النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
الُ (٥) - النِّشَكَّةِ: ٤٠/٤-٤٢
ومعنى الآية: أنه تعالى لا ينقص أحداً من أجر عمله شيئاً مهما قل، ولا
يعاقب أحداً على شيء مهما كان بغير حق؛ لأن الظلم نقص، والله تعالى
متصف بكل كمال، منزَّه عن كل نقص.
فمن اقترف سيئة بعد أن زوده الله بالعقل والتقدير والميزان، كان هو الظالم
لنفسه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦/٤١].
ومع أنه تعالى لا ينقص أحداً من أجر عمله ولو مثقال ذرة، يضاعف
ثواب الحسنة إلى عشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، أما
السيئة فلا تضاعف، ويجزى بمثلها فقط، كما في آية أخرى: ﴿مَن جَآءَ
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِلسَّيْئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
[الأنعام: ١٦٠/٦].
﴿وَيُؤْتِ مِن لَُّنَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي إنه تعالى لا يكتفي بمضاعفة حسنات
المحسن، بل يعطيه أجراً من غير مقابل له من الأعمال، فهو واسع الفضل
كثير الإحسان. والأجر العظيم: الجنة، نسأل الله الرضا والجنة.
وإذا كان هذا هو نظام الثواب، فيتعجب الخالق من بعض الناس قائلاً :
فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشاهد
يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، كقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ
فِهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧/٥]. وجئنا بك يا محمد على هؤلاء المكذبين شهيداً. عن ابن
مسعود" أنه قرأ سورة النساء على رسول الله وَ ل حتى بلغ قوله: ﴿وَجِثْنَا بِكَ
عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، فبكى رسول اللهِ ◌ّله وقال: حسبنا". وهذه الشهادة
معناها: عرض أعمال الأمم على أنبيائهم.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ
عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣/٢] أي إن هذه الأمة
بحسن سيرتها وكونها خاتمة أمم الوحي تكون شهيدة على الأمم السابقة،

٨٢
لُُ (٥) - الشَّاءِ: ٤٠/٤-٤٢
وحجة عليها في انحرافها عن هدي المرسلين، والرسول و 98 بسيرته واستقامته
یکون حجة على من ترك سننه.
يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول أي يتمنون لو يدفنون، فتسوى بهم
الأرض، كما تسوى بالموتى، وقيل: يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا
والأرض سواء، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ بَيْتَنِ كُتُ تُرَبًا﴾ [النبأ: ١٧٨
٤٠].
وهم لا يقدرون على كتمان كلام عن الله؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم،
وقيل: الواو للحال، أي يودون أن يدفنوا تحت الأرض، وأنهم لا يكتمون
الله حديثاً، ولا يكذبون في قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٦/
٢٣]؛ لأنهم إذا قالوا ذلك، وجحدوا شركهم، ختم الله على أفواههم عندئذ،
وتكلمت أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك، فلشدة الأمر
عليهم يتمنون الدفن تحت التراب.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - اتصاف الله بكل كمال، وتنزهه عن كل نقصان: فلا يبخس الناس
ولا ينقصهم من ثواب أعمالهم وزن ذرة، بل يجازيهم ويثيبهم عليها، والمراد
من الكلام: أن الله تعالى لا يظلم قليلاً ولا كثيراً، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤/١٠]. وفي صحيح مسلم عن أنس قال: قال
رسول الله وَلي: ((إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها
في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل الله بها في الدنيا، حتى إذا
أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها)).
◌َ- مضاعفة ثواب الحسنات ومنح الأجر العظيم وهو الجنة. روى أحمد
عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ◌َ ◌ّليه يقول: "إن الله سبحانه يعطي عبده

٨٣
لُ (٥) - التََّّةِ: ٤٣/٤
المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي حسنة، وتلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن
تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفُهَا وَيُؤْتِ مِن لَُّنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (﴾﴾. قال عَبيدة: قال أبو
هريرة: وإذا قال الله ﴿أَخْرًّا عَظِيمًا﴾ فمن الذي يقدّر قدره!
وقد عرفنا أن هذه الآية إحدى الآيات التي هي خير مما طلعت عليه
الشمس.
٢- التعجيب الإلهي من أفعال الكفار يوم الحساب: هذا التعجيب حافز
على فعل المأمورات، وإنذار على التقصير في فعل الحسنات والخيرات.
٤- تمني الكفار أن يكونوا تراباً عند مصادمتهم بأعمالهم المنكرة، وتمنيهم
أنهم لم يكتموا الله حديثاً، لظهور كذبهم، ولأن ما عملوه ظاهر عند الله لا
يقدرون علی کتمانه.
سئل ابن عباس عن هذه الآية، وعن قوله تعالى: ﴿وَلَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّاً
مُشْرِكِينَ﴾ فقال: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَيِّنَا
مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾ فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم، فلا
يكتمون الله حديثاً.
:
تحريم الصلاة حال السكر
وكون التيمم عند فقد الماء
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ
وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ حَّى تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُم مَّرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ
أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْنُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا
فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا
٤٣

