنيمة تم له أجره. وهذا
مستفاد من حديث آخر عن عبد الله بن عمرو (١).
وخامساً - بيَّنت الآية بعض أحوال مشروعية القتال مع الحضّ على الجهاد
وهي ما يلي:
اً - القتال في سبيل الله: يفسره الحديث النّبوي الذي رواه الجماعة عن
أبي موسى: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) أي إنه قاتل
لإعلاء كلمة الدِّين وإظهاره، ورفع راية الإسلام المتضمنة توحيد الله، وإقرار
العدل والحقّ، والدعوة إلى فضائل الأخلاق، وعبادة الله الواحد القهّار
وتعظيمه لا تعظيم أحد من البشر.
أَ - استنقاذ الضعفاء المؤمنين من عباد الله من براثن العدو: وهذا واجب
وإن كان في ذلك تَلَف النفوس. ويكون تخليص الأسارى واجباً على جماعة
المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال، وهو أوجب لكونها دون النفوس إذ هي
أهون منها. قال مالك: واجب على الناس أن يُفْدوا الأسارى بجمع أموالهم.
وهذا لا خلاف فيه؛ لقوله عليه الصّلاة والسّلام فيما رواه أحمد والبخاري
عن أبي موسى: ((فُكُّوا العاني)) أي الأسير. وكذلك قال العلماء: عليهم أن
يُواسوهم، فإن المواساة دون المفاداة.
ومن أمثلة المستضعفين في التاريخ: من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال
كفرة قريش وأذاهم وهم المعنيون بقوله عليه الصّلاة والسّلام: ((اللهم أَنْج
الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيَّاش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من
المؤمنين))، وقال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين.
(١) تفسير القرطبي: ٢٧٧/٥-٢٧٨

١٦٦
لُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ٧٧/٤-٧٩
وما أمتع تلك المقارنة في أهداف القتال: المؤمنون يقاتلون في سبيل طاعة
الله، ومن أجل نشر دينه وأحكام شرعه فهو ناصرهم ووليهم، والكافرون
يقاتلون في سبيل الطاغوت (الشيطان وما يمثله من ظلم وخرافة وكهانة ودعوة
إلى عبادة الأصنام والأوثان) فلا ولي لهم إلا الشيطان، وكيد الشيطان
للمؤمنين إلى جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه، فالله هو صاحب
القدرة الحقيقية المحققة للنصر، والشيطان ليس له إلا قدرة وهمية.
قال جابر بن عبد الله، وقد سئل عن أعداد الطاغوت التي كانوا يتحاكمون
إليها: كانت في جهينة واحدة، وفي أسلم واحدة، وفي كل حي واحدة.
وقال أبو إسحاق: الدليل على أنه (أي الطاغوت): الشيطان قوله عزّ
وجلّ: ﴿فَقَائِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَِنَّ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَنَ ضَعِيفًا﴾ أي إن مكره
ومكر من اتبعه واهٍ ضعيف التأثير.
أحوال الناس حين فرضية القتال
﴿أَلَمْ قَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُواْ أَيَدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ فَلَمَّا كُتِبَ
عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْبَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَ خَشْيَةٌ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ
كَثَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ لَوْلَآ أَخَّرْنَا. إِلَى أَجَلٍ فَرِبٍ قُلْ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ
لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِى بُرُوجِ
◌ُشَّدَةُ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ،
مَّآ
مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا
أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَيْنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً
٧٩
وَكَفَى بِلَّهِ شَهِيدًا

