النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
للزُعُ (٤) - آل عمران: ١٣٧/٣-١٤١
٢- بالفتح وتسكين الراء، وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ الواو إما للعطف، أو للحال فيكون المعنى: ولا
تضعفوا ولا تحزنوا، وهذه حالكم.
﴿نُدَاوِلُهَا﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من الأيام.
﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ الواو: إما عاطفة على فعل مقدّر، والتّقدير: لئلا يغتروا
وليعلم الله الذين آمنوا، وإما زائدة، أي ليعلم الله. والوجه الأول أوجه.
البلاغة:
﴿ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ﴾ التفات من الحاضر في كلمة ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ إلى الغيبة،
لتعظيم شأن الجهاد في سبيل الله.
المفردات اللغوية:
﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مضت. ﴿سُنَنٌ﴾ طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم،
واحدها سنة: وهي الطريقة المعتبرة والسِّيرة المتّبعة. ﴿وَهُدَّى﴾ من الضلالة
أي تبصير وإرشاد إلى طريق الدِّين القويم . ﴿ وَمَوْعِظَةٌ﴾ ما يلين القلب ويدعو
إلى التّمسك بالطاعة. ﴿ وَلَا تَهِنُواْ﴾ تضعفوا عن قتال الكفار، من الوَهن:
الضعف في العمل وفي الرّأي وفي الأمر. ﴿ وَلَا تَحْزَنُواْ﴾ على ما أصابكم بأُحد
أو غيرها من المعارك من الهزيمة. والحزن: ألم يعرض للنّفس من فقد ما تحبّ.
﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ بالغلبة عليهم. ﴿إِن كُتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ حقّاً.
﴿فَرٌْ﴾ جهد من جرح بسلاح ونحوه. ﴿اَلْأَيَّامُ﴾ المراد هنا أزمنة الفوز
والظّفر، واحدها يوم: وهو الزمن المعروف من الليل والنهار . ﴿نُدَاوِلُهَا﴾
نصرّفها بين النّاس، يوماً لهؤلاء ويوماً لآخرين، ليتّعظوا، كما وقع في يومي
بدر وأُحد.

٤٢٢
الُ (٤) - آل عمران: ١٣٧/٣-١٤١
﴿ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ﴾ أي ليظهر الله علمه. ﴿﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أخلصوا في إيمانهم
من غيرهم. ﴿شُهَدَاءَ﴾ واحدهم شهيد: وهو قتيل المعركة. ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ
اُلِّلِمِينَ﴾ أي يعاقب الكافرين، وأما ما ينعم به عليهم فهو استدراج.
﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ يطهرهم من الذّنوب ويخلِّصهم من العيوب بما يصيبهم.
﴿ وَيَمْحَقَ﴾ يهلك وينقص.
سبب النزول:
نزول الآية (١٣٩):
﴿ وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ﴾: قال ابن عباس: انهزم أصحاب رسول الله وَل
يوم أُحُد، فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن
يعلو عليهم الجبل، فقال النَّبِي ◌َِّ: ((اللهم لا يعلونَّ علينا، اللهم لا قوّة لنا
إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النّفر)) فأنزل الله تعالى هذه
الآيات، وثاب نفر من المسلمين رماة، فصعدوا الجبل، ورموا خيل المشركين
حتى هزموهم، فذلك قوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾(١).
سبب نزول أوّل الآية: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾: قال راشد بن سعد: لما
انصرف رسول الله وَليله كئيباً حزيناً يوم أحد، جعلت المرأة تجيء بزوجها
وابنها مقتولين، وهي تلدم، فقال رسول الله ويليه: أهكذا يفعل برسولك؟
فأنزل الله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسُكُمْ قَوْحٌ﴾ الآية(٢).
نزول آخر الآية (١٤٠):
﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما أبطأ على النّساء
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ٧١، لكن هذه الرّواية غير مخرجة، ويظهر منها الضعف.