٨٤
لُرُ (٥) - النِّسَكَّاءِ: ٤٣/٤
القراءات:
﴿لَمَسْتُمُ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (لمستم).
الإعراب:
﴿ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ الواو واو الحال، والجملة بعدها من المبتدأ والخبر في
موضع نصب على الحال بفعل: ﴿تَقْرَبُواْ﴾ أي لا تقربوها في هذه الحالة.
والدليل على أن الواو هاهنا واو الحال قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ أي ولا
تصلوا جنباً إلا عابري سبيل، استثناه من قوله: "جنباً". والمراد بعابري
سبيل: المسافرين؛ لأنه يجوز للجنب أن يتيمم في السفر عند عدم الماء.
وقيل: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد، ولا تقربوا منها جنباً إلا
عابري سبيل، فيجوز للجنب العبور في المساجد عند الحاجة.
المفردات اللغوية:
﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ﴾ لا تصلوا. ﴿ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ جمع سكران وهو من
شرب الخمر ﴿جُنُبًا﴾ من أصابته الجنابة بالجماع أو إنزال المني. والجنب:
يطلق على المفرد وغيره . ﴿إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ﴾ مجتازي طريق أي مسافرين.
وقيل: المراد النهي عن قربان مواضع الصلاة، أي المساجد إلا عبورها من
غیر مکث.
﴿مِّنَ اُلْغَابِطِ﴾ المكان المنخفض من الأرض كالوادي، والمراد المكان المعد
لقضاء الحاجة، وأهل البادية وبعض القرى يقضون حوائجهم في المنخفضات
للستر عن أعين الناس. والقصد من قوله: أو جاء أحد منكم من الغائط: أي
أحدث . ﴿أَوْ لَمَسْنُمُ النِّسَآءَ﴾ كناية عن الجماع في رأي ابن عباس، وفي رأي
ابن عمر والشافعي: بمعنى اللمس وهو الجس باليد، وألحق به الجس بباقي
البشرة.

٨٥
لُعُ (٥) - النَِّّاءِ: ٤٣/٤
﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ﴾ تتطهرون به للصلاة بعد الطلب والتفتيش في غير حال
المرض. ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ اقصدوا. (صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ تراباً طاهراً فاضربوا به
ضربتين. والصعيد: وجه الأرض . ﴿عَفُوّا﴾ ذا عفو وهو محو السيئة وجعلها
كأن لم تكن. ﴿غَفُورًا﴾ ذا مغفرة، والمغفرة: ستر الذنب بعدم الحساب عليه.
سبب النزول:
نزول الآية: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ﴾: روى أبو داود والترمذي والنسائي
والحاكم عن علي قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا وسقانا
من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموني فقرأت: "قل:
يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون" فأنزل الله:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾.
وروى ابن جرير عن علي أن الإمام كان يومئذ عبد الرحمن، وأن الصلاة صلاة
المغرب، وكان ذلك قبل أن تحرَّم الخمر.
نزول آية: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: أخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن المنذر عن علي
رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ في المسافر
تصيبه الجنابة، فيتيمم ويصلي.
وأخرج ابن مردويه عن الأسلع بن شريك قال: كنت أرحِّل ناقة رسول
الله ◌َلر، فأصابتني جنابة في ليلة باردة، فخشيت أن أغتسل بالماء البارد،
فأموت أو أمرض، فذكرت ذلك لرسول الله وَله، فأنزل الله: ﴿لَا تَقْرَبُواْ
اُلْضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ الآية كلها.
وروى البخاري ومسلم من حديث مالك عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع
رسول الله ◌َ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع
عِقْد لي، فأقام رسول اللهِوَ لّ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على
ماء، وليس معهم ماء ... فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أُسَيْد بن حضير

٨٦
لُعُ (٥) - النِّسَّةِ: ٤٣/٤
وهو أحد النقباء: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. وفي رواية: يرحمك الله
يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا وجعل الله فيه للمسلمين فرجاً. قالت
عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العِقد تحته(١).
والظاهر أن صدر الآية نزل في حادثة الخمر، وعجزها في حادثة السفر،
والجمهور على أنها نزلت في غزوة المرَيْسِيع.
المناسبة:
لما نهى الله سبحانه فيما مضى عن الشرك، ورغب في امتثال الأمر واجتناب
النهي، نهى هنا عن الصلاة التي هي عبادة الله وحده لا شريك له في حال
السكر وحال الجنابة، والخطاب موجه للمؤمنين قبل السكر ليجتنبوه، وذلك
حتى يكون الإنسان في صلاته كامل القوى العقلية، وطاهراً من الأنجاس أو
الأرجاس والأخباث المادية والمعنوية.
التفسير والبيان:
ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر الذي لا
يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان مواضعها التي هي المساجد للجنب إلا
أن يكون مجتازاً المسجد من باب إلى باب من غير مكث. وقد كان هذا قبل
تحريم الخمر.
وقد أثر النهي، وفهم الصحابة أن الممنوع هو قربان الصلاة في حال
السكر، فكانوا يمتنعون من شرب المسكر إلى ما بعد صلاة العشاء، فإذا صلوا
العشاء شربوا، فقال عمر رضي الله عنه: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً،
فنزلت آية المائدة: ﴿إِنََّا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَّلِ الشَّيْطَنِ
فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠/٥] فتركوا الشراب كله.
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ٨٧-٨٨.

