النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
الُرُ (٥) - النِّشَّاءِ: ٤٤/٤-٤٦
﴿وَأَقْوَمَ﴾ أعدل وأسدّ ﴿وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أبعدهم عن رحمته ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾
أي إلا إيماناً قليلاً لا يعبأ به.
سبب النزول:
نزلت في يهود المدينة، قال ابن إسحاق: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من
عظماء اليهود، وإذا کلم رسول الله پڼ، لوى لسانه، وقال: أرْعِنا سمعك يا
محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ﴾.
وقال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف - أحد أحبار اليهود- في سبعين
راكباً من اليهود إلى مكة بعد موقعة أحد، ليحالفوا قريشاً على غدر رسول
الله ◌َّله، وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله وَل، فنزل كعب
على أبي سفيان، ونزلت اليهود في دور قريش ...
فقال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا
نعلم، فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق؟ أنحن أم محمد؟ فقال كعب:
اعرضوا علي دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء (الناقة
الضخمة السنام)، ونسقيهم الماء، ونَقْري الضيف، ونفك العاني (الأسير)،
ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا ونطوف به، ونحن أهل الحرم؛ ومحمد فارق
دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث؛
فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَّرَ
إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ﴾ يعني كعباً وأصحابه، الآية(١).
المناسبة:
بعد أن أرشد الله تعالى إلى جزيل الثواب بامتثال الأحكام الشرعية، وحذر
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ٨٩

١٠٢
الجُ (٥) - النِّسَاءِ: ٤٤/٤-٤٦
المخالف بشديد العقاب، من خلال الترغيب والترهيب، ذكر حال بعض أهل
الكتاب الذين تركوا بعض أحكام دينهم، وحرّفوا كتابهم، واشتروا الضلالة
بالهدى، لينبه المؤمنين إلى وجوب التزام ما أمروا به، ويحذرهم من إيقاع
العقاب عليهم بترك أحكام دينهم، مثل العقاب الذي استحقه أولئك اليهود
في الآخرة حينما يتمنون أن يدفنوا في التراب، ويزج بهم في نار جهنم.
التفسير والبيان:
ألم تنظر يا محمد إلى الذين أعطوا جزءاً من التوراة (الكتاب الإلهي) ثم
يستبدلون الضلالة بالهدى، ويؤثرون الكفر على الإيمان، ويعرضون عما أنزل
الله على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من الأحكام كالكذب وإيذاء الناس
وأكل الربا، ومن العلم عن الأنبياء السابقين في صفة محمد لقه، ليشتروا بما
اصطنعوه من الطقوس والرسوم الدينية ثمناً قليلاً من حطام الدنيا، ويريدون
أن تضلوا معهم الطريق المستقيم، فتكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون،
وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع، والله أعلم بأعدائكم أيها
المؤمنون، ويحذركم منهم، وكفى بالله ولياً: حافظاً لكم منهم ويتولى
شؤونكم، وحصناً لمن لجأ إليه، وكفى بالله نصيراً لمن استنصره، ومعيناً يدفع
شرهم عنكم، فهو سبحانه الذي يرشدكم إلى ما فيه خيركم وفلاحكم، وهو
الذي ينصركم على أعدائكم بتوفيقكم لصالح العمل والهداية لأسباب النصر
من التعاون وإعداد وسائل القوة الحربية، فلا تطلبوا الولاية من غيره، ولا
النصرة من سواه.
وأما الذي يعملون به من التوراة: فهو ما أضاعوه ونسوه، وما تركوا
العمل به من الأحكام الباقية لديهم.
ثم بَيَّن الله تعالى المراد بأولئك الذين أوتوا الكتاب بقوله: ﴿مِّنَ الَّذِينَ
هَادُواْ﴾ أي اليهود، و﴿مِّنَ﴾ هنا لبيان الجنس كقوله: ﴿فَاجْتَكِبُواْ الرِّحْسَ