(٢) المصدر السابق. واللَّدْم: صوت الحجَر أو الشيء يَقَع بالأرض، وليس بالصوت الشديد.

٤٢٣
الْجُزْعُ (٤) - آل عمران: ١٣٧/٣-١٤١
الخبر، خرجن ليستخبرن، فإذا رجلان مقبلان على بعير، فقالت امرأة: ما
فعل رسول الله وَلَّ؟ قالا: حيّ، قالت: فلا أبالي يتّخذ الله من عباده
الشهداء، ونزل القرآن على ما قالت: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءٌ﴾.
المناسبة:
إنّ ما حدث في وقعتي بدر وأُحد، وجزاء المؤمنين والكافرين هو سنة الله
في الخلق مع بيان الحكمة في النصر والانهزام، فالحق لا بدّ أن ينتصر على
الباطل مهما طال أمد وجوده، وقد جرى ذلك على أتباع الأنبياء السابقين،
كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين، كما وعد الله رسله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ
٧٢
وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ
كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (٦م
[الصافات: ١٧١/٣٧ - ١٧٣]،
﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ
﴾ [الأنبياء: ١٠٥/٢١].
١٢٠٥
اْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ
التّفسير والبيان:
إن مشيئة الله تسير على نظم ثابتة وسنن حكيمة، ترتبط فيها الأسباب
بالمسببات، والمقدّمات بالنتائج، وإن كان الله قادراً على كل شيء، وتلك
السّنة في الماضين واللاحقين هي أن من سار على منهاج الطائعين المؤمنين
الموفقين، حظي بالسعادة والنّصر والفلاح، ومن سار في طريق العصاة
المكذّبين، كانت عاقبته خُسراً ودماراً وهلاكاً.
ففي أحوال السّلم إن سار المرء على الأصول المطلوبة والنّظم العلمية
والخبرات المعروفة في شؤون الزراعة والصّناعة والتّجارة وغيرها، نجح وظفر
بمراده، وإن كان ملحداً أو وثنيّاً أو مجوسيّاً. وإن جانب المعقول، وخرج عن
المألوف، كان من الخاسرين، وإن كان صالحاً تقيّاً.
وفي أحوال الحرب إن أعدّ القائد العدّة المناسبة في كل عصر لقتال العدوّ،
٠
٠

٤٢٤
الُرُ (٤) - آلعمران: ١٣٧/٣-١٤١
كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُمْ مَا اُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّقِ﴾ [الأنفال: ٦٠/٨] ودَرَّب
الجيش على فنون الحرب تدريباً صحيحاً عالياً، تحقق النصر والغلبة، وإن
أهمل الإعداد والتّدريب، أدركته الهزيمة.
ومن سار في الأرض، وتعقب أحوال الأمم، وتدبَّر التاريخ وعرف
الأخبار، يجد مصداق تلك السّنة الإلهية الثابتة وهي الفوز لمن أحسن، والخيبة
لمن أساء.
وفي هذا تنبيه لمن أساء وخالف أمر النَّبِي وَّ في أُحد، وتذكير بأنّ النّصر
يوم بدر كان بسبب الثبات وصدق اللقاء وإطاعة الله والرّسول وحسن التّوكل
على الله والثقة بقدرته ورحمته وفضله.
وهذا كله في القرآن بيان صريح للنّاس جميعاً، وهداية وموعظة للمتقين
منهم خاصة؛ لأنهم المنتفعون بهدي القرآن: ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ لَا رَيْبَ فِهِ
[البقرة: ٢/٢]، ﴿تِلَّكَ ءَايَتُ اَلْكِنَبِ الْحَكِيمِ ﴾َ هُدَّى
هُدًى لِلْمُنَّقِينَ
وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ
[لقمان: ٢/٣١-٣]، إنه بيان الأمور على نحو واضح،
وكيف كان الأقدمون مع أعدائهم، وهو زاجر عن المحارم والمخالفات.