٨٧
اِلُ (٥) - النِّسَاءِ: ٤٣/٤
ومعنى الآية: يا أيها المؤمنون لا تصلُّوا حال السكر حتى تعلموا ما تقولون
في الصلاة. وقد كان هذا تمهيداً لتحريم السكر تحريماً باتاً، وكان نزول الآية في
المرحلة الثالثة من مراحل التدرج في تشريع تحريم الخمر.
واتفق أكثر المفسرين على أن الصلاة باقية على معناها الحقيقي، والمعنى إذا
أردتم الصلاة فلا تسكروا، ولا تصلوا وأنتم سكارى ولا وأنتم جنب إلا في
حال كونكم مسافرين حتى تغتسلوا. ويكون ذكر هذا الحكم قبل قوله: ﴿وَإِن
كُثُم ◌َّرْضَ﴾ تشويقاً إلى بيان الحكم عند فقد الماء. ويدل لهذا الرأي قوله تعالى:
﴿حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ أي لا تقربوا نفس الصلاة؛ لأن فيها قراءة من آي
القرآن ودعاء وأذكاراً، وكلها تتطلب الوعي والإدراك واستكمال القوى
العقلية.
وذهب الشافعي وابن عباس وابن مسعود والحسن البصري إلى أن الكلام
على حذف مضاف وهو مجاز شائع، والمراد: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي
المساجد، بدليل تفسير ﴿وَصَلَوَتٌ﴾ [الحج: ٤٠/٢٢] بأنها كما قال ابن عباس
كنائس اليهود، وإلا لم يصح الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ﴾ وحتى لا
يكون هناك تكرار بين قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ﴾ وقوله: ﴿وَإِن كُنُ قَرْضَ أَوْ
عَلَى سَفَرٍ﴾ فمن أجل ذلك حملنا لفظ الصلاة على المسجد.
وقد ترتب على هذا اختلافهم في حكم اجتياز الجنب المسجد، فعلى الرأي
الثاني: يجوز له العبور دون أن يمكث، ويحرم عليه دخول المسجد في غير حال
العبور.
وعلى الرأي الأول: لا تدل الآية على حرمة دخول الجنب المسجد، وإنما
يستدل عليها بمثل ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رسول الله چ،
ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: "وجهوا هذه البيوت عن
المسجد" ثم دخل ولم يصنع القوم شيئاً، رجاء أن تنزل لهم رخصة، فخرج

٨٨
لُ (٥) - الِشَاءِ: ٤٣/٤
عليهم بعد، وقال: "وجهوا هذه البيوت، فإني لا أحل المسجد لجنب ولا
حائض" ولم يستثن ◌َّه في آخر عمره إلا خَوْخة (كوَّة أو باب صغير) أبي بكر
رضي الله عنه.
ثم نهى الله تعالى فقال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ﴾ أي ولا تقربوا
الصلاة حال الجنابة إلا إذا كنتم عابري سبيل أي مجتازي الطريق.
﴿حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ أي لا تقربوا الصلاة جنباً إلى أن تغتسلوا، والغسل: أن
يعم الماء جميع الجسد.
ثم ذكر الله تعالى في هذه الآية وآية المائدة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى اُلْضَلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦/٥] أسباباً أربعة للتيمم
وهي: المرض، والسفر، والحدث (المجيء إلى الغائط) وملامسة النساء. فإذا
توافر أحد هذه الأسباب، فاقصدوا صعيداً طيباً أي وجهاً ظاهراً من
الأرض، طاهراً غير نجس، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه إلى المرافق عند
الجمهور، وإلى الرسغين عند مالك، ثم صَلُّوا.
هذه رخصة التيمم لأصحاب الأعذار، وسبب هذا الترخيص والتيسير هو
أن الله عفُوُّ غفور، أي ذو عفو ومغفرة أي ستر للذنوب، أي لم يزل كائناً يقبل
العفو وهو السهل، ويغفر الذنب أي يستر عقوبته فلا يعاقب.
ويلاحظ أن قيد عدم وجود الماء راجع إلى قوله: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ
اُلْغَابِطِ أَوْ لََمَسْنُمُ اٌلِنِّسَآءَ﴾ [النساء: ٤٣/٤] فتكون الأعذار ثلاثة: السفر
والمرض وفقد الماء في الحضر، أما الحدث فأمر مفروغ منه، إنما الكلام في
الأعذار المبيحة للتيمم، ولا سبب في الحقيقة إلا فقد الماء، والسفر وحده عذر
كاف في التيمم، وجد الماء أو لم يوجد.