١٦٧
الجُزُ (٥) - النِشَّةِ: ٧٧/٤-٧٩
القراءات:
﴿قِلَ﴾ :
وقرأ الكسائي، بإشمام كسرة القاف الضم.
﴿ وَلَا نُظْلَمُونَ﴾: قرئ:
١- بالياء، وهي قراءة حمزة، والكسائي، وابن كثير، وخلف.
٢- بالتاء، على الخطاب، وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿إِذَا فَرِقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ فريق: مبتدأ، وحسن الابتداء به؛ لأنه وصفه
بمنهم. فتخصص، فحسن أن يكون مبتدأ، ويخشون: خبر المبتدأ.
﴿كَخَتْبَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ﴾ الكاف في موضع نصب؛ لأنها صفة مصدر
محذوف وتقديره: يخشون الناس خشية كخشية الله، أي: مثل خشية الله. أو
أشدّ: منصوب معطوف على الكاف، أو حال.
﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ﴾ أين: ظرف مكان فيه معنى الشرط
والاستفهام، ودخلت ((ما)) ليتمكن الشرط ويحسن. وتكونوا: فعل الشرط
مجزوم بأينما، وأينما: متعلق بتكونوا، ويدرككم: مجزوم؛ لأنه جواب
الشرط.
﴿َّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فِنَ اللّهِ﴾ ما: في موضع رفع مبتدأ، بمعنى الذي،
وأصابك: صلته، و﴿فَنَ اللّهِ﴾ خبر المبتدأ، ودخلت الفاء في خبر المبتدأ لما في
((ما)) من الإبهام، فأشبهت الشرطية التي تقتضي الفاء. وليست ههنا شرطية؛
لأنها نزلت في شيء بعينه وهو الْخِصْب والجدب، وهما المراد بالحسنة والسيئة،
ولهذا قال: ما أصابك، ولم يقل: ما أصبت، والشرط لا يكون إلا مبهماً.
﴿ وَأَزْسَلْتَكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ رسولاً: مصدر مؤكد بمعنى إرسالاً، أو حال
مؤكدة.

١٦٨
لُ (٥) - النِّشَّاءِ: ٧٧/٤-٧٩
البلاغة:
﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اَللَّهِ﴾ تشبيه مرسل مجمل.
﴿فَالِ هَؤُلاءِ﴾ استفهام يراد به التعجب من فرط جهلهم.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَمْ كُفُواْ أَيَدِيَكُمْ﴾ هم جماعة من الصحابة، قيل لهم:
امنعوا أيديكم عن قتال الكفار، لما طلبوه بمكة، لأذى الكفار لهم.
﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾ فرض القتال عليهم وأمروا به. ﴿يَخْشَوْنَ﴾ يخافون.
﴿النَّاسَ﴾ الكفار أي عذابهم بالقتل. ﴿كَخَشْيَةِ الَّهِ﴾ أي كخوفهم من بأس الله
وعذابه . ﴿لَوْلَا أَخَّرْنَنَآ إِلَى أَجَلٍ قَرِبٍ﴾ أي هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا
القريبة. ﴿مَنَعُ الذُّنْيَا﴾ ما يتمتع به فيها أو الاستمتاع بها وبلذاتها . ﴿قَلِيلٌ﴾
سريع الزوال. ﴿وَاَلْآَخِرَةُ﴾ الجنة. ﴿لِّمَنِ أَنَّقَى﴾ أي جعل لنفسه وقاية من
عقاب الله، بترك معصيته . ﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ تنقصون من أعمالكم ﴿فَئِيلًا﴾ هو
الخيط البسيط الذي يكون في شقّ النواة، وهو مَثَل في القلّة والبساطة.
﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ اَلْمَوْتُ﴾ أي في أي مكان كنتم يلحقكم الموت.
﴿بُرُوجِ﴾ جمع برج وهو القصر أو الحصن. ﴿مُشَيِّدَةٍ﴾ عالية مرتفعة، وقيل:
مطليَّة بالشِّيد: وهو الحصّ (الجبس) وقد يُراد بالبروج المشيدة: القلاع أو
الحصون المتينة التي يحتمي فيها الجند من العدو . ﴿حَسَنَةٌ﴾ شيء حسن عند
صاحبه كالخصب والسعة والظفر بالغنيمة. ﴿سَيِّئَةٌ﴾ ما تسوء صاحبها
كالشدة والبلاء والجدب والهزيمة والجرح والقتل.
﴿يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ يفهمون كلاماً يلقى إليهم، أي لا يقاربون أن يفهموا،
ونفي مقاربة الفعل أشدّ من نفيه.