وذلك يدحض قول المشركين والمنافقين: «لو كان محمد رسولاً حقّاً لما غُلِب
في وقعة أُحد)) مما يتبين أن سنن الله حاكمة على الأنبياء والرّسل وسائر الخلق،
فما من قائد لا يطيعه جنوده ويخالفون أوامره، إلا كان جيشه عرضة للهزيمة.
وإذا عرف المؤمنون هذه الحقيقة فيجب عليهم ألا يضعفوا عن القتال
بسبب ما جرى في أُحد، وما يجري من مسّ السّلاح، ولا يحزنوا على ما
أصابهم من قتل في أُحد، فالقتيل شهيد مكرم عند الله يوم القيامة، وتلك
الموقعة درس وتربية وتعليم للمسلمين، لذا قال النَّبِي وَّ: (لو خُيِرت بين
الهزيمة والنّصر يوم أُحد لاخترت الهزيمة)).

٤٢٥
الجُزُ (٤) - آلِ عَتْر انَ: ١٣٧/٣-١٤١
وليس لكم أن تضعفوا وتحزنوا، وأنتم الأعلون، والعاقبة والنصر لكم أيها
المؤمنون، بمقتضى سنّة الله في جعل العاقبة للمثَّقين، وقتلاهم في الجنّة، وقتلى
الكافرين في النّار. والمراد بالنّهي عن الوهن والحزن: النّهي عن الاستسلام،
والعودة إلى التّأهُّب والاستعداد، مع صدق العزيمة، وقوّة الإرادة، وحسن
الظَّن بالله، والتّوُّل عليه والثِّقة بالنّصر.
وكيف تضعفون بسبب الآلام والجراح والقتل، فإن كنتم قد أصابتكم
جراح، وقتل منكم طائفة في أُحد، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من
قتل وجراح، بل وتعرّضوا لألم أكثر في بدر، فإن هزمتم في أحد، فقد انتصرتم
في بدر، والأ یّام دول، والحرب سجال، ویوم لكم ويوم عليكم، وذلك كله
لحكمة، فنجعل للباطل دولة في يوم، وللحقّ دولة في أيّام، والعاقبة والنّصر في
النهاية للمتَّقين المخلصين. جاء في السِّيرة أنّ أبا سفيان صعِد الجبل يوم أُحد،
فمكث ساعة، ثم قال: أين ابن أبي كبشة؟ يعني محمداً بَّه، وأبو كبشة زوج
حليمة السعدية، وهو أبوه من الرّضاع، أين ابن أبي قحافة؟ - أي أبو بكر -
أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله وَ لجر، وهذا أبو بكر، وهأنذا
عمر، فقال أبو سفيان: يوم بيوم، والأيّام دول، والحرب سجال. فقال عمر
رضي الله عنه: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النّار، فقال: إنكم
تزعمون ذلك، فقد خبنا إذن وخسرنا (١).
إن تقلُّب الأحوال بين الدّول ليظهر العدل ويستقرّ النظام، ويعلم الناظر
في السّنن العامة، وليظهر الله علمه بتحقق إيمان المؤمنين، وانكشاف الصابرين
على مناجزة الأعداء، كقوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ١٨
٣٧] أي ليعلم الناس الفرق بينهما ويميزوه، ولذا قال النَّبِي وَ لّ بعد موقعة أُحد
لمطاردة المشركين: ((لا يذهب معنا في القتال - أي في غزوة حمراء الأسد - إلا
(١) تفسير ابن كثير: ٤١٢/١، تفسير القرطبي: ٢٣٤/٤

٤٢٦
الزُعُ (٤) - آلِعَتْرَانَ: ١٣٧/٣-١٤١
من قاتل)) فذهب المؤمنون الصّادقون بالرّغم من تعبهم وعنائهم. وقد فشّرنا :
﴿ وَلِيَعْلَمَ اٌللَّهُ﴾ بأن يظهر الله علمه بذلك للناس بما يعلم به؛ إذ علم الله
بالأشياء ثابت في الأزل، فما يقع يكون مطابقاً لعلم الله السابق في الأزل،
وعلم الله لا يكون إلا مطابقاً للواقع.
