النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ اِلُعُ (٤) - التَّاءِ: ٥/٤-٦ أَمْوَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَّهِمْ أَمْوَمْ﴾. وأضاف تعالى أموال السفهاء إلى الأوصياء للحث على حفظها وعدم تضييعها؛ لأن مال السفيه مال الأمة. المفردات اللغوية: ﴿السُّفَهَآءَ﴾ جمع سفيه، وهو المبذر من الرجال والنساء والصبيان الذي ينفق ماله فيما لا ينبغي، ولا يحسن التصرف فيه. وأصل السفه: الاضطراب في العقل والسلوك. ﴿أَمْوَلَكُمُ﴾ أي أموالهم التي في أيديكم، وأضيفت إلى الأوصياء للحث على حفظها كما يحفظون أموالهم . ﴿قِيَمًا﴾ مصدر (قام) أي تقوم بها أمور معاشكم وصلاح أودكم . ﴿ وَأَزْزُقُهُمْ فِهَا﴾ أطعموهم منها. ﴿ وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا مَّتُوفًا﴾ عدوهم عدة جميلة بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا. والقول المعروف: ما تطيب به النفوس وتألفه. ﴿وَبْلُواْ﴾ اختبروا. ﴿اَلْيَمَ﴾ أي اختبروهم قبل البلوغ في دينهم وتصرفهم في أموالهم. ﴿حَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ صاروا أهلاً له بالاحتلام أو السن وهو استكمال خمس عشرة سنة عند الشافعي وأحمد . ﴿ءَانَسْتُ﴾ أبصرتم وتبينتم. ﴿رُشْدًا﴾ أي صلاحاً في التصرف في الأموال. والرشد عند الإمام الشافعي: صلاح الدين والمال. ﴿إِسْرَافًا﴾ مجاوزة الحد في التصرف في المال. ﴿ وَبِدَارًا﴾ مبادرة ومسارعة إلى الشيء، أي مبادرين إلى إنفاق الأموال قبل بلوغ الكبر. ﴿أَنْ يَكْبُرُواْ﴾ يصبحوا راشدين فيلزمكم تسليم أموالهم إليهم . ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي يعف عن مال اليتيم ويمتنع عن أكله. والعفة: ترك ما لا ينبغي من الشهوات . ﴿بِلْمَعْرُوفِ﴾ بقدر أجرة عمله. ﴿حَسِيبًا﴾ رقيباً حافظاً لأعمال خلقه ومحاسبهم. ۔ سبب النزول: نزول الآية (٦): ﴿وَأَبْلُوْ اَلْيَنَمَى﴾: نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه. وذلك أن رفاعة توفي ٥٨٢ لُ (٤) - النِشَاءِ: ٥/٤-٦ وترك ابنه ثابتاً وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي ◌َّ فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحلّ لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. المناسبة: أمر الله تعالى فيما سبق بإيتاء اليتامى أموالهم وبإعطاء النساء مهورهن، وهنا شرط للإيتاء شرطين يشملان الأمرين معاً وهما: عدم السفه، والاختبار محافظة على أموالهم. التفسير والبيان: ينهى الله تعالى عن تمكين السفهاء المبذرين من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس طريقاً لتقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها، ويدل النهي على الحجر على السفهاء إما بسبب الصغر، وإما بسبب الجنون، وإما بسبب سوء التصرف لنقص العقل أو الدين، وإما بسبب الفلس: وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها، فإذا طلب الغرماء من الحاكم الحجر عليه، حجر عليه. واختلف العلماء في تعيين المخاطبين بالآية وفي المراد من السفهاء، على أقوال أشهرها : إن المخاطبين بمنع السفهاء أموالهم إما أولياء اليتامى، والسفهاء: هم اليتامى مطلقاً أو المبذرون بالفعل أموالهم؛ وإما مجموع الأمة، ويشمل النهي كل سفيه، قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم: إن الخطاب لكل عاقل من الناس جميعاً، وإن المراد من السفهاء: النساء والصغار. والمقصود النهي عن إيتاء المال لمن لا رشد له من هؤلاء، فيشمل الصبي والمجنون والمحجور عليه للتبذير. ٥٨٣ الزُعُ (٤) - النِشَاءِ: ٥/٤-٦ وتكون إضافة الأموال على الرأي الأول إلى ضمير الأولياء المخاطبين، مع أنها أموال اليتامى للمبالغة في حملهم على المحافظة عليها، بتنزيل أموال اليتامى منزلة أموال الأولياء، لما بين الولي واليتيم من رابطة النسب. وتكون إضافة الأموال على الرأي الثاني إلى ضمير المخاطبين على حقيقتها. ومعنى قوله: ﴿الَّتِى جَعَلَ اللَّهُ لَكُنْ قِيَمًا﴾: أن الأموال قوام الحياة، وسبب إصلاح المعاش، وانتظام الأمور، فبالمال تتقدم الأمم وتبني صرح الحضارة، وبالمال يسعد الفرد والجماعة، وبه أيضاً يتحقق النصر على الأعداء. وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خير من أن احتاج إلى الناس. وعن سفيان، وكانت له بضاعة يتاجر بها، وقيل له: إنها تدنيك من الدنيا فقال: لئن أدنتني من الدنيا، لقد صانتني