١٦٩
لُ (٥) - الْتَشَكَّة: ٧٧/٤-٧٩
٠٠
سبب النزول:
نزول الآية (٧٧):
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَهُمْ﴾: أخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس أن عبد
الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النَّبِي وَلَّ، فقالوا: يا نبي الله، كنا في عز،
ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة؟ قال: إني أُمرت بالعفو، فلا تقاتلوا
القوم، فلما حوّله الله إلى المدينة، أمره بالقتال، فكفّوا، فأنزل الله: ﴿أَلَ تَرَ
إِلَى الَّذِينَ قِبِلَ لَمْ كُقُواْ أَيَدِيَكُمْ﴾. قال الحسن البصري: هي في المؤمنين، وقال
مجاهد: هي في اليهود، وقيل: هي في المنافقين، والمعنى: يخشون القتل من
المشركين كما يخشون الموت من الله.
وأما قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨/٤] فروي عن
ابن عباس أنه قال: لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم أُحد، قال
المنافقون الذين تخلّفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا
وما قتلوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
المناسبة:
بعد أن أمر الله بالاستعداد للقتال وأخذ الحذر، وذكر حال المبطئين، وأمر
بالقتال في سبيله ومن أجل إنقاذ الضعفاء، ذکر هنا حال جماعة كانوا يريدون
:
قتال المشركين في مكة، فلما فرض عليهم القتال، كرهه المنافقون والضعفاء،
فوتَّجهم الله على ذلك الموقف المتناقض.
التفسير والبيان:
كان المؤمنون في مكة مأمورين بالصلاة والزكاة ومواساة الفقراء،
وبالصفح والعفو عن المشركين، وكانوا يودّون الإذن لهم بالقتال ليثأروا من
أعدائهم، ولم يكن الحال مناسباً لذاك لأسباب كثيرة منها: قلّة عددهم بالنسبة

١٧٠
لِجُُ (٥) - النِّسَّاءِ: ٧٧/٤-٧٩
إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم في بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلهذا
لم يؤمروا بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار منعة وأنصار. ومع هذا لما
أمروا بما كانوا يودّونه جزع بعضهم منه، وخافوا من مواجهة الناس خوفاً
شديداً، فقصّ الله علينا قصّتهم.
ألم تنظر إلى أولئك الذين قيل لهم في مكة في ابتداء الإسلام: التزموا السلم
وامنعوا أيديكم وأنفسكم عن الحروب الجاهلية، وأدّوا الصلاة بخشوع مقوّمة
تامة الأركان، وأدّوا الزكاة التي تؤدي إلى التراحم بين الخَلْق، وكانوا في
الجاهلية يشنون الحروب لأتفه الأسباب، وتطفح قلوبهم بالأحقاد، ولكن
حين فرض عليهم القتال في المدينة، كرهه جماعة وهم المنافقون والضعفاء،
وخافوا أن يقاتلهم الكفار ويقتلوهم، كخوفهم من إنزال عذاب الله وبأسه
بهم، بل أشدّ خوفاً من الله تعالى.
وحكى الله تعالى قولهم لشدة هلعهم وخوفهم من القتال وقالوا: ربَّنا لمَ
فرضت علينا القتال، لولا تركتنا نموت موتاً طبيعياً، ولو بعد أجل قريب،
ولولا أخرت فرض القتال إلى مدّة أخرى، فإن في القتال سفك الدماء، ويُثْم
الأولاد، وتأيم النساء. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلَا نُزِّلَتْ
سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ﴾ [محمد: ٢٠/٤٧].
ثم أمر الله نبيَّه بردّ شبهتهم قائلاً ﴿قُلْ مَنَعُ الذُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ أي: إن طلبكم
التأخير وقعودكم عن القتال خشية الموت ناشئ من الرغبة في متاع الدّنيا
ولذّاتها، مع أن كل ما يتمتع به في الدُّنيا زائل وقليل بالنسبة إلى متاع الآخرة،
وآخرة المتّقي خير من دنياه؛ لأن نعيم الدُّنيا محدود فانٍ، ومتاع الآخرة كثير
باقٍ لا كدر فيه ولا تعب، ولا يناله إلا من اتَّقى الله، فامتثل ما أمره الله به،
واجتنب ما نهى الله عنه، وستحاسبون على كل شيء.
ولا تُنقصون شيئاً مهما قلّ كالفتيل (ما يكون في شقّ نواة التمر كالخيط)