وليعدَّ الله أناساً للشهادة في سبيل الله، فيقتلون في سبيله ويبذلون أرواحهم
في مرضاته، فقد فات بعض المؤمنين الاستشهاد يوم بدر، فتمنوا لقاء العدو،
ليحظوا بمرتبة الشهادة. وقد كرّم الله الشهداء بالحياة البرزخية، وبالدرجة
الموازية للأنبياء، فقال: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ
﴾ [آل عمران: ١٦٩/٣]، وقال: ﴿فَأُؤْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ
١٢٩٠
عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّئِنَ وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ﴾ [النساء: ٦٩/٤].
وبصدد ذلك ذكر مَنْ ليسوا مِنَ الشُّهداء تنويهاً بإخلاص الشهداء، فقال
تعالى: والله يعاقب الظالمين الكافرين، بسبب ظلمهم أنفسهم وفسادهم في
الأرض، وبغيهم على الناس، ويعجل زوال دولتهم وسلطتهم؛ لأن الظلم لا
بقاء له.
ثم أكّد الله تعالى أنّ المعارك مجالات كشف وإبراز وتطهير، ففيها يتميّز
المؤمنون الصادقون عن المنافقين، وبها عرف صدق الإيمان وصلابة العزيمة
والثبات عند الابتلاء، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اُلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ
[آل عمران: ١٤٣/٣]، ففي غزوة أُحد
تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
تراجع المنافقون ولاذوا بالفرار، بل إن بعض المؤمنين في أثناء المعركة هرب،
وثبت الآخرون حول النَّبِي وََّ، فتبيَّن أن تمنيات اللقاء مع العدو مجرد آمال لا
قرار ولا ثبات لها، وقد ثبت في الصحيحين: أن رسول الله وَله قال: ((لا
تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ
الجنّة تحت ظلال السُّيوف)).

٤٢٧
الزُُّ (٤) - آل عمران: ١٣٧/٣-١٤١
ومن فوائد المعارك أيضاً تبيان حال الكفار، فهم إن ظفروا كما في أُحد
بغوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم، فلا بقاء
ولا استمرار لهم، ولا ثبات لأحوالهم أمام المؤمنين الصادقين. وإذا هزموا
كما في بدر عاجلهم الله بالدّمار والفناء، والعاقبة للمتّقين.
وقد وردت آيات كثيرة في معنى هذه الآيات منها: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ
اُلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّةُ وَزُلْزِلُواْ﴾
[البقرة: ٢١٤/٢]، ومنها: ﴿الَّ ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُوَأْ ءَامَنَّا
وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (3
﴾ [العنكبوت: ١/٢٩-٢]، ومنها الآية التالية: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ
أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ اُلصَِّرِينَ
﴾ [آل
عمران: ٣/ ١٤٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع هذه الآيات بتعبير العصر: تقوية الرّوح المعنوية للمؤمنين،
وجعلها عالية سامية لا تتأثر ولا تهتز بأحداث المعارك والقتال. وفي تعبير
المفسرين: هذا تسلية من الله تعالى للمؤمنين.
وهي تذكرهم بسنّة الله الدّائمة في الكون، وهي ارتباط الأسباب
بالمسببات، مع الإيمان بالقدرة المطلقة لله في إيجاد ما يشاء، إنها تذكير بهلاك
من كذب قبلنا أنبياءهم كعاد وثمود، والعاقبة أي آخر الأمر للمؤمنين، فإن
انتصر المشركون يوم أحد، فهذا إمهال واستدراج، وسيكتب النّصر النهائي
للنّبي ◌َّر والمؤمنين، وسيهلك أعداؤهم الكافرون.