عنها. وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا، إنكم في زمان إذا احتاج أحدكم، كان أوّل ما يأكل دينَه(١). وجعل الأموال وسيلة إصلاح شؤون الحياة يقتضي تثميرها وتشغيلها وتنميتها لا اكتنازها وادخارها، كما يقتضي إدارتها بحكمة والاقتصاد في الإنفاق منها، كما سنَّ القرآن للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (﴾﴾ [الفرقان: ٦٧/٢٥]. وحث النبي ◌ُّ على الاقتصاد، روى أحمد عن ابن مسعود: ((ما عال من اقتصد)) وروى الطبراني والبيهقي عن ابن عمر: ((الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن العقل نصف العلم)). ومعنى قوله: ﴿وَأَزْزُقُهُمْ فِهَا وَأَكْسُوهُمْ﴾: اجعلوا أموالهم مكاناً لرزقهم وكسوتهم، بأن تتجروا فيها، فتكون النفقة من ثمرتها وربحها، لا من أصل (١) تفسير الكشاف: ٣٧٧/١ ٥٨٤ لُهُ (٤) - النِّسَاءِ: ٥/٤-٦ رأس المال، لئلا يأكله الإنفاق. وهذا مفهوم من جعل الأموال نفسها ظرفاً للرزق والكسوة، فقال: ﴿فِيهَا﴾ ولم يقل: ((منها)). ومعنى قوله: ﴿وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا مَّغُرُوفًا﴾: أن يقول كل ولي للمولى عليه كلاماً طيباً تطيب به نفسه، ويعده وعداً حسناً، كأن يقول للصغير: المال مالك، وما أنا إلا وكيل أمين عليه، وإذا كبرت رددته إليك. وإذا كان سفيهاً وعظه ونصحه، ورغبه في ترك التبذير والإسراف، وعرفه أن عاقبة ذلك الفقر والحاجة إلى الناس. والقول المعروف: كل ما اطمأنت إليه النفس لحسنه شرعاً، أو عقلاً من قول أو عمل. وأما المنكر: فهو ما أنكرته النفس لقبحه شرعاً أو عقلاً. ثم بعد الأمر بإيتاء أموال اليتامى بيَّن تعالى وقت الإيتاء ومقدماته، وهي الاختبار، فأمرنا أن نختبر اليتامى قبل الإيتاء، فإن بلغوا سن النكاح وهو بلوغ الحلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمْ﴾ أي الوصول إلى حد البلوغ وهو حد التكليف والتزام الأحكام الشرعية، وذلك إما بالاحتلام، أو مجيء الحيض عند الأنثى، أو بالسن وهو اكتمال خمس عشرة سنة في رأي الشافعي وأحمد، إذا بلغوا ذلك وأصبحوا راشدين أي يحسنون التصرف في أموالهم حفظاً وإدارة وتنمية، فسلموهم أموالهم، وإلا فاستمروا على الابتلاء (الاختبار) حتى تأنسوا منهم الرشد، ورأى أبو حنيفة: أنه يدفع المال إلى اليتيم إذا بلغ خمساً وعشرين سنة وإن لم يرشد، للآية المتقدمة: ﴿وَءَاتُواْ الَّْ أَهُمْ﴾ ولأن من بلغ مبلغ الرجال واعتبر إيمانه وكفره، فمنع ماله عنه أشبه شيء بالظلم، وفيه إهدار لكرامته الإنسانية وآدميته. لكن ظاهر الآية أنه لا تدفع إليهم أموالهم، ولو بلغوا، ما لم يؤنس منهم الرشد، وهو مذهب الجمهور. والاختبار في رأي أبي حنيفة والشافعي يكون قبل البلوغ بدليل الغاية: ﴿حَتَّى﴾. وفي رأي مالك: يكون بعد البلوغ. ٥٨٥ لُحُ (٤) - التِشَكَّاءِ: ٥/٤-٦ ورتب أبو حنيفة على ذلك أن تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة؛ لأن ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له الولي في البيع والشراء مثلاً، وذلك يقتضي صحة التصرف. وقال الشافعي: الاختبار لا يقتضي الإذن في التصرف ولا يتوقف عليه، بل يكون الاختبار بدون التصرف على حسب ما يليق بحال الصبي، فابن التاجر مثلاً يختبر بالبيع والشراء إلى ما قبل إبرام العقد، وحينئذ يعقد الولي إن أراد. ولو جاز إذن الصبي في التصرف بالفعل لجاز دفع المال إليه وهو صبي؛ لأن سبب منع ماله عنه يقتضي عدم صحة تصرفه. وأيضاً تصرف الصبي في ماله يتوقف على دفعه إليه، ودفعه إليه متوقف على شرطين: بلوغه ثم رشده. والرشد عند الشافعي: صلاح الدين والمال. وعند الجمهور: صلاح المال فقط. ثم نهى الله تعالى الأولياء فقال: ولا تأكلوا أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية مبادرة ومسارعة قبل بلوغهم، أي مسابقين الكبر في السن التي بها يأخذون أموالهم منكم. أما من كان محتاجاً مضطراً إلى الأكل من مال اليتيم بلا إسراف ولا مبادرة خوف أخذه قبل البلوغ، مقابل عمله وإشرافه: فإن كان غنياً غير محتاج إلى شيء من مال اليتيم الذي تحت ولايته، فليعفَّ عن الأكل من ماله، ومن كان فقيراً فليأكل من مال اليتيم بقدر حاجته الضرورية من سد الجوعة، وستر العورة. ٠ ويؤيده ما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو أن رجلاً سأل رسول الله وَالت، فقال: ليس لي مال، ولي يتيم؟ فقال: ((كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالاً، ومن غير أن تقي مالك - أو قال - تفدي مالك بماله)). ٥٨٦ الُ (٤) - النَّاءِ: ٥/٤-٦ واستدل الجصاص(١) بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبُواْ﴾ على أن اليتيم إذا صار في حد الكبر، استحق المال إذا كان عاقلاً، من غير شرط إيناس الرشد؛ لأنه إنما شرط إيناس الرشد بعد البلوغ. واستدل بالآية أيضاً على أنه لا يجوز للولي إمساك مال اليتيم بعد ما يصير في حد الكبر، ولولا ذلك لما كان لذكر الكبر ههنا معنى، إذ كان الوالي عليه هو المستحق لماله قبل الكبر وبعده، فهذا يدل على أنه إذا صار في حد الكبر استحق دفع المال إليه. وجعل أبو حنيفة حد الكبر في ذلك خمساً وعشرين سنة؛ لأن مثله يكون جَدّاً، ومحال أن يكون جداً، ولا يكون في حد الكبار. وقال الشافعية: إن المراد من قوله: ﴿أَنْ يَكْبُواْ﴾ أن يبلغوا راشدين عملاً بقوله تعالى: ﴿حَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُ مِنْهُمْ رُشْدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَّ﴾ وعبر عن ذلك بالكبر؛ لأن الغالب أن من بلغ حد الرجال، كان رشيداً. وتساءل العلماء، هل ما يأكله الولي من مال اليتيم يعد أجرة أو لا؟ يرى الحنفية أنه ليس بأجرة. وقال آخرون: إنه أجرة ولم يفرق بين الغني والفقير، كما هو القياس في كل عمل يقابل بأجر، وحينئذ يكون الأمر في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌ﴾ محمولاً على الندب، كما هو اللائق بمحاسن العادات. والقاعدة الفقهية تقتضى أن تكون هذه الأجرة مقدرة بأجر المثل، سواء أكفت الولي أم لا(٢). ثم بين الله تعالى طريقة الدفع وهي: فإذا دفعتم أيها الأولياء والأوصياء الأموال إلى اليتامى، فأشهدوا عليهم بقبضها، وبراءة ذمتكم منها؛ لأن هذا الإشهاد - بعد رعاية الشرطين السابقين: البلوغ ثم الرشد - أبعد عن التهمة، وأنفى للخصومة، وأدخل في الأمانة. (١) أحكام القرآن: ٦٣/٢ وما بعدها. (٢) تفسير الألوسي: ١٨٨/٤ . ٥٨٧ الُعُ (٤) - النِّسَاءِ: ٥/٤-٦ وهذا الإشهاد عملاً بظاهر الآية واجب عند المالكية والشافعية؛ إذ أن تركه يؤدي إلى التخاصم والتقاضي، والأمر يقتضي الوجوب، وجعله الحنفية مندوباً، وصرفه عن الوجوب أن الوصي أمين، والأمين إذا ادعى الرد على من ائتمنه صدّق بيمينه. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ يشهد لهم في عدم لزوم البينة، فإن معناه: أنه لا شاهد أفضل من الله تعالى فيما بينكم وبينهم، وهذا مروي عن سعيد بن جبير. وهل يصدَّق الوصي إذا ادعى أنه دفع المال إلى اليتيم بعد البلوغ، وهل يصدق فيما ينفقه حال الصغر؟ قال الإمامان مالك والشافعي: لا يصدق؛ لأن الوصي غير مالك. وقال الإمام أبو حنيفة وأصحابه: يصدق؛ لأن الوصي أمين، والأمين يصدق بيمينه ما دام أميناً. ثم ختم تعالى الآية بتقرير رقابته على كل الأمور صغيرها وكبيرها، فذكر أنه كفى الله حسيباً أي رقيباً عليكم، يحاسبكم على ما تسرون وما تعلنون. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية ﴿ وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ﴾ على ما يأتي: اً - النهي عن تضييع المال ووجوب حفظه وتدبيره، وحسن القيام عليه، حيث قد جعله الله تعالى سبباً في إصلاح المعاش وانتظام الأمور. أَ - وجوب الحجر على السفهاء المبذرين من وجهين: أحدهما - منعهم من أموالهم، وعدم جواز دفع أموالهم إليهم. والثاني - إجازة تصرفنا عليهم في الإنفاق عليهم من أموالهم وشراء أقواتهم وكسوتهم، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا ٥٨٨ لُهُ (٤) - النِّشَاءِ: ٥/٤-٦ أَوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢/٢] فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف. ◌َّ - السفهاء إما اليتامى أو المبذرون بالفعل، وإما النساء والصبيان، والمعنى الجامع المروي عن أبي موسى الأشعري: كل من يستحق الحجر، وهو كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال وحسن التصرف فيه، ويدخل فيه الصبي والمجنون والمحجور عليه للتبذير. واختلف العلماء في أفعال السفيه قبل الحجر عليه، فقال مالك وجميع أصحابه غير ابن القاسم: إن فعل السفيه وأمره كله جائز حتى يضرب الإمام على يده، وهو قول الشافعي وأبي يوسف. وقال ابن القاسم: أفعاله غير جائزة وإن لم يضرب الإمام على يده. واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال جمهور الفقهاء: يحجر عليه. وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلاً إلا أن يكون مفسداً