١٧١
لُ (٥) - التِّشَّةِ: ٧٧/٤-٧٩
من أعمالكم، بل توفونها أتم الجزاء. وهذا تسلية لهم عن الدُّنيا، وترغيب لهم
في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد.
وإن الموت أمر محتم لا مفرّ منه، وأنتم صائرون إلى الموت لا محالة، ولا
ينجو منه أحد ولو كان في قصر محصن منيع مرتفع مشيد، فملك الموت لا
تحجزه حواجز ولا تعوقه عوائق، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ اٌلْوَثِّ﴾
[آل عمران: ١٨٥/٣]، وقوله: ﴿كُلَّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٣٦)﴾ [الرحمن: ٢٦/٥٥]، وقوله:
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤/٢١]. وإذا كان الموت مصير
الخلائق جميعهم، وفي أجل محدود لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون،
فلا خشية من الجهاد، فسواء جاهد الإنسان أو لم يجاهد، فإن له أجلاً محتوماً
ومقاماً مقسوماً، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه: (لقد
شهدت كذا وكذا موقفاً، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة
أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء)). وكم من محارب
نجا، وقاعد على فراشه عن الحرب مات حتف أنفه.
ثم ذكر سبحانه وتعالى ما يتعجب منه بسبب مقالة أولئك المنافقين، فإذا
أصابتهم حسنة من غنيمة أو خصب أو رزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو
ذلك، قالوا: هذه من عند الله ومن فضله وإحسانه، لا دخل لأحد فيها،
وإذا أصابتهم سيئة من هزيمة أو قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو
موت الأولاد أو النتاج أو غير ذلك، قالوا: هذه من قبلك يا محمد، وبسبب
اتّباعنا لك واقتدائنا بدينك، كما قال الله تعالى عن قوم فرعون: ﴿فَإِذَا
جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِّهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَظَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَةٌ، أَلَاّ
إِنَّمَا طَيِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١/٧]، وكما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن
يَعْبُدُ اَللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ﴾ [الحج: ١١/٢٢].
وهكذا قال اليهود والمنافقون الذين دخلوا في الإسلام ظاهراً، وهم

١٧٢
لُعُ (٥) - النَّاءِ: ٧٧/٤-٧٩
كارهون له في حقيقة الأمر، حتى إنه إذا أصابهم شرّ أسندوه إلى اتِّباعهم للنَّبي
وَ ل فيه، وتشاءموا بمحمد رَّل، وقالوا: ((هذه من عندك)) أي إنه بتركنا ديننا
واتِّباعنا محمداً أصابنا هذا البلاء.
فردّ الله عليهم بأن هذا زعم باطل منهم، وكلٌّ من عند الله، أي الجميع
بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البر والفاجر، والمؤمن والكافر، بحسب سنّة
الله في ربط المسببات بالأسباب.
فماذا أصاب هؤلاء القوم في عقولهم، وما لهم لا يفهمون حقيقة ما يلقى
إليهم من حديث وما يلقونه من كلام؟ وما الذي دهاهم في عقولهم حتى
وصلوا إلى هذا الفهم السقيم؟ فقد ربطت الأسباب بمسبباتها، وإن كان الله
خالقاً لكل شيء.
ثم خاطب الله تعالى رسوله وَله، والمراد بالخطاب جنس الإنسان ليحصل
على الجواب: ما أصابك من حسنة فمن الله، أي من فضل الله ورحمته ولطفه
وتوفيقه حتى تسلك سبيل النجاة والخير؛ وما أصابك من سيئة فمن نفسك،
أي من قبلك ومن عملك أنت؛ لأنك لم تسلك سبيل العقل والحكمة
والاسترشاد بقواعد الهداية الإلهية وبمعطيات العلم والتجربة، حتى قالوا: إن
المرض بسببك، والحقيقة أن الأمراض الوراثية بسبب الإنسان وسلوكه الطرق
غير الصحيحة !!
وذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَصَبَكُم مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ
أَبْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ (®﴾ [الشورى: ٣٠/٤٢].
وأما أنت يا محمد فرسول من عندنا أرسلناك للناس، تبلغهم شرائع الله،
وما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وكفى بالله شهيداً على أنه أرسلك، وهو
شهيد أيضاً بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم إياه، وبما يردون عليك من الحق
كفراً وعناداً، وما عليك إلا البلاغ، والخير والشّر من عند الله خلقاً وإيجاداً،
والشّر من العبد كسباً واختياراً.