١٠
ثم عزّى الله المؤمنين وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح،
وحثَّهم على قتال عدوّهم، ونهاهم عن العجز والفشل والقعود عن جهاد
الأعداء، فإن الهزيمة أو المصيبة تذكر بضرورة تصحيح الأخطاء، وتهيء
لدراسة عميقة لمستقبل الأحداث، وتخطط لمعارك كثيرة، يكون الماضي خير

٤٢٨
لُعُ (٤) - آل عمران: ١٣٧/٣-١٤١
درس وعبرة فيها، وعندئذٍ تكون العاقبة بالنصر والظفر للمؤمنين إذا أحسنوا
الإعداد، واستفادوا من أخطاء الماضي.
وتحقق وعد الله للمؤمنين بأنهم الأعلون أي الغالبون على الأعداء بعد
أُحد، فكان النّصر والظّفر في المعارك المتوالية، في عهد النَّبي ◌ََّ، وفي عهد
الصَّحابة من بعده أيضاً. وهذا دليل على فضل هذه الأمّة؛ لأنه خاطبهم بما
خاطب به أنبياءه، فقال لموسى عليه السّلام: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٢٠/
٦٨]، وقال لهذه الأمّة: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩/٣].
وتداول الأيام بين الناس في الحرب، فيكون النّصر مرّة للمؤمنين لنصر الله
عزّ وجلّ، ومرّة للكافرين إذا عصى المؤمنون، إنما هو ليُرى المؤمن من المنافق،
فيميز بعضهم من بعض، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ يَوْمَ اُلْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبَإِذْنِ
ج
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ [آل عمران: ١٦٦/٣ -١٦٧].
٦٦
اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ اٌلْمُؤْمِنِينَ
ومن فوائد المداولة: إكرام قوم بالشّهادة، فيقتلون، فيكونون شهداء على
النّاس بأعمالهم، وليصيروا مشهوداً لهم بالجنّة، وللشهادة فضل عظيم، كما
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَننَّ لَهُمُ
اُلْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١/٩]، وقال: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدْلُكُمْ عَلَى تِجَزَمِ شُجِيكُمْ
چ
تُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَقْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ إلى
مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمِ
قوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠/٦١]. وفي صحيح البُسْتي عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله وَ له: ((ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدُكم من
القُرْحة)».
ودلّ قوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾ على أن الإرادة غير الأمر، كما يقول
أهل السّنة، فإن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين: حمزة وأصحابه،
وأراد قتلهم، ونهى آدم عن أكل الشجرة، وأراده، فواقعه آدم، وعكسه أنه
أمر إبليس بالسجود ولم يرده، فامتنع منه، وأشار تعالى لذلك: ﴿ وَلَكِن
مے

٤٢٩
اِلُرُ (٤) - آلِ عُقْرَانَ: ١٣٧/٣-١٤١
كَرِهَ اْللَّهُ أَنْبِعَائَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦/٩]. وأمر تعالى الجميع بالجهاد،
ولكنه خلق الكَسَل والأسباب القاطعة عن المسير، فقعدوا.
ودلّ قوله: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظّلِينَ﴾ أي المشركين على أنه تعالى وإن حقق
نصر الكفار على المؤمنين مرة، فهو لا يحبّهم ويعاقبهم، وإن أوقع ألماً بالمؤمنين
فإنه يحبهم ویثیبهم.
وتتلخّص نتيجة المداولة بين المؤمنين والكفار في الحروب: أن الله شرع
اللقاء ليبتلي المؤمنين ويثيبهم ويخلصهم من ذنوبهم، ويستأصل الكافرين
بالهلاك.
وللجنة ثمن وبدل ثمين، فهل حسبتم يا من انهزموا يوم أحد أن تدخلوا
الجنّة، كما دخل الذين قُتلوا وصبروا على ألم الْجِراح والقتل، من غير أن
تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم؟! لا.

