النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
الزُعُ (٤) - آلعمران: ١٤٢/٣-١٤٨
وإنما جمع لهم بين الثوابين لأنهم مؤمنون عملوا الصالحات وأرادوا تحقيق
سعادتي الدنيا والآخرة، كشأن المؤمن الصالح: ﴿وَمِنْهُم مَن يَقُولُ رَبَّنَآ
ءَائِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةُ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
[البقرة: ٢٠١/٢].
وخص ثواب الآخرة بالحسن دلالة على فضله وتقدمه وأنه هو المعتد به عند
الله تعالى.
ورتبت أوصافهم بالتوفيق على الطاعة، ثم إثابتهم عليها، ثم تسميتهم
محسنين لتوجيه العبد إلى أن ذلك كله بعناية الله وفضله، وتوفيقه وإحسانه.
وفي هذه الآية تربية لأصحاب محمد ولفت نظر إلى أنهم أولى بهذا كله، وما
عليهم إلا الاعتبار بأحوال أولئك الرِّبيين، والصبر على الأعداء كما صبروا،
والاقتداء بأعمالهم الصالحة والقول مثلهم، فإن دين الله واحد، وسنته في
خلقه واحدة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أحكام كثيرة لصيقة بنفسية الإنسان وتطلعاته ومواقفه
التي يمر بها في الحياة من خوف وضعف، وتردد وإدبار، وانهزام وسطحية في
التفكير، بالرغم من وجود أصل الإيمان الذي ينبغي أن يكون مذكراً بالثبات
والجرأة والشجاعة والحرص على انتزاع النصر، وقطع طريق العودة إلى سبيل
الكفر والكافرين، وعدم التأثر بموت القائد أو النبي؛ لأن الاستقامة أبدية
دائمة ليست موقوتة بحياة النبي ولا من أجل شخصية النبي.
اً - إن دخول الجنة مرهون بسلوك طريق المجاهدين المخلصين الذين قتلوا
وصبروا على ألم الجراح، وضحوا بأنفسهم في سبيل الله.
أَ - إن الظفر بشرف الشهادة في سبيل الله لا يكون بالأماني والتمنيات،
وإنما بالثبات والصبر على الجهاد.

٤٤٢
الُرُ (٤) - آل عمران: ١٤٢/٣-١٤٨
وتمني الموت يرجع من المسلمين إلى تمني الشهادة بالوصف السابق، لا تمني
قتل الكفار لهم، فذلك معصية وكفر، ولا يجوز إرادة المعصية، وهذا هو مراد
المسلمين وسؤالهم من الله أن يرزقهم الشهادة، فهم يسألون الصبر على
الجهاد، وإن أدى إلى القتل.
٣ - إن الرسل ليست بباقية في قومها أبداً، وإنما يجب التمسك بما أتت به
الرسل، وإن فُقد الرسول بموت أو قتل، وأما من حاول الردة إلى الكفر بعد
الإيمان، فلن يضر الله شيئاً، بل يضر نفسه ويعرضها للعقاب بسبب المخالفة،
والله تعالى لغناه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية، وسيجزي الله الشاكرين
الذين صبروا وجاهدوا واستشهدوا.
وكل هذه الأحكام عتاب للمنهزمين يوم أحد، وهو درس لأمثالهم. وإن
موقف أبي بكر الصديق يوم وفاة النبي ◌َّ أدل دليل على شجاعته وجرأته،
فإن الشجاعة والجرأة: هما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة
أعظم من موت النبي ◌ّ، ففي ثباته واستدلاله بالآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا
رَسُولٌ﴾ تثبيت للمؤمنين، وقطع لدابر الفتنة، واستئصال الأوهام ومقالات
الجاهلين.
وأما تأخر الصحابة عن دفن رسول الله وَلقر، مع أن السنة تعجيل الدفن
فلأمور ثلاثة: عدم اتفاقهم على موته، وعدم علمهم بمكان دفنه، حتى
أخبرهم أبو بكر بقوله وَ له: (ما دفن نبي إلا حيث يموت))(١)، واشتغالهم
بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة، حتى انتهوا إلى بيعة أبي
بكر رضي الله عنه في مبدأ الأمر، ثم بايعوه في الغد عن رضا واتفاق شامل.
ثم نظروا في دفنه عليه الصلاة والسلام وغسّلوه وكفنوه، ثم صلوا عليه
(١) أخرجه ابن ماجه والموطأ وغيرهما.