٨٩
الُ (٥) - التَّةِ: ٤٣/٤
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآية أحكاماً عديدة هي:
اً - حرمة الصلاة حال السكر من الخمر وغيره، وذلك قبل تحريم الخمر
تحريماً باتاً قاطعاً، فقد كان شرب المسكر مباحاً في أول الإسلام حتى ينتهي
بصاحبه إلى السكر.
أَ- السبب في تحريم المسكر في الصلاة هو إدراك معاني التلاوة والأدعية
والأذكار الموجودة في الصلاة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿حَتّى تَعْلَمُواْ مَا
نَقُولُونَ﴾ أي حتى تعلموه متيقنين فيه من غير غلط، والسكران لا يعلم ما
يقول.
وأراد بعض المفسرين أن يفهم من هذه الآية وجوب القراءة في الصلاة؛
لأنها تنهى عن قرب الصلاة في حال السکر حتی یعلم المصلي ما يقول، فلا بد
من أن يكون الذي يقول شيئاً يمنع منه السكر، ولا شيء سوى القراءة. ولكن
وجوب القراءة في الصلاة له دليل آخر غير هذا، ومعنى النهي هنا: لا تصلوا
حتى تكونوا على درجة من العلم والفهم تمكنكم من مناجاة الله والوقوف بين
يدي ملك الملوك.
استنبط عثمان رضي الله عنه من الآية: أن السكران لا يلزم طلاقه. وهو
مروي عن ابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم وربيعة، وهو قول الليث
وجماعة من الشافعية، واختاره الطحاوي قائلاً: أجمع العلماء على أن طلاق
المعتوه لا يجوز، والسكران معتوه كالُوسْوِس معتوه بالوسواس.
وقال الجمهور: طلاق السكران نافذ، وأفعاله وعقوده كلها ثابتة كأفعال
الصاحي، واستثنى أبو حنيفة الردة، فإنه إذا ارتد لا تبين منه امرأته إلا
استحساناً.

٩٠
لُهُ (٥) - التَّةِ: ٤٣/٤
٣- تحرم الصلاة حال الجنابة بإنزال مني أو جماع، ويجب الغسل بالتقاء
الختانين، لما أخرجه مسلم عن عائشة عن النبي نَّ قال: "إذا جلس بين
شُعَبها الأربع ومسَّ الختانُ الختانَ، فقد وجب الغسل " وفي الصحيحين من
حديث أبي هريرة عن النبي وَ ل﴿ قال: إذا قعد بين شُعَبها الأربع ثم جَهَدَها فقد
وجب عليه الغسل " زاد مسلم: "وإن لم ينزل". وأجمع التابعون ومن بعدهم
على الأخذ بحديث: "إذا التقى الختانان ... ".
٤- لا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنُب إلا بعد الاغتسال، إلا
المسافر فإنه يتيمم؛ لأن الغالب في الماء أنه لا يُعدَم في الحضر؛ فالحاضر
يغتسل لوجود الماء، والمسافر يتيمم إذا لم يجده، ولا يدخل المسافر الجنب
المسجد إلا بعد أن يتيمم في رأي الحنفية.
ورخص الإمامان مالك والشافعي في دخول الجنب المسجد؛ لقوله وعلاجه
فيما رواه الأئمة الستة عن أبي هريرة: ((إن المؤمن لا ينجس)) ويؤيده أن
الصحابة الذين كانت أبواب دورهم شارعة في المسجد، إذا أجنب أحدهم
اضطر إلى المرور في المسجد.
وقال أحمد وإسحاق في الجنب: إذا توضأ لا بأس أن يجلس في المسجد،
عملاً بما كان يفعله بعض الصحابة.
ويمنع الجنب عند المالكية وغيرهم من قراءة القرآن غالباً إلا الآيات اليسيرة
للتعوذ، لما أخرجه ابن ماجه عن عمر قال: قال رسول الله وَله: "لا يقرأ
الجنب والحائض شيئاً من القرآن".
٥- نهى الله سبحانه وتعالى عن الصلاة إلا بعد الاغتسال، والاغتسال:
معنى معقول يعبر به عن إمرار اليد مع الماء على المغسول. ولا بد أن يتدلك
الجنب في اغتساله في المشهور من مذهب مالك؛ لأن هذا هو المعقول من لفظ
الغسل؛ لأن الاغتسال في اللغة هو الافتعال، ومن لم يُمرّ يديه فلم يفعل غير