٤٣٠
الجزءُ (٤) - آل عمران: ١٤٢/٣-١٤٨
عتاب لبعض أهل أُحد بقدسية الجهاد وضرورة الثبات
على المبدأ وتذكير بأن الموت بإذن الله
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ
وَلَقَدْ كُمْ تَعَنَّوْنَ أَلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ نَنْظُرُونَ
الصَّبِرِينَ
وَمَا تُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَّ
٤٣
أَعْقَبِّكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ
وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الذُّنْيَا
نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَاْ وَسَنَجْرِى الشَّكِينَ (١٥) وَكَأَِّّنِ مِّن نَّبِيٍّ
قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا أُسْتَكَانُواْ
وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِينَ ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىّ
فَقَائَهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ
١٤٧
أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنْصُرْنَا عَلَىَ اُلْقَوْمِ الْكَفِينَ
(١٤٨)
ثَوَابٍ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
القراءات:
﴿مُؤَجَّلاً﴾: وقرئ: (موجلاً) وهي قراءة ورش.
نُؤْتِهِ،﴾: قرئ:
١- (نؤتهِ منها) بقصر كسرة الهاء، وهي قراءة قالون.
٢- (نوتهِ) بإشباع كسرة الهاء، وهي قراءة ورش.
٣- (نوتة) وهي قراءة السوسي.
٤- (نؤتهِ) بإشباع كسرة الهاء، وهي قراءة الباقين.

٤٣١
لُعُ (٤) - آل عمران: ١٤٢/٣-١٤٨
( وَلاَیِن﴾ : قرئ:
١- (كأين) بالنون، وهي قراءة الجمهور.
٢- (كأي) بياء دون نون، وهي قراءة أبي عمرو.
٣- (كائن) وهي قراءة ابن كثير.
﴿نَّبٍِ﴾: وقرئ: (نبيء) وهي قراءة نافع.
﴿قَتَلَ﴾: قرئ:
١- (قُتل) مبنياً للمفعول، وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو.
٢- (قاتل) فعلاً ماضياً، وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أم ههنا المنقطعة؛ لأنها ليس قبلها همزة. ﴿وَلَمَّا﴾ حرف
لنفي ما قرب من الحال.﴿يَعْلَمِ﴾ مجزوم بلما، وكسرت لالتقاء الساكنين،
و﴿ يَعْلَمِ﴾: ههنا بمعنى يعرف، ولهذا تعدّت إلى مفعول واحد وهو الذين.
﴿ وَيَعْلَمَ﴾ منصوب بتقدير أن، أي لم يجتمع العلم بالمجاهدين والصابرين . ﴿أَن
تَلْقَوْهُ﴾ في موضع بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه، والهاء تعود على الموت، وكذا هاء:
(رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي رأيتم أسبابه، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
﴿أَنْ تَمُوتَ﴾ أن وصلتها في تأويل مصدر في موضع رفع اسم كان. ﴿إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ خبر كان. ﴿كِنَبًا مُؤَجَّلاً﴾ منصوب على المصدر. ﴿نُؤْتِهِ، مِنْهَا﴾
قرئ بالإشباع وهو أحسن من الاختلاس والإسكان؛ لأنه الأصل، ثم
الاختلاس ثم الإسكان وهو أضعفها . ﴿ وَكَيِّن﴾ بمنزلة ((كم)) في الدّلالة على
العدد الكثير، وأصلها ((أي)) أدخلت عليها كاف التّشبيه. ﴿رِبِّيُّونَ﴾ فاعل

٤٣٢
لِلُُ (٤) - آل عمران: ١٤٢/٣-١٤٨
مرفوع لقاتل، والجملة في موضع جر صفة لنبي. وخبر (كَأَيّن) مقدر،
وتقديره: في الدّنيا، أو في الوجود وما أشبه ذلك.