٤٤٣
الُ (٤) - آل عمران: ١٤٢/٣-١٤٨
فرادى، أخرج ابن ماجه بإسناد حسن صحيح عن ابن عباس: ((فلما فرغوا
من جَهازه يوم الثلاثاء، وُضع على سريره في بيته، ثم دخل الناسُ على رسول
الله ◌َّ أرسالاً(١) يُصلّون عليه، حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا
فرغن أدخلوا الصبيان، ولم يَؤُمَّ الناس على رسول الله وَّ أحدٌ.
٤ - إن محمداً بشر كسائر الأنبياء، وهم قد ماتوا، وإن مهمة كل نبي وهي
تبليغ الدين تنتهي بتحقيق الغرض المقصود، ولا يلزم من ارتحالهم نقض
رسالتهم. وإن المصائب التي تنزل بالإنسان لا صلة لها بكونه على حق أو
باطل، فقد يبتلى الطائع بأنواع المصائب، والعاصي بأصناف النعم.
٥ - الموت أمر حتمي مقضي به في أجل معين لا يتجاوزه ولا يتقدم عنه
لحظة، وكل إنسان مقتول أو غير مقتول ميِّت إذا بلغ أجله المكتوب له، وهذا
معنى قوله: ﴿كِنَبًا مُؤَجَّلاً﴾. وأما معنى قوله ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بقضاء الله
وقدَّره. وأجل الموت: هو الوقت الذي في معلومه سبحانه أن روح الحي
تفارق جسده، ومتى قتل العبد علمنا أن ذلك أجله، ولا يصح أن يقال: لو لم
يقتلٍ لعاش، لقوله تعالى: ﴿كِثَبًا مُؤَجَّلَا﴾ ﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَشْخِرُونَ
سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩/١٠] ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَتٍ﴾ [العنكبوت: ٥/٢٩]
﴿لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨/١٣].
ودلت الآية ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن تَمُوتَ﴾ على الحض على الجهاد، وعلى
أن الموت لا بد منه، وأن كل إنسان يموت بأجله، والقتيل يموت بأجله.
أَ - من قصر رغبته وعمله على الدنيا دون الآخرة، آتاه الله منها ما قسم
له، ومن جعل رغبته في الآخرة من تضعيف الحسنات لمن يشاء، آتاه الله
الآخرة والدنيا معاً.
(١) أرسالاً: أفواجاً وفرقاً متقطعة، بعضهم يتلو بعضاً، واحدهم: رَسَل.
٠

٤٤٤
لُُ (٤) - آل عمران: ١٤٢/٣-١٤٨
لاً - دلت آية ﴿وَكَأَّيِّنِ مِّن نَّبِىّ﴾ على غاية التجرد والموضوعية والعدالة
وإنصاف الحقائق، فليس العمل الصالح والجهاد في سبيل الله والثبات والصبر
في الحرب مقصوراً على أصحاب محمد وَله، فكثير من أتباع الأنبياء السابقين
كانت لهم مواقف رائعة، وبطولات خارقة، فجاهدوا وقاتلوا، وصبروا
وقتلوا، وما لانت لهم قناة، ولا خارت لهم عزيمة، ولا ذلوا ولا خضعوا لما
أصابهم في الجهاد، وكان فعلهم هذا مقروناً بقولهم الدال على قوة إيمانهم،
وطهارة نفوسهم، وإخلاصهم في طلب رضوان الله، فتضرعوا إلى ربهم وقت
الشدة والمحنة وعند لقاء العدو، فاستحقوا إنعام الله عليهم في الدنيا بالنصر
والظفر على عدوهم، وفي الآخرة بالجنة، ووصفوا بالإحسان، وأوتوا ثواباً
عظيماً دائماً لا يحده حصر.
وفي موقفهم المهيب بالابتهال والتضرع والدعاء والاستغفار دليل على أن
إجابة الدعاء تتطلب الإخلاص وطهارة النفس وخشوعها لله، وأن الذنوب
والمعاصي من عوامل الخذلان والهزيمة، وأن الطاعة والثبات والاستقامة من
أسباب النصر والغلبة.
٨ - الدعاء المفضل يكون بالمأثور لبلاغته وجمعه معاني كثيرة قد لا يدركها
الإنسان، مثل المذكور في دعاء الرِّبيين: ﴿رَبَّنَا أُغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىّ أَمْرِنَا
وَثَيِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾. وفي صحيح مسلم عن أبي موسى
الأشعري عن النبي ◌َلو أنه كان يدعو بهذا الدعاء: ((اللهم اغفر لي خطيئتي
وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني)).

٤٤٥
لُعْ (٤) - ال عمران: ١٤٩/٣-١٥١
التحذير من طاعة الكافرين
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَثُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَرُذُوكُمْ عَلَى
أَعْقَبِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ (
١٥٠
بَلِ اللَّهُ مَوْلَنْكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ
١٤٩
سَنُلْقِى فِي قُلُوبٍ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ،
سُلْطَنَّأَ وَمَأْوَنُهُمُ النَّارِّ وَبِئْسَ مَثْوَى الَّلِينَ
١٥١)
القراءات:
﴿وَهُوَ﴾: قرئ:
١- (وهو) وهي قراءة قالون، وأبي عمرو، والكسائي.
٢- (وهُو) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿الرُّعْبَ﴾: قرئ:
١- بضم العين، وهي قراءة ابن عامر، والكسائي.
٢- بسكونها، وهي قراءة الباقين.
يُنَزِّلْ﴾ : قرئ:
١- (يُنْزل) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو.
٢- (ينزِّل) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَمَأْوَنَهُمُ﴾: وقرئ: (ماواهم) وهي قراءة السوسي، وحمزة وقفاً.
﴿وَبِئْسَ﴾: وقرئ: (وبيس)، وهي قراءة ورش والسوسي، وحمزة وقفاً.