١٠٣
الُعُ (٥) - التَّاءِ: ٤٤/٤-٤٦
مِنَ اُلْأَوْثَنِ﴾ [الحج: ٣٠/٢٢] وهم قوم يحرفون الكلم الذي أنزله الله في
التوراة عن مواضعه الأصلية، إما بأن يحملوه على غير معناه الذي وضع له،
كتأويل البشارات الواردة في النبي ◌َّ، وتأويل ما ورد في المسيح وحمله على
شخص آخر، لا يزالون ينتظرونه إلى اليوم، وإما بنقل كلمة أو جملة من
الكتاب ووضعها فيه في موضع آخر، فقد خلطوا ما أثر عن موسى عليه
السلام بما كتب بعده بزمن طويل، كما خلطوا كلام غيره من أنبيائهم بكلام
آخر دوَّنه واضعو التوراة الحالية، بدلاً من التوراة المفقودة باعترافهم.
وكانوا يقصدون بهذا التحريف الإصلاح في زعمهم، ومنشأ ذلك أنه
وجدت عندهم قراطيس متفرقة من التوراة بعد فقد النسخة الأصلية التي كتبها
موسى عليه السلام، وأرادوا أن يؤلفوا بينها، فخلطوا فيها بالزيادة والتكرار،
كما أثبت المؤرخون الباحثون الثقات، مثل الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه
(إظهار الحق).
ويقول هؤلاء اليهود للنبي وَلقر: سمعنا قولك وعصينا أمرك، قال مجاهد:
إنهم قالوا للنبي ◌َّ: سمعنا قولك، ولكن لا نطيعك، وكانوا يقولون أيضاً
حسداً وحقداً على النبيِ وَِّ: ﴿وَأَسَّمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ يدعون عليه بقولهم، لا
أسمعك الله، أو غير مسمع دعاؤك، أو غير مقبول منك، بدلاً من أن يقولوا
أدباً: ((لا سمعت مكروهاً)).
وكانوا يقولون كذلك: ﴿وَرَعِنَا﴾ اسم فاعل من الرعونة أي الطيش
والحمق، أو هي "راعينا" كلمة سب وطعن عندهم، بدلاً من أن تستعمل
بمعنى: أنظرنا وتمهل علينا. وقد نهى الله المؤمنين أن يستعملوا هذه الكلمة
بقوله: ﴿يَأَتُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾ [البقرة: ٢/
١٠٤ ].
هذه جرائم ثلاث ارتكبوها مع النبي وَلّ إما في مجلسه أو بعيداً عنه، بدافع

١٠٤
لُُ (٥) - النَّاءِ: ٤٤/٤-٤٦
الحسد والحق، أو الاستهزاء والسخرية، يستعملون كلاماً محتملاً معنيين،
وهم يريدون به الشتيمة والإهانة، لا التوقير والاحترام والتكريم، لياً
بألسنتهم وفتلاً بها وصرفاً للكلام عن إرادة الخير إلى إرادة الشر والسب،
وطعناً في الإسلام وقدحاً فيه، فيوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم:
﴿رَعِنَا﴾ وإنما يريدون الرعونة بسبهم النبي ◌َّ. وهذا منتهى الوقاحة
والجرأة على الباطل.
ومن تحريف لسانهم تحيتهم بقولهم: "السام - الموت - عليكم" يوهمون
يقتل اللسان أنهم يقولون: "السلام عليكم" فيجيبهم النبي ◌َّ بقوله:
"وعليك " أي كل أحد يموت.
قال ابن عطية: وهذا موجود حتى الآن في اليهود، وقد شاهدناهم یربون
أولادهم الصغار على ذلك، ويحفّظونهم ما يخاطبون به المسلمين، مما ظاهره
التوقير ويريدون به التحقير(١).
ثم وجَّه الحق تعالى إلى الخطاب الأمثل فذكر: ولو أنهم قالوا: سمعنا
وأطعنا، واسمع منا ما نقول وانظرنا، أي أمهلنا وانتظرنا ولا تعجل حتى
نتفهم عنك ما تقول، لكان ذلك خيراً لهم وأصوب مما قالوه، لما فيه من
الفائدة والأدب.
٠
ثم بَيَّن الله تعالى عاقبة تصرفاتهم النابية وهو الطرد من رحمة الله وعدم
التوفيق للخير أبداً، فذكر أنه تعالى لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم، والكفر يمنع
عادة من التفكر والأدب في الخطاب، وهم لا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً لا يؤبه
به، وقلوبهم مطرودة عن الخير، مبعدة عنه، فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع
لهم، وإذا لم يكن هناك إيمان، لم يبق أمل في صلاح عمل، ولا رقي عقل، ولا
طهارة نفس.
(١) البحر المحيط: ٢٦٤/٣

١٠٥
الُ (٥) - الشَّةِ: ٤٤/٤-٤٦
فقه الحياة أو الأحكام:
الآيات تعجب وتوبيخ وتقريع ليهود المدينة وما والاها، ولكل من سلك
سلوكهم، وسار على منهجهم، وسبب ذلك تصرفاتهم الشائنة، ومواقفهم
المستهجنة التي جمعت ألواناً من الجرائم والمنكرات.
فهم اشتروا الضلالة بالهدى، وأرادوا إضلال المسلمين عن طريق الحق
والمنهج القويم وأعلنوا عداوتهم للإسلام والمسلمين، فلا تستصحبوهم فإنهم
الأعداء الألداء.
وهم يحرفون الكلام الإلهي عن مواضعه الصحيحة، ويؤولونه تأويلاً
باطلاً، أو يخلطونه بكتابات البشر المغلوطة أو المشوهة أو المنفرة؛ فإن توراتهم
الحالية تمس سمو الذات الإلهية، وتشوه سمعة أنبيائهم وتطعن فيهم، وهي
مشحونة بالأحقاد والبغضاء على الشعوب الأخرى غير اليهودية، وتدعو إلى
تدمير المدن وتخريب الحضارة وإتلاف الثروات الحيوانية والزراعية والصناعية.
ويعلنون وقاحتهم في خطاب النبي وَلثور وحب الاستهزاء والسخرية منه،
فيقولون: ("سمعنا قولك وعصينا أمرك"، واسمع لا سمعت، وهم يظهرون
أنهم يريدون اسمع غير مسمَع مكروهاً ولا أذىّ. وقال الحسن البصري
ومجاهد: معناه غير مسمع منك، أي مقبول ولا مجاب إلى ما تقول. ويقولون:
راعنا من الرعونة والحمق.
وقوله: ﴿لَيَّا بِأَلْسِنَنِهِمْ﴾ يدل على أنهم يلوون ألسنتهم عن الحق، أي
يميلونها إلى ما في قلوبهم، ويطعنون في الدين، بقولهم لأصحابهم: لو كان نبياً
لدَرَى أننا نسبُّه، فأظهر الله تعالى نبيه على ذلك، فكان من علامات نبوته،
ونهاهم عن هذا القول.
ولو خاطبوه بما يقتضيه الأدب واللياقة في الكلام، لكان ذلك أقوم أي
أصوب لهم في الرأي، والحقيقة أنهم لا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً لا يستحقون به
اسم الإيمان.