البلاغة:
﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعني الموت، شاهدتموه، فيه ما يسمى بالتخييل: وهو
مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس، كما تتخيّل الشاة صداقة الكبش،
وعداوة الذئب.
﴿ وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ﴾ قصر موصوف على صفة.
﴿ أَنْقَلَبْتُمْ عَى أَعْقَبِكُمْ﴾ استعارة، شبّه سبحانه الرّجوع عن الدّين في
الارتياب بالرّجوع على الأعقاب.
المفردات اللغوية:
﴿أَمْ﴾ بل. ﴿وَلَمَّا﴾ لم، لكن لنفي قريب الحصول. ﴿يَعَلْمِ﴾ علم ظهور.
(جَهَدُواْ﴾ الجهاد: تحمّل المشاق ومكافحة الشدائد، وهو يشمل جهاد
النفس (الجهاد الأكبر) وجهاد الأعداء بالنفس دفاعاً عن الدِّين وأهله وإعلاء
كلمته (الجهاد الأصغر)، والجهاد بالمال للدّين والأمة، ومجاهدة الباطل
ونصرة الحق.
﴿تَمَنَّوْنَ اٌلْمَوْتَ﴾ أي تتمنون الشهادة في سبيل الله. ﴿تَلْقَوْهُ﴾ تشاهدوا
أهواله وتروا مخاطره. ﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾ رأيتم أسباب الموت من لقاء الشجعان
ومصاولة الفرسان .﴿ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾ تتأملون وتبصرون الحال كيف هي، فلِمَ
انهزمتم. ونزل في هزيمتهم لما أُشيع أن النَّبي ◌َّ قتل، وقال لهم المنافقون: إن
كان قتل فارجعوا إلى دينكم.
﴿ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَِكُمْ﴾ أصل معناه: رجعتم إلى الوراء، والمراد هنا

٤٣٣
إِلُعُ (٤) - آلِعَتْرَانَ: ١٤٢/٣-١٤٨
رجعتم كفاراً بعد إيمانكم. وهذه الجملة استفهام إنكاري، أي ما كان محمد
معبوداً فترجعوا إلى الكفر.
﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بقضائه. ﴿كِنَبًا﴾ مصدر أي كتب الله ذلك. ﴿مُؤَجَّلاً
ذا أجل مؤقت لا يتقدم ولا يتأخر، والأجل: المدّة المضروبة للشيء.
﴿وَكَأَّيِّنِ﴾ كلمة بمعنى كم، تفيد كثرة ما دخلت عليه. ﴿رِبِيُّونَ﴾ جماعات
كثيرة، واحدهم ربٍِّ: وهو الجماعة. ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا
ضَعُفُواْ وَمَا أُسْتَكَانُواْ﴾ وهنوا: ضعفوا وجبنوا، والوهن: ضعف يصيب
القلب، والضعف: اختلال قوة الجسم، والاستكانة: الاستسلام والخضوع
للعدو ليفعل ما يريد.
﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ﴾ يثيبهم، والصبر: احتمال الشدائد وتحمل المكاره.
﴿ وَإِسْرَافَنَا﴾ الإسراف: تجاوز الحدّ في كل شيء، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُواْ
وَاشْرَبُواْ وَلَا تُشْرِفُواْ﴾ [الأعراف: ٣١/٧].
﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ بتقوية قلوبنا على الجهاد وإزالة الوساوس من صدورنا.
سبب النزول:
نزول الآية (١٤٣):
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس: أنّ رجالاً من الصحابة، كانوا
يقولون: ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر، أو ليت لنا يوماً كيوم بدر، نقاتل
فيه المشركين، ونُبلي فيه خيراً، أو نلتمس الشهادة والجنة، أو الحياة والرزق،
فأشهدهم الله أُحداً، فلم يلبثوا إلا من شاء منهم، فأنزل الله: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ
تَمَنَّوْنَ اٌلْمَوْتَ﴾ الآية. أي فلم يبق فيهم أحد على قيد الحياة إلا من شاء الله
بقاءه حياً .