٩١
الجُ (٥) - النِّسَاءِ: ٤٣/٤
صب الماء لا يسميه أهل اللسان العربي غاسلاً، بل يسمونه صابّاً للماء
ومنغمساً فيه، ويؤكده الأثر عن النبي ◌َ ◌ّ أنه قال: ((تحت كل شعرة جنابة،
فاغسلوا الشعر، وأنقوا البَشَرة)) (١) وإنقاؤه: لا يكون إلا بتتبعه. قال ابن
العربي: ((حتى تغتسلوا)) اقتضى هذا عموم إمرار الماء على البدن كله باتفاق،
وهذا لا يتأتى إلا بالدلك.
وقال الجمهور: يجزئ الجنب صبّ الماء والانغماس فيه إذا أسبغ وعمَّ،
وإن لم يتذلك، على مقتضى حديث ميمونة وعائشة في غسل النبي ◌َّو، رواهما
الأئمة، وأن النبي ◌َّ كان يُفيض الماء على جسده.
وهل يخلل الجنب لحيته؟ روايتان عن مالك: رواية ابن القاسم عنه: ليس
عليه ذلك، وقال ابن عبد الحكم: ذلك هو أحب إلينا؛ لأن رسول الله عليه
كان يخلل شعره في غسل الجنابة.
وأوجب الحنفية والحنابلة المضمضة والاستنشاق في الغسل، لقوله تعالى:
﴿حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾؛ ولأنهما من جملة الوجه، وحكمهما حكم ظاهر الوجه
كالخد والجبين، فمن تركهما وصلّ، أعاد كَمَنْ ترك لْعة (٢)، ومن تركهما في
وضوئه فلا إعادة عليه. وأضاف الحنابلة: هما فرض أيضاً في الوضوء؛ لقوله
تعالى: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ ولأن النبي ◌َ له لم يترك المضمضة والاستنشاق في
وضوئه ولا في غسله من الجنابة.
وقال مالك والشافعي: ليستا بفرض لا في الجنابة ولا في الوضوء؛ لأنهما
باطنان كداخل الجسد؛ لأن النبي ◌ّ فعل المضمضة ولم يأمر بها، وأفعاله
مندوب إليها ليست بواجبة إلا بدليل.
(١) حديث ضعيف.
(٢) اللمعة: الموضع لا يصيبه الماء.

٩٢
لالُ (٥) - النَِّكَاءِ: ٤٣/٤
وأما قدر الماء الذي يغتسل به: فروى مالك عن عائشة رضي الله عنها أن
رسول الله ﴿ كان يغتسل من إناء هو الفَرَق من الجنابة. والفرق ثلاثة آصع،
والصاع ٢٧٥١ غم. وعن أنس قال: كان النبي مَ﴿ يتوضأ بالمُدّ، ويغتسل
بالصاع(١) إلى خمسة أمداد، والمد ٦٧٥ غم، والصاع أربعة أمداد. وهذه
الأحاديث تدل على استحباب تقليل الماء من غير كيل ولا وزن، يأخذ منه
الإنسان بقدر ما يكفي، ولا يُكثر منه، فإن الإكثار منه سَرَف، والشَّرف
مذموم.
٦- إباحة التيمم لفقد الماء، أو للمرض، أو للسفر، لقوله تعالى: ﴿وَإِن
كُنْتُم مَّرْضٌَ﴾ [النساء: ٤٣/٤] ويؤيده آية: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
// ج
حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨/٢٢] وآية: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩/٤] وتيمم
عمرو بن العاص لما خاف أن يهلك من شدة البرد، ولم يأمره وق له بغسل ولا
إعادة.
والمرض الذي يباح له التيمم على الصحيح من قول الشافعي: هو الذي
يخاف فيه فوت الروح، أو فوات بعض الأعضاء لو استعمل الماء، أو خاف
طول المرض.
والسفر المبيح للتيمم: هو الطويل أو القصير عند عدم الماء، ولا يشترط
أن يكون مما تقصر فيه الصلاة في رأي الجمهور. وقال قوم: لا يتيمم إلا في
سفر تقصر فيه الصلاة.
وذهب المالكية وأبو حنيفة ومحمد إلى أن التيمم في الحضر والسفر جائز.
وقال الشافعي: لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف. فإن
عدِم الماء في الحضر مع خوف فوات الوقت، تيمم الصحيح والسقيم وصلَّ ثم
أعاد.
(١) ويؤيده حديث مسلم عن سُفَينة: ((أنه وَّل كان يغسله الصاع، ويوضئه المُدّ».
-

٩٣
الُ (٥) - الْتِسَاءِ: ٤٣/٤
وقال أبو يوسف وزفر: لا يجوز التيمم في الحضر لا لمرض ولا لخوف
الوقت.
ودليل جواز التيمم في الحضر إذا خاف فوات الصلاة إن ذهب إلى الماء:
القرآن: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ اُلْغَابِطِ﴾ أي إن المقيم إذا عدم الماء تيمم.
والسنة: وهو ما رواه البخاري عن أبي الجُهَيْم بن الحارث بن الصِّمة
الأنصاري قال: أقبل النبي ◌َ له من نحو "بئر جَمَل(١))) فلقيه رجل، فسلَّم عليه،
فلم يردّ عليه النبي ◌ُّ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه
السلام. وأخرجه مسلم وليس فيه لفظ "بئر".
لاً - هل الحدث يبيح التيمم في الحضر؟ قيل: إنه يبيح لآية ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ
مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾: و"أو" بمعنى الواو، أي إن كنتم مرضى أو على سفر،
وجاء أحد منكم من الغائط فتيمموا، فالسبب الموجب للتيمم على هذا هو
الحديث لا المرض والسفر، فدل على جواز التيمم في الحضر، كما تقدم بيانه.
قال القرطبي: والصحيح في "أو" أنها على بابها عند أهل النظر، أي إنها
للتخيير، فلأو معناها، وللواو معناها، وهناك حذف، والمعنى: وإن كنتم
مرضى مرضاً لا تقدرون فيه على مَسّ الماء أو على سفر، ولم تجدوا ماء،
واحتجتم إلى الماء(٢).
وقوله: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾ كنى بذلك عن التغوط وهو
الحدث الأصغر.
٨- ملامسة النساء: كناية عن الجماع(٣) في رأي الحنفية، فالجنب يتيمم،
(١) بئر جمل: موضع بقرب المدينة.
(٢) تفسير القرطبي: ٢٢٠/٥
(٣) قال ابن عباس: إن الله تعالى حيي كريم يعفّ، كنى باللمس عن الجماع.

