النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
الُ (٥) - النَِّكَّةِ: ٣١/٤
روايات أخرى تجعل من الكبائر عقوق الوالدين، وشهادة الزور؛ لأن
الرسول ®18 كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، وليس ذلك للحصر.
وقيل: تسع، وقيل: عشر، وقيل: أكثر، فقد روى عبد الرزاق عن ابن
عباس أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب. وروى
سعيد بن جبير أنه قال: إلى سبع المئة أقرب.
أما الصغائر أو السيئات: فهي التي لم تقترن بوعيد شديد أو بحدّ، كالنظر
الى المرأة الأجنبية والقبلة. وتصبح الصغائر مع الإصرار والاستهتار كبائر،
فتطفيف الكيل والميزان، والهمز واللمز (الطعن في كرامات الناس) لمن أصرّ
عليه، كبيرة.
واجتناب الكبائر يكفِّر الصغائر بشرطين: أولاً - إذا كان الاجتناب مع
القدرة والإرادة، كمن يأبى معاشرة امرأة دعته إلى نفسها، خوفاً من الله، لا
لشيء آخر. وثانياً - مع إقامة الفرائض، روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله : ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى
رمضان مكفِّرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر )) فمن اجتنب ترك الصلاة
واجتنب الكبائر، كفرت سيئاته الصغائر، فدل الحديث على أن ترك إقامة
الصلاة من الكبائر.
ويمكن تكفير المعاصي التي تحدث عن جهل أو لظرف طارئ كثورة أو
غضب بالندم والتوبة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن في الذنوب كبائر وصغائر، وعلى هذا جمهور الفقهاء
والمفسرين.
ودلت أيضاً على أن الله تعالى يغفر الصغائر كاللمسة والنظرة باجتناب

٤٢
المُ (٥) - الشِّشَكّاءِ: ٣١/٤
الكبائر، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض، كما بينت
في تفسير الآية. عن قتادة: ﴿إِن تَحْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا ثُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: إنما وعد
الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر، وذكر لنا أن النبي وَل قال: "اجتنبوا الكبائر،
وسددوا، وأبشروا".
ورأى الأصوليون: أنه لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتنباب
الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة الظن، وقوة الرَّجاء، وكون المشيئة الإلهية
ثابتة.
والكبيرة كما قال ابن عباس: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو
عذاب. وقال ابن مسعود: الكبائر: ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث
وثلاثين آية، وتصديقه قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوَّنَ عَنْهُ﴾.
وقال طاوس: قيل لابن عباس كما تقدم: الكبائر سبع؟ قال: هي إلى
السبعين أقرب. وقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس: الكبائر سبع؟
قال: هي إلى سبع المئة أقرب منها إلى السبع؛ غير أنه لا كبيرة مع استغفار،
ولا صغيرة مع إصرار.
ومن أمثلة الكبائر: الشرك بالله، والكفر بآيات الله ورسله، والسحر،
وقتل الأولاد، ومن ادعى الله ولداً أو صاحبة، وقتل النفس بغير الحق،
والزنى، واللواطة، والقمار، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصباً،
والقذف، وأكل الربا، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة،
وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم،
والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا
عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله صل# عمداً، وسب
أصحابه، وشهادة الزور، وسب الإنسان أبويه، وكتمان الشهادة بلا عذر،
وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع

٤٣
لُ (٥) - الِشَاءِ: ٣٢/٤
الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن
بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب،
واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والظهار، وأكل لحم الخنزير
والميتة إلا عن ضرورة.
قال ابن مسعود: خمس آيات من سورة النساء هي أحب إليَّ من الدنيا
جميعاً :
قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا كُنْهَوَّنَ عَنْهُ﴾ الآية.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ)
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةُ يُضَعِفْهَا﴾ الآية.
وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية.
النهي عن التمني (الحسد) وسؤال الله تعالى من فضله
﴿وَلَا تَثَمَنَّوْأْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِ لِلْرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا
اُكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَا اكْتَسَبْنَّ وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ
(٣٢)
كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا
القراءات:
﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (وسلوا الله).