١
الُرُ (٥) - الشَّةِ: ٧٧/٤-٧٩
١٧٣
والخلاصة: هناك شيئان:
اً - كل شيء من عند الله: أي إنه خالق الأشياء وواضع النظم والسُّنن
للوصول إليها بسعي الإنسان وكسبه.
أَ - ما يصيب الإنسان من السّوء والشّر: يكون بتقصير منه في معرفة
السُّنن والأسباب.
ولا تعارض بين قوله تعالى: ﴿كُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ أي كل من الحسنة
والسَّيئة، وبين قوله: ﴿ وَمَآَ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكٌ﴾ لأن الآية الأولى تعني
كون الأشياء كلها من الله خلقاً وإيجاداً، والثانية تسبُّباً وكسباً بسبب الذنوب،
أو التقصير في فهم النظم والقواعد العامة.
فقه الحياة أو الأحكام:
الراجح لدي أن آية: ﴿أَلَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَمْ﴾ واردة في جماعة من اليهود
والمنافقين وضعفاء الإيمان؛ إذ لم يعرف في تاريخ الصحابة أنهم اعترضوا على
نزول الوحي بحكم من الأحكام التشريعية، ويدلّ له سياق الآية: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا
لِمَ كَنَبْتَ عَلَيْنَا اُلْفِنَالَ لَوْلَا أَخَّرْنَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾. ومعاذ الله أن يصدر هذا
القول من صحابي كريم، يعلم أن الآجال محدودة، والأرزاق مقسومة، بل
كانوا لأوامر الله ممثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآخرة
خيراً من المقام في الدُّنيا، على ما هو معروف من سيرتهم رضي الله عنهم.
أما ما رواه النسائي والحاكم في سبب النزول فيحتاج إلى تحقق ونظر،
ويستبعد أن يكون عبد الرّحمن بن عوف المبشّر بالجنّة ممن يقول القول المتقدّم.
ومما أرشدت إليه الآية ما يأتي:
١ - الدُّنيا وما فيها من متع ولذات وشهوات قليلةٌ فانية محدودة، والآخرة

١٧٤
لُُ (٥) - النِّسَاءِ: ٧٧/٤-٧٩
بما فيها من نعيم مقيم وخلود في الجنان خير لمن اتَّقى المعاصي. قال النَّبي ◌ِّ:
((مَثَلي ومثَلُ الدُّنيا كراكب قال قيلولة(١) تحت شجرة ثم راح وتركها)).
٢ - الموت أمر محتم لا يتأخر عمن انتهى أجله، سواء أكان في الحصون
المحصنة في الأراضي المبنية، أم في ساحات المعركة، وموت خالد بن الوليد على
فراشه أكبر عبرة.
وبعبارة أخرى: الآجال متى انقضت لا بدّ من مفارقة الرّوح الجسد، كان
ذلك بقتل أو موت أو غير ذلك مما أجرى الله العادة بزُهُوقها به.
٣ - اتّخاذ البلاد وبناؤها وتشييد العمارات للمعيشة فيها وحفظ الأموال
والنّفوس هي سنّة الله في عباده. وهو من أكبر الأسباب وأعظمها، وقد أمرنا
بها، واتخذها الأنبياء وحفروا حولها الخنادق عُدَّة وزيادة في التّمنع، وذلك
أبلغ ردّ على قول من يقول: التّوكل ترك الأسباب.
٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِ اللِّّ وَإِن تُصِبْهُمْ
سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِكَ﴾: نزلت هذه الآية في رأي المفسّرين وعلماء
التأويل كابن عباس وغيره في اليهود والمنافقين، وذلك أنهم لما قدم عليهم
رسول الله ◌َ﴿ في المدينة، قالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذْ
قدم علينا هذا الرجل وأصحابه.
٥ - الشدّة والرّخاء والظفر والهزيمة من عند الله، أي بقضاء الله وقدره،
ومن خَلْقه وإيجاده.
٦ - ما أصابكم يا معشر الناس من خصب واتِّساع رزق فمن تفضل الله
عليكم، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم، أي من أجل
ذنوبكم، وقع ذلك بكم، كما قال الحسن البصري والسُّدّي وغيرهما.
(١) القيلولة: النوم في الظهيرة، والفعل: قال، فهو قائل.