١٠٦
لِلُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ٤٧/٤
أمر أهل الكتاب بالإيمان بالقرآن وتهديدهم باللعنة
يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَنْ
نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَتَرُدَّهَا عَلَىَّ أَدْبَارِهَا أَوْ تَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِّ وَكَانَ أَمْرُ
اللَّهِ مَفْعُولًا
٤٧
الإعراب:
﴿كَمَا لَعَنَّا﴾ الكاف في ﴿كَمَا﴾ في موضع نصب؛ لأنها صفة لمصدر
محذوف، وتقديره: لعناً مثل لعننا أصحاب السبت.
البلاغة:
﴿نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾ استعارة، شبه مسخ الوجوه بالصحيفة المطموسة التي
أشكلت حروفها وغمضت سطورها.
يوجد طباق بين ﴿وُجُوهًا﴾ و﴿أَدْبَارِهَا﴾.
ويوجد جناس اشتقاق في ﴿فَلْعَنَهُمْ﴾ و﴿ لَعَنَّا﴾.
المفردات اللغوية:
﴿أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ التوراة ﴿نَّطْمِسَ﴾: الإزالة، والمراد به هنا: محو آثار
الإنسانية بإزالة ما في الوجوه من العين والأنف والحاجب، وترددت الكلمة
في القرآن، مثل: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَّ أَمْوَلِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨/١٠] أي أزلها
وأهلكها، ومثل: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىَ أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦/٣٦] إما بإزالة
نورها، وإما بمحو حدقتها ﴿وُجُوهًا﴾ جمع وجه: وهو الوجه المعروف،
وطمسها: هو ردها إلى الأدبار وجعل أبصارهم من ورائهم، أو المراد: ألا
نبقي لها سمعاً ولا بصراً ولا أنفاً. وقال ابن عباس: وطمسها: أن تعمى.

١٠٧
الُ (٥) - النَِّّاءِ: ٤٧/٤
وقد يطلق الوجه على اتجاه النفس: وهو ما تتوجه إليه من المقاصد، كما قال
تعالى: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠/٣]. وقال: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ: إِلَى
اللّهِ﴾ [لقمان: ٢٢/٣١]. وقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠/٣٠].
﴿فَرُدَّهَا عَلَى أَدَّبَارِهَا﴾ الأدبار: جمع دبر، وهو الخلف والقفا. والرد على
الأدبار: جعلها كالأقفاء لوحاً واحداً. ويستعمل الرد على الأدبار إما في
الحسيات وهو الهزيمة أو الفرار في القتال، وإما في المعنويات: وهو الرجوع إلى
الوراء أي العودة إلى الكفر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَّ
أَدْبَارِهِمِ مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىّ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ
٢٥
[محمد: ٤٧ /٢٥].
﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ [النساء: ٤٧/٤] أو نجزيهم بالمسخ كما مسخنا أصحاب السبت
قردة وخنازير، وقيل: أو نهلكهم، كما أهلكنا أصحاب السبت.
سبب النزول:
أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال: كلَّم رسول الله وَلل رؤساءَ من
أحبار اليهود، منهم عبد الله بن صُوريا وكعب بن أسد، فقال لهم: "يا معشر
يهود، اتقوا الله، وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق"
فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد، وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر،
فأنزل الله عز وجل فيهم، ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّْنَا﴾ الآية.
التفسير والبيان
الآية متصلة بما قبلها، واردة لفتح باب الأمل أمام أهل الكتاب بعد أن
اشتروا الضلالة بالهدى بتحريفهم بعض الكتاب وإضاعة بعضه الآخر، وهي
تلزمهم العمل بما عرفوا والإيمان بالقرآن؛ لأن إيمانهم بالتوراة يستدعي
الإيمان بما يصدقها.