٤٤
لُ (٥) - التِّشَّاءِ: ٣٢/٤
-
الإعراب:
﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ مفعوله محذوف لإفادة العموم، أي واسألوا
الله ما شئتم من إحسانه الزائد وإنعامه المتكاثر.
البلاغة:
يوجد إطناب في قوله: ﴿نَصِيبٌ مِّمَا أُكْتَسَبُواْ﴾ و﴿ نَصِيبٌ مِمَا اكْتَسَبْنَّ﴾.
﴿مِّمَّا أُكْتَسَبُوا﴾ فيه استعارة تبعية، شبه استحقاقهم للإرث وتملكهم له
بالاكتساب، واشتق من لفظ الاكتساب: اكتسبوا. وهذا على رأي ابن عباس
أن المراد بذلك الميراث.
المفردات اللغوية:
﴿ وَلَا تَكَمَنَّوْاْ﴾ التمني: طلب حصول الأمر المرغوب فيه، مما يعلم أو
يظن أنه لا يكون . ﴿مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍِ﴾ من جهة الدنيا أو
الدين لئلا يؤدي إلى التحاسد والتباغض.
﴿لِّلْرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ حظ ﴿مِّمَّا أَكْتَسَبُواْ﴾ بسبب ما عملوا من الجهاد
وغيره ﴿وَلِلِنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا اُكْنَسَبْنَّ﴾ من طاعة أزواجهن وحفظ فروجهن.
﴿مِن فَضْلِهِ﴾ أي إحسانه ونعمه، فإذا سألتم ما احتجتم إليه يعطكم ﴿إِنَّ
اَللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ ومنه محل الفضل وسؤالكم.
سبب النزول:
روى الترمذي والحاكم عن أم سلمة أنها قالت: يغزو الرجال ولا يغزو
النساء، وإنما لها نصف الميراث، فأنزل الله: ﴿ وَلَا تَثَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ،
بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍِ﴾. وأنزل فيها: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتت امرأة النبي ◌َّ فقالت: يا

٤٥
الُ (٥) - المَشَكَاءِ: ٣٢/٤
نبي الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل
هكذا؟ إن عملت المرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة، فأنزل الله: ﴿وَلَا
تَكَمَنَّوْاْ﴾ الآية.
المناسبة:
ينهى الله المؤمنين عن بعض أفعال القلوب وهو الحسد، ليطهر باطنهم،
بعد أن نهاهم عن أكل الأموال بالباطل، وقتل النفس، وهما من أفعال
الجوارح الظاهرة، ليطهر ظاهرهم. ولما فضل الله الرجال في الميراث، جاءت
هذه الآية تنهى عن تمني ما خص الله به كلاً من الجنسين؛ لأنه سبب للحسد
والبغضاء.
التفسير والبيان:
ينهى الله المؤمنين عن التحاسد وعن تمني ما فضل الله به بعض الناس على
بعض من الجاه والمال؛ لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة
وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما يصلح المقسوم له من بسط في الرزق أو
قبض، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِى الْأَرْضِ﴾
[الشورى: ٢٧/٤٢] فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له، علماً بأن ما قسم له هو
مصلحته، ولو كان خلافه لكان مفسدة له، ولا يجوز له أن يحسد أخاه على
حظه.
وظاهر الآية يدل على أنه ليس لأحد أن يتمنى ما هو مختص بالآخر من
المال والجاه وكل ما فيه تنافس، فإن التفاضل قسمة صادرة من حكيم خبير
كما قال الله تعالى: ﴿تَخْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ
فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢/٤٣]. قال ابن عباس: لا يقل أحدكم: ليت
ما أُعطي فلان من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان عندي، فإن ذلك يكون

٤٦
الُ (٥) - الْتِشَكَّةِ: ٣٢/٤
حسداً، ولكن ليقل: اللهم أعطني مثله، أي أن الحسد ممنوع والغبطة جائزة.
فعلى كل إنسان أن يرضى بما قسم الله له، ولا يحسد غيره؛ لأن الحسد
أشبه شيء بالاعتراض على من أتقن كل شيء وأحكمه.
وقدر بعضهم محذوفاً في الكلام فقال: ولا تتمنوا مثل ما فضل الله به
بعضكم على بعض؛ لأنه ليس المقصود طلب زوال النعمة عن الغير، وإنما هو
طلب نعمة خاصة أن تكون له. وعلى هذا يكون تمني مثل ما للغير منهياً عنه؛
لأنه قد يكون ذريعة إلى الحسد، فليس للإنسان أن يقول: اللهم أعطني داراً
مثل دار فلان، ولا ولداً مثل ولده، بل يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحاً
لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي.
والتأويل الأول أولى لقوله وَله: ((لا يتمنَّ أحد مال أخيه، ولكن ليقل:
اللهم ارزقني، اللهم أعطني مثله)).
وفي الجملة: ينهى الله تعالى كل إنسان أن يتمنى ما فضل الله به غيره، بل
الواجب عليه أن يعمل ما في جهده ويجد ويجتهد، وحينئذ يكون التفاضل
بالأعمال الكسبية، ولكل من الرجال والنساء ثمرة مكاسبهم، والله تعالى
جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف من حاله الموجبة
للبسط أو القبض كسباً له، وما كان خاصاً بالرجال من الأعمال لهم نصيب
من أجره لا يشاركهم فيه النساء، وما كان خالصاً بالنساء لهن نصيب من
أجره لا يشاركهن فيه الرجال.
أي أن الثواب على العمل بحسب ما يتناسب مع طبيعة كل من الرجل
والمرأة. وقال ابن عباس: المراد بذلك الميراث، والاكتساب على هذا القول
بمعنى الإصابة.
ثم أراد الله تعالى توجيه الأنظار إلى مصدر الفضل والإحسان والإنعام،