٤٤٦
لِلُهُ (٤) - آل عمران: ١٤٩/٣-١٥١
الإعراب:
﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَئِكُمْ﴾ أي ناصركم لا تحتاجون إلى نصرة أحد وولايته،
مبتدأ وخبر. وقرئ بالنصب على تقدير فعل محذوف هو: بل أطيعوا الله
مولاكم.
البلاغة:
﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ﴾ أي يرجعوكم من الإيمان إلى الكفر، فيه
استعارة الرجوع إلى الوراء إلى الرجوع إلى الكفر، بتشبيه الثاني بالأول.
ويوجد طباق بين ﴿ءَامَنُواْ﴾ و﴿كَفَرُواْ﴾.
﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الَّالِمِينَ﴾لم يقل: مثواهم، بل وضع الظاهر مكان
الضمير للتغليظ والتهويل. والمخصوص بالذم محذوف: أي بئس النار.
المفردات اللغوية:
﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني مشركي العرب: أبا سفيان وأصحابه، وقيل:
اليهود والنصارى، وقال علي رضي الله عنه: يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين
عند الهزيمة في أحد: ارجعوا إلى دين آبائكم ﴿يَرُذُوكُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ﴾ أي
يرجعوكم إلى الكفر بعد الإيمان ﴿خَسِرِينَ﴾ الدنيا بانقيادكم للأعداء
واستبدالكم ذلة الكفر بعزة الإسلام، والآخرة بحرمانكم من نعيم الله وثوابه
ووقوعكم في العذاب.
﴿بَلِ اَللَّهُ مَوْلَئِكُمْ﴾ ناصركم ومعينكم. ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ﴾ أي
فأطيعوه دونهم. ﴿الرُّعْبَ﴾ شدة الخوف التي تملأ القلب، وكان المشركون قد
عزموا بعد ارتجالهم من أحد على العود واستئصال المسلمين، فرعبوا ولم
يرجعوا ﴿بِمَآ أَشْرَكُواْ﴾ بسبب إشراكهم. (سُلْطَانًا﴾ حجة وبرهاناً،
والمقصود بما لم ينزل به سلطاناً أي حجة على عبادته وهو الأصنام . ﴿مَثْوَى﴾
مأوى. ﴿الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين.

٤٤٧
للزُرُ (٤) - الغز انَ: ١٤٩/٣-١٥١
سبب النزول:
نزول الآية (١٤٩):
قال علي رضي الله عنه: نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة:
ارجعوا إلى إخوانكم، وادخلوا في دينهم. وعن الحسن البصري رضي الله عنه:
إن تستنصحوا اليهود والنصارى، وتقبلوا منهم؛ لأنهم كانوا يستغوونكم
ويوقعون لكم الشُّبَه في الدين، ويقولون: لو كان نبياً حقاً لما غلب ولما أصابه
وأصحابه ما أصابهم، وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس، يوماً له
ويوماً عليه.
وعن السدي: إن تستكينوا لأبي سفيان وأصحابه وتستأمنوهم يردوكم إلى
دینکم.
نزول الآية (١٥١):
قال السدي: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة،
انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق، ثم إنهم ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا،
قتلناهم حتى إذا لم يبق إلا الشرذمة تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما
عزموا على ذلك، ألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب، حتى رجعوا عما هموا به،
وأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿سَنُلْقِى فِى قُلُوبٍ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾.
المناسبة:
تستمر الآيات في تبيان عظات غزوة أحد والدروس المستفادة منها، فلما
أمر الله تعالى بالاقتداء بمن تقدم من أنصار الأنبياء، حذّر من طاعة الكافرين
وهم مشركو العرب واليهود والنصارى والمنافقون الذين تآمروا على الدعوة
الإسلامية بتثبيط عزائم المؤمنين.

٤٤٨
الُرُ (٤) - آل عمران: ١٤٩/٣-١٥١
التفسير والبيان:
يحذر الله تعالى عباده المؤمنين من طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم
تورث الردى في الدنيا والآخرة، لذا قال: يا أيها المؤمنون إن تطيعوا الذين
كفروا بدينكم وجحدوا نبوة نبيكم كأبي سفيان وأصحابه وعبد الله بن أبي
زعيم المنافقين وأتباعه، ورؤوس اليهود والنصارى، يردوكم كافرين بعد
الإيمان، فتصبحوا خاسرين في الدنيا بذل الكفر بعد عزة الإسلام، وتحكم
العدو فيكم، وحرمانكم من متعة الملك والتمكين في الأرض، المذكورين في
وعد الله المؤمنين الصادقين: ﴿ وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ
لَيَسْتَغْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ
الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلْنَهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمَّنَا﴾ [النور: ٥٥/٢٤] وخاسرين في
الآخرة أيضاً بحرمانكم من نعيم الله وثوابه وتعرضكم لعذاب الله وعقابه في
النار.
فلا تأبهوا بمناصرة وعون الكفار وإغوائهم، فإن الله هو ناصركم
ومعينكم، كما في آية أخرى: ﴿فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَئِكُمَّ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ
النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠/٨] وقد كتب الله العزة لرسوله وللمؤمنين: ﴿وَلِلَّهِ
الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨/٦٣] وجرت سنته في تولي الصالحين
﴿ أَفَلَمْ يَسِيُرُواْ فِ اْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن
وخذلان الکافرين :
قَبْلِهِمَّ دَقَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِرِنَ أَمْثَلُهَا (٣) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ
{[ محمد: ٤٧ /١٠-١١].
اُلْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ
ومن مظاهر مناصرته وعونه تعالى للمؤمنين إلقاء الرعب في قلوب
الكافرين بسبب إشراكهم بالله، واتخاذهم أصناماً وحجارة ومعبودات تعبد
من دون الله، لم يقم برهان ولا حجة من عقل أو حس على صحة استحقاقها
للعبادة، وكونها واسطة بين الله وخلقه، وحجتهم الوحيدة في عبادتها تقليدهم
آباءهم الذين وجدوهم عابدين لها: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىّ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَرِهِم

٤٤٩
اِلُعُ (٤) - آلِ عُقْران: ١٤٩/٣-١٥١
مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣/٤٣] وهم إنما يعتمدون في واقعهم على الأخيلة
والأوهام، والوساوس والهواجس أنها ذات تأثير، مما يؤدي إلى اضطراب
قلوبهم وعقولهم، وفساد أفكارهم، وضعف نفوسهم. ومسكنهم في النهاية
والآخرة النار بسبب ظلمهم وكفرهم وعنادهم الحق وأهله، وبئس المثوى
والمأوى مثواهم ومأواهم؛ فإنهم ظالمون لأنفسهم، وللناس بسوء معاملتهم،
وفقد مقومات الحضارة والمدنية عندهم. وهم إن رأوا المؤمنين متمسكين
بدينهم، ازداد الشك في أنفسهم، واستمر الخوف والرعب والقلق في
نفوسهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
العبرة دائماً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذه الآيات تحذير دائم
للمؤمنين من طاعة الكافرين على مختلف أنواع كفرهم، لعداوتهم وحقدهم
وغشهم وعدم الثقة بنصحهم وأمانتهم.
والمؤمن بقوة إيمانه، وثقة لقائه ربه، واعتقاده بسلطان الله وتأييده ونصره،
يكون دائماً قوي العزيمة، شديد الشكيمة، صلب الإرادة. فإن ظهرت فيه
علائم الخوف من الكفرة كان مسلماً بالوراثة والاسم الظاهر فقط، وليس
مؤمناً حقاً.
والمشرك والكافر في قلق دائم، واضطراب مستمر، وخوف مستحكم في
قلبه وفي أعماق نفسه، إذ إن الكفر لا يلقي في نفسه شيئاً صحيحاً ثابتاً من
الطمأنينة والثقة، وإنما هي موروثات وتقاليد يرددها، وعصبية عمياء حجبته
عن رؤية الحقائق، وصدَّته عن التفكير الصحيح بوحدانية الله وقدرته الشاملة
وسلطانه القاهر في الدنيا والآخرة.
وآية إلقاء الرعب في قلوب الكفر دليل على بطلان الشرك عقلاً وحساً،
وعلى سوء أثره في النفس، إذ لا يلقي في النفس الثقة والأمان والطمأنينة،
وإنما على العكس يخلق الرعب، وينشر الهلع والخوف في كل وقت.
٧

٤٥٠
الُعُ (٤) - آل عمران: ١٥٢/٣-١٥٥
وما أقوى وأشد تأثيراً من تهديدات القرآن وإنذاراته بالنار الحامية
للكافرين، ولو غضوا الطرف عنها، فإنهم لا بد سامعون لها. ودل قوله:
﴿ وَبِتْسَ مَثْوَى الَّلِينَ﴾ المنبئ عن المكث الطويل على أنهم خالدون في
النار، ولا يخفف عنهم العذاب، ولا هم يخرجون منها، ولو لراحة وقتية، أو
تنفس واستنشاق هواء عليل فترة ما، يرد عليهم نسيم الحياة، وحلاوتها
العذبة الرقراقة.
أسباب انهزام المسلمين في أحد
وتفرقهم بعد وعدهم بالنصر
﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُونَهُم بِإِذْنِهِ، حَتَّىَ إِذَا فَشِلْتُمْ
وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَآ أَرََكُمْ مَّا تُحِبُّونٌَ مِنكُم مَّن
يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ
• إِذْ نُصْعِدُونَ
١٥٢
وَلَقَدُ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
وَلَا تَلْؤُنَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىّ أُخْرَنَكُمْ فَأَثَبَكُمْ غَمَّا
بِغَدٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَانَكِكُمْ وَلَا مَا أَصَبَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ ﴿َ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيَّكُم مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةٌ مِّنْكُمْ
وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ يَقُولُونَ
هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَُّ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ
لَكَّ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَنْهُنَّ قُل لَّوْ كُمْ فِى بُيُوتِكُمْ
لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاِعِهِمٌّ وَلِيَبْتَلَى اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْ مِنكُمْ
١٥٤
وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
يَوْمَ الْتَقَ الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اُللَّهُ
١٥٥
عَنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ

٤٥١
الجُرُ (٤) - آل عمران: ١٥٢/٣-١٥٥
القراءات:
﴿ نُصْعِدُونَ﴾: قرئ:
١- (تُصعدون) مضارع ((أصعد)) وهي قراءة الجمهور.
٢- (يصعدون) على الخروج من الخطاب إلى الغائب، وهي قراءة ابن كثير.
﴿ يَغْشَى﴾: وقرئ: (تغشى)، وهي قراءة حمزة، والكسائي.
( كُلَّمُ﴾: وقرئ:
١- بالنصب، تأكيد للأمر، وهي قراءة الجمهور.
٢- بالرفع، على أنه مبتدأ، أو توكيداً للأمر على الموضع، وهي قراءة أبي
عمرو.
﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾: قرئ:
١- (في بيوتكم) وهي قراءة ورش، وأبي عمرو، وحفص.
٢- (في بيوتكم) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾: قرئ:
١- (عليهِم القتل) وهي قراءة أبي عمرو.
٢- (عليهُمُ القتل) وهي قراءة حمزة والكسائي.
٣- (عليهِمُ القتل) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ في نصبهما وجهان: إما أن تكون ﴿أَمَنَةً﴾ منصوباً بأنزل،

٤٥٢
الزُعُ (٤) - الغز ان: ١٥٢/٣-١٥٥
و﴿نُعَاسًا﴾ بدلاً منه، وإما أن تكون ﴿أَمَنَّةً﴾ مفعولاً لأجله، و﴿نُعَاسًا﴾
منصوباً بأنزل. ﴿يَغْشَى﴾ أي النعاس، ومن قرأ بالتاء ردَّ إلى الأمنة.
﴿ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة منهما حال. والواو: إما واو
الحال، أو واو الابتداء، أو بمعنى إذ.
﴿ يَظُنُّونَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿أَهَمَّتْهُمْ﴾
أو في موضع رفع صفة لطائفة. ﴿ إِنَّ اُلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ كله بالنصب تأكيد
للأمر، و﴿اللَّهِ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ومن قرأ بالرفع: فهو مبتدأ، و﴿اللَّهِ﴾: خبره،
والجملة منهما خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿ وَلِيَبْتَلِىَ﴾ لام كي، متعلقة بفعل مقدر دل عليه
الكلام وتقديره: وليبتلي ما في صدوركم أوجب عليكم القتال.
﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾: معطوف على ﴿وَلِيَبْتَلِىَ
البلاغة:
يوجد طباق بين ﴿يُخْفُونَ﴾ و﴿يُبْدُونَ﴾ وبين ﴿فَاتَكُمْ
و﴿أَصَبَكُمْ﴾
﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ تنكير: فضل للتفخيم، وإظهار
﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ في موضع الإضمار للتشريف . ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ﴾
و﴿فَتَوَكَّلْ﴾ و﴿اَلْمُتَوَكِلِينَ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ إياكم بالنصر. ﴿تَحُسُّونَهُم﴾ تقتلونهم
وتستأصلونهم، مأخوذ من حَسَّه: أذهب القاتل حسَّه بالقتل، كما يقال:
بَطَنَه: أصاب بطنه. ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بإرادته وأمره وتأييده وعونه . ﴿فَشِلْتُمْ﴾
جبنتم وضعفتم عن القتال . ﴿ وَتَنَزَعْتُمْ﴾ اختلفتم . ﴿فِ الْأَمْرِ﴾ أي أمر
النبي ◌َّ بالمقام في سفح الجبل للرمي، فقال بعضكم: نذهب فقد نصر

٤٥٣
الُرعُ (٤) - آلعمران: ١٥٢/٣-١٥٥
أصحابنا، وبعضكم قال: لا تخالف أمر النبي بَّ.﴿وَعَصَيْتُم﴾ أمره،
فتركتم المركز لطلب الغنيمة. ﴿مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَنَكُمْ﴾ الله. ﴿مَّا تُحِبُّونٌَ﴾ من
النصر.
وجواب ﴿إِذَا﴾: دل عليه ما قبل أي منعكم نصره.
مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا﴾ أي الغنيمة. ﴿وَمِنكُم ◌َّن يُرِيدُ
اُلْآَخِرَةَ﴾ فثبت حتى قتل كعبد الله بن جبير وأصحابه ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾
ردَّكم للهزيمة، وهو عطف على جواب ﴿إِذَا﴾ المقدر.
﴿عَنْهُمْ﴾ أي الكفار. ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ليمتحنكم ويختبركم، فيظهر المخلص
من غيره، والمراد ليعاملكم معاملة من يُختبر ويمتحن، وإلا فالله عالم لا يحتاج
إلى اختبار ﴿عَفَا عَنكُمْ﴾ تاب عليكم لما ارتكبتموه. ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالعفو.
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ اذكروا إذ تذهبون في الأرض أو الوادي وتبعدون
هاربين.﴿وَلَا تَلْوُنَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي لا تلتفتون لأحد. ﴿أُخْرَلَكُمْ)
آخركم أو من ورائكم يقول: إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله ﴿فَأَثَبَكُمْ﴾
فجازاكم ﴿غَمَّا﴾ بالهزيمة. ﴿بِغَرِّ﴾ بسبب غمكم ومضايقتكم للرسول
بالمخالفة. والغم: ألم وضيق في الصدر من أمر محرج.
﴿ أَمَنَةً﴾ أي أمناً وهو ضد الخوف . ﴿يَغْشَى﴾ يغطي ويستر. ﴿يُبْدُونَ﴾
يظهرون. ﴿لَبَرَزَ﴾ لخرج. ﴿مَضَاجِعِهِمْ﴾ مصارعهم التي قدر قتلهم فيها.
﴿وَلِيَبْتَلَِ﴾ يختبر. ﴿مَا فِ صُدُورِكُمْ﴾ قلوبكم من الإخلاص والنفاق.
﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ يميز ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ عليم بما في القلوب لا يخفى عليه
شيء، وإنما يبتلي ليظهر للناس.
﴿الْجَمْعَانِ﴾ جمع المؤمنين وجمع المشركين بأحد، والذين تولوا: هم