٩٤
لُعُ (٥) - التِّشَاءِ: ٤٣/٤
واللامس بيده لا ينقض وضوءه، بدليل ما رواه الدارقطني عن عائشة أن
رسول الله ◌َله قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. والمراد بها عند
الشافعي: لمس بشرة المرأة باليد أو بغيرها من أعضاء الجسد، فمن لمس بشرة
امرأة نقض طهره، ويتيمم إن فقد الماء. وقال مالك وأحمد وإسحاق: الملامس
بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم إذا التذّ، فإذا لمسها بغير شهوة فلا
وضوء، وهو مقتضى الآية. وأما حديث عائشة فهو مرسل. وتكون الآية مبينة
حكمين: الجنابة: الملامسة. ولا مانع من حمل اللفظ "الملامسة" على الجماع
واللمس، وإفادة الحكمين.
4- إن طلب الماء للمسافر شرط في صحة التيمم عند مالك والشافعي
وأحمد، وليس بشرط عند أبي حنيفة.
والمقصود بوجود الماء: أن يجد منه ما يكفيه لطهارته، فإن وجد أقل من
كفايته تيمم ولم يستعمل ما وجد فيه، وهذا قول أكثر العلماء.
وأجاز أبو حنيفة الوضوء بالماء المتغير كماء الباقلاء وماء الورد، ﴿فَلَمْ
تَجِدُواْ مَآءَ﴾ فقال: هذا نفي في نكرة، فيعم لغة، فيكون مفيداً جواز الوضوء
بالماء المتغير وغير المتغير؛ لاطلاق اسم الماء عليه.
وأجمع العلماء على أن الوضوء والاغتسال لا يجوز بشيء من الأشربة سوى
النبيذ غير المسكر (وهو ما ينبذ من الزبيب ونحوه في الماء قبل التخمر) عند عدم
الماء.
والماء الذي يبيح عدمه التيمم: هو الطاهر المطهر الباقي على أوصاف
خلفته.
· اَ- قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾: يدل على مشروعية التيمم، وهو من
خصائص هذه الأمة، قال وَالجر: (( فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلت لنا

٩٥
لُ (٥) - التِّشَّةِ: ٤٣/٤
الأرض كلها مسجداً، وجعلت تُربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء "(١) الحديث.
والتيمم شرعاً: مسح الوجه واليدين بالتراب، لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا
طَيِّبًا﴾ أي اقصِدوا.
ويلزم التيمم كل مكلف لزمته الصلاة إذا عدِم الماء، ودخل وقت الصلاة
وقال أبو حنيفة وصاحباه والمزني صاحب الشافعي: يجوز قبله؛ لأن طلب
الماء عندهم ليس بشرط قياساً على النافلة، فلما جاز التيمم للنافلة دون طلب
الماء، جاز أيضاً للفريضة، واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام لأبي ذرّ عند
أبي داود والنسائي والترمذي: (( الصعيد الطيب وضوء المسلم، ولو لم يجد الماء
عشر حجج)). فسمى عليه السلام الصعيد وضوءاً كما يسمى الماء، فحكمه
إذن حكم الماء، ودليل المالكية والشافعية والحنابلة قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ
مَآءَ﴾ ولا يقال: لم يجد الماء إلا لمن طلب ولم يجد.
وأجمع العلماء على أن التيمم لا يرفع الجنابة ولا الحدث، وأن المتيمم لهما
إذا وجد الماء، عاد جنباً كما كان أو مُحْدثاً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي
ذرّ: "إذا وجدت الماء فأمسّه جلدك".
وأجمعوا على أن من تيمم ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة بطل تيممه،
وعليه استعمال الماء. والجمهور على أن من تيمم وصلّ وفرغ من صلاته، وقد
كان اجتهد في طلبه الماء، ولم يكن في رحله: أن صلاته تامة؛ لأنه أدى فرضه
كما أُمِر، فغير جائز أن توجب عليه الإعادة بغير حجة، لما أخرجه أبو داود
عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة، وليس
معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً فصلَّيا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد
أحدهما الصلاة بالوضوء، ولم يُعِد الآخر، ثم أتيا رسول الله مَّل، فذكر ذلك
(١) أخرجه أحمد ومسلم والنسائي عن حذيفة.