١٧٥
الُرُ (٥) - النِّشَاءِ: ٨٠/٤-٨٢
والجهّال هم الذين أخطؤوا في فهم آية: ﴿قُلْ كُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ على أن
الحسنة والسيئة من الله دون خلقه، ومصدر الخطأ أنهم فسَروا السَّيئة
بالمعصية، وليست كذلك، فإن المراد بالسَّيئة شيء معين وهو القحط والجدب
ونحوه. ولأنه لو كان المراد بالحسنة فعل المحسن وبالسيئة فعل المسيء، لكان
يقول: ما أصبت من حسنة، وما أصبت من سيئة؛ لأنه الفاعل للحسنة
والسيئة جميعاً، فلا يضاف إليه إلا بفعله لهما، لا بفعل غيره.
٧ - النَّبِي وَلّ ذو رسالة سماوية إلهية موحى إليه بها، وكفى بالله شهيداً على
صدق رسالة نبيِّه وأنه صادق.
طاعة الرسول طاعة لله
وتدبّر القرآن وكونه من عند الله
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَى فَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا
٨٠
وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيِّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ وَاَللَّهُ
يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَّ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴿ أَفَلاَ
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَّ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا
القراءات:
ج
﴿ اَلْقُرْءَانَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً: (القران).
الإعراب:
﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ طاعة: خبر مبتدأ محذوف تقديره: أمرنا طاعة.

١٧٦
الجُرُ (٥) - النِشَاءِ: ٨٠/٤-٨٢
﴿ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ﴾ ذكَّر الفعل لتقدّمه ولأن تأنيث الفاعل غير حقيقي، أي إن
تأنيث الطائفة مجازي غير حقيقي، ولأنها في معنى الفريق والفوج.
﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ استفهام يراد به الإنكار.
٤
البلاغة:
المفردات اللغوية:
﴿تَوَلَّى﴾ أعرض عن طاعته. ﴿حَفِيظًا﴾ حافظاً لأعمالهم، بل نذيراً،
وإلينا أمرهم، فنجازيهم، وهذا قبل الأمر بالقتال.
﴿طَاعَةٌ﴾ أي يقول المنافقون: أمرنا طاعة لك. ﴿بَرَزُواْ﴾ خرجوا. ﴿بَيَّتَ
طَآئِفَةٌ﴾ أضمرت طائفة، أو دبرت جماعة منهم ليلاً رأياً غير الذي قالوه لك،
أو زوّرت وسوّت خلاف ما قلت وما أمرت به، أو خلاف ما قالت وما
ضمنت من الطاعة؛ لأنهم أضمروا الرّدّ لا القبول، والعصيان لا الطاعة،
وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون.
﴿ وَاَللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ يأمر بكتب ما يبيِّتون في صحائفهم، ليجازوا
عليه. ﴿فَأَغْرِضْ عَنْهُمْ﴾ بالصفح. ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به، فإنه كافيك. ﴿وَكَفَى
بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ مفوضاً إليه.
﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ يتأملون القرآن وينظرون ما فيه من المعاني
البديعة، فمعنى تدبُّر القرآن: تأمل معانيه والتَّبصر بما فيه. ﴿أُخْئِلَفًا
كَثِيرًا﴾ تناقضاً في معانيه، وتبايناً في نظمه وبلاغته، فكان بعضه بالغاً حدّ
الإعجاز، وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته، وبعضه إخباراً بغيب وافق المخبر
عنه، وبعضه إخباراً مخالفاً للمخبر عنه، وبعضه دالاً على معنى صحيح،
وبعضه دالاً على معنى فاسد غير ملتئم.