لماله، فإذا كان كذلك مُنِعٍ من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فإذا بلغها سُلُّم إليه بكل حال، سواء كان مفسداً أو غير مفسد؛ لأنه يمكن أن يتزوج لاثنتي عشرة سنة، وتحمل زوجته، ثم يولد له لستة أشهر، فيصير جَدَّاً وأباً، وأنا أستحي أن أحجر على من يصلح أن يكون جَدَّاً. ويرده ما رواه الدارقطني عن عثمان أنه أجاز الحجر على الكبير وهو عبد الله بن جعفر الذي ولدته أمه بأرض الحبشة، وهو أول مولود وُلد في الإسلام بها، وقدِم مع أبيه على النبي ◌َّ عام خيبر، فسمع منه وحفظ عنه، وكانت خيبر سنة سبع من الهجرة. ٤ - دل قول الله تعالى: ﴿وَأَرْزُقُوهُمْ فِهَا وَأَكْسُوهُمْ﴾ على وجوب نفقة الولد على الوالد، والزوجة على زوجها. وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ٥٨٩ لُ (٤) - النِّسَاءِ: ٥/٤-٦ ١ قال: قال النبي ◌َّه: ((أفضل الصدقة ما ترك غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إما أن تُطعمَني، وإما أن تطلِّقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني إلى من تَدَعُني)) قال المهلَّب: النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع. قال ابن المنذر: واختلفوا في نفقة من بلغ من الأبناء ولا مال له ولا كسب، فقالت طائفة: على الأب أن ينفق على ولده الذكور حتى يحتلموا، وعلى النساء حتى يتزوَّجن ويُدخل بهن. فإن طلقها بعد البناء أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها، وإن طلقها قبل البناء فهي على نفقتها. وقال مالك: ولانفقة لولد الولد على الجدّ. وقالت طائفة: ينفق على ولد ولده حتى يبلغوا الحلُمَ والمحيض، ثم لا نفقة عليه إلا أن يكونوا زَمْنى، وسواء في ذلك الذكور والإناث مالم يكن لهم أموال. وهذا قول الشافعي. وأوجبت طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين من الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد، لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام لهند فيما رواه الأئمة عن عائشة: ((خذي مايكفيك وولدَك بالمعروف)». ٥ - القول المعروف للمولى عليهم: وهو تليين الخطاب والوعد الجميل أو الحسن بأن ينصحهم الولي ويعظهم، ويقول لهم: إن رشدتم دفعنا إليكم أموالکم. وأرشدت الآية: ﴿وَبْلُواْ الْيَمَ﴾ إلى مايأتي: اً - اختبار الأيتام وتدريبهم على حسن التصرف بالأموال قبل دفع أموالهم إليهم. والاختبار يكون قبل البلوغ في رأي أبي حنيفة والشافعي. وبعد البلوغ في رأي مالك. ومعنى الاختبار قيل فيه: هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه، ويستمع إلى ٥٩٠ لُعُ (٤) - الْتَتَّاءِ: ٥/٤-٦ أغراضه، فيحصل له العلم بنجابته، والمعرفة بالسعي في مصالحه وضبط ماله، والإهمال لذلك. فإذا توسم الخير فلا بأس أن يدفع إليه شيئاً من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نماه وحسَّن النظر فيه فقد وقع الاختبار، ووجب على الوصي تسليم جميع ماله إليه. وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك ماله عنده. وقال الحسن ومجاهد وغيرهم: اختبروهم في عقولهم وأديانهم وتنمية أموالهم. اً - إيناس الرشد بعد البلوغ، والبلوغ يكون بخمسة أشياء: ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء وهي الاحتلام والسن والإنبات، واثنان يختصان بالنساء، وهما الحيض والحبل، فأما الحيض والحبل فلم يختلف العلماء في أنهما بلوغ، وأن الفرائض والأحكام تجب بهما. واختلفوا في الثلاث: فأما الإنبات والسن فقال الأوزاعي والشافعي وابن حنبل: خمس عشرة سنة بلوغ لمن لم يحتلم، بدليل أن النبي ◌َّ - فيما أخرجه مسلم - أجاز ابن عمر في الجهاد يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، ولم يجزه يوم أُحُد؛ لأنه كان ابن أربع عشرة سنة. وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما : لا يُحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك سبع عشرة سنة؛ فيكون عليه حينئذ الحد إذا أتى ما يوجب عليه الحد. وفي رواية أخرى عن أبي حنيفة وهي الأشهر: تسع عشرة سنة. وأما الإنبات فمنهم من قال: يستدل به على البلوغ، وهو قول أحمد، وأحد قولي الشافعي ومالك. والقول الآخر: لابد من اجتماع الإنبات والبلوغ، قال أبو حنيفة: لا يثبت بالإنبات حكم، وليس هو ببلوغ ولا دلالة على البلوغ. ٣ - الرشد: هو في رأي الحسن البصري وقتادة وغيرهما: صلاح في العقل والدين. وفي رأي ابن عباس والسُّدِّي والثوري: صلاح