٩٦
لُُ (٥) - النَِّكَاءِ: ٤٣/٤
له، فقال للذي لم يُعِد: "أصبت السنة وأجزأتك صلاتك " وقال للذي توضأ
وأعاد: لك الأجر مرتين".
واختلف العلماء إذا وجد الماء بعد دخوله في الصلاة؛ فقال مالك
والشافعي: ليس عليه قطع الصلاة واستعمال الماء، وليتمَّ صلاته، وليتوضأ
لما يُستقبل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ وقد اتفق الجميع على جواز
الدخول في الصلاة بالتيمم عند عدم الماء، ومن شرع في صوم عن كفارة ظهار
أو قتل، ثم وجد رقبة لا يلغي صومه ولا يعود إلى الرقبة.
وقال أبو حنيفة وأحمد والمزني: يقطع ويتوضأ ويستأنف الصلاة لوجود
الماء. وحجتهم أن التيمم لما بطل بوجود الماء قبل الصلاة، فكذلك يبطل ما
بقي منها، وإذا بطل بعضها بطل كلها؛ لإجماع العلماء على أن المعتدة بالشهور
لا يبقى عليها إلا أقلها ثم تحيض أنها تستقبل عدتها بالحيض، ومثل ذلك الذي
يطرأ عليه الماء وهو في الصلاة.
واختلفوا: هل يُصلّ بالتيمم صلوات أو يلزم التيمم لكل صلاة فرض
ونفل؟ فقال مالك والشافعي: لكل فريضة؛ لأن عليه أن يبتغي الماء لكل
صلاة، فمن ابتغى الماء فلم يجده فإنه يتيمم.
وقال أبو حنيفة وداود الظاهري: يصلي ما شاء بتيمم واحد ما لم يُحدِث؛
لأنه طاهر، ما يجد الماء، وليس عليه طلب الماء إذا يئس منه.
وهل يجوز التيمم قبل دخول الوقت؟ الشافعي ومالك: لا يجوزانه؛ لأنه
لما قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُوا﴾ ظهر منه تعلق أجزاء التيمم
بالحاجة، ولا حاجة قبل الوقت، وعلى هذا فلا يُصلّي الشخص فرضين بتيمم
واحد. وأجاز أبو حنيفة التيمم قبل دخول الوقت؛ لأن طلب الماء عنده ليس
بشرط.

٩٧
الُ (٥) - النَّاءِ: ٤٣/٤
١١- الصعيد الطيب: وجه الأرض، كان عليه تراب أو لم يكن.
والطيب: الطاهر وقيل: الحلال. وبناء عليه قال مالك وأبو حنيفة: يتيمم
بوجه الأرض كله، تراباً كان أو رملاً أو حجارة أو معدناً أو سَبخة.
وقال الشافعي وأبو يوسف: الصعيد: التراب المنبت، وهو الطيب، قال
تعالى: ﴿ وَاُلْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨/٧] فلا يجوز
التيمم عندهما على غيره. وقال الشافعي: لا يقع الصعيد إلا على تراب ذي
غُبار.
واشترط الشافعي: أن يَعْلَق التراب باليد، ويتيمم به نقلاً إلى أعضاء
التيمم، كالماء ينقل إلى أعضاء الوضوء.
وأجمع العلماء على أن يتيمم الرجل على تراب منبت طاهر منقول إلى
العضو الممسوح لا مغصوب، وعلى أنه لا يتيمم على الذهب الصِّرف والفضة
والياقوت والزُّمُرُّد والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما أو على النجاسات.
واختلف في غير هذا كالمعادن، فأجازه مالك وغيره، ومنعه الشافعي وغيره.
ويجوز عند مالك التيمم على الحشيش إذا كان دون الأرض، وفي المدونة
والمبسوط جواز التيمم على الثلج، وفي غيرهما منعه. والجمهور على منع التيمم
على العُود، وجمهور المالكية أجازوا التيمم على التراب المنقول من طين أو
غيره، وعند المالكية قولان في التيمم على ما طبخ كالجص والآجُرّ، وعلى
الجدار، قال القرطبي: والصحيح الجواز على الجدار، لحديث أبي جُهيم بن
الحارث بن الصَّمّة الأنصاري الذي أخرجه البخاري، قال: أقبل رسول
الله ◌َ له من نحو بئر جمل (موضع قرب المدينة) فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يردّ
عليه السلام. وهو دليل على صحة التيمم بغير التراب كما يقول مالك ومن
وافقه.
وقال الثوري وأحمد: يجوز التيمم بغبار اللَّبْد. وأجاز أبو حنيفة التيمم
بالكُحْل والزِّرنيخ والنُّورة والجص والجوهر المسحوق.