١٠٨
لُ (٥) - الشَكَّاءِ: ٤٧/٤
يأمر الله تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى بالإيمان بما نزل على
رسوله ﴿ من القرآن المجيد الذي جاء مصدقاً لما سبقه من الكتب السماوية في
أصولها الأولى الصحيحة، وليس لما آلت إليه في صورتها الحالية، من تقرير
التوحيد ورفض الشرك وترك الفواحش الظاهرة والباطنة، وتصديق الأخبار
التي بأيديهم من البشارات بالنبي محمد، وتلك هي أصول الدين وغاياته
الأساسية.
خاطبهم القرآن بأنهم أوتوا الكتاب، مع أنهم ضيعوا جزءاً منه، وأحرقوا
جزءاً آخر، مما يدعو إلى إيمانهم بالقرآن، ويسجل عليهم تقصيرهم
واستحقاقهم العقاب.
ومما يدعوهم إلى الإيمان أن الأديان السماوية كلها متفقة في الأصول
العامة، كالتوحيد، ونبذ الشرك، والتحلي بكريم الأخلاق، والبعد عن
الفواحش والمنكرات.
وأكد القرآن الكريم نبوة داود وسليمان وموسى وعيسى وإبراهيم ونوح
وغيرهم عليهم السلام، فكيف لا يؤمن أتباع أولئك الأنبياء بالقرآن وبرسالة
محمد؟ مع أنه جاء مصدقاً لما معهم، وموافقاً لملة إبراهيم القائمة على التوحيد.
فقل لهم يا محمد: آمنوا بما نزَّلنا، فكل الكتب المنزلة ذات مصدر واحد،
ولها غاية واحدة.
ثم هددهم إن لم يفعلوا بطمس الوجوه والرد على الأدبار، فتُجعل على هيئة
أدبارها وهي الأقفاء، مطموسة مثلها، عديمة الإبصار، أو بالهلاك أو المسخ
كما أهلك أصحاب السبت من اليهود، أو مسخهم قردة وخنازير. وأصحاب
السبت: يعني الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد بحواجز أقاموها
يوم الجمعة، فإذا حدث المد ثم الجزر، تبقى الأسماك في الأحواض المقامة على
الشواطئ.

١٠٩
لُ (٥) - النَّشَّةِ: ٤٧/٤
وكان أمر الله مفعولاً، أي إن أمره التكويني وهو قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ}
بإيقاع شيء ما نافذ لا محالة، فإذا أمر أمراً فإنه لا يخالف ولا يمانع. فاحذروا
وعيده، وخافوا عقابه، ويراد بالأمر: المأمور، فالمعنى: أنه متى أراده أوجده.
قال ابن عباس: يريد: لا رادّ لحكمه، ولا ناقض لأمره. ولا بد أن يقع
أحد الأمرين إن لم يؤمنوا. وقد تحقق الوعيد في معاصري الوحي بإذلال بني
النضير وإجلائهم، وإهلاك بني قريظة، وهو معنى الطمس والارتداد على
الأدبار على أنها أمور حسية.
فقه الحياة أو الأحكام:
اختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية؛ هل هو حقيقة، فيجعل الوجه
كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين، أو ذلك عبارة عن الضلالة
في قلوبهم وسلبهم التوفيق؟
قولان: رُوي عن أبي بن كعب أنه قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ﴾ من قبل أن
نضلكم إضلالاً لا تهتدون بعده. والمراد به التمثيل، وأنهم إن لم يؤمنوا فعل
هذا بهم عقوبةً.
وقال قتادة: معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء، أي يذهب الله بالأنف
والشفاه والأعين والحواجب، وهذا معناه عند أهل اللغة. ورُوي عن ابن
عباس وعطية العَوْفي: أن الطّمس: أن تزال العينان خاصَّة وتردّ في القفا،
فيكون ذلك ردّاً على الدّبر وبمشي القهقرى.
فإذا آمن هؤلاء ومن اتّبعهم، رفع الوعيد عن الباقين. وقال المُبَرِّد:
الوعيد باقٍ منتظر، وقال: لا بدّ من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة.

١١٠
لُعُ (٥) - الشَّاءِ: ٤٨/٤
ما يغفره الله تعالى وما لا يغفره
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ
٤٨
فَقَدِ اُفْتَرَىَ إِثْمًا عَظِيمًا
المفردات اللغوية:
﴿ وَيَغْفِرُ﴾ المغفرة: ستر الذنب، والمغفور له: أن يدخله الله الجنة بلا
عذاب، ومن شاء عذّبه من المؤمنين بذنوبه، ثم يدخله الجنة . ﴿اقْتَرَى﴾ اختلق
واعتمل وارتكب. ﴿إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ذنباً كبيراً.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجل إلى
النبي ◌َّه فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال: وما دينه؟ قال:
يصلي ويوحِّد الله، قال: استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه، فطلب الرجل
ذلك منه، فأبى عليه، فأتى النَّبِي وَِّ فأخبره، فقال: وجدته شحيحاً على دينه،
فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾.
المناسبة:
بعد أن أوعد الله أهل الكتاب وهددهم على الكفر إن لم يؤمنوا، وأعلن أن
الوعيد نافذ المفعول، بيَّن هنا أن هذا الوعيد على الكفر أو الشرك، فأما سائر
الذنوب فقابلة للغفران.
التفسير والبيان:
أخبر الله تعالى أنه لا يغفر أن يشرك به، أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك
به، والمراد بالشرك هنا مطلق الكفر الشامل لكفر اليهود وغيرهم، ويغفر ما