١٧٧
لِلُعُ (٥) - الْتَشَاءِ: ٨٠/٤-٨٢
سبب النزول:
روى مقاتل أن النَّبِي وَّوَ كان يقول: ((من أحبَّني فقد أحبّ الله، ومن
أطاعني فقد أطاع الله)) فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل؟
لقد قارف الشرك، وقد نهى أن نعبد غير الله، ويريد أن نتخذه ربّاً كما اتّخذت
النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية.
المناسبة:
أكّد الله تعالى هنا ما سبق من الأمر بطاعة الله والرسول، وأوضح أن طاعة
الرسول تعود في النهاية لله تعالى، وكشف مراوغة المنافقين.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن عبده ورسوله محمد سليم بأن من أطاعه فقد أطاع الله،
ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا
وحي يوحى. ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله:
((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله؛ ومن أطاع الأمير فقد
أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني)».
معنى الآية: من أطاع الرسول فقد أطاع الله؛ لأنه الآمر والناهي في
الحقيقة، والرسول مبلِّغ للأمر والنّهي، فليست الطاعة له بالذات، وإنما هي
لمن بلَّغ عنه، وهو الله عزّ وجلّ.
أما ما يأمر به الرّسول من الأمور الدنيوية، كتأبير النخل (تلقيحه بطلع
الذكور) وأكل الزيت والادِّهان به، وكيل الطعام من قمح وغيره عند طحنه
وعجنه، فهو مجرّد اجتهاد برأيه، لا تجب طاعته فيه.
وكان الصحابة رضي الله عنهم إذا شكُوا في الأمر، أهو وحي من عند الله
أم اجتهاد من الرّسول؟ سألوه، فإن كان وحياً أطاعوه بلا تردُّد، وإن كان

١٧٨
لُ (٥) - الشَّاءِ: ٨٠/٤-٨٢
رأياً من عنده، ذكروا رأياً آخر وأشاروا بما هو أولى، كما حدث في غزوتي
بدر وأُحد، وربما رجع إلى رأيهم.
ومن أعرض عن طاعتك خاب وخسر، وليس عليك من أمره شيء،
وليس لك أن تكرهه على ما تريد، إن عليك إلا البلاغ، لست عليهم
بمسيطر، والخسران لاحق به، كما جاء في الحديث الصحيح: ((من يطع الله
ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله، فإنه لا يضر إلا نفسه)).
ثم أخبر الله تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة، فيقولون:
أمرنا طاعة لك، أو أمرك طاعة أي أمرك مطاع، نفاقاً وانقياداً ظاهراً، فإذا
خرجوا من مكانك وتواروا عنك، دبروا ليلاً فيما بينهم رأياً غير ما أظهروه
لك. روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس أنه قال: هم ناس يقولون عند
رسول الله صل: آمنا بالله ورسوله، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، وإذا برزوا
من عند رسول الله ◌َ خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعاتبهم الله على ذلك.
والله يعلم ما يبيتون، ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته الكاتبين الذين هم
موكلون بالعباد. والمعنى في هذا التهديد أنه تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه
ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلاً من مخالفة الرسول ◌َل وعصيانه،
وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك.
فأعرض عنهم، أي اصفح عنهم واحلم عليهم ولا تؤاخذهم ولا تهتم
بمؤامراتهم، ولا تكشف أمورهم للناس، ولا تخف منهم أيضاً. وتوكل على
الله أي فوض الأمر إليه، وثق به في جميع أمورك، فإن الله کافیك شرهم،
وكفى به ولياً وناصراً ومعيناً لمن توكل عليه وأناب إليه.
ثم يأمرهم الله تعالى بتدبر القرآن وتفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، فهو
الكفيل بتصحيح خطتهم ومنهجهم، ويخبرهم أنه لا اختلاف فيه ولا
اضطراب ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حق من حق، ولهذا