٤٥٤
الُرُ (٤) - آل عمران: ١٥٢/٣-١٥٥
المسلمون إلا اثني عشر رجلاً . ﴿ اَسْتَزَلَّهُمُ﴾ أزلهم الشيطان بوسوسته، أي
أوقعهم في الزلل والخطأ. ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ من الذنوب، وهو مخالفة أمر
النبي، فمنعوا التأييد والنصر الإلهي الذي كان وعدهم به ربهم.
سبب النزول:
نزول الآية (١٥٢):
﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ﴾: قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله
وَيّ إلى المدينة، وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس من أصحابه: من
أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ
اَللَّهُ وَعْدَهُ﴾ الآية - إلى قوله: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا﴾ يعني الرماة
الذين فعلوا ما فعلوا يوم أحد(١).
نزول الآية (١٥٤):
﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيَّكُمْ﴾: أخرج ابن راهويه عن الزبير قال: لقد رأيتني يوم
أحد، حتى اشتد علينا الخوف، وأرسل علينا النوم، فما منا أحد إلا ذَقْنُه في
صدره، فوالله، إني لأسمع كالحلم قول مُعَتِّب بن قُشَيْر: لو كان لنا من الأمر
شيء، ما قتلنا ههنا، فحفظتها فأنزل الله في ذلك: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنْ بَعْدِ
اُلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾ - إلى قوله: ﴿ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
ومعنى قوله: ﴿مَّا قُتِلْنَا هَهُنَّا﴾ أي لو كان الاختيار إلينا لم نخرُجْ، فلم
نُقْتَل، لكنَّا أخرجنا كرهاً. فرد الله عليهم: ﴿قُل لَّوْ كُمْ فِى بُيُوتِكُمْ﴾ الآية،
أي أن من قُدِّر عليه القتل قاده أجله إلى الخروج في مكان فقتل فيه، ولم يُنجه
قعوده في منزله؛ لأن قضاءه تعالى كائن لا محالة.
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ٧٢
:

٤٥٥
الجُروُ (٤) - الغفران: ١٥٢/٣-١٥٥
التفسير والبيان:
والله لقد وفى لكم ربكم وعده النصر على العدو حين أخذتم تقتلونهم قتلاً
ذريعاً وتفتكون بهم فتكاً بتأييد الله ومعونته ومشيئته وإرادته.
صدقكم الله وعده، حتى إذا جبنتم وضعفتم عن القتال واختلفتم في الرأي
والعمل في تنفيذ أمر نبيكم بالثبات على جبل الرماة، فقال بعضكم: فيم
وقوفنا وقد انهزم المشركون؟ وقال آخرون: لا نخالف أمر الرسول وَليل أبداً،
ولم يثبت إلا عبد الله بن جبير مع نفر من أصحابه، لما حدث ذلك تأخر النصر
وأحدقت الهزيمة بكم.
وبعبارة أخرى: فلما واجهتموهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام،
ولما اختلفتم وحصل ما حصل من عصيان الرماة، وفشل بعض المقاتلة، تأخر
الوعد الذي كان مشروطاً بالثبات والطاعة (١).
عن عروة بن الزبير قال: وكان الله عز وجل وعدهم على الصبر والتقوى
أن يمدَّهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وكان قد فعل؛ فلما عَصَوْا أمر
الرسول، وتركوا مَصَافَّهم. وترك الرُّماةُ عهد رسول الله وَلَه إليهم ألا يبرحوا
من منازلهم، وأرادوا الدنيا، رُفع عنهم مددُ الملائكة، وأنزل الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ،﴾ فصدق الله وعده،
وأراهم الفتح، فلما عَصَوْا أعقبهم البلاء(٢).
فألفاظ الآية تقتضي التوبيخ لهم، ووجه التوبيخ لهم: أنهم رأوا مبادئ
النصر، فكان الواجب أن يعلموا أن تمام النصر في الثبات، لا في الانهزام.
ثم بين سبب التنازع فقال: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا﴾ يعني الغنيمة،
(١) تفسير ابن كثير: ٤١١/١-٤١٢
(٢) تفسير القرطبي: ٢٣٥/٤