١١١
لُُ (٥) - النَّاءِ: ٤٨/٤
دون ذلك من الذنوب لمن يشاء من عباده. ومن أشرك بالله فقد ارتكب ذنباً
كبيراً. قال الطبري: قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة، ففي مشيئة الله
تعالى: إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرته شركاً بالله
تعالى. وقال بعضهم: قد بيَّن الله تعالى ذلك بقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا
ثُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فأعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن
اجتنب الكبائر، ولا يغفرها لمن أتى الكبائر. والظاهر لدي هو قول الطبري.
وهذه الآية مخصصة لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾. أخرج ابن
﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى
المنذر عن أبي مجلَز قال: لما نزل قوله تعالى:
أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
[الزمر: ٥٣/٣٩]، قام النَّبي ◌َّ على المنبر، فتلاها على الناس،
الرَّحِيمُ هَا)
فقام إليه رجل فقال: والشرك بالله، فسكت، ثم قام إليه فقال: يا رسول الله،
والشرك بالله تعالى، فسكت مرّتين أو ثلاثاً، فنزلت هذه الآية.
أخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: ما في القرآن آية أحبّ إليّ من
هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٌ﴾(١).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآية على عظم جريمة الشرك، وأنه لا مغفرة له، وعلى فضل الله
ورحمته بإمكان مغفرة بقية الذنوب لمن يشاء من عباده.
والشرك بالله قسمان:
١- شرك في الألوهية: وهو اتّخاذ شريك مع الله تعالى، وله سلطة وتدبير
في الكون.
(١) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

١١٢
لُ (٥) - النِّسَاءِ: ٤٨/٤
٢- وشرك في الربوبية: وهو جعل سلطة التشريع وتبيان أحكام الحلال
والحرام الله ولغيره من البشر بغير الوحي، كما قال الله تعالى: ﴿أُتَّخَذُوَأْ
أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:
٣١/٩]، وقد فتَر النَّيِ ◌ّهِ اتّخاذهم أرباباً بطاعتهم واتّباعهم في أحكام الحلال
والحرام.
وفي الآية إيماء إلى اتّصاف أهل الكتاب بالشرك بتأليه العزير والمسيح،
وبجعل الأحبار والرهبان أصحاب السلطة في التحليل والتحريم.
والسبب في شناعة الشرك: أنه كذب محض وافتراء صريح، وأنه وكر
الخرافات والأباطيل، ومنه تنشأ سائر الجرائم التي تهدم حياة الأفراد ونظام
الجماعات، ويتنافى مع رقي العقول، وطهارة النفوس، وصفاء الأرواح،
ويحجب نور الإيمان الصحيح عن النفاذ إلى القلب.
أما التوحيد ففيه عزّة النفس، وتحرير الإنسان من العبودية لأحد من البشر
أو لشيء في الكون، والسمو بالذات البشرية إلى عبادة الله والاتِّكال عليه
والإخلاص له، وفي ذلك كله راحة النفس، واطمئنان القلب، وصفاء
الروح، وتنوير البصيرة، والظفر بعون الله ونصره، والاستجابة لنداء الفطرة،
والاعتماد على مصدر الخير الحقيقي، والثقة التامة بمن بيده إنقاذ العبد ونجاته
من مخاطر الدنيا ومضارها، والتخلص من أوزار المعصية في الآخرة.
ومن وسائل المغفرة المتروكة للبشر والمقيدة بالمشيئة الإلهية أيضاً: الدعاء مع
الإيمان والإخلاص والاستقامة وحسن الظّنّ بالله تعالى، وفعل الحسنات،
لقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤/١١]، والتوبة
الصادقة النّصوح التي حثَّ عليه القرآن بعد التّفريط وارتكاب الذّنب جهلاً.

١١٣
الُُ (٥) - التِّشَكّاء: ٤٩/٤-٥٥
نماذج أخرى من أعمال أهل الكتاب والجزاء عليها
﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِى مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
٤٩
أَمْ تَرَ إِلَ
٥٠
أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِ إِثْمًا مُبِينًا
الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهْ وَمَن
كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا
يَلْعَنِ اَللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيًّا ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا
oFT
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيَمَ
الْكِتَبَ وَاَلِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُمْ مُلْكَّا عَظِيمًا ﴿﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَمِنْهُم ◌َّن صَدَّ
عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا
٥٥
البلاغة:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام يراد به التّعجب.
﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ﴾ تعجب بلفظ الأمر، وعبر بفعل المضارع
يَفْتَرُونَ﴾ عن الماضي للدلالة على الدوام والاستمرار.
﴿َمْ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ و﴿أَمْ يَحْسُدُونَ﴾ استفهام يراد به التوبيخ والتقريع.
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ مجاز مرسل في كلمة ﴿النَّاسَ﴾ يراد بها محمد نَّه
من باب إطلاق العام على الخاص.
﴿فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ تعريض بشدة بخلهم.
ويوجد جناس اشتقاق في ﴿يُؤْثُونَ﴾ و﴿ءَاتَلُهُمُ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿ يُزَكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يمدحونها وهم اليهود الذين قالوا: نحن أبناء الله