١٧٩
الُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ٨٠/٤-٨٢
﴾ [محمد: ٤٧/
٢٤
قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا
٢٤] ثم قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٢/٤] أي لو كان مفتعلاً
مختلقاً، كما يقول جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم، لوجدوا فيه اختلافاً
كثيراً، أي اضطراباً وتضاداً كثيراً، وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند
الله.
ومظاهر الاختلاف المفترضة إما في نظمه وإما في معانيه.
أما في نظمه وبلاغته: فقد يكون بعضه بالغاً حد الإعجاز، وبعضه قاصراً
عنه.
وأما في معانيه: فقد يكون بعضه صحيح المعنى وبعضه فاسداً سقيماً. وقد
يخبر عن الغيب وقصص السابقين بما يوافق الواقع وبما يخالفه، وقد يصيب
في تصوير حقائق الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للأمم، وقد
يجانب الصواب. وقد يأتي بحقائق العقيدة وأسس الأحكام التشريعية، وأحكم
القواعد العامة، وقد تكون مفندة.
أما ترتيبه فبالرغم من نزوله منجماً مفرقاً بحسب الوقائع والمناسبات على
مدى ثلاث وعشرين سنة فهو في غاية الإبداع والإحكام، إذ كان النبي وَلـ
عند نزول آية أو آيات أو سورة يأمر بما يوحي إليه بأن توضع كل آية في محلها
من سورة كذا، وهو يحفظه حفظاً ثابتاً لا ينمحي من ذاكرته: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ
﴾ [الأعلى: ٦/٨٧].
تَنسَىّ
كل هذه الألوان من الاختلافات والاحتمالات لا نجدها في القرآن
الكريم، مما يدل قطعاً على أنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا
من خلفه، فهو قد أعجز ببلاغته وفصاحته وجزالته البلغاء والفصحاء،
وصَوَّرَ الحقائق تصويراً تاماً بلا اختلاف ولا تناقض، وأخبر عن الماضي
السحيق خبراً صدقاً موافقاً للواقع، وتحدث عن الحاضر ومكنونات الأنفس

١٨٠
الجُرعُ (٥) - الْشَاءِ: ٨٠/٤-٨٢
والضمائر بما يبهر ويعجب ويخرس الألسنة الناقدة، وأنبأ عن بعض الأمور
في المستقبل، فجاء الحدث مطابقاً لما أنبأ عنه، ووضع أصول العقيدة،
والتشريع في القضايا العامة والخاصة، وسياسة الأمم والحكم بما لم يسبق
إليه، وبما تطابق مع أحدث وأصح ما توصلت إليه البشرية بعد مخاضات
طويلة في مجال النظريات والفلسفات.
وصوَّر لنا عالم الغيب ومشاهد القيامة بصور مرئية محسوسة كأننا نشاهدها
وننجذب إليها وترتسم صورها في أذهاننا دون أن تفارقها لشدة وقعها،
وبراعة تصويرها، وصدق حكايتها وواقعيتها: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
كِنَبًا مُتَشَبِهَا قَثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِنُ جُلُودُهُمْ
وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣/٣٩].
ولو أنصف المسلمون أنفسهم ما اتخذوا هذا القرآن مهجوراً، ولو تدبروا
ما فيه وفهموا ما رسمه لهم من طريق الحياة السوية، لما انحدروا إلى ما هم عليه
الآن، فهو مرشد الهداية، ونور الأمة، وصراط الله المستقيم، ومفتاح
السعادة، وطريق تحقق المصلحة، وبناء الأمة وتحضرها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ
هَذَا اُلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ
أَجْرًا كَبِيرًا (Q)
} [الإسراء: ٩/١٧].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي:
اً - وجوب طاعة الرسول، وأن طاعته طاعة لله تعالى.
أَ - المعرض عن طاعة الرسول متبع هواه، منقاد لشهواته، مضيع
لمصلحته، يقود نفسه إلى الهاوية في الدنيا ونار جهنم في الآخرة.
٣ - مراوغة المنافقين مكشوفة، فهم يقولون عند النبي ◌ُّور: أمرنا طاعة،