في العقل وحفظ المال. ٥٩١ اِلُ (٤) - الَِّاءِ: ٥/٤-٦ وأكثر العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم، وإن شاخ لا يزول الحجر عنه، وهو مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة وزفر والنخعي: لا يحجر على الحر البالغ إذا بلغ مبلغ الرجال، ولو كان أفسق الناس وأشدهم تبذيراً إذا كان عاقلاً، واحتجوا بحديث أنس أن حبّان بن مُنقِذ کان یبتاع وفي عُقْدته(١) ضعف، فقيل: يا رسول الله، احجر عليه: فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف، فاستدعاه النبي وَل فقال: لا تبع، فقال: لا أصبر، فقال له: ((فإذا بايعت فقل: لا خلابة(٢)، ولك الخيار ثلاثاً)) فلم يحجر عليه مع أنه كان يغبن، فثبت أن الحجر لا يجوز. ورد القرطبي بقوله: وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأنه مخصوص بذلك، فغيره بخلافه. وقال الشافعي: إن كان مفسداً لماله ودينه، أو كان مفسداً لماله دون دينه حُجر عليه، والأظهر أنه إن كان مفسداً لدينه، مصلحاً لماله، حجر عليه أيضاً. ٤ - إن دفع المال للمحجور علیھم یکون بشرطين: إيناس الرشد والبلوغ، فإن وجد أحدهما دون الآخر لم يجز تسليم المال إليهم، بنص الآية، وهو قول جماعة الفقهاء إلا أبا حنيفة وزفر والنخعي، فإنهم أسقطوا إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين سنة، قال أبو حنيفة: لكونه جَدّاً. ورد ابن العربي(٣) بقوله: هذا ضعيف؛ لأنه إذا كان جداً، ولم يكن ذا جَدّ(٤)، فماذا ينفعه جَدّ النسب، وجدّ البخت فائت؟! (١) أي في رأيه ونظره في مصالح نفسه. (٢) أي لا خديعة. (٣) أحكام القرآن: ٣٢٢/١ (٤) الجد هنا الحظ والبخت. ٢ ٥٩٢ لُ (٤) - النِّسَاءِ: ٥/٤-٦ واختلف العلماء في دفع المال إلى المحجور عليه، هل يحتاج إلى السلطان أم لا؟ فقالت فرقة: لا بد من رفعه إلى السلطان، ويثبت عنده رُشْده ثم يدفع إليه ماله. وقالت فرقة: ذلك موكول إلى اجتهاد الوصي دون أن يحتاج إلى رفعه إلى السلطان. وإذا سلَّم المال إليه بوجود الرشد، ثم عاد إلى السفه بظهور تبذير وقلة تدبير عاد إليه الحجر عند المالكية، وعند الشافعية في قول. وقال أبو حنيفة: لا يعود؛ لأنه بالغ عاقل، بدليل جواز إقراره في الحدود والقصاص. ودليل الرأي الأول قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْثُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ﴾ وقوله عز وجل: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾. ويجوز للوصي أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه من تجارة وشراء وبيع، وعليه أن يؤدي الزكاة من سائر أمواله، ويؤدي عنه أروش (تعويضات) الجنايات وقيم المتلفات، ونفقة الوالدين وسائر الحقوق اللازمة، ويجوز أن يزوجه ويؤدي عنه الصداق. ٥ - نهى الله تعالى الأوصياء عن أكل أموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم، فلا يجوز لهم الإسراف والتبذير: وهو الإفراط ومجاوزة الحد. ٩ - أمر الله تعالى الغني بالإمساك عن أخذ شيء من مال اليتيم، وأباح للوصي أن يأكل من مال موليه بالمعروف. والأكل بالمعروف كما قال الحسن البصري: أن يأكل ما يسدّ جوعته، ويكتسي ما يستر عورته، ولا يلبس الرفيع من الكتان ولا الحُلل. بدليل إجماع الأمة على أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف؛ لأن الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله. لاً - أمر الله تعالى بالإشهاد عند دفع المال تنبيهاً على التحصين وزوالاً للتّھم. ٥٩٣ الجُزُ (٤) - النِّسَاءِ: ٧/٤-١٠ وهذا الإشهاد مستحب عند طائفة من العلماء؛ فإن القول قول الوصي؛ لأنه أمين. وقالت طائفة: هو فرض عملاً بظاهر الآية، وليس بأمين فيقبل قوله. ٨ - كما أن على الوصي والكفيل حفظ مال يتيمه وتثميره، كذلك عليه حفظ الصبي في بدنه، فالمال يحفظه بضبطه، والبدن يحفظه بأدبه. روي أن رجلاً قال للنبي وَله: إن في حجري يتيماً أآكل من ماله؟ قال: ((نعم غير متأثل(١) مالاً، ولا واقٍ مالك بماله)) قال: يا رسول الله، أفأضربه؟ قال: ((ما كنت ضارباً منه ولدك))(٢). ـة - كفى الله حاسباً لأعمال الناس ومجازياً بها، وفي هذا وعيد لكل جاحد حق. حقوق الورثة في التركة وحقوق المحتاجين والأيتام والقرابة غير الوارثين ﴿لِلِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلِسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَاْأَفْرَبُنَّ مِنَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَّ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُؤُلُواْ اَلْقُرْبَى وَالْيَشَى وَالْمَسَكِينُ فَرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (٣ج وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيَّهِمِّ فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ◌ُظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَبَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١) متأثل: جامع. (٢) قال ابن العربي (أحكام القرآن: ٣٢٧/١): وإن لم يثبت مسنداً فليس يجد أحد عنه مُلْتَحداً، أي منصرفاً. ٠ ٥٩٤ لُ (٤) - الِشَّةِ: ٧/٤-١٠ القراءات: ﴿عَلَيْهِمْ﴾: وقرئ: (عليهُم) وهي قراءة حمزة. (وَسَيَصْلَوْنَ﴾: وقرئ: (وسيُصلون) وهي قراءة ابن عامر. الإعراب: ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ منصوب بفعل مقدر دلّ عليه الكلام؛ لأن قوله تعالى: (لِّلِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ ﴿وَلِلِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ معناه: جعل الله لهم نصيباً مفروضاً. ويصح كونه حالاً، وهو أولى من التقدير. ﴿ فَأَرْزُقُوُهُم مِّنْهُ﴾ الهاء في ﴿مِّنْهُ﴾ تعود إلى القسمة، وإن كانت القسمة مؤنثة؛ لأنها بمعنى المقسوم، فلهذا عاد إليها الضمير بالتذكير، حملاً على المعنى، وهذا كثير في كلام العرب. البلاغة: يوجد طباق بين قوله: ﴿قَلّ﴾ ويوجد إطناب في قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلْنِسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْتُونُ المفردات اللغوية: (لِّلِّجَالِ﴾ الأولاد والأقرباء. ﴿نَصِيبٌ﴾ حظ. ﴿مِّمَا تَرَكَ اُلْوَلِدَانِ وَاْأَقْرَبُونَ﴾ المتوفون. ﴿مِمَا قَلَّ مِنْهُ﴾ أي من المال. ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ أي جعله الله نصيباً مقطوعاً بتسليمه إليهم . ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ للميراث. ﴿ أُوْلُواْ أَلْقُرْبَ﴾ ذوو القرابة غير الوارثين. ﴿فَأَرْزُقُوُهُم مِّنْهُ﴾ شيئاً قبل القسمة. ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ﴾ أيها الأولياء للورثة الصغار. ﴿قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ جميلاً بأن تعتذروا إليهم أنكم لا تملكونه، وأنه للصغار. وهذا الإعطاء ندب، وعن ابن عبّاس: واجب. ٥٩٥ الُهُ (٤) - التَّةِ: ٧/٤-١٠ ﴿وَلْيَخْشَ﴾ ليخف على اليتامى، الخشية: الخوف مع تعظيم المخوف حال الأمن. ﴿لَوْ تَرَّكُواْ﴾ أي قاربوا أن يتركوا. ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي بعد موتهم. ﴿ذُرِيَّةً ضِعَفًا﴾ أولاداً صغاراً. ﴿خَافُواْ عَلَيْهِمٌ﴾ الضياع. ﴿فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ في أمر اليتامى وليأتوا إليهم ما يحبون أن يفعل بذريتهم من بعدهم . ﴿ وَلَيَقُولُوا﴾ لمن حضرته الوفاة. (سَدِيدًا﴾ صواباً محكماً، والمراد موافقاً للدين(١). ﴿ظَلْمًا﴾ بغير حق . ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ﴾ سيحرقون، من أصلاه: أراد إحراقه، ومنه صلى اللحم: شواه، وصلى يده: أدفأها، واصطلى: استدفأ. ﴿سَعِيرًا﴾ ناراً مستعرة مشتعلة. سبب النزول: نزول الآية (٧): ﴿لِّلِّجَالِ نَصِيبٌ﴾: أخرج أبو الشيخ (أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر ابن حيان الأصفهاني المولود سنة ٢٧٤ هـ) وابن حبّان في كتاب الفرائض عن ابن عبَّاس قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ولا الصغار الذكور حتى يدركوا فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن الثابت، وترك ابنتين وابناً صغيراً، فجاء ابنا عمه: خالد وعَرْفَطة(٢)، وهما عصبة، فأخذا ميراثه كله، فأتت امرأته أم كحلة(٣) رسول الله وَلير، فذكرت له ذلك، فقال: ما أدري ما أقول، فنزلت: ﴿لِلِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عبّاس سبباً آخر لنزول الآية مفاده أن الآية أمر لمن حضر المريض من العواد عند الإيصاء أن يذكره بالوصية (١) والسِّداد (بالكسر): ما يسد به الشيء كالثغر (موضع الخوف من العدو) والقارورة. ومن قولهم: فيها سِداد من عَوَز: أي فيها الكفاية. (٢) في بعض الكتب كالقرطبي: عرفجة وسُوَيد. (٣) في تفسير ابن كثير: أم كُّة، وفي تفسير القرطبي: أم كُجَّة. ٥٩٦ لُعُ (٤) - الْتَشَاءِ: ٧/٤-١٠ لذوي قرابته الذين لا يرثون، يوصي لهم بالخمس أو الربع، ولا يأمره بالتصدق من ماله، أو