٤٧
لِلُّعُ (٥) - النِّسَاءِ: ٣٢/٤
فقال: ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ أي اسألوا الله ما شئتم من الإحسان
والإنعام، فإنه تعالى يعطيكموه إن شاء، وخزائنه ملأى لا تنفد، فلا تتمنوا
نصيب غيركم، ولا تحسدوا أحداً، ولا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على
بعض؛ لأن التمني لا يجدي شيئاً. روى الترمذي وابن مردويه عن عبد الله بن
مسعود قال: قال رسول الله ◌ُ له: ((سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن
يُسأل، وإن أفضل العبادة انتظار الفرج)) وأخرج ابن ماجه عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله ◌َله: ((من لم يسأل الله يغضب عليه)).
ومعنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ أنه تعالى عليم بمن
يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وبمن يستحق الآخرة
فيقيِّضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه.
ولذلك فضل بعض الناس على بعض بحسب استعدادهم وتفاوت درجاتهم.
والتفاوت يشمل الناحية الجسدية (الخلقية) والناحية الأدبية كالعلم والجاه
مثلاً.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ما يأتي:
اً- نهى الله سبحانه المؤمنين عن التمني؛ لأن فيه تعلق البال ونسيان
الأجل. والمراد النهي عن الحسد: وهو تمني زوال نعمة الغير، وصيرورتها إليه
أوْ لا تصير إليه. أما الغبطة: وهي أن يتمنى الرجل أن يكون له حال صاحبه،
وإن لم يتمن زوال حاله، فهي جائزة في رأي الجمهور، وهي المراد عند بعضهم
في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث البخاري وغيره: "لا حسد إلا في
اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه
الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار" فمعنى قوله: ((لا حسد)) أي لا
غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين الأمرين. وقد نبّه البخاري على هذا

٤٨
الجُرُ (٥) - التَشَاءِ: ٣٣/٤
المعنى، حيث بوّب لهذا الحديث" باب الاغتباط في العلم والحكمة". قال
المهلّب: بَيَّن الله تعالى في هذه الآية ما لا يجوز تمنّه، وذلك ما كان من غَرَض
الدنيا وأشباهها. أما التمني في الأعمال الصالحة فذلك جائز.
والخلاصة: التمني مقرون عادة بالكسل، ولا يتمنى إلا ضعيف الهمة،
وضعيف الإيمان. والتمني المنهي عنه في الآية: هو الحسد: وهو أن يتمنى
الشخص حال الآخر من دين أو دنيا، على أن يذهب ما عند الآخر، وسواء
تمنيت مع ذلك أن يعود إليك أوْ لا، وهو الذي ذمّه الله تعالى بقوله: ﴿أَمْ
يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ،﴾ [النساء: ٥٤/٤].
٣- المساواة بين الرجال والنساء في ثمرات الأعمال: للرجال ثواب
وعقاب وحق في الميراث، وللنساء مثل ذلك، فللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر
أمثالها، كما للرجال، ولها الحق أيضاً في الميراث مثل الرجال على قول ابن
عباس، فإنه قال: المراد بالاكتساب هو الميراث، بمعنى الإصابة.
٣- الأمر بالسؤال الله تعالى واجب: إن سؤال الله من فضله في الدين
والدنيا أمر واجب شرعاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهَةَ﴾
وللحديث المتقدم: "سلوا الله من فضله". قال سفيان بن عيينة: لم يأمر
بالسؤال إلا ليعطي.
إعطاء كل وارث حقه من التركة
﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ مِمَا تَرَكَ اُلْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَّ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ
أَيْمَنُكُمْ فَثَانُوُهُمْ نَصِيبَهُمّْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا
(٣٣
القراءات: ﴿عَقَدَتْ﴾: قرئ:

٤٩
لِلُ (٥) - التَشَاءِ: ٣٣/٤
١- قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف: (عقدت).
٢- وقرأ الباقون: (عاقدت).
الإعراب:
﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾ تقديره: ولكل أحد جعلنا موالي، فحذف
المضاف إليه، وهو في تقدير الإثبات، ولولا ذلك لكان مبنياً كما بُني: "قبل
وبعد" لما اقتطعا عن الإضافة وقيل: التقدير: ولكل شيء مما ترك الوالدان
والأقربون جعلنا موالي، أي وارثاً له.
﴿ وَأَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَانُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ جملة مستقلة عن سابقتها
مؤلفة من مبتدأ وخبر. وزيدت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط.
المفردات اللغوية:
﴿مَوَالِيَ﴾ عصبة أو ورثة يعطون، وهو جمع مولى: وهو من يحق له
الاستيلاء على التركة ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ أي مما ترك المورث لورثته من المال.
﴿وَالَّذِينَ عَقَّدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ أي الحلفاء الذين عاهدتموهم في الجاهلية على
النصرة والإرث، فآتوهم الآن حظوظهم من الميراث وهو السدس. وقيل:
المراد بهم الأزواج. وعلى القول الأول يكون الحكم منسوخاً بقوله تعالى:
﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥/٨]. (شَهِيدًا﴾ مطلعاً.
سبب النزول:
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾: أخرج أبو داود في سننه عن
داود بن الحصيني قال: كنت أقرأ على أم سعد بنة الربيع، وكانت مقيمة في
حجر أبي بكر، فقرأتُ: "والذين عاقدت أيمانكم" فقالت: لا، ولكن
﴿ وَأَلَّذِينَ عَقَدَتْ﴾ وإنما نزلت في أبي بكر وابنه حين أبى الإسلام، فحلف أبو
بکر ألا یورثه، فلما أسلم أُمر أن يؤتيه نصيبه.

٥٠
الُرُ (٥) - الْتَشَاءِ: ٣٣/٤
﴿وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾: قال سعيد بن المسيب: نزلت هذه الآية:
﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ اُلْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ في الذين كانوا يتبنون
رجالاً غير أبنائهم ويورّثونهم، فأنزل الله تعالى فيهم أن يُجعل لهم نصيب في
الوصية، ورد الله تعالى الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة، ومنع
تعالى أن يجعل للمدعين ميراث من ادعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيباً في
الوصية.
المناسبة:
هذه الآية متعلقة بالمال، الذي نهى الله فيما سبق عن أكله بالباطل، وعن
التمني أو الحسد فيه، والآية السابقة قررت قاعدة عامة في حيازة الثروة وهي
الكسب، وهذه الآية قررت نوعاً من الحيازة وهو الإرث.
التفسير والبيان:
ولكل من الرجال والنساء جعلنا موالي، أي ورثة أو عصبة يأخذون مما
ترك الوالدان والأقربون من ميراثهم له.
والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم قبل الإسلام بقول: ((ترثني
وأرثك)) فآتوهم نصيبهم من الميراث، كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة، إن
الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام،
ثم نسخ بعد ذلك بآية: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥/٨].
وكان التوارث أيضاً بعد الهجرة بسبب المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين،
يرث المهاجري الأنصاري، دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي ◌َثار
بينهم، ثم نسخ ذلك بآية: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾.
أي إن التوارث بالحلف والولاء، وبالمؤاخاة، أصبح منسوخاً، واعلموا
أن الله كان ولا يزال مطلعاً على كل شيء تفعلونه، فيجازيكم عليه يوم
القيامة، والله شهد معاقدتكم إياهم، وهو عز وجل يجب الوفاء.