٤٥٦
لُهُ (٤) - آل عمران: ١٥٢/٣-١٥٥
قال ابن مسعود: ما شعرنا أن أحداً من أصحاب النبي ◌َّي و يريد الدنيا
وعرضها، حتى كان يوم أُحُد. وهؤلاء هم الذين تركوا أماكنهم على الجبل
طلباً للغنيمة.
﴿ وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ وهم الذين ثبتوا في مركزهم، ولم يخالفوا
أمر نبيهم وَلّ مع أميرهم عبد الله بن جبير، فحمل خالد بن الوليد وعكرمة بن
أبي جهل عليه، وكانا يومئذ كافرين، فقتلوه مع من بقي، رحمهم الله.
والعتاب مع من انهزم، لا مع من ثبت، فإن من ثبت فاز بالثواب.
ثم بعد أن استوليتم عليهم، ردكم عنهم بالانهزام، فعل هذا ليمتحن
إيمانكم، ولقد عفا الله عنكم وغفر لكم ذلك الصنيع، بذلك الابتلاء الذي محا
أثر الذنب من نفوسكم وتاب عليكم لما ندمتم على ما فرطتم به، والله ذو
فضل على المؤمنين أي لم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، وربما كان سبب
العفو والفضل والرحمة كثرة عدد العدو وعُدَدهم، وقلة عدد المسلمين
وعددهم.
ثم ذكّرهم الله تعالى، فقال: اذكروا وقت أن صرفكم عنهم حين أصعدتم في
الجبل أي ذهبتم منهزمين، وأنتم لا تلتفتون لأحد من الدهش والخوف
والرعب، والحال أن الرسول قد خلفتموه وراء ظهوركم، يدعوكم إلى ترك
الفرار من الأعداء، قائلاً: ((إلي عباد الله، إلي عباد الله، أنا رسول الله، من
يكرّ فله الجنة)) وقال ابن عباس وغيره: كان دعاء النبي وَلقر: ((أي عباد الله
ارجعوا)) فالرسول يدعوكم في آخركم، جاء في البخاري: أخراكم: تأنيث
آخركم. قال البراء بن عازب: جعل النبي ◌َّ على الرِّجَّالة يوم أحد عبد الله
ابن جبير، وأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم. ولم يبق مع
النبي ◌ُّ غيراثني عشر رجلاً.
وكان جزاؤكم غماً بغمّ، والغم الأول: إلحاق الهزيمة وحرمان الغنيمة

٤٥٧
لُرُ (٤) - آلِعَتْر ان: ١٥٢/٣-١٥٥
والقتل بالصحابة، والغم الثاني الذي سبَّب الغم الأول: هو ما حدث للنبي
وله من ألم وضيق بسبب عصيائكم أمره، ومخالفتكم رأيه. وهذا أرجح
الأقوال كما قال ابن جرير الطبري.
وقد فعل بكم ذلك كله لتتمرنوا على الشدائد، وتتعودوا احتسال المكاره،
فإنها تصقل الأمم والأفراد، ولئلا تحزنوا على ما فاتكم من المنافع والمغانم،
ولا على ما أصابكم من المضارّ من عدوكم، كالجراح والقتل، والله خبير
بأعمالكم، فمجازيكم عليها، إذ العمل سبب النجاح والظفر، وتكميل
الإيمان والتحلي بالفضائل. وفي هذا ترغيب بالطاعة وزجر عن المعصية.
ثم ذكر الله تعالى ما امتن به على عباده من بعد الغم الذي اعتراهم، وهو
إنزال السكينة والأمن(١) وهو النعاس الذي غشيهم وغلبهم، وهم مشتملون
السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان،
ليستردوا ما فقدوه من القوة، وما عرض لهم من الضعف، كما قال في سورة
الأنفال في قصة بدر ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: ١١/٨]. قال
أبو طلحة: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي
مراراً، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه(٢). وروى البخاري أيضاً في التفسير عن
أبي طلحة قال: غشينا النعاس، ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي
يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه(٣).
وكان النعاس يغشى طائفة من الناس - والطائفة: تطلق على الواحد
والجماعة -، وهم المهاجرون وعامة الأنصار الذين كانوا على بصيرة في
إيمانهم، كما قال ابن عباس، أو هم أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل
على الله، وهم الجازمون بأن الله سينصر رسوله، وينجز مأموله.
(١) الأمن والأمنة سواء.
(٢) هكذا رواه البخاري في المغازي معلقاً.
(٣) ورواه أيضاً الترمذي والنسائي والحاكم بلفظ مقارب.

٤٥٨
لُزُرُ (٤) - أل عُثر انَ: ١٥٢/٣-١٥٥
وطائفة أخرى قد أهمتهم أنفسهم أي حملتهم على الهم، وملأ الخوف
قلوبهم، لعدم ثقتهم بنصر الله، ولعدم إيمانهم بالرسول، وهم جماعة من
المنافقين كعبد الله بن أبي ومُعَتِّب بن قُشَير وأتباعهم، لا يغشاهم النعاس من
القلق والجزع والخوف، ولا يهتمون بأمر الرسول والدين، وهم كما أخبر
الله: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤/٣] أي غير الظن
الحق الذي يجب أن يظنوه؛ إذ قالوا: لو كان محمد نبياً حقاً ما تسلط عليه
الكفار، وهو قول أهل الشرك بالله.
وهذه الطائفة الثانية يسألون رسول الله وَ له: هل لنا من الأمر والنصر
والفتح نصيب؟ يعنون أنه ليس لهم من ذلك شيء؛ لأنهم يعتقدون أن هذا
ليس بحق. وهذا سبب خطئهم الفاحش، فإن نصر الله رسله لا يمنع أن تكون
الحرب سجالاً، والمهم تمام الأمر والعاقبة.
فرد الله تعالى عليهم: بأن كل أمر يجري فهو بحسب سنته تعالى في الخليقة،
تلك السنة القائمة على ربط الأسباب بالمسببات، وأن الأمر والنصر كله لله، لا
لغيره، وهو ناصر عباده المؤمنين كما وعدهم بقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَ
[الصافات:
٧٣
١٧٣/٣٧].
أَنَا وَرُسُلَّ﴾ [المجادلة: ٢١/٥٨] وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ
وهؤلاء المنافقون يضمرون في أنفسهم العداوة والحقد، ويتساءلون في
الظاهر سؤال المؤمنين المسترشدين: ﴿هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ لكنهم
يبطنون الإنكار والتكذيب والنفاق.
ويقولون في أنفسهم أو لبعضهم بعضاً منكرين لقولك لهم: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ
كُلَُّ لِلّهِ﴾: لو كان الأمر كما قال محمد: إن الأمر كله لله ولأوليائه وإنهم
الغالبون، لما غلبنا قط، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة، فهم
يربطون بين النبوة والنصر، وأنه لو كان محمد نبياً ما هزم، وفاتهم أن النصر
من عند الله وتوفيقه، وأن الهزيمة بسبب مخالفات المسلمين.