١١٤
لِلْزُ (٥) - النَّاءِ: ٤٩/٤-٥٥
وأحباؤه، وهو استفهام تعجبي أي ليس الأمر بتزكيتهم أنفسهم، قال
تعالى: ﴿فَلَ تُزَكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىَ﴾ [النجم: ٣٢/٥٣]، ﴿بَلِ اللَّهُ
يُزَكِ مَن يَشَآءُ﴾ أي يطهر من يريد بالإيمان ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ ينقصون من
أعمالهم، والظلم: النقص وتجاوز الحد، فله جانبان: سلبي وإيجابي.
﴿فَتِيلًا﴾ قدر قشرة النواة، والأدقّ: هو ما يكون في شق نواة التمر مثل
الخيط. وبه يضرب المثل في الشيء الحقير، كما يضرب بمثقال الذرة.
﴿ وَكَفَى بِهِ: إِثْمًا مُبِينًا﴾ أي ذنباً واضحاً، والمراد به تعظيم الذّنب وذمّه.
وقد يطلق الإثم على ما كان ضارّاً.
﴿بِالْجِبْتِ﴾ الرديء الذي لا خير فيه، والمراد به هنا الأصنام وما يتبعها
من الأوهام والخرافات . ﴿ وَالطَّغُوتِ﴾ مصدر بمعنى الطغيان والجبروت،
ويطلق على كل ما يعبد من دون الله، وعلى الشيطان. والجبت والطاغوت:
صنمان لقريش.
(نَقِيرًا﴾ أي شيئاً تافهاً قدر النقرة في ظهر النواة، ومنها تنبت
النخلة، ويضرب بها المثل في القلة والحقارة، وهم لا يؤتون الناس نقيراً
لفرط بخلهم.
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ بل أيحسدون النَّبِيِ وََّ، والحسد: تمِّّي زوال
نعمة الغير. ﴿عَلَى مَآ ءَاتَدُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِ﴾ من النّبوة، والعلم،
والكرامة في الدِّين والدُّنيا، ويقولون: لو كان نبيّاً لاشتغل عن النِّساء.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ العلم بالأسرار المودعة في أحكام الشريعة. ﴿مُلْكَا عَظِيمًا﴾
ما كان لأنبياء بني إسرائيل كداود وسليمان عليهما السلام . ﴿صَدَّ عَنّهُ﴾
أعرض عنه . ﴿سَعِيرًا﴾ ناراً مسعرة أي موقدة، والمراد عذاباً شديداً لمن
لا يؤمن.

١١٥
الُرُ (٥) - الِشَاءِ: ٤٩/٤-٥٥
سبب النزول:
نزول الآية (٤٩):
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال:
كانت اليهود يقدّمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم، ويزعمون أنهم
لا خطايا لهم ولا ذنوب، فأنزل الله: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمْ)
وأخرج ابن جرير نحوه عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك وغيرهم.
وقال الكلبي: نزلت في رجال من اليهود أتوا رسول الله ◌َّ بأطفالهم
وقالوا: يا محمد، هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ قال: لا، فقالوا: والذي
نحلف به ما نحن إلا كهيئتهم، ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كُفِّر عنا بالليل،
وما من ذنب نعمله بالليل إلا كُفِّر عنا بالنهار، فهذا الذي زكّوا به أنفسهم.
وقال الحسن البصري وقتادة: نزلت هذه الآية وهي قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنْفُسَهُمَّ﴾ في اليهود والنصارى حين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَؤُّأْ اللَّهِ
وَأَحِبَُّؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨/٥]، وقالوا أيضاً: ﴿لَن يَدْخُلَ اُلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا
أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١/٢].
نزول الآية (٥١):
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ﴾: أخرج أحمد وابن أبي حاتم عن ابن عباس
قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى هذا المنصبر المنبتر
من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل
السقاية، قال: أنتم خير، فنزلت فيهم: ﴿إِنّ شَائِشَكَ هُوَ الْأَبْرُ
٣
[الكوثر: ٣/١٠٨]، ونزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اُلْكِتَبِ﴾ إلى
قوله: ﴿نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١/٤-٥٢].
وأخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال: كان الذين حزَّبوا الأحزاب من

١١٦
المُحُ (٥) - النِّسَاءِ: ٤٩/٤-٥٥
قريش وغطفان وبني قريظة: حُبَيُّ بن أَخْطَب، وسلام بن أبي الْخُقَيق، وأبو
رافع، والرَّبيع بن أبي الخُقيق، وأبو عِمارة، وهَوْذَة بن قيس، وكان سائرهم
من بني النّضير، فلما قدموا على قريش قالوا:
هؤلاء أحبار يهود، أهل العلم بالكتب الأولى، فاسألوهم، أدينكم خير أم
دين محمد؟ فسألوهم فقالوا: دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه، وممن
اتبعه، فأنزل الله: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اُلْكِتَبِ﴾ إلى قوله:
﴿قُلْكًا عَظِيمًا﴾.
نزول الآية (٥٤):
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس
قال: قال أهل الكتاب: زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع، وله تسع
نسوة، وليس همه إلا النكاح، فأي ملك أفضل من هذا، فأنزل الله: ﴿أَمْ
يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ الآية.
التفسير والبيان:
ألم تنظر إلى حال الذين يمدحون أنفسهم، ويدّعون ما ليس فيهم،
ويقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن شعب الله المختار، ولا تمسّهم النار
مهما فعلوا إلا أياماً معدودات، ولن يدخل الجنَّة إلا من كان هوداً أو
نصارى، وإن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة، وكذلك آباؤنا يشفعون لنا
ويزكوننا، لكرامتهم على الله، والتّزكية: التطهير والتبرية من الذنب.
وقد ردّ الله دعواهم بأنه لا قيمة لتزكيتهم أنفسهم، فإن التزكية تكون
بالعمل الصالح، لا بالادعاء، والله هو الذي يزكي من يشاء من عباده بتوفيقه
للعمل الصالح، وهدايته إلى العقيدة الصحيحة، والآداب الفاضلة.
ولا يُنْقص الله المزكين أنفسهم شيئاً من جزاء عملهم.