٥١
المُزُ (٥) - النِّسَاءِ: ٣٣/٤
آراء المفسرين في تأويل: ﴿وَلِكُلِّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ
وَالْأَقْرَبُونَ﴾ :
اختلف المفسرون في تأويل هذه الآية على أقوال أربعة هي ما يلي:
اً- ولكل إنسان موروث جعلنا وارثاً من المال الذي ترك. وبه تم الكلام.
وأما قوله تعالى: ﴿اُلْوَلِدَانِ وَالْأَفْرَبُونَ﴾ فهو جواب عن سؤال مقدر، كأنه
قيل: ومن الوارث؟ فقيل: الوالدان والأقربون.
اً - ولكل إنسان وارث ممن تركهم الوالدان والأقربون جعلنا موروثين.
والجار والمجرور في قوله ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ متعلق بمحذوف صفة للمضاف إليه،
و(ما) بمعنى "من" والكلام جملة واحدة.
٣- ولكل قوم جعلناهم ورَّاثاً نصيب مما تركه والدوهم وأقربوهم. فيكون
في الكلام مبتدأ محذوف. ويكون قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ صفة للمبتدأ، وقوله:
خبره، والكلام جملة واحدة.
بـ١
٤- ولكل مال من الأموال التي تركها الوالدان والأقربون، جعلنا ورَّاثاً
يلونه ويجوزونه. وعليه يكون ﴿ وَلِكُلٍ﴾ متعلقاً بجعلنا، ومما ترك: صفة
المضاف إليه، والكلام جملة واحدة أيضاً. وهذا هو المختار.
آراء المفسرين في تأويل: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾
الراجح أن هذه جملة مستقلة عن سابقتها وتأويلها على وجوه هي ما يلي:
اً - المراد بالذين عقدت: "الحلفاء" وهم موالي الموالاة، وكان لهم نصيب
من الميراث ثم نسخ. أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة قال: كان الرجل يعاقد
الرجل في الجاهلية فيقول: دَمي دمُك، وهَدْمي هَدْمُك(١)، وتأري ثأرك،
وحربي حربك، وسِلْمي سلْمُك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك،
-
(١) أي نحن شيء واحد في النصرة، تغضبون لنا ونغضب لكم.

٥٢
الُ (٥) - النِّسَاءِ: ٣٣/٤
وتعقِل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، ثم
نسخ بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥/٨].
أَ - المراد بهم الأدعياء وهم الأبناء بالتبني، وكانوا يتوارثون بذلك السبب
ثم نسخ بآية الأنفال.
٣ - المراد بهم إخوان المؤاخاة، وقد كان النبي ◌ّله يؤاخي بين الرجلين من
أصحابه، وتكون المؤاخاة سبباً في التوارث، ثم نسخ ذلك بآية الأنفال.
٤- المراد بهم - في رأي أبي مسلم الأصفهاني- الأزواج، والنكاح يسمى
عقداً.
٥- المراد بهم - في رأي الجبائي- الحلفاء، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
عَقَدَتْ﴾ معطوف على ﴿اُلْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي ولكل شيء مما ترك
الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم موالي أي وراثاً، فآتوا الموالي
نصيبهم، ولا تدفعوا المال إلى الحليف.
٩- المراد بهم الحلفاء يؤتون نصيبهم من النصرة والنصح وحسن العشرة
والوصية، أي لهم حق في الوصية لا في الميراث، وهو مروي عن ابن
(١)
عباس(١).
والظاهر هو الرأي الأول وما في معناه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أبانت الآية أن لكل إنسان ورثة وموالي، فلينتفع كل واحد بما قسم الله له
من الميراث، ولا يتمنّ مال غيره.
(١) مذكرة تفسير آيات الأحكام للسايس: ٩٣/٢ -٩٤.

٥٣
الجُزُ (٥) - النِشَاءِ: ٣٣/٤
وأوضحت أيضاً وجوب الوفاء بالعقد أو العهد، فعلى الذين كانوا
متحالفين في الجاهلية على التوارث أن يوفوا بالتزامهم، ويعطوا الحليف نصيبه
من الميراث وهو السدس، ثم نسخ ذلك، والناسخ في رأي جمهور السلف
لقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ هو قوله تعالى: ﴿ وَأَوْلُوْ اْلْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ
أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾.
وهناك قول آخر عن سعيد بن المسيب قال: أمر الله عز وجل الذين تبنَّوا
غير أبنائهم في الجاهلية، وورثوا في الإسلام أن يجعلوا لهم نصيباً في الوصية،
ورد الميراث إلى ذوي الرَّحِم والعصبة.
وذكر الطبري والبخاري عن ابن عباس: أن قوله: ﴿وَاُلَّذِينَ عَقَدَتْ
أَيْمَنُكُمْ﴾ محكم غير منسوخ، وإنما أمر الله المؤمنين أن يُعْطوا الحلفاء
أنصباءهم من النصرة والنصيحة والوصية وما أشبه ذلك. أما الميراث فقد
ذهب.
والخلاصة: تقسم التركة بين الورثة على النحو الذي بينه الله تعالى في سورة
النساء (١٢،١١، ١٧٦) وهم الأقارب من ذوي الفروض والعصبات وهم
الأصول والفروع والحواشي والأزواج، أما غیرهم فقد زال حكم توريثهم،
ولا مانع من الإيصاء لهم بشيء من المال، سواء أكانوا حلفاء في الجاهلية، أم
إخوة متآخين بعد الهجرة، أم أبناء بالتبني (أدعياء).
واحتج الحنفية بآية ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ على توريث مولى الموالاة،
فهي تدل على النصيب الثابت له المسمى في عقد المخالفة. وقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ
اَلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ لم ينسخ هذا الحكم، وإنما أولو الأرحام أولى من
الحليف، فإذا لم يكن رحم ولا عصبة، فالميراث للحليف الذي حالفه
الشخص وجعله وارثاً له. واحتجوا أيضاً بما روي عن تميم الداري أنه قال:

٥٤
الُ (٥) - الَكَاءِ: ٣٣/٤
((يا رسول الله، ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال:
هو أولى الناس بمحياه ومماته)) أي أولاهم بميراثه.
وقال الجمهور: ميراث مولى الموالاة للمسلمين. وهو: من أسلم على يد
رجل ووالاه وعاقده، ثم مات ولا وارث له غيره؛ لأن دلالة الآية على أن
الحليف يرث متوقف على ثلاثة أمور: أن يكون المراد بالذين عقدت أيمانكم
الحلفاء، وأن يكون المراد بالنصيب النصيب في الميراث، وأن تكون الآية
محكمة غير منسوخة، والمفسرون مختلفون في كل ذلك كما تقدم. وحديث تميم
الداري ليس نصاً في الميراث فإنه يحتمل أنه أولى بمعونته وحفظه في محياه
ومماته، ومع ذلك فهو معارض بما أخرجه مسلم والنسائي عن جبير بن
مُطعِم عن رسول الله ◌َ له أنه قال: (( لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في
الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة))(١).
فإذا كان الحديثان متعارضين والآية محتملة لعدة أوجه فالأولى الرجوع إلى
ما قاله السلف كابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من أن الآية منسوخة بآية
الأنفال.
(١) تفسير ابن كثير: ٤٨٩/١، أحكام الجصاص: ١٨٧/٢

٥٥
لُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ٣٤/٤-٣٥
قوامة الرجال على النساء
وطرق تسوية النزاع بين الزوجين
﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَاً
أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ فَالضَلِحَتُ قَنِثَتُّ حَفِظَتُ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ
وَأَِّي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ
أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (@)
وَإِنْ
خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَبْعَثُواْ حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاْ إِن يُرِيدَآ
٣٥
إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَّأُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا
الإعراب:
﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾: ما: إما مصدرية وتقديره: بحفظ الله لهن، وإما بمعنى
الذي، أي الشيء الذي حفظ الله.
﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ قيل: معناه: من أجل تخلفهن عن المضاجعة
معكم، كما تقول: هجرته في الله. أي: من أجل الله، فلا يكون ﴿فِي
اُلْمَضَاجِعِ﴾ ظرفاً للهجران؛ لأنهن يُردن ذلك. ولا يمتنع أن يكون ظرفاً له؛
لأن النشوز يكون بترك المضاجعة وغيرها. وقال الزمخشري: "في المضاجع":
في المراقد أي التي لا تداخلوهن تحت اللحف، أو هي كناية عن الجماع. وقيل:
هو أن يوليها ظهره في المضجع، وقيل: لا تبايتوهن في بيوتهن التي يبتن فيها.
البلاغة:
﴿ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ كناية عن الجماع.
﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ﴾ صيغة مبالغة، ومجيء الجملة الاسمية لإفادة الدوام