٤٥٩
الُعُ (٤) - آلِّعَتْمَانَ: ١٥٢/٣-١٥٥
فرد الله عليهم بأن الآجال والأعمار بيد الله، وأن النصر من عند الله،
وأن من كتب عليه القتل فلا بد أنه مقتول، فلو كان في بيته وانتهى أجله،
لخرج إلى مكان مصرعه، والحذر لا يمنع القدر، والأمر كله بيد الله.
وقد فعل الله ما فعل من إلحاق الهزيمة بالمسلمين في نهاية غزوة أحد،
ليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص والثبات، وليميز ما في القلوب
من أمراض ووساوس الشيطان، والله عليم بذات الصدور أي بالأسرار
والخفيات، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وإنما فعل هذا
لينكشف حال الناس، وتظهر الحقائق، وتنجلي مواقف المؤمنين الصابرين
والمنافقين المخادعين.
وإن المؤمنين الذين انهزموا أو تركوا أماكنهم يوم التقاء الجمعين من
المسلمين والمشركين في أحد، إنما أوقعهم الشيطان فريسة له في الزلل والخطأ،
بسبب بعض ما كسبوا من ذنوبهم، ومعناه أن الذين انهزموا يوم أحد، كان
السبب في توليهم الأدبار: أنهم كانوا أطاعوا الشيطان، فاقترفوا ذنوباً أدت
بهم إلى منع التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا. وهذا يدل على أن الذنب يجر إلى
الذنب، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة، وتكون لطفاً فيها، كما قال
الزمخشري(١). وتكون المصائب والعقوبات ومنها الهزائم آثاراً للأعمال السيئة،
فإن من جزاء السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا ◌َللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي عما كان من الفرار، ولم
يؤاخذهم في الآخرة، وجعل عقوبتهم في الدنيا درساً وتربية وتمحيصاً، وهذا
يفتح أمامهم باب الأمل، ويدفع استيلاء اليأس على نفوسهم.
إن الله غفور يغفر الذنوب جميعها صغيرها وكبيرها بعد التوبة والاعتراف
(١) الكشاف: ٣٥٦/١

٤٦٠
الُعُ (٤) - ألِعَتْرَانَ: ١٥٢/٣-١٥٥
بالتقصير، حليم لا يعجل بالعقوبة على الذنب، وإنما يترك فرصة للعبد
لتصحيح أخطائه، ومعالجة تقصيره.
فقه الحياة أو الأحكام:
الناس في الماضي كالناس في الحاضر يعيشون في الأحلام والخيالات، فهم
ينتظرون النصر منحة إلهية خالصة للمؤمنين، دون أن يقوموا بواجباتهم
ويعملوا بما تقتضيه متطلبات الحروب مع العدو، فهم المكلفون من الخلق
بالجهاد وحمل الأمانة، وإذا جاهدوا وصبروا وثبتوا، أيدتهم العناية الإلهية،
وتحقق لهم النصر والفوز.
والله صادق الوعد بنصر المؤمنين ماداموا على الحق ثابتين، وفي ميدان
المعارك مجاهدين صابرين مطيعين متوحدين غير متفرقين، وأما الجبن
والضعف والتفرق والنزاع والأطماع الدنيوية فهي سبب الخذلان والهزيمة
المنكرة، وقد صدق الله وعده للمؤمنين في أحد، وأراهم الفتح في بداية
المعركة حين صرع صاحب لواء المشركين وقتل معه سبعة نفر، فلما عصوا
وخالفوا أمر النبي وَ ه بالثبات على جبل الرماة، واشتغلوا بالغنيمة أعقبهم
البلاء، وأدى بهم إلى الجراح والقتل، والهزيمة وفرار الناس من حول قائدهم
النبي.
وتغير وجه المعركة من نصر إلى هزيمة، فبعد أن استولى المسلمون على
المشركين ردهم عنهم بالانهزام، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ وهذا دليل على أن المعصية مخلوقة لله تعالى.
ولكن من لطف الله بعباده الذين أخطؤوا هذه المرة أن عفا عنهم، ولم
يستأصلهم بالمعصية والمخالفة، والله ذو فضل دائم على المؤمنين بالعفو
والمغفرة، قال ابن عباس: مانُصر النبي وَ لَّ كما نُصر يوم أحد، فأنكر
الصحابة ذلك، فقال لهم: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز وجل، إن
٠