بالإعطاء منه في سبيل الله. نزول الآية (١٠): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾: قال مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من غطفان يقال له: مرثد بن زيد، وَلي مال ابن أخيه، وهو يتيم صغير، فأكله، فأنزل الله فيه هذه الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى حرمة أكل أموال اليتامى وأمر بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا، أكّد تحريم أكلها، وأوضح أن المال الموروث الذي يحفظه الأولياء لليتامى يشترك فيه الرجال والنساء، وقد كانوا في الجاهلية لا يورّثون النساء والأولاد الصغار، ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح وحاز الغنيمة. قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئاً، فأنزل الله: ﴿لِّلِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ اُلْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾. التفسير والبيان: إذا كان لليتامى مال مما تركه الوالدان والأقربون، فهم فيه سواء، لا فرق بين الذكور والإناث، ولا فرق بين كونه كثيراً أو قليلاً، فالجميع فيه سواء في حكم الله تعالى مهما قلّ المال، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم، بما يدلي به إلى الميت من قرابة أو زوجية. ثم أكد تعالى هذا الحق للجميع بقوله: ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ للدلالة على أنه حق معين محتوم مقطوع به، ليس لأحد إنقاصه. ٥٩٧ لُعُ (٤) - النَشَاءِ: ٧/٤-١٠ ثم عالج القرآن الكريم ناحية نفسية وهي كراهية حضور الأقارب مجلس قسمة التركة، فقرر أنه إذا حضر قسمة التركة أحد من ذوي القربى للوارثين واليتامى والمساكين، فأعطوهم شيئاً من المال ولو قليلاً، وقولوا لهم قولاً حسناً واعتذاراً جميلاً يهدئ النفوس، وينتزع الحقد والسخيمة، ويستأصل الحسد من النفس. والمراد بالقسمة: قسمة التركة بين الورثة، وأولو القربى: من لا يرثون لكونهم محجوبين أو لكونهم من ذوي الأرحام، والمأمور بهذا هو الولي أو اليتيم عند البلوغ وتسلم المال. والضمير في قوله: ﴿فَأَرْزُقُوُهُم مِّنْهُ﴾ يرجع إلى ما ترك الوالدان والأقربون، أو إلى القسمة بمعنى المقسوم باعتبار معناها، لا باعتبار لفظها مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن ◌ِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ١٢/ ٧٦] أي السقاية. وذهب جمهور المفسرين منهم ابن عباس وسعيد بن جبير إلى أن الآية محكمة غير منسوخة، وأن الأمر بالإعطاء للوجوب، عملاً بظاهر الأمر، وقد هجره الناس، كما هجروا الاستئذان عند دخول البيوت، والمخاطب بهذا الوارث الكبير وولي الصغير. وقال الحسن البصري والنّخعي: الأمر منصب على الأعيان المنقولة، وأما الأرضون فلا يعطون منها شيئاً، وإنما يكتفى بالقول المعروف. وذهب فقهاء الأمصار إلى أن هذا الإعطاء مندوب طولب به الكبار من الورثة؛ لأنه لو كان لهؤلاء حقّ معين لبيّنه الله تعالى كما بيَّن سائر الحقوق، وحيث لم يبيِّن علمنا أنه غير واجب. وأيضاً لو كان واجباً لتوافرت الدواعي على نقله لشدة حرص الفقراء والمساكين، ولو كان ذلك لنقل إلينا على سبيل التواتر، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس بواجب. وقال سعيد بن المسيب والضّحاك وابن عباس في رواية عطاء عنه: الآية منسوخة بآية المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾ إلخ. ٥٩٨ لِلُزُ (٤) - الِشَاءِ: ٧/٤-١٠ وعلاجاً لمرض نفسي آخر وهو تحامل النفس كثيراً على اليتيم والقسوة عليه، أمر الله الأولياء والأوصياء القائمين على اليتامى بالقول السديد لهم بأن يكلموهم كأولادهم بالأدب الحسن، والمناداة لهم بكلمة: يا ابني أو يا ولدي ونحو ذلك، وليتذكروا أنهم مقاربون أن يتركوا أولادهم من بعد موتهم، ويخافوا عليهم الإهمال والضياع، وليتقوا الله في اليتامى الذين يلونهم، فيعاملونهم بمثل ما يحبون أن تعامل به ذريتهم الضعاف بعد وفاتهم. ويكون المقصود بالآية حث الأولياء على حفظ أموال اليتامى وإحسان القول إليهم، بتذكيرهم حال أنفسهم وذرياتهم من بعدهم ليتصوروها ويعتبروا بها، وذلك من أقوى البواعث على العظة والاعتبار، فالإنسان كما يدين يدان، وهو مطالب بأن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به. وتكون الآية مرتبطة بما قبلها؛ لأن قوله تعالى: ﴿لِلْرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ في معنى الأمر للورثة، أي