النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
الجُرُ (٤) - النَشَاءِ: ٧/٤-١٠
أَوْلَدِ كُمْ﴾ [النساء: ١١/٤]. ولما نزلت آية: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ﴾ أرسل النَّبِي وَّهِ إلى
سُوَيد وعَرْفَجة ألا يفرّقا من مال أوس شيئاً؛ فإن الله جعل لبناته نصيباً، ولم
يبيِّن كم هو، حتى أنظر ما ينزل ربّنا. فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمّ}
إلى قوله تعالى: ﴿اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، فأرسل إليهما: ((أن أعطيا أم كُجَّة
التُّمُن مما ترك أوس، ولبناته الثلثين، ولكما بقية المال)).
واستدلّ بعض المالكية والشافعية والحنفية بهذه الآية: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ﴾ على
وجوب قسمة الشيء الصغير القابل للقسمة كالحمام والبيت. ورأى ابن أبي
ليلى وأبو ثور وابن القاسم: أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل
والحمامات، وفي قسمته الضرر ولا ينتفع به إذا قسم: أن يباع ولا شفعة فيه؛
لقوله عليه الصّلاة والسّلام فيما رواه أحمد والبخاري عن جابر: ((الشّفعة في
كل ما لا يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة)) فجعل عليه الصلاة والسّلام
الشفعة في كل ما يتأتى فيه إيقاع الحدود، وعلّق الشفعة فيما لم يقسم مما يمكن
إيقاع الحدود فيه. وهذا الرأي هو المعقول دفعاً للضرر، قال ابن المنذر: وهو
أصح القولين.
وأرشدت آية: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ إلى الآتي:
اً - كل من لم يستحق شيئاً إرثاً وحضر القسمة، وكان من الأقارب أو
اليتامى والفقراء الذين لا يرثون: يكرم ولا يحرم، إن كان المال كثيراً،
والاعتذار إليهم إن كان عقاراً أو قليلاً لا يقبل الرضخ(١).
وإن كان عطاء من القليل ففيه أجر عظيم؛ درهم يسبق مئة ألف. فالآية
على هذا القول مُحْكَمة، كما قال ابن عبّاس.
-
(١) الرضخ هنا: العطاء القليل.

٦٠٢
الُعُ (٤) - التَّاءِ: ٧/٤-١٠
وروي عن ابن عبّاس: أنها منسوخة، نسخها قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُ اللَّهُ
فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١/٤]. وقال سعيد بن المسيب: نسختها آية الميراث
والوصية. قال القرطبي: والرأي الأول أصح؛ فإنها مبيّنة استحقاق الورثة
لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم.
أَ - إذا كان الوارث صغيراً لا يتصرف في ماله، فقالت طائفة: يعطي ولي
الوارث الصغير من مال محجوره بقدر ما يرى. وقيل: لا يعطي، بل يقول لمن
حضر القسمة: ليس لي شيء من هذا المال، إنما هو لليتيم، فإذا بلغ عرّفته
حقَّكم، فهذا هو القول المعروف. وهذا إذا لم يُوص الميت له بشيء، فإن أوصى
يصرف له ما أوصى.
◌َّ - القول المعروف مطلوب مع جميع الناس، ويتأكد طلبه مع الأقارب.
وهو القول الجميل والاعتذار اللطيف.
وأومأت آية: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ إلى ما يأتي:
اً - الآية تذكير بالمعاملة بالمثل مع أولاد الأوصياء، فهذا كما قال ابن
عبَّاس وعظ للأوصياء، أي افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من
بعدكم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ظُلْمًا﴾.
أَ - القول السديد: وهو العدل والصواب من القول وهو مرغوب فيه في
تربية اليتامى، فلا ینھرهم الولي ولا يستخف بهم.
ودلّت آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ على ما يأتي:
اً - تحريم أكل مال اليتامى ظلماً، فقد دلّ الكتاب والسّنة على أن أكل مال
اليتيم من الكبائر، قال * فيما رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي
هريرة: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) وذكر منها: ((وأكل مال اليتيم)). ويفهم منه
جواز الأكل بحق إن كان فقيراً، فيأكل بالمعروف، وله أخذ الأجرة على عمله.

٦٠٣
الُهُ (٤) - التشَّةِ: ٧/٤-١٠
أَ - عقاب آكل مال اليتيم ظلماً هو دخول نار جهنم.
◌َّ - هذه آية من آيات الوعيد، ولا حجة فيها لمن يكفِّر بالذنوب. والذي
يعتقده أهل السنة أن بعض العصاة يحترق في نار جهنم ويموت، بخلاف أهل
النار لا يموتون ولا يحيون.
والكلمة الأخيرة: إن اليتامى عاجزون ضعاف يستحقون كل عناية ورعاية
لمصالحهم، وتربية لهم تعوضهم عن فقد أبيهم، لذا عني القرآن بشأنهم فأنزل
الله فيهم تسع آيات متتابعات من أول سورة النساء إلى آخر الآية السابقة، قرر
فيها جميعاً الأمر بحفظ مال اليتيم ورعايته، وأكّد فيها النّهي عن أكل ماله
وتضييع حقّه. كما أنه أنزل فيهم آيات أخرى متفرقة منها: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ
اَلْيَقِيمِ إِلَّا بِالَِّ هِىَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤/١٧]، ومنها: ﴿ وَأَنْ تَقُومُواْ لِلْيَتَمَى
[الضحى: ٩٣ /
بِاَلْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧/٤]، ومنها: ﴿فَأَمَّا الْيَنِيَمَ فَلَ نَقْهَرْ
٩]، ومنها: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَشَىْ قُلْ إِصْلَاٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ
وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِيَحْ﴾ [البقرة: ٢٢٠/٢]، وقال ◌َله فيما رواه أحمد
والبخاري وأبو داود والترمذي عن سهل بن سعد: ((أنا وكافل اليتيم كهاتين،
وأشار بأصبعيه: السبابة والوسطى)).