٩٨
لُ (٥) - النِّسَاءِ: ٤٣/٤
١٢ - كيفية التيمم: دل قوله تعالى: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ
على أن محل التيمم: الوجه واليدان، وقوله ﴿مِّنْهُ﴾ يدل في رأي الشافعي
على أنه لا بد من نقل التراب إلى محل التيمم، ولا يشترط المالكية النقل،
بدليل تيممه عليه الصلاة والسلام على الجدار.
وقال الجمهور: يبدأ بالوجه ثم اليدين لقوله تعالى: ﴿بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيكُمْ﴾.
وقال الحنفية والشافعية: يبلغ بالتيمم في اليدين إلى المرفقين، قياساً على
الوضوء، وبدليل رواية التيمم إلى المرفقين عن جابر وابن عمر عن النبي ◌َله.
وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه يبلغ به إلى الكوعين وهما الرسغان، لحديث
عمار بالتيمم إلى الكوعين: وهو أن النبي ◌ُ لّ فيما رواه أحمد وأبو داود أمره
بالتيمم للوجه والكفين.
وذهب الحنفية والشافعية إلى أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة
لليدين لحديث ابن عمر (١) في ذلك. ورأى المالكية والحنابلة أن الفريضة:
الضربة الأولى، أي وضع اليد على الصعيد، وأما الضربة الثانية فهي سنة.
(١) أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي، وهو موقوف على ابن عمر.

٩٩
الزُ (٥) - الشَِّّاءِ: ٤٤/٤-٤٦
أعمال اليهود وتصرفاتهم
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يَشْتَرُونَ الضَّلَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ
تَضِلُّواْ السَّبِيلَ
مِّنَ
٤٥
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا
٤٤
الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن ◌َّوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ
مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيَّا بِأَلْسِنَنِهِمْ وَطَعْنًا فِ الدِّينَّ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ
وَأَنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّكُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
٤٦٦
الإعراب:
﴿ يَشْتَرُونَ الضَّلَلَةَ﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من واو
﴿أُوْتُواْ﴾ ومثله ﴿ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّواْ﴾.
﴿مِّنَ الَّذِينَ﴾ تتعلق ﴿مِّنَ﴾ إما على أنها تفسير لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ أُوتُواْ﴾ أو تتعلق بمحذوف، وتقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون.
وقوم: مبتدأ، ويحرفون: جملة صفة المبتدأ، وحذف الموصوف وأقيمت الصفة
مقامه، وخبره: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾ مقدم عليه. أو تتعلق بقوله: ﴿نَصِيرًا﴾ على
حد قوله: فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا.
﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ حال من ضمير: واسمع، أي لا سمعت، ويُظهرون أنهم
یریدون: واسمع غير مسمع مكروهاً. وقيل: إنهم يريدون: واسمع غير مسمع،
أي غير مجاب.
﴿لَيَّا بِأَلْسِنَئِهِمْ وَطَعْنَا﴾ منصوبان على المصدر، وتقديره: يلوون بألسنتهم
ليَّاً، ويطعنون طعناً. وألسنتهم: جمع لسان، ويجوز فيه التذكير والتأنيث،
ويجمع على ألسنة وألسن، فمن جمعه على ألسنة جعله مذكراً، ومن جمعه على
ألسن جعله مؤنثاً.

١٠٠
لُعُ (٥) - النِّشَكَاءِ: ٤٤/٤-٤٦
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ لو: حرف يمتنع له الشيء لامتناع غيره، كقولك: لو جئتني
لأكرمتك، فيكون عدم الإكرام لعدم المجيء. وأنهم: في موضع رفع بفعل
مقدر، تقديره: ولو وقع قولهم: سمعنا وأطعنا، فإن ﴿وَلَوْ﴾ يقع بعدها الفعل
ولا يقع بعدها المبتدأ . ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منصوب لأنه صفة مصدر محذوف
وتقديره: إيماناً قليلاً.
البلاغة:
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَلَةَ﴾: استعارة، وكذا ﴿لَيَّا بِأَلْسِنَنِهِمْ﴾ استعارة؛ لأن
أصل اللي: فتل الحبل، فاستعير للكلام الذي قصد به غير ظاهره. ﴿أَلَمْ ثَرَ﴾
استفهام للتعجب.
المفردات اللغوية:
﴿أَمْ تَرَ﴾ ألم تنظر ﴿أُوْنُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ﴾ حظاً أو جزءاً من التوراة
وهم اليهود ﴿أَن تَضِلُواْ السَّبِيلَ﴾ تخطئوا الطريق الحق أو القويم لتكونوا مثلهم
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ منكم، فيخبركم بهم لتجتنبوهم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾
حافظاً لكم منهم يتولى شؤونكم ﴿نَصِيرًا﴾ مانعاً لكم من كيدهم، أو معيناً
يدفع شرهم عنكم ﴿مِّنَ اُلَّذِينَ هَادُواْ﴾ هم اليهود ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن
مَّوَاضِعِهِ،﴾ يغيرون الكلام الذي أنزل الله في التوراة من نعت محمد بَّيقول عن
مواضعه التي وضع عليها.
﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ حال بمعنى الدعاء أي لا سمعت، ويجوز أن يريدوا: غير
مجاب قولك. ﴿وَرَعِنَا﴾ أصلها: راقبنا وانظرنا نكلمك، والمراد بها أنها كلمة
سب بلغتهم وهي "راعينا" أو من الرعونة والطيش، وقد نهي عن خطابه بها
﴿لَيَّ﴾ تحريفاً بألسنتهم وطعناً وفتلاً بها.
﴿ وَطَعْنَا فِ الدِّينَ﴾ قدحاً فيه وذماً بالإسلام ﴿ وَأَنْظُرْهَا﴾ انظر إلينا