أعطوهم حقهم، وليحفظ الأوصياء ما أُعطوه، ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم. ثم أكّد الله تعالى الأوامر والنواهي السابقة وقررها وذكّر بالعقاب الشديد لمن يأخذ مال اليتيم ظلماً بغير حق، وهو دخول النار وإحراقهم بها، وهي نار مستعرة شديدة الإحراق، وقودها الناس والحجارة، وقانا الله منها. وذكر البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها يقصد به إما ملء بطونهم ناراً للنهاية، وإما للتأكيد والمبالغة، كما في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم ◌َا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧/٣]، والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله: ﴿ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦/٢٢]، والقلوب لا تكون إلا في الصدور، وقوله: ﴿وَلَا طَِّرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨/٦]، والطير لا يطير إلا بجناحين، الغرض من ذلك كله التأكيد والمبالغة، كما أن فيه تبشيعاً لأكل مال اليتيم في حالة الظلم. ٥٩٩ لُ (٤) - الشكّاءِ: ٧/٤-١٠ وفي تقييد الأكل بحالة الظلم دلالة على مشروعية أخذ مال اليتيم بحق، كأجرة العمل، والقرض مثلاً، وذلك لا يعدّ ظلماً ولا الآكل الآخذ ظالماً. والتعبير بالأكل يقصد به جميع وجوه الانتفاع والإتلاف والاستهلاك، ولكن عبَّر به لأنه أهم حالات الانتفاع. والتعبير بكلمة ﴿نَارًا﴾ عند جمهور المفسرين على طريق المجاز المرسل، من قبيل ذكر المسبب وإرادة السبب؛ لأن الإشارة في الآية إلى أكل واحد. وظاهر الآية أن الحكم عام لكل من يأكل مال اليتيم، سواء أكان مؤمناً أم كافراً. وإذا قيل بأن الآية نزلت في أهل الشرك فخصوص السبب لا يخصص، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وورد في بعض الأخبار أنه لما نزلت هذه الآية، تحرّز الناس من مخالطة اليتامى، حتى شق ذلك على اليتامى أنفسهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠/٢]. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآية: ﴿لِّلِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ على ما يأتي: ١ - قال المالكية: في هذه الآية فوائد ثلاث: إحداها - بيان علّة الميراث وهي القرابة. الثانية - عموم القرابة كيفما تصرَّفت من قريب أو بعيد. الثالثة - إجمال النصيب المفروض، وذلك مبين في آية المواريث؛ فكان في هذه الآية توطئة للحكم، وإبطال لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيان الشافي(١). (١) تفسير القرطبي: ٤٦/٥ ٦٠٠ الُهُ (٤) - النَشَاءِ: ٧/٤-١٠ ٢ - إثبات الحق المقرر في الميراث لكل من الرِّجال والنّساء، إبطالاً لعادة أهل الجاهلية الذين كانوا يورثون الرِّجال، ويحرمون النساء والصغار، فالمراد من الرّجال في الآية: الذكور البالغون، والمقصود من الوالدين: الأب والأم بلا واسطة، ومن النساء: الإناث البالغات. ويكون معنى الآية: للذكور البالغين نصيب مما ترك آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم كإخوتهم وأخواتهم وأعمامهم وعماتهم، وللإناث البالغات كذلك نصيب مما ترك آباؤهن. فالإرث مشترك بين الرِّجال والنِّساء. وهذا القول فيه إبقاء للآية على ظاهرها، ويكون القصد من الآية إلغاء عادة الجاهلية. والتّنصيص على النساء اعتناء بشأنهن، وتقرير لأصالتهن في استحقاق الإرث، ومبالغة في إبطال حكم الجاهلية بتخصيص الإرث في الرِّجال لأنهم المحاربون الغازون. وعمم بعض العلماء الحكم في الرّجال والنّساء، فجعل المراد من الرّجال: الذّكور مطلقاً، سواء أكانوا كباراً أم صغاراً، والمراد من النساء: الإناث مطلقاً، ويكون المراد التّسوية بين الذكور والإناث في أن لكلٍّ منهما حقّاً فيما ترك الوالدان والأقربون. وهذا ما أميل إليه. ٣ - تدلّ الآية للحنفيّة القائلين بتوريث ذوي الأرحام؛ لأن العمات والخالات وأولاد البنات من الأقربين، فوجب إثبات حق الإرث لهم المقرر بقوله تعالى: ﴿مِّمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾. ٤ - حق الإرث ثابت في قليل التركة وكثيرها، وهو حق مشاع لجميع الورثة، لا يختص بعضهم بشيء من الأموال كالسيف والخاتم والمصحف واللباس البدني. ودلّ قوله تعالى أيضاً: ﴿مِمَّا قَلَ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ على إثبات حق الإرث للبنات، وأما مقدار الحق، فأبانته آيات المواريث الأخرى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِىّ