النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
لُرُ (٤) - آلِعَتْرَانَ: ١٦١/٣-١٦٤
وفي تحريم الغلول دليل على اشتراك الغانمين في الغنيمة، فلا يحل لأحد أن
يستأثر بشيء منها دون الآخر، فمن غصب شيئاً منها أُدِّب اتفاقاً.
ومن الغلول: هدايا العمال أو الولاة، وحكمه في الفضيحة في الآخرة
حكم الغالّ، بدليل حديث ابن اللتبية عند مسلم في صحيحه وأبي داود الذي
فيه: ((لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيراً فلهُ
رغاء، وإن كانت بقرة فلها خوار أو شاه تيعر(١))) وروى أبو داود عن بريدة
عن النبي ◌َّ قال: ((من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً، فما أخذ بعد ذلك
فهو غُلول)».
ومن الغلول: حبس الكتب عن أصحابها، ويدخل غيرها في معناها.
أَ - من اتبع شرع الله بترك الغلول والصبر على الجهاد له في الجنة رتبة،
وتتفاوت درجات الطائعين. ومن عصى الله بكفر أو غلول أو تولى عن النبي
وَيقر في الحرب، له في النار رتبة، وتتفاوت دركات العصاة.
٣ - إن بعثة النبي ◌َ ◌ّ تدل على عظيم مِنَّة الله تعالى، وخصائص النبي
ومهامه تقتضي مبادرة العرب خاصة والناس كافة إلى الإيمان برسالته واتباع
شريعته، فهو من أقحاح العرب من بني إسماعيل، وهو معلّم الكتاب
والحكمة، وهو مزكي النفوس ومطهرها من أدناس الجاهلية وأرجاسها في
العقيدة والأخلاق ونظام الحياة. وليس أدل على فضله من تحول العرب بدعوته
من الجاهلية الجهلاء إلى نور العلم والعرفان.
(١) اليعار: صوت الغنم والمعزى.

٤٨٢
الزُعُ (٤) - آل عمران: ١٦٥/٣-١٦٨
بعض أخطاء المؤمنين في غزوة أحد
وبعض قبائح المنافقين
﴿ أَوَ لَمَّآ أَصَبَتَّكُم ◌ُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيَّهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندٍ
وَمَآ أَصَبَكُمْ يَوْمَ اُلْتَقَى الْجَمْعَانِ فَإِذْنِ
١٢٥
أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ لَـ
أَوِ أَدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّأَنَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ
لِلْإِيمَنِّ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم ◌َا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (9) اُلَّذِينَ
قَالُوْ لِإِخْوَنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ قُلْ فَادْرَءُواْ عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن
كُنْتُمْ صَدِقِينَ
١٦٨١
القراءات:
﴿وَقِيلَ﴾: قرئ: بإشمام كسرة القاف الضم، وهي قراءة الكسائي.
﴿قُتِلُواْ﴾: قرئ بتشديد التاء، وهي قراءة ابن عامر.
الإعراب:
﴿الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف
تقديره: هم الذين أو منصوب من ثلاثة أوجه: أن يكون وصفاً للذين في
قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اُلَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ أو بدلاً منهم، أو على تقدير: أعني.
البلاغة:
﴿أَنَّى هَذَا﴾ استفهام إنكاري.
يوجد طباق بين ﴿لِلْكُفْرِ﴾ و﴿لِلْإِيمَنِّ﴾.

٤٨٣
الُعُ (٤) - آل عمران: ١٦٥/٣-١٦٨
ويوجد جناس اشتقاق في قوله: ﴿ أَصَبَتَّكُمْ تُصِيبَةٌ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿أَوَ لَمَّ أَصَبَتَّكُمْ قُصِيبَةٌ﴾: ما أصابهم بأُحد من غلبة المشركين عليهم
وقتل سبعين منهم أي من المسلمين ﴿قَدّ أَصَبْتُ مِثْلَيَّهَا﴾ أي ما وقع لهم ببدر
بقتل سبعين من المشركين، وأسر سبعين منهم . ﴿قُلّثُمْ﴾ متعجبين. ﴿أَنَّ﴾ أي
من أين لنا هذا، وهو تركيب يفيد التعجب، أي كيف يكون لنا هذا
الخذلان، ونحن مسلمون، ورسول الله فينا؟ ويراد بهذه الجملة الاستفهام
الإنكاري.
﴿قُلّ﴾ لهم. ﴿هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ أي من شؤم معصيتكم، لأنكم تركتم
المركز فخذلتم. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومنه النصر، وقد جازاكم،
بسبب مخالفتكم أمر النبي ٹۇ.
﴿ اَلْجَمْعَانِ﴾ جمع المؤمنين، وجمع المشركين. ﴿فَإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بإرادته الأزلية
وقضائه السابق بارتباط الأسباب بمسبباتها .﴿فَأَدْرَءُوا﴾ فادفعوا عن أنفسكم.
﴿إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ في دفع المكاره بالحذر وأن القعود ينجي من الموت.
سبب النزول:
نزول الآية (١٦٥):
﴿أَوَ لَمَّ أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ
أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن
الخطاب قال: عوقبوا يوم أحد بما صنعوا يوم بدر، من أخذهم الفداء، فقتل
منهم سبعون، وفرَّ أصحاب النبي وَّ، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة
(الخوذة) على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَبَتَّكُمْ
مُصِيبَةٌ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ قال: بأخذ الفداء.

٤٨٤
الُعُ (٤) - آل عمران: ١٦٥/٣-١٦٨
المناسبة:
تستمر الآيات في بيان الأخطاء يوم أحد، ففي الآيات السابقة أبان
سبحانه نسبة المنافقين الخيانة والغلول من المغنم إلى النبي وَل ثم تبرئته من
ذلك، وهذه الآيات تبين أخطاء الغزاة قبل هذه الوقعة وبعدها وتصوراتهم
المنافية للواقع وأقوالهم وأفعالهم المغلوطة.
التفسير والبيان:
هذه الآية معطوفة على ما مضى من قصة أحد من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
صَدَفَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾. ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف، كأنه قيل:
أفعلتم كذا، وقلتم حينئذ كذا: أنى هذا، من أين هذا، وهو كقوله تعالى:
﴿ أََّ لَكٍ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧/٣].
والمعنى أنتم السبب فيما أصابكم لاختياركم الخروج من المدينة أو
لتخليتكم المركز في جبل الرماة، وعن علي رضي الله عنه: لأخذكم الفداء من
أسارى بدر قبل أن يؤذن لكم.
والهمزة في قوله: ﴿أَوَ لَمَّآ﴾ للتقرير والتقريع، فلا ينبغي لكم أيها
المنافقون والغزاة أن تعترضوا وتقولوا تعجباً: كيف ومن أين جرى علينا هذا
أو من أين حدث لنا هذا المصاب؟ وهو ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين
منهم، كأنهم يظنون أن النصر دائماً في جانب المسلمين مهما عصوا وخالفوا
أوامر الله، مع أنهم أصابوا من المشركين في بدر ضعفي هذا العدد، فقتلوا
منهم سبعين وأسروا سبعين.
ثم أجابهم سبحانه وتعالى عن تساؤلهم موبخاً ومقرعاً: إن ما وقع حدث
بشؤم مغضيتكم، وبسبب عصيانكم لرسول الله والقر حين أمركم ألا تبرحوا
مكانكم، فعصيتم أيها الرماة.

٤٨٥
لُ (٤) - آل عمران: ١٦٥/٣-١٦٨
وكانت أوجه العصيان كثيرة: الخروج من المدينة وكان من رأي النبي وَله
البقاء فيها، وفشلكم وضعف رأيكم، وتنازعكم، وعصيانكم أوامر الرسول
عليه الصلاة والسلام بمفارقة المكان الذي طلب منكم الوقوف فيه لحماية
ظهور المقاتلين. ومن المعلوم أن العقوبات نتائج لازمة للأعمال، وأن الله
وعدكم النصر بشرط ترك المعصية واتباع أوامر الله والرسول وقوله: ﴿إِن نَنصُرُواْ
اَللَّهَ يَنَصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧/٤٧].
إن الله على كل شيء قدير، أي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب
لحكمه، فهو القادر على نصركم لو ثبتم وصبرتم، وهو القادر على حجب
النصر عنكم إن خالفتم وعصيتم، وذلك كله خاضع لقانون ربط الأسباب
بالمسببات، وليس هناك شيء خارج عن القدرة الإلهية.
ثم أشار الله تعالى معزياً ومسلياً إلى أن كل ما أصابكم أيها المؤمنون يوم
التقاء الجمعين: جمع المسلمين وجمع المشركين في أحد، فبإذن الله وإرادته
وقضائه وقدره، وله الحكمة في ذلك، فما من شيء في الوجود إلا وهو خاضع
لإرادته وحکمته.
ومن مظاهر الحكمة: أن يظهر الله علمه بحال المؤمنين من قوة الإيمان
وضعفه، والصبر والثبات وعدمه، فيعلم الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا،
ويعلم المنافقين أصحاب عبد الله بن أبي بن سلول الذين رجعوا معه في
الطريق، وكانوا ثلاث مئة رجل.
هؤلاء المنافقون إذا دعوا إلى القتال في سبيل الله، أو إلى الدفاع عن النفس
والأهل والوطن، أجابوا: لو نعلم أنكم تلقون قتالاً في غزوتكم لاتبعناكم
وسرنا معكم، ولكننا نعلم أنكم لا تقاتلون. وهذا يدل على تأصل النفاق في
قلوبهم، وأن غايتهم التلبيس والتدليس والاستهزاء وتعمية الحقائق، مع أن
جمع المشركين في أحد وخروج المسلمين لمقابلتهم قرينة قاطعة على إرادة القتال.

٤٨٦
الُ (٤) - آلِعَثْرَانَ: ١٦٥/٣-١٦٨
روي أن الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه الذين خرجوا من
المدينة في جملة الألف الذين خرج بهم رسول الله وَالل، ثم رجعوا من الطريق،
وهم ثلاثمائة ليخذلوا المسلمين ويوقعوا فيهم الهزيمة.
إنهم بمقالتهم هذه: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا﴾ أقرب إلى الكفر يومئذ منهم إلى
الإيمان، لظهور القرائن والأمارات برجوعهم وتصميمهم على إيقاع الهزيمة
بالمسلمين، فإن من يتخاذل عن الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الأوطان عند
هجوم الأعداء ليس من المؤمنين، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ
هُمُ الصَّدِقُونَ ﴿1﴾ [الحجرات: ١٥/٤٩].
واستدلوا بآية ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِ﴾ على أن الشخص
قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى
الإيمان.
إنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ويقولون بأفواههم ما ليس في
قلوبهم، وهذا شأن المنافقين، ومنه قولهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاَ تَّبَعْنَكُمْ﴾ فإنهم
- كما بينا - يعلمون أن جنداً من المشركين قد جاؤوا من بلاد بعيدة يتحرقون
على المسلمين بسبب ما أصيب من أشرافهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين،
ويعلمون أنه كائن بينهم قتال لا محالة؛ مما يدل على أنهم كاذبون في كل ما
يقولون. ولهذا قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ من الكفر والكيد
للمسلمين، وهذا تهديد واضح وافتضاح علني أنه لا ينفعهم النفاق، فهو
بضاعة مزجاة؛ لأن الله أعلم بسرائرهم ونواياهم.
ومن أقوالهم أيضاً بعد القتال في أحد أنهم قالوا لأجل إخوانهم الذين قتلوا
في وقعة أحد: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا
مع من قتل، وفي هذا دلالة على أنهم نصحوهم بالتراجع. أخرج ابن جرير

٤٨٧
للزُعُ (٤) - آلعمران: ١٦٥/٣-١٦٨
الطبري عن السُّدِّي قال: خرج رسول الله وَالر في ألف رجل، وقد وعدهم
بالفتح إن صبروا، فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبي في ثلاث مئة، فتبعهم أبو
جابر السُّلَمي يدعوهم، فقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، ولئن أطعتنا
الترجِعَنَّ معنا، فنعى الله عليهم ذلك بقوله: ﴿ الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ﴾.
فرد الله تعالى قولهم: قل يا محمد لهم: إن كان القعود يسلم به الشخص من
القتل والموت، فينبغي أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت إليكم، ولو كنتم في
بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. قال مجاهد عن
جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه.
فقه الحياة أو الأحكام:
تعقد الآية (١٦٥) مقارنة بين نتائج غزوتي بدر وأحد، محورها أن المسلمين
أصيبوا إصابة شديدة يوم أحد بقتل سبعين منهم، مع أنهم يوم بدر أصابوا من
المشركين ضعفي ذلك العدد، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، والأسير في
حكم المقتول؛ لأن الآسر يقتل أسيره للضرورة إن أراد، وقد هزموا المشركين
يوم بدر، ويوم أحد أيضاً في ابتداء المعركة، وقتلوا منهم في يومين قريباً من
عشرین.
ومن الخطأ قولهم: من أين أصابنا هذا الانهزام والقتل، ونحن نقاتل في
سبيل الله، ونحن مسلمون، وفينا النبي والوحي، وهم مشركون! والسبب أن
هزيمتهم كانت بسبب من أنفسهم، وهو مخالفة الرماة، وما من قوم أطاعوا
نبيهم في حرب إلا نصروا؛ لأنهم إذا أطاعوا فهم حزب الله، وحزب الله هم
الغالبون.
ومصابهم يوم أحد من القتل والجرْح والهزيمة إنما هو بعلم الله وقضائه
وقدره لحكمة في ذلك، وهي تربيتهم وتحذيرهم من المخالفة، وتمييز المؤمنين من
المنافقين.

٤٨٨
لُعُ (٤) - آل عمران: ١٦٥/٣-١٦٨
والإشارة بقوله: ﴿ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ﴾ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه الذين
انصرفوا معه عن نصرة النبي ◌َ ◌ّر، وكانوا ثلاث مئة، فمشى في أثرهم عبد الله
ابن عمرو بن حرام الأنصاري، أبو جابر بن عبد الله، فقال لهم: اتقوا الله
ولا تتركوا نبيّكم، وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، ونحو هذا من القول. فقال
له ابن أبي: ما أرى أن يكون قتال، ولو علمنا أن يكون قتال لكنا معكم. فلما
يئس منهم عبد الله قال: اذهبوا أعداءَ الله، فسيُغني الله رسولَه عنكم، ومضى
مع النبي ◌َّهِ واستُشهد رحمه الله تعالى.
ودل قوله: ﴿أَوِ أَدْفَعُواْ﴾ على أن الدفاع عن الأوطان مثل القتال في سبيل
الله، وعلى أن تكثير سواد المسلمين وإن لم يقاتلوا معهم، يكون دفعاً وقمعاً
للعدو، فإن السواد إذا كثر حصل دفع العدو.
ويؤكده أن المرابط المستعد للقتال في ثغر إسلامي مدافع؛ لأنه لولا مكان
المرابطين في الثغور لجاء إليها العدو.
وكان موقف المنافقين هذا سبباً في ظهور أمرين:
الأول - تبيان حالهم والكشف عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم مسلمون،
فصاروا أقرب إلى الكفر في ظاهر الحال، وإن كانوا كافرين على الحقيقة:
﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِّ﴾.
الثاني - إظهار كذبهم وعدم استحيائهم في الإتيان بالمغالطات، فهم
أظهروا الإيمان، وأضمروا الكفر: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِىِ قُلُوبِهِمْ﴾.
ومن دلائل عدم إيمانهم أنهم قالوا لأجل إخوانهم - وهم الشهداء
المقتولون من الخزرج، وهم إخوة نسب ومجاورة، لا إخوة دين -: لو قعدوا
بالمدينة ما قتلوا.
وكان الرد القرآني مفحماً لهم: إن صدقتم مع أنكم قاعدون في المدينة،

٤٨٩
الْجُ (٤) - آلِ عَتْرَانَ: ١٦٩/٣-١٧٥
فادفعوا الموت عن أنفسكم، وهذا يدل على أن الحذر لا يمنع القدر، وأن
المقتول يقتل بأجله، وما علم الله وأخبر به كائن لا محالة. قال أبو الليث
السمرقندي: سمعت بعض المفسرين بسمرقند يقول: لما نزلت الآية: ﴿فَأَدْرَهُ وأ
عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾: مات يومئذ سبعون نفساً من المنافقين.
منزلة الشهداء المجاهدين في سبيل الله
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ بُرْزَقُونَ
(٢٩)
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
الَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ
اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَأَتَّقَوْاْ أَجْرُ عَظِيمُ (﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ
فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَتَبَعُواْ رِضْوَانَ
اٌلْوَكِيلُ
اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٢) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَنُ يُحَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ
(١٧٥)
وَخَافُونِ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ
القراءات:
﴿أَلَّا خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾: وقرئ: (ألّا خوفٌ عليهُم) وهي قراءة حمزة.
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ﴾: وقرئ: (وإن الله) وهي قراءة الكسائي.
(الْقَرْحُ﴾: وقرئ: (القُرْح)، وهي قراءة حمزة، والكسائي.
الإعراب:
﴿فَرِحِينَ﴾ حال منصوب من ضمير ﴿يُرْزَقُونَ﴾. ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾ بدل من
﴿الَّذِينَ﴾.

٤٩٠
لُعُ (٤) - آلِ عُثْرَانَ: ١٦٩/٣ -١٧٥
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ﴾ قرئ بفتح أن وكسرها، فمن فتحها عطفها على قوله: ﴿بِنِعْمَةٍ
مِّنَ اللَّهِ﴾ ومن كسرها جَعلها مبتدأة مستأنفة ﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُوا﴾ مبتدأ، وخبره:
(لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾. ﴿الَّذِينَ قَالَ﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ قبله، أو نعت.
﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ تقديره: يخوفكم بأوليائه، فحذف المفعول الأول وهو
((كم)) والباء من المفعول الثاني، مثل قوله تعالى: ﴿لِّيُنْذِرَ بَأْسًا﴾ [الكهف: ١٨/
٢] وتقديره: لينذركم ببأس شديد.
البلاغة:
يوجد إطناب في ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وفي (لن يضروا) وفي اسم الجلالة في
مواضع، ويوجد طباق في ﴿أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي لأجل دينه. ﴿يُرْزَقُونَ﴾ يأكلون من ثمار الجنة.
﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون، الاستبشار: السرور الحاصل بالبشارة. ﴿بِالَّذِينَ لَمْ
يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلَّفِهِمْ﴾ هم الذين بقوا في الدنيا من إخوانهم المؤمنين الذين
يقاتلون في سبيل الله . ﴿أَلَّا خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ أي يفرحون بألا خوف على الذين لم
يلحقوا بهم . ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الآخرة، المعنى يفرحون بأمنهم وفرحهم
﴿فَرِحِينَ﴾ مسرورين. ﴿بِنِعْمَةٍ﴾ ثواب. ﴿وَفَضْلٍ﴾ زيادة عليه. ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا
يُضِيعُ أَجْرَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ بل يأجرهم.
﴿أَسْتَجَابُواْ﴾ أجابوا وأطاعوا ﴿لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي أجابوا دعاءه بالخروج
للقتال، لما أراد أبو سفيان، وأصحابه العود، وتواعدوا مع النبي
وأصحابه سوق بدر العام المقبل من يوم أحد ﴿ اُلْقَرْعُ﴾ الألم الشديد والجراح
في يوم أحد. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ﴾ بطاعته، والإحسان: إتقان العمل على
أكمل وجه. ﴿وَأَتَّقَوْاْ﴾ مخالفته. ﴿أَجْرُّ عَظِيمٌ﴾ هو الجنة.

٤٩١
الُعُ (٤) - آلِعَتْرَانَ: ١٦٩/٣-١٧٥
﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ أي نعيم بن مسعود الأشجعي. ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ أبا
سفيان وأصحابه . ﴿قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ الجموع ليستأصلوكم. ﴿فَأَخْشَوْهُمْ﴾ ولا
تأتوهم. ﴿فَزَادَهُمْ﴾ ذلك القول. ﴿إِيمَنَا﴾ تصديقاً بالله ويقيناً.
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ كافينا أمرهم. ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ المفوض إليه الأمر، وقد
خرجوا مع النبي ◌َّ، فوافوا سوق بدر، وألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان
وأصحابه، فلم يأتوا، وكان معهم تجارات فباعوا ور بحوا.
﴿فَأَنْقَلَبُواْ﴾ رجعوا بسرعة، أي من بدر. ﴿بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ بسلامة
وربح. ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ﴾ من قتل أو جرح. ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ﴾ أي القائل لكم المثبط:
إن الناس. ﴿الشَّيْطَانُ﴾ المراد بالشيطان نعيم بن مسعود أو أبو سفيان. ويجوز
أن يكون على تقدير حذف المضاف بمعنى: إن ذلكم قول الشيطان أي قول
إبليس لعنه الله، وهو الأولى.
(يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءٌَّ﴾ يخوفكم أنصاره من المشركين، وهم أبو سفيان
وأصحابه. ﴿ وَخَافُونِ﴾ في ترك أمري . ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ حقاً.
سبب النزول:
نزول الآية (١٦٩):
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾: روى أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عباس قال: قال
رسول الله : (( لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف
طير خُضْر، تَرِد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في
ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مَقِيلهم قالوا: يا
ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن
الحرب، فقال الله: أنا أبلغهم عنكم))، فأنزل هذه الآية: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
قُتِلُواْ﴾ الآية وما بعدها، وروى الترمذي عن جابر نحوه.

٤٩٢
الُ (٤) - آلِّعَتْرَأَنَ: ١٦٩/٣-١٧٥
نزول الآية (١٧٢):
﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: إن الله
قذف في قلب أبي سفيان الرعب بعد الذي کان منه يوم أحد، فرجع إلى مكة،
فقال النبي ◌َّير: إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً، وقد رجع وقذف الله في
قلبه الرعب، وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي
القعدة، فينزلون ببدر الصغرى، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب
المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك، فندب النبي ومثلقول الناس، لينطلقوا معه، فجاء
الشيطان فخوف أولياءه، فقال: إن الناس قد جمعوا لكم، فأبى عليه الناس أن
يتبعوه، فقال النبي وَلقوله :
((إني ذاهب، وإن لم يتبعني أحد)) فانتدب معه أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً
والزبير وسعداً وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة
ابن اليمان، وأبا عبيدة بن الجراح في سبعين رجلاً، فساروا في طلب أبي
سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِلَّهِ
وَالرَّسُولِ﴾ الآية.
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون من
أحد، قالوا: لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب (سبي الفتيات) أردفتم، بئس ما
صنعتم، ارجعوا، فسمع رسول الله، فندب المسلمين، فانتدبوا حتى بلغوا
حمراء الأسد، أو بئر أبي عتبة، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
الآية. وقد كان أبو سفيان قال للنبي وَلقر: موعدك موسم بدر حيث قتلتم
أصحابنا، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال، فأتوه، فلم
يجدوا به أحداً، وتسوقوا فأنزل الله: ﴿فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ الآية.
وأخرج ابن مُرْدَوَيْه عن أبي رافع أن النبي وَّ وجه علياً في نفر معه في طلب
أبي سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة، فقال: إن القوم قد جمعوا لكم،
قالوا: ﴿حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فنزلت هذه الآية.

٤٩٣
الجُزءُ (٤) - آل عمران: ١٦٩/٣-١٧٥
تاريخ غزوة حمراء الأسد:
روي أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا من أحد، فبلغوا الرّوْحاء (موضع
بين مكة والمدينة) ندموا وهموا بالرجوع، حتى يستأصلوا من بقي من المؤمنين،
فبلغ ذلك رسول الله صلي، فأراد أن يُرْهَبَهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة،
فندب أصحابه للخروج في إثر أبي سفيان وقال: لا يخرجَنَّ معنا إلا من حضر
يومنا بالأمس، فخرج رسول الله وقليل مع جماعة من أصحابه، حتى بلغوا حمراء
الأسد (موضع على ثمانية أميال من المدينة) وكان بأصحابه القراح (الجراح)
فتحاملوا على أنفسهم، حتى لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب
المشركين، فذهبوا إلى مكة مسرعين، فنزلت الآية.
وتسمى هذه الغزوة غزوة حمراء الأسد، وهي تابعة لغزوة أحد.
تاريخ غزوة بدر الصغرى:
روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة أن آية ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾
نزلت في غزوة بدر الصغرى.
وهي أن أبا سفيان قال حين أراد أن ينصرف من أحد: يا محمد موعدنا
موسم بدر القابل إن شئت، فقال النبي ◌َلجر: ذاك بيننا وبينك إن شاء الله،
فلما كان العام القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل (مجِنَّة) من ناحية
(مرّ الظهران) فألقى الله الرعب في قلبه، فبدا له الرجوع، فلقي نعيم بن
مسعود وقد قدم معتمراً، فقال له أبو سفيان:
إني واعدت محمداً وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب،
ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن
أرجع، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج، فيزيدهم ذلك جرأة، فالحق بالمدينة
فئٹطهم، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يدي سهيل بن عمرو.
:

٤٩٤
الُرعُ (٤) - آل عمران: ١٦٩/٣-١٧٥
فأتى نعيم المدينة، فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال لهم: ما
هذا بالرأي، أتَوْكم في دياركم وقراركم، ولم يُفْلت منكم إلا شريد، فتريدون
أن تخرجوا إليهم، وقد جمعوا لكم الجموع عند الموسم، فوالله لا يُفْلتُ منكم
أحد، فكان لكلامه وقع شديد في نفوس قوم منهم.
فقال رسول الله وَليقول: ((والذين نفسي بيده لأخرجنَّ ولو وحدي)) فخرج
ومعه سبعون راكباً يقولون: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ اُلْوَكِيلُ﴾ حتى وافى بدراً
الصغرى (بدر الموعد)) فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان، فلم يلق أحداً؛
لأن أبا سفيان رجع بجيشه إلى مكة، وكان معه ألفا رجل، فسماه أهل مكة:
((جيش السويق)) وقالوا لهم: إنما خرجتم لتشربوا السويق.
ووافى المسلمون سوق بدر، وكانت معهم نفقات وتجارات، فباعوا
واشتروا أدَماً وزبيباً، فربوا وأصابوا بالدرهم الدرهمين، وانصرفوا إلى المدينة
سالمين غانمين.
المناسبة:
هذه الآيات متصلة بما قبلها، فبعد أن ذكر الله تثبيط المنافقين للراغبين في
الجهاد، وقولهم: لو قعدوا في المدينة ما قتلوا: والرد عليهم بأن الموت يحدث
بقضاء الله وقدره، أبان هنا منزلة الشهداء، حتى لا يتأثر أحد بأقوال
المنافقين، وليكون ذلك حثاً على الجهاد في سبيل الله.
- التفسير والبيان:
الآية في شهداء أحد.
يخبر الله تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في الدنيا، فإن أرواحهم حية
مرزوقة في الدار الآخرة، والخطاب للرسول ◌َلتر أو لكل أحد، والمعنى: لا
تحسبن أيها السامع لقول المنافقين المتقدم أن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً لا

١
٤٩٥
الُ (٤) - آِ عُقْر ◌َنَ: ١٦٩/٣-١٧٥
يجازون على أعمالهم التي قدموها، بل هم أحياء في عالم آخر، مقربون عند
ربهم، ذوو زلفى، كقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٣٨/٤١]،
يرزقون مثلما يرزق سائر الأحياء، يأكلون ويشربون، وهو تأكيد لكونهم
أحياء، ووصف لحالهم التي هم عليها من التنعم برزق الله.
فالعِنْدية (عند الله) هنا عِنْديّة كرامة ومكانة وتشريف، وهي تقتضي غاية
القرب، لاعِنْدية مكان ومسافة وقرب وحدود. والحياة التي أثبتها القرآن
الكريم للشهداء حياة غيبية، لا ندرك حقيقتها، ونؤمن بها كما أخبر القرآن،
وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩/٣] فيه حذف مضاف: تقديره:
عند کرامة ربهم.
وهؤلاء الشهداء مسرورون بما رأوه من نعيم مقيم وفضل كبير، وتفضيل
على غيرهم، بسبب الشهادة، وهم مسرورون أيضاً بإخوانهم المجاهدين الذين
لم يقتلوا بعدُ في سبيل الله، وإنما هم على الطريق سائرون يقتفون أثر من
تقدمهم من قوافل الشهداء، حينما رأوا ما أعد لهم من الجزاء الحسن، وهو
الحياة الأبدية والنعيم الدائم الذي لا يكدره خوف من مكروه ولا حزن على ما
فات.
وهم يفرحون أيضاً بما يتجدد لهم من الثواب على عملهم والرزق والفضل
الإلهي الذي يؤتيهم الله من الجنة ونعيمها - والفضل في هذه الآية: هو النعيم
المذكور - وأن الله يأجرهم، أي أنهم يستبشرون بنعمة من الله، ويستبشرون
بأن الله لا يضيع أجر المؤمنين.
وهذه الجملة بيان وتفسير لما تقدمها: ﴿أَّا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾؛ لأن من كان في نعمة الله وفضله لا يحزن أبداً، ومن كانت
أعماله مدخراً ثوابها لا يخاف العاقبة.
وذلك تحريض على الجهاد وترغيب في الاستشهاد. روى الإمام أحمد عن

٤٩٦
لِلُزُعُ (٤) - الِ غَيْرَانَ: ١٦٩/٣-١٧٥
ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((لما أصيب إخوانكم يوم أحد، جعل الله
أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي
إلى قناديل من ذهب، في ظل العرش .. )) إلخ الحديث المتقدم.
ثم وصفهم الله بحسن أعمالهم الذي هو سبب زيادة ثوابهم، فأخبر تعالى أن
هؤلاء المجاهدين الذين استجابوا لدعوة النبي و لو بالذهاب للقاء أبي سفيان في
غزوة حمراء الأسد عقب غزوة أحد، بالرغم مما كانوا عليه من جراح وآلام
أصابتهم يوم أحد، فلهم أجر عظيم يتناسب مع جهادهم وشجاعتهم.
وأشار بقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ إلى أن من استجاب حظي بهذا الفضل والأجر،
وأما الباقون فكانت لهم موانع وأعذار في أنفسهم أو أهليهم.
ثم أشاد تعالى أيضاً بمن شارك في غزوة بدر الصغرى في العام المقبل بعد
أحد، بالرغم مما قال لهم الناس: أي نعيم بن مسعود الأشجعي الذي كان
ما يزال مشركاً: إن الناس أي أبا سفيان وأعوانه جمعوا لكم الجموع لقتالكم،
فاخشوهم وخافوهم، ولا تخرجوا إليهم.
فزادهم هذا القول إيماناً بالله وثقة بوعده، وثباتاً على دينه، إذ إنهم خافوه،
ولم يخافوا تلك الجموع، واعتمدوا على تأييد الله وعونه ونصره، بعد أن
صدقت نياتهم، واشتدت عزائمهم للقاء المشركين مهما كانت النتائج، وذلك
مثل قوله تعالى في وصف المؤمنين في غزوة الخندق (الأحزاب): ﴿ وَلَمَّا رَءَا
اُلْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اُللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُمْ وَمَا زَادَهُمْ
[الأحزاب: ٣٣ /٢٢].
٢٢
إِلَّ إِيمَنَا وَتَسْلِيمًا
وقالوا معبِرين عن صدق إيمانهم بالله: الله كافينا ما يهمنا من أمر الجموع،
ونعم الوكيل الذي فوضنا أمورنا إليه، نعم المولى ونعم النصير. وهي الكلمة
التي قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار(١)، وقالها محمد وَلاول حين قال
(١) روى البخاري عن ابن عباس قال: ((كان آخر قول إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار:
حسبنا الله ونعم الوكيل)).

٤٩٧
اِلُعُ (٤) - آِ عُقْر أَنَ: ١٦٩/٣-١٧٥
أحد الناس: إن الناس (المشركين) قد جمعوا لكم فاخشوهم. ويستحب قولها
عند الغم والمصيبة وإحاطة الداهية.
أخرج ابن مُرْدَوَيْه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: ((إذا وقعتم في
الأمر العظيم، فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل)) (١).
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي ◌َّ كان إذا
اشتد غمه، مسح بيده على رأسه ولحيته، ثم تنفس الصُّعَدَاء، وقال: حسبي الله
ونعم الوكيل)».
ولما فوضوا أمورهم إلى الله واتكلوا عليه، عادوا بأربعة جزاءات: النعمة
من الله، والفضل، وصرف السوء، واتباع ما يرضي الله فرضي عنهم، أي لما
توكلوا على الله وخرجوا للقاء عدوهم، كفاهم ما أهمهم، ورد عنهم بأس من
أراد كيدهم، ور بحوا في تجارتهم، ولم يصبهم قتل ولا أذى، واتصفوا بطاعة
رسولهم ورضا ربهم الذي هو أساس النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة،
والله صاحب الفضل العظيم عليهم إذ تفضل عليهم بزيادة الإيمان، والتوفيق
إلى الجهاد، والحفظ من السوء الذي يضمره لهم عدوهم.
وفي هذا إشارة إلى خسارة القاعدين المتخلفين؛ إذ حرموا ما حظي به
غيرهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾.
روى البيهقي عن ابن عباس في قول الله: ﴿فَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾
قال: ((النعمة: أنهم سلموا، والفضل: أن عيراً مرت في أيام الموسم،
فاشتراها رسول الله وَله، فربح فيها مالاً، فقسمه بين أصحابه)).
وأخرج الطبري عن السدي قال: ((أعطى رسول الله وَّر حين خرج في بدر
الصغرى أصحابه دراهم، ابتاعوا بها في الموسم، فأصابوا ربحاً كثيراً)).
(١) هذا حديث غريب من هذا الوجه، وله مؤيدات كثيرة (انظر تفسير ابن كثير: ٤٣٠/١).

٤٩٨
الجُزءُ (٤) - آلعمران: ١٦٩/٣ -١٧٥
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطُ يُحَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي يخوفكم أولياءه،
ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة، فليس القول الذي قيل لكم: ﴿إِنَّ النَّاسَ
قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ إلا من الشيطان الذي يخوفكم أنصاره المشركين،
ويوهمكم أنهم ذوو عدد كثير وأولو قوة وبأس شديد، فلا تخرجوا إليهم.
ولكن عليكم أيها المؤمنون إذا سول لكم الشيطان أمراً وأوهمكم، فتوكلوا
علي، والجؤوا إلى، فإني كافيكم وناصركم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ
بِكَافٍ عَبْدَهٌ وَيُحَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ،﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ حَسْىَ اللَّهُ عَلَيَّهِ
يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨/٣٩] وقال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِّ
[المجادلة: ٢١/٥٨] وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ
إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ
يَنصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠/٢٢] وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرَّكُمْ وَيُقَبِّتْ
أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: ٧/٤٧] وقال أيضاً: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ وَلَهُمُ
[غافر: ٤٠ /٥١ - ٥٢].
٥٣
اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَهُ الدَّارِ
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت آية الشهداء: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ﴾ وما بعدها على ما يأتي:
١ - إن من لم ينهزم أمام العدو، وصبر وثبت، وقاتل حتى قتل، له منزلة
عالية عند الله، وهي منزلة الشهداء، وهي الكرامة والحياة عند الله. فهم أحياء
في الجنة يرزقون، وأرواحهم حيّة كأرواح سائر المؤمنين، وإن ماتوا ودفنت
أجسادهم في التراب. وفضلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل، حتى كأن حياة
الدنيا دائمة لهم.
والذي عليه معظم المفسرين أن حياة الشهداء محققة، ولكنها من نوع
خاص، فإما أن ترد إليهم أرواحهم في قبورهم فينعّمون، وإما أنهم يرزقون
من ثمر الجنة، أي يجدون ريحها وليسوا فيها. وقيل: إن هذا مجاز، والمعنى أنهم
في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة.

٤٩٩
الُزُ (٤) - آلِ عَتْرَانَ: ١٦٩/٣-١٧٥
والصحيح من الأقوال: أرواحهم في أجواف طير خُضْر، وأنهم يرزقون في
الجنة، ويأكلون ويتنعمون.
٢ - غسل الشهداء وتكفينهم والصلاة عليهم: للعلماء رأيان:
قال الحنفية: يكفن الشهيد بثيابه، ويصلى عليه، ولا يغسل إذا كان مكلفاً
طاهراً، وأما الجنب والحائض والنفساء إذا استشهدوا، فيغسلون عند أبي
حنيفة، كما يغسل الصبي والمجنون، وقال الصاحبان: لا يغسّلون. والدليل
على عدم التكفين وعدم الغسل حديث جابر عند البخاري: ((ادفنوهم
بدمائهم)) وفي رواية الشافعي وأحمد والبيهقي والنسائي: ((زمّلوهم بدمائهم))
يعني يوم أحد ولم يغسّلهم. وقد صلَّ النبي ◌َلّ على شهداء أحد اثنتين وسبعين
صلاة.
وقال الجمهور: لا يغسل الشهيد ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولكن تزال
النجاسة الحاصلة من غير الدم؛ لأنها ليست من أثر الشهادة بدليل حديث
جابر المتفق عليه: ((أن النبي وَلهو أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم
يغسلهم، ولم یصل علیھم).
وأجمع العلماء على أن الشهيد إذا حمل حياً، ولم يمت في الْمُعْتَرك، وعاش
وأكل، فإنه يُصلّ عليه، كما قد صنع بعمر رضي الله عنه.
وأما من قتل مظلوماً كقتيل الخوارج وقطاع الطرق وشبه ذلك، فقال أبو
حنيفة والثوري: كل من قتل مظلوماً لم يغسّل، ولكنه يصلى عليه وعلى كل
شهيد. وقال الجمهور: يغسل كجميع الموتى إلا من قتله أهل الحرب.
وأما إذا صبَّح العدو قوماً في منزلهم ولم يعلموا به فقَتل منهم، فيغسلون
ويكفنون ويصلى عليهم؛ لأنهم لم يقتلوا في المعترك بين الصفين.
٣ - القتل في سبيل الله والشهادة فيه له ثواب عظيم عند الله، حتى إنه یکفّر

٥٠٠
الُعُ (٤) - آل عمران: ١٦٩/٣-١٧٥
الذنوب، كما قال ◌َّ: ((القتل في سبيل الله يكفرّ كل شيء إلا الدَّيْن))(١) وهذا
تنبيه على ما في معنى الدين من الحقوق الشخصية المتعلقة بالذمم، كالغصب
وأخذ المال بالباطل وقتل العمد وجراحه وغير ذلك من الشَّبِعات، فإن كل هذا
أولى ألا يغفر بالجهاد من الدَّين، فإنه أشد، والقصاص في هذا كله بالحسنات
والسيئات، حسبما وردت به السنة الثابتة، منها حديث مسلم عن أبي هريرة
أن رسول الله وَل قال: «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم
له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي: من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام
وزكاة، ويأتي قد شتَم هذا، وقذَف هذا، وأكَل مال هذا، وسفك دم هذا،
وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته
قبل أن يُقْضى ماعليه، أُخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار)).
وفي حديث صحيح آخر رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله وَلّ: ((نفس المؤمن معلّقةٌ ماكان عليه دَیْن)).
والدَّيْن الذي يحبس به صاحبه عن الجنة - والله أعلم -: هو الذي قد ترك
له وفاء ولم يُوص به، أو قدر على الأداء فلم يؤدّه، أو ادَّانه في سَرَف، أو في
سفَه، ومات ولم يوفّه. وأما من ادّان في حق واجب لفاقة وعُشر، ومات ولم
يترك وفاء، فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله؛ لأن على السلطان فرضاً
أن يؤدّيَ عنه دينه، إما من جملة الصدقات، أو من سهم الغارمين، أو من
الفيء الراجع على المسلمين، قال ◌َّي في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة:
((من ترك دَيْناً أو ضَياعاً (عيالاً) فعلى الله ورسوله، ومن ترك مالاً فلورثته)).
٤ - الرزق في قوله تعالى: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ هو الرزق المعروف في
العادات، وهو المعنى الحقيقي للفظ. ومن قال: هي حياة الذكْر، قال:
يرزقون الثناء الجمیل، وهو معنى مجازي.
(١) رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بلفظ ((يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّين)).
-