١١٧
لُ (٥) - الْنَسْتَّاءِ: ٤٩/٤-٥٥
ثم أكّد الله تعالى التعجب من حالهم بقوله: ﴿اَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ
اَلْكَذِبَ﴾ أي انظر كيف يكذبون على الله بتزكيتهم أنفسهم، وزعمهم أن لهم
امتيازاً على غيرهم.
وكفى بهذا الكذب والافتراء والتزكية للنفس إثماً ظاهراً، فالله لا يخص
شعباً بمعاملة خاصة أو امتياز، وكل ذلك غرور وأمنيات مزعومة، وجهل
فاضح.
وانظر أيضاً حال بعض أهل الكتاب الذين يجاملون المشركين، ويؤمنون
بالأصنام والأوثان، وينصرون المشركين على المؤمنين بأنبيائهم وكتبهم،
ويقولون: إن المشركين أرشد طريقة في الدِّين من المؤمنين الذين صدقوا برسالة
محمد ◌ٍّ، فهم حُرموا هداية العقل والفطرة، وهدموا أساس دينهم،
وتجاوزوا الحقّ، وأعلنوا الظلم، حينما نصروا الشرك والوثنية وتكذيب الله
ورسوله على مبدأ التدين الصحيح والتصديق بالإله الحق.
وعاقبتهم أنهم مطرودون من رحمة الله وفضله، ومن يبعده الله من رحمته
فلن يجد له نصيراً ينصره أبداً.
ثم وتجهم الله على البخل والطمع في الملك آخر الزمان، فذكر أنه لا حظ
لهم من الملك، لظلمهم وطغيانهم ويخلهم، وحبّهم أنفسهم دون غيرهم، فهم
مطبوعون على حبّ الذّات وحبّ المادّة والغرور الكاذب والشحّ، فلا يعطون
الناس مقدار النقير (النقرة في ظهر النواة) والملك يحتاج إلى الترفع عن كل
ذلك، وإلى كسب الأعوان بالبذل والسخاء، وقضاء حوائج الآخرين،
والسمو عن الماديات، وحبّ الناس.
ثم وتَّجهم الله تعالى على الحسد الذي هو أسوأ من البخل، فهم يتمنون أن
يكون الخير كله بأيديهم، ويريدون قصر فضل الله عليهم، ولا يحبّون أن يكون
لأمة فضل مما لهم، فهم جماعة يحبون ذواتهم (أنانيِّون) حاقدون حاسدون.
·

١١٨
الجُرُ (٥) - النَشَاءِ: ٤٩/٤-٥٥
لذا حسدوا محمداً ◌ّ على ما آتاه الله من فضل النّبوة والعلم، وزعامة الدولة
ورئاسة الحكم، وكثرة الأعوان والأنصار.
ثم بَيَّن الله تعالى ما يدفع ذلك الحسد، ويقلل من أهمية الأشياء التي حسدوا
عليها محمداً، فهم إن يحسدوه على ما أوتي، فقد أخطؤوا؛ إذ له نظائر وأمثال
كثيرة وهي أنه تعالى آتى مثل هذا لآل إبراهيم، والعرب منهم؛ لأنهم من ذرية
ولده إسماعيل، وآتاهم الله الكتاب الإلهي المشتمل على تشريع الأحكام،
والحكمة التي هي فهم أسرار التشريع، والملك العظيم في أبنائه وذريته.
وفي هذا إشارة إلى أنه سيكون للمسلمين بزعامة نبيِّهم ملك عظيم، بالإضافة
إلى النّبوة والقرآن والحكمة، وقد بدأت تباشير القوة في المدينة شيئاً فشيئاً.
والخلاصة: إن اليهود قوم مغرورون مخدوعون يظنون أن فضل الله مقصور
عليهم، ورحمته لا تتعداهم، ولا يستحقها غيرهم، وهم واهمون سطحيون
يحسبون أن ملك الدنيا بأيديهم، وحاسدون العرب على ظهور نبي آخر الزمان
فيهم، وعلى ما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة.
وأولئك الأنبياء المتقدمون كإبراهيم وذريته بالرغم من اختصاصهم بالنّبوة
وإيتائهم الملك، لم تؤمن أممهم جميعاً برسالتهم، بل منهم من آمن بهم، ومنهم
من أعرض وظلّ على كفره، فلا تعجب يا محمد من موقف قومك، فهذه حال
الأمم مع أنبيائهم. وفي هذا تسلية للنَّيِِّ، ليشتد صبره على أذى قومه، ولا
ييأس من إيمانهم. وفي رأي القرطبي: أن الضمير في قوله: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ
◌ِهِ،﴾ يعني بالنَّبِيَِِّ ﴿وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ﴾ أعرض فلم يؤمن به. وقيل:
الضمير راجع إلى إبراهيم، وقيل: يرجع إلى الكتاب.
وإن لم يصبهم عذاب في الدنيا، فكفاهم عذاب جهنم في النار المستَّرة
الشديدة اللظى، وبئس المصير، ولكن ذلك بسبب اتّباعهم الباطل وإعراضهم
عن الحق.

١١٩
الُ (٥) - التَِّّةِ: ٤٩/٤-٥٥
فقه الحياة أو الأحكام:
دڵّت الآيات على ما يأتي:
اً - المنع من تزكية الإنسان نفسه: فإن المزكِّي نفسه بلسانه يغضّ من قدر
نفسه، ولا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له، وقد نهى الله
صراحة عن ذلك بقوله: ﴿فَلَا تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىَ﴾ [النجم: ١٥٣
٣٢]. وكذلك نهى النَّبِي وَّر عن ذلك، جاء في صحيح مسلم عن محمد بن
عمرو بن عطاء قال: ستّميت ابنتي بَرَّة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن
رسول اللـه وَل نهى عن هذا الاسم، وسَّيتَ بَرَّة، فقال رسول الله وَالَ: (( لا
تُركّوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البرّ منكم فقالوا: بمَ نُسَمِّيها؟ فقال: سّوها
زینب)).
وكذلك نهى النَّبِي وَّر عن الإفراط في مدح الرجل بما ليس فيه، فيدخله
بسببه الإعجاب والكِثر، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة، فيحمله ذلك على
تضييع العمل، وترك الازدياد من الفضل. ثبت في البخاري من حديث أبي
بكرة أنّ رجلاً ذُكر عند النَّبِي وََّ، فأثنى عليه رجل خيراً، فقال النَّي ◌ِّ:
" وَيْحَك قطعت عنق صاحبك - يقوله مراراً - إن كان أحدكم مادحاً لا محالة،
فليقل: أحسِب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يزِّي
على الله أحداً". وفي حديث آخر: " قطعتم ظهر الرجل" حين وصفوه بما
ليس فيه.
وعلى هذا تأوّل العلماء قوله ◌َّ فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة: "احثوا
التراب في وجوه المدّاحين": أن المراد بهم المداحون في وجوههم بالباطل وبما
ليس فيهم، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يفتنون به الممدوح.
أما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود، ليكون منه ترغيباً
له في أمثاله، وتحريضاً للناس على الاقتداء به في أشباهه، فليس بمدّاح، وإن

١٢٠
الجُزُ (٥) - النِّسَاءِ: ٤٩/٤-٥٥
كان قد صار مادحاً بما تكلم به من جميل القول فيه. وهذا راجع إلى النّات،
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِيَحْ﴾ [البقرة: ٢٢٠/٢]. وقد
مدح ◌َّه في الشعر والخطب والمخاطبة، ولم يَحْثُ في وجوه المدّاحين التراب،
ولا أمر بذلك، كقول أبي طالب:
وأبيضُ يستسقى الغمامُ بوجهه ◌ِمال اليتامى، عَصمة للأرامل
وكمدح العباس وحسَان له في شعرهما ومدح كعب بن زهير.
ومدح هو أيضاً أصحابه فقال: "إنكم لتقلّون عند الطمع، وتكثرون عند
الفزع".
وأما قوله ◌َ ﴾ في صحيح الحديث: " لا تطروني كما أطرتِ النصارى عيسى
ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله" فمعناه لا تصفوني بما ليس فيَّ من
الصفات، تلتمسون بذلك مدحي، كما وصف النصارى عيسى بما لم يكن
فيه، فنسبوه إلى أنه ابن الله، فكفروا بذلك وضلّوا.
وهذا يقتضي أن المبالغ بالمدح آثم.
أَ - ترفع الله عن الظلم: لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ والفتيل:
الخيط الذي في شقّ نواة التمرة. وقيل: القشرة التي حول النواة بينها وبين
البشرة. وهو كناية عن تحقير الشيء وتصغيره، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَا
يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤/٤] وهي النكتة التي في ظهر النواة، ومنه تنبت
النخلة.
◌َّ- افتراء اليهود الكذب على الله: في قولهم: ﴿فَحْنُ أَبْنَوُاْ اللَّهِ وَأَحِبَّؤُهُ﴾
[المائدة: ١٨/٥]، وقيل: تزكيتهم لأنفسهم، وروي أنهم قالوا: ليس لنا ذنوب
إلا كذنوب أبنائنا يوم تولد. ومن المتفق عليه أن المراد بالآية: ﴿يُزَكُونَ
أَنفُسَهُمْ﴾: اليهود. والافتراء: الاختلاق.