٦٠٤
الُعُ (٤) - النَشَاءِ: ١١/٤-١٢
آيات المواريث
﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِى أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِّ فَإِن كُنَّ نِسَآءٍ فَوْقَ
اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةٌ فَلَهَا النَّصْفَُّ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ
مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ: أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ
الثُّلُثُّ فَإِنِ كَانَ لَهُؤْ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسَُّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ
ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًاْ فَرِيضَةً مِّنَ الَّهَّ إِنَّ اللَّهَ
: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ إِن لَمْ يَكُنْ
كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (3)
لَهُرَ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُُّعُ مِمَا تَرَكْنَّ مِنْ بَعْدٍ
وَصِيَّةٍ بُوُصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنَّ وَلَهُنَ الرُّبُعُ مِمَا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ
لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الِثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ
وَصِيَّةٍ تُصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً أَوِ أَمْرَأَةٌ
وَلَهُ: أَخُ أَوْ أُخْتُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسَُّ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ
فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ
(١٢
وَصِيَّةٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
القراءات:
﴿ وَاحِدَةٌ﴾: وقرئ: (واحدةٌ) وهي قراءة نافع.
﴿فَلِأُمِّهِ﴾: قرئ: (فلإِّه) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
﴿ يُوُصِى﴾: وقرئ: (يوصَى) وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر.
الإعراب:
كَنَّ نِسَاءً﴾ كان واسمها وخبرها، وتقديره: إن كانت المتروكات نساء

٦٠٥
لِلُحُ (٤) - النِّشَاءِ: ١١/٤-١٢
فوق اثنتين. وإنما ثبت للبنتين الثلثان بالسّنة، ودلالة النّص على أن الأختين
لهما الثلثان في قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا اُلُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ إذ ليس
ههنا في الآية نصّ يدلّ على ذلك.
﴿وَإِن كَانَتْ وَحِدَةً﴾ خبر كان الناقصة، وتقديره: فإن كان المتروك
واحدة، وقرئ بالرفع على أنه فاعل كان التامة، وهي بمعنى: حدث ووقع.
﴿فَلِأُمِّهِ﴾ من ضمها فعلى الأصل، ومن كسرها فعلى الاتباع، كقولهم:
الْغِيرة في المُغيرة. ﴿ءَبَآؤُكُمْ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ﴾.
﴿نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهَ﴾ ﴿نَفْعًا﴾: تمييز، و﴿ فَرِيضَةٌ﴾: منصوب على
المصدر، وتقديره: فرض الله ذلك فريضة.
﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً﴾ ﴿كَانَ﴾ هنا تامة، و﴿رَجُلٌ﴾:
فاعل، و﴿يُوَرَثُ﴾: جملة فعلية صفة رجل، و﴿كَلَلَةَ﴾: منصوب من
أربعة أوجه: إما حال من ضمير ﴿يُوَرَثُ﴾، وإما تمييز، والمراد بالكلالة في
هذين الوجهين: الميت، وإما صفة مصدر محذوف تقديره: يورث وراثة كلالة،
والمراد بالكلالة في هذا الوجه: المال، وإما خبر كان، والمراد بالكلالة في هذا
الوجه اسم الورثة وتقديره: ذا كلالة. ﴿غَيْرَ مُضَآرٍ﴾ حال من ضمير يُوصى.
﴿وَصِيَّةٍ﴾ منصوب على المصدر. وقوله: ﴿وَلَّهُ: أَخُ﴾ يعود على الرجل،
وهذا في العطف بأو جائز.
البلاغة:
يوجد طباق في لفظ ﴿لِلذَّكَرِ﴾ و﴿اُلْأَنْثَيَيْنِ﴾، وفي ﴿ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾.
ويوجد جناس اشتقاق في ﴿وَصِيَّةٍ يُوُصِ﴾، وهناك إطناب في ﴿مِنُ بَعْدٍ
وَصِيَّةٍ تُوُصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ و﴿ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾
للتأكيد. وقوله: ﴿عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ للمبالغة.

٦٠٦
-
لُ (٤) - النِّسَاءِ: ١١/٤-١٢
المفردات اللغوية:
(يُوصِيكُمْ﴾ أي يأمركم الله ويفرض عليكم. والوصية: ما تعهد به إلى
غيرك من العمل في المستقبل، أي أمر له ﴿حَظِ﴾ نصيب. ﴿عَلِيمًا﴾ بخلقه.
﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبّره لهم. ﴿كَلَلَةً﴾ مصدر وهو الإعياء، ثم استعمل في
القرابة البعيدة غير قرابة الأصول والفروع، وهو من لا والد له ولا ولد أي له
قرابة فقط من الحواشي. ﴿عَلِيمٌ﴾ بما دَبَّرَه لخلقه من الفرائض. ﴿حَلِيمٌ﴾
بتأخير العقوبة عمن خالفه.
سبب النزول:
نزول الآية (١١):
﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾: أخرج الأئمة الستة عن جابر بن عبد الله قال: عادني
رسول الله ﴿ وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النَّبِي وَّ لا أعقل
شيئاً، فدعا بماء فتوضأ، ثم رش علي، فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في
مالي، فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمْ
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن جابر قال: جاءت امرأة
سعد بن الربيع إلى رسول الله مَله، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن
الربيع، قتل أبوهما معك في أُحد شهيداً، وإنّ عمهما أخذ مالهما، فلم يدع
لهما مالاً، ولا تنكحان إلا ولهما مال، فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية
الميراث: ﴿يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ فأرسل رسول الله وَّل إلى عمهما
فقال: ((أعط بنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك)). قالوا:
وهذه أول تركة قسمت في الإسلام.
قال الحافظ ابن حجر: تمسك بهذا من قال: إن الآية نزلت في قصة ابنتي
سعد، ولم تنزل في قصة جابر، خصوصاً أن جابراً لم يكن له يومئذٍ ولد، قال:

٦٠٧
لُعُ (٤) - التَشَاءِ: ١١/٤-١٢
والجواب أنها نزلت في الأمرين معاً، ويحتمل أن يكون نزول أولها في قصة
البنتين، وآخرها وهو قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً﴾ في
قصة جابر، ويكون مراد جابر بقوله: فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمّ)
أي ذكر الكلالة المتصل بهذه الآية.
المناسبة:
ذكر سبحانه وتعالى في الآية السابقة حكم ميراث القرابة إجمالاً في قوله:
﴿ لِلِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ثم فصّل في آيات المواريث أنصباء
الورثة، فبَيَّن حقوق الأولاد (الفروع) وحقوق الآباء والأمهات (الأصول)،
وحقوق الزوجين، وحقوق الإخوة لأم، أما الإخوة لأب فحكمهم في آخر
السورة.
وكانت أسباب الإرث في الجاهلية ثلاثاً :
اً - النسب: للرجال المقاتلين، وليس للنساء والصغار شيء.
أَ - التَّبني: يعطى الولد المتبنى مثل الولد الأصلي في الميراث.
٣ - الْخِلْف والعهد: بأن يقول الرجل لآخر: ((دَمي دَمُك وهَذْمي
هَدْمُك(١)، وترثني وأرثك، وتُطلب بي وأطلب بك)).
فأقرّ الإسلام ما عدا التَّبني الذي أبطله بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ
أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤/٣٣]. وأما التوارث بالنّسب فأقره بقوله تعالى:
﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَلِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣/٤]، وأما
التوارث بالعهد فأجازه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوهُمْ
نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣/٤].
(١) أي إذا أهدر دمي أهدر دمك.

٦٠٨
الُعُ (٤) - الْشَاءِ: ١١/٤-١٢
وزاد الإسلام في مبدأ الأمر سببين آخرين هما الهجرة والمؤاخاة، ثم نسخ
العمل بهما بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾
[الأنفال: ٧٥/٨]. واستقر العمل على أن أسباب الإرث ثلاثة: النسب،
الزواج، الولاء، أي الإرث بسبب عتق السيد عبده أو أمته.
التفسير والبيان والأحكام:
حقوق الأولاد في الميراث:
بدأ الله تعالى بالأولاد، لأنهم أحق بالعطف والعون لضعفهم، أما
الأصول فقد يكون لهم حق واجب على غير المتوفى، أو لهم قدرة على الكسب.
فقال: يعهد إليكم في ميراث أولادكم، بمعنى يأمركم ويفرض عليكم في شأن
أولادكم من بعدكم أو في ميراثهم ما يستحقون من أموالكم، على أساس
قاعدة: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأَنْشَيَيْنِ﴾ أي إذا مات الميت، وترك ذكوراً
وإناثاً، فللذكر ضعفي الأنثى؛ لأن الرجل مطالب بالنفقة وبالعمل والتكسب
وتحمل المشاق ودفع مهر زوجته، ولا تطالب المرأة بالإنفاق على أحد، سواء
أكانت بنتاً أم أختاً أم أمّاً أم زوجة أم عمة أم خالة، وإنما بعد الكبر أو البلوغ
تنفق على نفسها إن لم تكن زوجة.
فإن كانت المتروكات نساء: بنات أو أخوات فوق اثنتين فلهما الثلثان مما
ترك المتوفى، وإن كانت المتروكة واحدة ليس معها ذكر يعصبها فلها النصف.
وقد وقع خلاف في ميراث البنتين إذا انفردتا عن أخ ذكر، فقال ابن
عباس: حكمهما كالبنت الواحدة، لهما النصف، لظاهر الآية: ﴿فَإِن كُنَّ
نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ﴾.
وقال الجمهور: البنتان كالأختين لهما الثلثان، قياساً لهما على الأختين
اللتين قال الله فيهما: ﴿فَإِن كَانَتَا أُثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا اُلْثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، ولأن البنت
:

٦٠٩
لِلُعُ (٤) - النِّشَاءِ: ١١/٤-١٢
تأخذ مع أخيها الثلث، فأولى أن تأخذه مع أختها، ولأن ابن مسعود قضى في
بنت وبنت ابن وأخت: بالسُّدس لبنت الابن والنّصف للبنت تكملة الثلثين،
فجعل لبنت الابن مع البنت الثلثين، فبالأحرى يكون للبنتين الثلثان. ويجوز
أن يكون معنى قوله: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾: فإن كنّ نساء اثنتين فما
فوق، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢/٨] أي اضربوا
الأعناق فما فوقها.
والخلاصة: إذا كان الأولاد ذكوراً وإناثاً فللذكر ضعف الأنثى. وإذا كان
المولود أنثى واحدة كان لها النصف، وإذا كان هناك أنثيان فأكثر، كان لهن
الثلثان في رأي الجمهور، وإذا انفرد الولد الذكر يأخذ التركة، وإذا كان معه
أخ فأكثر اقتسموا التركة بالمساواة.
وأولاد الابن وأولادهم مثل الأبناء، الأعلى يحجب الأدنى، فإن كان
الأعلى أنثى كبنت وابن ابن، أخذت البنت النصف، والباقي لابن الابن. وإن
كان ولد الولي أنثى كان للعليا النصف، وللسفلى السدس تكملة الثلثين. وإن
كان الولد الأعلى بنتين أخذتا الثلثين، ولم يبق للبنت السفلى شيء إلا إذا
عصبها ذكر في درجتها أو أسفل منها.
ميراث الوالدين:
لكل واحد من أبوي الميت السدس من التركة إن كان للولد الميت ولد ذکر
أو أنثى، واحد أو جماعة، والباقي للأولاد على النحو السابق، فإن لم يكن له
ولد أصلاً وورثه أبواه فلأمه الثلث. والسبب في تساوي الوالدين في الميراث
مع وجود الأولاد: هو توفير احترامهما على السواء. وأما سبب كون نصيب
الوالدين أقل من نصيب الأولاد فهو إما كبرهما وإما استغناؤهما، وإما لوجود
من تجب عليهما نفقتهما من أولاد أحياء. وأما الأولاد فبحاجة إلى نفقات
كثيرة إما بسبب الصغر، وإما بسبب الحاجة إلى الزواج وتحمل أعباء الحياة
حال الكبر.

٦١٠
الُُ (٤) - النِّسَاءِ: ١١/٤-١٢
فإن كان للميت مع وجود أبويه إخوة جماعة ذكوراً أم إناثاً، كان للأم
السدس بدلاً من الثلث، سواء أكانت الإخوة أشقاء أَمْ لأب أَمْ لأُم.
والاثنان من الإخوة كالثلاثة فأكثر؛ لأن النَّبِي وَلّر والخلفاء الراشدين
قضوا بأن الأخوين والأختين يردان الأم من الثلث إلى السدس. أخرج ابن
جرير عن ابن عباس أنه دخل على عثمان رضي الله عنهما، فقال: لم صار
الأخوان يردان الأم من الثلث إلى السدس، وإنما قال الله: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ:
إِخْوَةٌ﴾ والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان
رضي الله عنه: هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في
الأمصار؟
أي أن هناك إجماعاً في الشرع على ذلك، ويؤيده أنه ورد في اللغة إطلاق
الجمع على الاثنين، قال تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤/٦٦]،
وقال: ﴿﴿ وَهَلْ أَتَنَكَ نَبَؤُّأْ الْخَصْمِ إِذْ نَسَوَُّواْ الْمِحْرَابَ
﴾ [ص: ٢١/٣٨]،
ثم قال: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢/٣٨].
والخلاصة: إن للأم الثلث إذا لم يكن معها فرع وارث أو اثنان فصاعداً
من الإخوة أو الأخوات، ولها السدس مع الفرع الوارث أو العدد من الإخوة
أو الأخوات. وللأب السدس مع الفرع الوارث، فإن كان الفرع بنتاً أخذت
النصف، وأخذ الأب بالفرض والتعصيب. وللأم ثلث الباقي إذا كان مع
الأبوين أحد الزوجين، وهي المسألة العمرية أو الغراء، كما في زوج وأب
وأم، أو زوجة وأب وأم، ففي الأولى: للزوج النصف، وللأب الباقي
تعصيباً، وللأم ثلث الباقي بعد فرض الزوج وهو سهم من ستة، وفي الثانية:
للزوجة الربع من ١٢ لعدم الفرع الوارث وللأب الباقي تعصيباً، وهو ستة،
وللأم ثلث الباقي وهو ثلاثة أسهم.
تقديم الديون ثم الوصايا:
إن قسمة المواريث كلها بين الورثة مقدم عليه أولاً إيفاء الديون المتعلقة

٦١١
الُعُ (٤) - التِشَّةِ: ١١/٤-١٢
بالتركة، وتنفيذ الوصايا، فالله تعالى يوصي ويأمر بقسمة المواريث على النحو
الذي شرع من بعد وصية يوصى بها من الميت، ومن بعد دين تعلق بذمة الميت
قبل موته.
وقدمت الوصية على الدَّين مع أن الواجب تقديم الدَّين أولاً في الوفاء، حثّاً
على تنفيذها واهتماماً بشأنها ومنعاً من جحودها، أما الدَّين فمعلوم قوَّته، قدم
أو لم يقدم. ثم إن ﴿أَوْ﴾ ههنا للإباحة، ولا تقتضي الترتيب. ودليل تقديم وفاء
الدَّين: ما رواه علي كرّم الله وجهه وأخرجه عنه جماعة كابن جرير الطبري:
إنكم تقرؤون هذه الآية: من بعد وصية يوصى بها أو دين، إن رسول الله وَ الم
قضى بالدَّين قبل الوصية، فليس لأحد من الورثة ولا من الموصى لهم حق في
التركة إلا بعد قضاء الدَّين. ولواستغرق الدَّين التركة، فليس لأحد شيء.
ويقدم على الدَّين والوصية والميراث نفقات تكفين الميت وتجهيزه ودفنه،
تكريماً لإنسانيته واحتراماً لآدميته.
وإنما يقدم الدَّين على الوصية والميراث؛ لأن ذمة الميت مرتهنة به، وأداء
الدين أولى من فعل الخير الذي يتقرب به.
وتقديم الوصية على الميراث في حدود ثلث التركة؛ لأنه القدر المأذون
بالإيصاء به في السّنة النَّبوية فيما رواه الجماعة عن سعد: ((الثلث والثلث
کثیر)).
ثم أتى النّص القرآني بجملة معترضة للتنبيه على جهل المرء بعواقب الأمور،
فبيَّن تعالى أن هؤلاء الذين أوصاكم الله بهم وقدر أنصباءهم، هم آباؤكم
وأبناؤكم، فلا تجوروا في القسمة ولا تحرموا البعض كما كان يفعل العرب في
الجاهلية؛ إذ لا تدرون بمن هو أقرب لكم نفعاً.
فرض الله ذلك فريضة محتمة، وإن الله يعلم بما يصلح خلقه، حكيم في

٦١٢
الُعُ (٤) - النِشَاءِ: ١١/٤-١٢
تدبيره، يضع الأمور في موضعها الصحيح المناسب، ولا يشرع لكم إلا ما فيه
المنفعة لكم، وقسم الميراث بينكم على أساس من الحق والعدل والمصلحة،
فالزموا قسمته ومنهجه، واحذروا حرمان أحد من الورثة كالنساء والضعفاء
كما كان أهل الجاهلية يفعلون.
ميراث الزوجين:
للزوج نصف تركة الزوجة إن لم يكن لها ولد، سواء أكان منه أم من غيره،
وسواء أكان ذكراً أم أنثى، واحداً أم أكثر، منها مباشرة أم من بنيها أم من بني
بنيها، والباقي لأولادها، ولا يشترط الدخول بالزوجة وإنما يكفي مجرد العقد.
فإن كان لها ولد فللزوج الربع، والباقي لأقاربها ذوي الفروض والعصبات،
أو ذوي الأرحام - في رأي الحنفية - أو لبيت المال إن لم يكن وارث آخر.
لكم ذلك في ترکتهن من بعد وفاء الدیون وتنفيذ الوصايا.
وللزوجة ربع تركة الزوج إن لم يكن له ولد، ولها الثمن إن كان له ولد.
فإن تعددت الزوجات اشتركن في الربع أو في الثمن من بعد الدين
والوصية، كما سبق.
ميراث الكلالة:
جعل الله الورثة في هذه الآيات أقساماً ثلاثة: قسم يتصل بالميت بغير
واسطة وإنما برابطة الدم وهم الأولاد والوالدان، وقسم يتصل بالميت بغير
واسطة وإنما بعقد الزوجية وهما الزوجان، وقسم يتصل بالميت بواسطة وهم
الكلالة: وهي ما عدا الوالد والولد. ونظراً لقوة القسم الأول قدمه تعالى في
البيان، ثم أتبعه بالقسم الثاني، ثم ذكر القسم الثالث، ولأن القسمين الأوليين
لا يعرض لهما السقوط بحال، بخلاف القسم الثالث، فإنه قد يعرض له
السقوط بالكلية.

٦١٣
لُ (٤) - الْتَشَاءِ: ١١/٤-١٢
والراجح أن الكلالة: من عدا الوالد والولد، وهو تفسير أبي بكر الصديق
رضي الله عنه، أخرج ابن جرير عن الشعبي قال: قال أبو بكر رضي الله عنه:
إني رأيت في الكلالة رأياً، فإن كان صواباً، فمن الله وحده لاشريك له، وإن
يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله منه بريء، إن الكلالة: ما خلا الوالد
والولد.
ويؤكد تفسيره: اشتقاق الكلمة، فهي مأخوذة من الضعف، والقرابة لا
من جهة الولادة قرابة ضعيفة، وأما قرابة الولادة فهي قوية، فلا يطلق عليها
كلالة. ثم إن الله تعالى حكم بتوريث الإخوة والأخوات عند عدم وجود
الأب، فوجب ألا يكون الوالد من الكلالة.
وحكم إرث الكلالة بحسب النص: أنه إذا وجد أخ أو أخت لأم فلكل
واحد منهما السدس، فإن تعددوا فهم شركاء في الثلث، وهم فيه سواء لا
تفاضل بین ذکورهم وإناثهم.
والدليل على أن المراد بالأخ والأخت في آية الكلالة الإخوة لأم: قراءة
سعد بن أبي وقاص: ((وله أخ أو أخت من أم)) ولأن الأخوين من العصبة
سيأتي حكمهما في آخر سورة النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى
اُلْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦/٤] فالمراد منهما هنا الإخوة الأشقاء أو لأب، لهم المال
كله إن انفردوا، ويأخذون الباقي بعد ذوي الفروض.
ولأن الفرض هنا الثلث أو السدس وهو فرض الأم، فناسب أن يكون
فرض الإخوة الذين يدلون بها هم الإخوة لأم.
والخلاصة: للإخوة لأم حالتان:
١ - إذا انفرد الأخ أو الأخت لأم فلكل واحد منهما السدس.
٢ - إذا تعدد الإخوة لأم اشتركوا في قسمة الثلث بالتساوي، ذكرهم مثل
أنثاهم؛ لأن مطلق التشريك يدلّ عليه.

٦١٤
لُ (٤) - النِّشَاءِ: ١١/٤-١٢
وهذه القسمة للإخوة لأم من بعد إيفاء الدَّين وتنفيذ الوصية اللذين لا
إضرار فيهما بالورثة والدائنين، والضرار في الدين والوصية له أحوال:
أولاً - أن يقرّ الشخص بدين لأجنبي يستغرق المال كله أو بعضه، بقصد
إضرار الورثة، ويظهر قصد الضرر كثيراً في الكلالة (الحواشي)، أما في
الوالدين والأولاد والأزواج فهو نادر.
ثانياً - أن يقرّ بأن الدين الذي كان له عند فلان قد استوفاه.
ثالثاً - أن يوصي بأكثر من الثلث، قال ابن عبّاس: الضرار في الوصية من
الكبائر.
رابعاً - أن يوصي بالثلث لا بقصد القربة إلى الله، بل لإنقاص أنصباء
الورثة.
يوصيكم الله ويأمركم بذلك ويعهد إليكم به عهداً للعمل به وتنفيذه، والله
عليم حليم، عليم بمصالح عباده وبمضارهم وبمن يستحق الميراث ومن لا
يستحق، وبمقدار المستحق، حليم لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، فأضرّ في
الوصية بالورثة أو بالدّائنين، أو حرم أحداً من النساء والأطفال حقه في
الإرث.
وفي هذه الخاتمة المؤثرة بمن أصغى إليها وفهمها: إشارة إلى أنه تعالى شرع
المواريث على هذا النحو، وهو يعلم ما فيها من الخير والمصلحة، فمن
الواجب الإذعان لوصايا الله وفرائضه، والتزام منهجه وحدوده، فلا ينبغي
الاعتداء وهضم الحقوق، أو التعديل في أنظمة الإرث كإعطاء المرأة مثل
الرجل، كما في بعض الدّول الإسلامية أخذاً بأعراف فاسدة لمصادمتها
للنصوص القرآنية القطعية، أو محاكاة لأنظمة الغرب وقوانين البشر، زعماً
بأن ذلك عدل يقتضي المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، لكن لا عدل بعد

٦١٥
الجُرُ (٤) - النَّسَاءِ : ١١/٤-١٢
عدل الله، ولا رحمة فوق رحمة الله، فإن افتتاح الآيات بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُم
اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾ دليل على أنه تعالى أرحم بالناس من الوالدة بولدها،
حيث أوصى الوالدين بأولادهم، ويؤيده الحديث الصحيح: ((لله أرحم بعباده
من هذه بولدها)).
أحكام أخرى من آيات المواريث:
١ - قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ بيان لما أجمل في قوله:
﴿لِّلِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ و﴿ وَلِلِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ فدل على جواز تأخير البيان عن وقت
السؤال. وهذه الآية ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الأحكام، وأم
من أمّهات الآيات، فإن الفرائض عظيمة القدر، حتى إنها ثلث العلم، وروي
نصف العلم، وهو أول علم يُنزع من الناس ويُنسى. أخرج الدار قطني عن أبي
هريرة رضي الله عنه أن النبي وَ لّ قال: ((تعلموا الفرائض وعلِّموه الناس، فإنه
نصفُ العلم، وهو أول شيء يُنسى، وهو أول شيء ينتزع من أمتي)).
٢ - قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اَللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمٌّ﴾ قال الشافعية: قول الله
تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اَللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾ حقيقة في أولاد الصُّلْب، فأما ولد الابن
فإنما يدخل فيه بطريق المجاز؛ فإذا حلف أن لا ولد له، وله ولد ابن لم يحنث؛
وإذا أوصى لولد فلان، لم يدخل فيه ولدُ ولده. وأبو حنيفة يقول: إنه يدخل
فیه إن لم یکن له ولد صُلْب.
٣ - ظاهر الآية أن يكون الميراث لجميع الأولاد، المؤمن منهم والكافر،
فلما ثبت عن رسول الله وَ﴿ أنه قال: ((لا يرث المسلم الكافر))(١) عُلم أن الله
أراد بعض الأولاد دون بعض، فلا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم،
على ظاهر الحديث.
(١) روى الجماعة عن أسامة هذا الحديث بلفظ ((لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر».

٦١٦
لِزُ (٤) - النِّسَاءِ: ١١/٤-١٢
ودلت الأحاديث على أن موانع الإرث هي ثلاثة: قتل، واختلاف دين،
ورقّ، لكن القتل الخطأ لا يمنع من الميراث عند الإمام مالك، ويمنع كالقتل
العمد عند باقي الأئمة.
ولم يدخل في عموم الآية ميراث النبي ◌َّ لقوله فيما رواه أحمد: ((إنا لا
نورث ما تركناه صدقة)).
وقال النخعي: لا يرث الأسير، وقال أغلب أهل العلم: إنه يرث ما دام
تُعلم حياته على الإسلام؛ لأن قوله تعالى: ﴿فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ دخل فيه الأسير
في أيدي الكفار.
٤ - أصحاب الفرائض في الآيات يأخذون حقوقهم، والباقي للعصبات،
لقوله وَليه فيما رواه الأئمة: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقته الفرائض
فلأولى رجل ذكر)) يعني الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى وهي ستة:
النصف والربع والثمن، والثلثان والثلث والسدس. وقوله: الأولى: أي
لأقرب.
فالنصف فرض خمسة: ابنة الصلب، وابنة الابن والأخت الشقيقة،
والأخت لأب، والزوج، إذا انفردوا عمن يحجبهم عنه.
والربع: فرض الزوج مع الحاجب وهو الولد: وفرض الزوجة والزوجات
مع عدم الحاجب.
والثمن: فرض الزوجة والزوجات مع الحاجب.
والثلثان: فرض أربع: البنتان فصاعداً، وبنات الابن، والأخوات
الشقيقات، أو لأب، إذا انفردن عمن يحجبهن عنه.
والثلث فرض صنفين؛ الأم مع عدم الولد وولد الابن، وعدم الاثنين

٦١٧
لُعُ (٤) - النِشَكَّاءِ: ١١/٤-١٢.
فصاعداً من الإخوة والأخوات، وفرض الاثنين فصاعداً من ولد الأم، وهذا
هو ثلث كل المال. فأما ثلث ما يبقى فذلك للأم في مسألة: زوج أو زوجة
وأبوان، فللأم فيها ثلث ما يبقى. وفي مسائل الجد مع الإخوة إذا كان معهم
ذو سهم، وكان ثلث ما يبقى أحظى له.
والسدس فرض سبعة: الأبوان والجد مع الولد وولد الابن، والجدة
والجدات إذا اجتمعن، وبنات الابن مع بنت الصلب، والأخوات للأب مع.
الأخت الشقيقة، والواحد من ولد الأم ذكراً كان أو أنثى. ويسقط ولد الأم
مع الفرع الوارث والأصل الوارث المذكر.
وهذه الفرائض كلها مأخوذة من كتاب الله تعالى إلا فرض الجد والجدات،
فإنه مأخوذ من السنة، ثبت أن النبي ◌َّ قضى للجدة بالسدس.
٥ - لا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية، كما بينت.
٦ - لما قال تعالى: ﴿فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ يتناول كل ولد كان موجوداً أو جنيناً
في بطن أمه، من الطبقة الأولى أو بعدها، من الذكورأوالإناث ما عدا الكافر
كما تقدم.
٧ - قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ﴾ فرض الله
تعالى للواحدة النصف بقوله: ﴿وَلَهُ: أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ﴾ ولما كان
للواحدة مع أخيها الثلث إذا انفردت، علمنا أن للاثنتين الثلثين. وقيل:
﴿فَوْقَ﴾ زائدة أي كن نساء اثنتين، كقوله تعالى: ﴿فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾
[الأنفال: ١٢/٨] أي الأعناق فما فوقها. وأقوى حجة في أن للبنتين الثلثين
الحديث الصحيح المروي في سبب النزول.
٨ - إذا كان مع البنت بنت ابن فللبنت النصف ولابنة الابن السدس
تكملة الثلثين. سئل ابن مسعود عن ذلك فقال: لقد ضللت إذن وما أنا من

٦١٨
لُهُ (٤) - النِّشَّاءِ: ١١/٤-١٢
المهتدين! أقضي فيها بما قضى النبي وَلَّه: للابنة النصف، ولابنة الابن
السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت.
٩ - إذا مات الرجل وترك زوجته حبلى، فإن المال يوقف حتى يتبين ما
تضع. فإن خرج ميتاً لم يرث، وإن خرج حياً يرث ويورث. أما الخنثى وهو
الذي له فرجان فأجمع العلماء على أنه ◌ُورَّث من حیث یبول.
١٠ - قوله تعالى ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ الأبوان: تثنية الأب والأبَهِ، أو من قبيل
التغليب عند العرب، كقولهم للأب والأم: أبوان، وللشمس والقمر:
القمران، ولليل والنهار: الملَوان، وكذلك العُمَران لأبي بكر وعمر رضي الله
عنهما.
١١ - للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم بإجماع العلماء، وأجمعوا على أن
الأم تحجب أمها وأمَّ الأب، وأجمعوا على أن الأب لا يحجب أم الأم.
ولا يرث في رأي مالك إلا جدَّتان: أم الأم وأم الأب وأمهاتهما. ولا
ترث الجدة أُم أبِ الأم على حال.
١٢ - قوله تعالى ﴿لِكُلِّ وَحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ فرض تعالى لكل واحد من
الأبوين مع الولد السدس، وأبهم الولد، فكان الذكر والأنثى فيه سواء.
١٣ - قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ، إِخْوَةٌ فَلِأُقِّهِ السُّدُسُّ﴾ الإخوة يحجبون
الأم عن الثلث إلى السدس، وهذا هو حجب النقصان، سواء كان الإخوة
أشقاء أو للأب أو للأم، ولا سهم لهم.
١٤ - الدين مقدم على الوصية، بدليل ما روى الترمذي عن علي أن النبي
وَّ قضى بالدين قبل الوصية. وهذا مجمع عليه.
وتمسك الشافعي بالآية في تقديم دَيْن الزكاة والحج على الميراث، فقال: إن

٦١٩
لُعُ (٤) - الْشَاءِ: ١١/٤-١٢
الرجل إذا فرَّط في زكاته، وجب أخذ ذلك من رأس ماله؛ لأنه حق من
الحقوق، فيلزم أداؤه عنه بعد الموت لحقوق الآدميين، لا سيما والزكاة
مصرفها إلى الآدمي. وقال أبو حنيفة ومالك: إن أوصى بها أديت من ثلثه،
وإن سكت عنها لم يخرج عنه شيء، حتى لا يترك الورثة فقراء.
١٥ - قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُنْ نَفْعًا﴾ قيل: في الدنيا
بالدعاء والصدقة، كما جاء في الأثر: ((إن الرجل ليُرفع بدعاء ولده من بعده))
وفي الحديث الصحيح عند مسلم وغيره: ((إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من
ثلاث - فذكر - أو ولد صالح يدعو له)). وقيل: في الآخرة، فقد يكون الابن
أفضل فيشفع في أبيه.
وفي الجملة: إن الآباء والأبناء ينفع بعضهم بعضاً في الدنيا بالتناصر
والمواساة، وفي الآخرة بالشفاعة. وإذا تقرر ذلك في الآباء والأبناء تقرر ذلك
في جميع الأقارب.
١٦ - ليس في الفرائض موضع يكون فيه الذكر والأنثى سواء إلا في ميراث
الإخوة للأم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ
شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِ﴾ هذا التشريك يقتضي التسوية بين الذكر والأنثى وإن
کثروا.
١٧ - الضرر والإضرار حرام وهو في الوصية من الكبائر، وكذا في
الدين، قال تعالى: ﴿غَيِّرَ مُضَارٍ﴾ والإضرار راجع إلى الوصية والدين، أما
رجوعه إلى الوصية فبأن يزيد على الثلث أو يُوصي لوارث، فإن زاد فإنه یرد
إلا أن يجيزه الورثة؛ لأن المنع لحقوقهم لا لحق الله تعالى. وإن أوصى لوارث
فإنه يرجع ميراثاً. وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز.
وأما رجوعه إلى الدين فبالإقرار في حالة لا يجوز له فيها، كما لو أقر في
مرضه لوارثه أو لصديق ملاطف، فذلك لا يجوز. وأجمع العلماء على أن

٦٢٠
لُحُ (٤) - الشَّاءِ: ١٣/٤-١٤
إقراره بدين لغير وارث حال المرض جائز إذا لم يكن عليه دَيْن في الصحة.
فإن كان عليه دين في الصحة ببينة وأقر لأجنبي بدين، فقالت طائفة منهم
الحنفية: يبدأ بدين الصحة. وقالت طائفة منهم الشافعي: هما سواء إذا كان
لغير وارث.
قال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر، ورواه عن النبي ◌َّه.
وروى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لقوله قال: ((إن الرجل أو المرأة
ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضارَّان في الوصية فتجب
لهما النار)). ومشهور مذهب مالك: أن الموصي لا يعد فعله مضارّة في ثلثه؛
لأن ذلك حقه، فله التصرف فيه كيف شاء.
١٨ - قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيٌ﴾ يعني عليم بأهل الميراث، حليم
على أهل الجهل منكم.
حدود الله تعالی
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
﴿ وَمَّنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا
وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيرٌ
١٤
القراءات:
(يُدخِلْهُ﴾: قرئ:
١- بالنون، وهي قراءة نافع، وابن عامر.
٢- بالياء، وهى قراءة الباقين.