٥٦
الزُعُ (٥) - الشتاء: ٣٤/٤-٣٥
والاستمرار. يوجد جناس اشتقاق في ﴿حَفِظَتٌ﴾ ﴿بِمَا حَفِظَ﴾. ويوجد
إطناب في ﴿حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾.
المفردات اللغوية:
﴿قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ يقومون بأمرهن ويحافظون عليهن ويتسلطون
عليهن بحق، ويؤدبونهن ويأخذون على أيديهن، أي أن القوامة تعني الرئاسة
وتسيير شؤون الأسرة والمنزل، وليس من لوازمها التسلط بالباطل.
﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمُ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي بتفضيله لهم عليهن بالعلم
والعقل والولاية وغير ذلك ﴿قَئِنَتُ﴾ مطيعات للأزواج ﴿حَفِظَتُ
لِلْغَيْبِ﴾ أي يحفظن ما يغيب ويستتر من أمور الزوجية، فيحفظن فروجهن،
وما يقال في الخلوة بالمرأة.
﴿تَخَافُونَ﴾ تظنون ﴿نُشُوزَهُنَّ﴾ عصيانهن لكم وترفعهن على الزوج،
بظهور أمارة أو قرينة.
﴿ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾ اعتزلوا إلى فراش آخر إن أظهرن النشوز.
﴿ وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾ ضرباً غير مبرّح إن لم يرجعن بالهجران ﴿فَلَا نَبْغُواْ﴾ تطلبوا.
﴿عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ طريقاً إلى ضربهن ظلماً ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا
كَبِيرًا﴾ فاحذروه أن يعاقبكم إن ظلمتموهن.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ علمتم. ﴿شِقَاقَ﴾ نزاع وخصام أو خلاف، كأن كلاً
منهما في شقّ وجانب . ﴿بَيْنِمَا﴾ بين الزوجين. ﴿فَأَبْعَثُواْ﴾ إليهما برضاهِما.
﴿حَكَمًا﴾ رجلاً عدلاً محكماً. ﴿مِّنْ أَهْلِهِ﴾ أقاربه. ﴿وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَاْ﴾
أقاربها. ويوكل الزوج حَكَمه في طلاق وقبول عوض عليه، وتوكل هي
حَكَمها في الفرقة. ﴿إِن يُرِيدَآَ﴾ أي الحكمان. ﴿بَيْنِهِمَا﴾ بين الزوجين، أي

٥٧
لُعُ (٥) - النَّاءِ: ٣٤/٤-٣٥
يقدرهما الله على ما هو الطاعة من إصلاح أو فراق. ﴿عَلِيمًا﴾ بكل شيء.
(خَبِيرًا﴾ ببواطن الأمور وظواهرها.
سبب النزول:
﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال:
جاءت امرأة إلى النَّبي ◌َ لِّ تستعدي على زوجها أنه لطمها، فقال رسول
الله ◌َيُّه: القصاص، فأنزل الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية،
فرجعت بغير قصاص.
قال مقاتل: نزلت هذه الآية في سعد بن الرّبيع، وكان من النّقباء (نقباء
الأنصار) وامرأته حبيبة بنت زيد بن أبي هريرة، وهما من الأنصار، وذلك أنها
نشزت عليه فلطمها، فقال النَّي ◌َِّ: لتقتصّ من زوجها، وانصرفت مع أبيها
لتقتصّ منه، فقال النَّبي ◌َّ: ارجعوا، هذا جبريل عليه السّلام أتاني، وأنزل
الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله له: أردنا أمراً وأراد الله أمراً، والذي
أراد الله خير، ورفع القصاص.
المناسبة:
ذكر الله تعالى هنا سبب تفضيل الرجال على النساء، بعد أن بيَّن نصيب كلّ
واحد في الميراث، ونهى عن تمني الرّجال والنّساء ما فضل الله به بعضهم على
بعض.
التفسير والبيان:
الرّجل قيِّم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا
اعوجّت، وهو القائم عليها بالحماية والرعاية، فعليه الجهاد دونها، وله من
الميراث ضعف نصيبها؛ لأنه هو المكلّف بالنّفقة عليها.

٥٨
لُعُ (٥) - التِّشَكَّاءِ: ٣٤/٤-٣٥
وسبب القوامة أمران :
الأول- وجود مقوّمات جسدية خلقية: وهو أنه كامل الخلقة، قوي
الإدراك، قوي العقل، معتدل العاطفة، سليم البنية، فكان الرجل مفضلاً
على المرأة في العقل والرأي والعزم والقوة، لذا خصّ الرّجال بالرّسالة والنّبوة
والإمامة الكبرى والقضاء وإقامة الشعائر كالأذان والإقامة والخطبة والجمعة
والجهاد، وجعل الطلاق بيدهم، وأباح لهم تعدد الزوجات، وخصهم
بالشهادة في الجنايات والحدود، وزيادة النصيب في الميراث، والتعصيب.
الثاني- وجوب الإنفاق على الزوجة والقريبة، وإلزامه بالمهر على أنه رمز
لتكريم المرأة.
وفيما عدا ذلك يتساوى الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وهذا من
محاسن الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعُوفِ وَ لِلِرِجَالِ عَلَيْهِنَّ
دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨/٢] أي في إدارة البيت والإشراف على شؤون الأسرة،
والإرشاد والمراقبة، وذلك كله غرم يتناسب مع قدرات الرّجل على تحمل
المسؤوليات وأعباء الحياة. وأما المرأة فلها ذمة مالية مستقلة وحرية تامة في
أموالها.
ثم أبان الله تعالى حالتي النساء في الحياة الزوجية: إما طائعة وإما ناشزة.
الأولى - الصالحات:
وهنّ القانتات الطائعات ربّهن وأزواجهنّ، الحافظات حال الغيبة أنفسهنّ
وعفتهنّ ومال أزواجهنّ وأولادهن وحال الخلوة مع الزوج، وفي حضور
الزوج أحفظ.
وقوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اَللَّهُ﴾ أي بسبب أمر الله بحفظه، فالله أمرهنّ أن يطعن
أزواجهنّ ويحفظنهم في مقابلة ما حفظه الله لهنّ من حقوق قبل الأزواج من

٥٩
اِلُعُ (٥) - النَشَاءِ: ٣٤/٤-٣٥
مهر ونفقة ومعاشرة بالمعروف، أي إن هذا بذاك. وقد وعدهنّ الله الثواب
العظيم على حفظ الغيب، وأوعدهنّ بالعقاب الشديد على التفريط به. وأخرج
البيهقي وابن جرير وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه وَله: ((خير
النساء: امرأة إذا نظرت إليها سرّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها
حفظتك في مالك ونفسها، ثم قرأ رسول الله وَاله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى
النِّسَاءِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿حَفِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾)). وفي الحديث الصحيح عند
أحمد والشيخين عن أبي هريرة: ((خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على
ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده)).
الثانية - الناشزات:
وهنّ اللاتي تظنون أو تعلمون منهنّ التّرفع عن حدود الزوجية وحقوقها
وواجباتها، وهؤلاء يتبع الزوج معهنّ المراحل الأربع التالية:
١- الوعظ والإرشاد إذا أثر في نفوسهنّ:
بأن يقول الرّجل للزوجة: اَّقي الله، فإن لي عليك حقّاً، وارجعي عمّا
أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو ذلك بما يناسبها من تخويف
بالله، وتهديد بعقاب الله، وتحذير من سوء العاقبة والمصير والحرمان من نعمة
الحياة الزوجية السعيدة. وهذا إنذار وتذكير قد يردها عما عليه من نشوز.
٣. الهجرة والإعراض في المضجع (المرقد):
وهو كناية عن ترك الجماع، أو عدم المبيت معها في فراش واحد، ولا يحلّ
هجر الكلام أكثر من ثلاثة أيام. وهذا أشد شيء في إيحاش المرأة وجعلها
تتبضّر في أمرها وتفكّر في فعلها. قال ابن عباس: إذا أطاعته في المضجع،
فليس له أن يضربها.

٦٠
لُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ٣٤/٤-٣٥
٣. الضرب غير المُبَرِّح:
أي المؤذي إيذاء شديداً كالضَّرب الخفيف باليد على الكتف ثلاث مرات،
أو بالسواك أو بعود خفيف؛ لأن المقصود منه الصلاح لا غير. أخرج
الجصاص عن جابر بن عبد الله عن النَّي وَ لّ أنه خطب بعرفات في بطن
الوادي فقال: ((اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم
فروجهنّ بكلمة الله، وإن لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه،
فإن فعلن فاضربوهنّ ضرباً غير مبرح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ
بالمعروف)». وروى ابن جرير الطّبري نحوه.
وروى ابن جريج عن عطاء قال: الضرب غير المبرح بالسواك ونحوه. ومثله
عن ابن عباس. وقال قتادة: ضرباً غير شائن(١).
وإذا تجاوز الرجل المشروع فأدى الضرب إلى الهلاك وجب الضمان، كما
يجب على المعلم الضمان في ضربه غلامه لتعلم القرآن والأدب.
وينبغي ألا يوالي الرّجل الضرب في محل واحد، وأن يتّقي الوجه، فإنه
مجمع المحاسن، ولا يضربها بسوط ولا بعصا، وأن يراعي التخفيف؛ لأن
المقصود هو الزّجر والتأديب لا الإيلام والإيذاء، كما يفعل بعض الجهلة.
ومع أن الضرب مباح فإن العلماء اتَّفقوا على أن تركه أفضل. وأخرج ابن
سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت الصّدِّيق رضي الله عنه قالت: كان الرّجال
نهوا عن ضرب النساء، ثم شكونهنّ إلى رسول الله تَّ، فخلى بينهم وبين
ضربهنّ، ثم قال: ولن يضرب خياركم. وقال عمر رضي الله عنه: ولا تجدون
أولئكم خياركم. فدلّ الحديث والأثر على أن الأولى ترك الضرب، بدليل
الأمر القرآني بالإحسان في المعاملة: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
(١) أحكام القرآن للجصاص: ١٨٩/٢