نزول الآية (١٤٤):
أخرج ابن المنذر عن عمر، قال: تفرقنا عن رسول الله وَل ﴿ يوم أُحد،

٤٣٤
الُعُ (٤) - آلِ عُقْرَانَ: ١٤٢/٣-١٤٨
فصعدت الجبل، فسمعت اليهود تقول: قتل محمد، فقلت: لا أسمع أحداً
يقول: قتل محمد إلا ضربت عنقه، فنظرت فإذا رسول الله وضّله، والناس
يتراجعون، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الرّبيع قال: لما أصابهم يوم أحد ما أصابهم من
القرح، وتداعوا نبي الله، قالوا: قد قتل، فقال أناس: لو كان نبيّاً ما قتل،
وقال أناس: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيِّكم حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا
به، فأنزل الله: ﴿وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ﴾ الآية.
وقال عطية العوفي: لما كان يوم أُحد، انهزم الناس، فقال بعض الناس:
قد أصيب محمد فأعطوهم بأيديكم، فإنما هم إخوانكم؛ وقال بعضهم: إن
كان محمد قد أصيب، ألا ما تمضون على ما مضى عليه نبيُّكم، حتى تلحقوا
به، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ﴾ الآية.
وأخرج ابن راهويه في مسنده عن الزُّهري: أنّ الشيطان صاح يوم أُحد،
إن محمداً قد قتل، قال كعب بن مالك: وأنا أول من عرف رسول الله وَله،
رأيت عينيه من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: هذا رسول الله وَلته، فأنزل
الله: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ﴾ الآية.
المناسبة:
ما يزال الكلام عن أهل غزوة أُحد، ففي الآيات السابقة إرشاد إلى أنه لا
ينبغي لهم أن يحزنوا أو يضعفوا، وأنّ ما أصابهم من المحنة والبلاء، جاء على
سنّة الله الثابتة في المداولة بين الناس، ولتمحيص أهل الحق والإيمان، وكان
فيها تقوية معنوية وتسلية للمؤمنين كي يتربّوا على حبّ الجهاد والتّحلي
بالصفات التي ينالون بها النصر. وهذه الآيات تبيّن أن طريق السعادة في
الآخرة بالجهاد والصّبر، وفي الدُّنيا بالثبات على المبدأ والالتفاف حول النَّبي في
المعركة، والتضحية والإحسان، وملازمة الحق والعدل والإنصاف.

٤٣٥
المجموع (٤) - العمران: ١٤٢/٣-١٤٨
التفسير والبيان:
هل ظننتم دخول الجنة وأنتم لم تجاهدوا في سبيل الله، ولم تصبروا في
القتال؟ لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا وتختبروا، ويرى الله منكم
المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقاومة الأعداء. وهذا مثل قوله تعالى:
﴿الَّمَ ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُوَأْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ
[العنكبوت: ١/٢٩-٢].
ويلاحظ أن ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل، ومعنى الهمزة فيها الإنكار.
وللجهاد أنواع: جهاد النفس والهوى والشيطان، وخاصة في عهد
الشباب، وجهاد العدوّ بالنفس لإعلاء كلمة الله والدّفاع عن البلاد
والأوطان، والجهاد بالمال في سبيل الدِّين والأمّة والمصلحة العامة، وجهاد
الباطل ومدافعته ونصرة الحق.
والصبر مطلوب عند أداء التكاليف الشرعية الدائمة والمؤقتة، وطاعة الله
والرّسول، وفي وقت البلاء والشدة والمحنة، وعند مقاومة الأعداء.
والمراد بنفي العلم من الله عدم ظهوره ووقوعه، فهو دليل على عدم وقوع
الجهاد والصبر منكم، أما في الحقيقة فالله يعلم ذلك منذ الأزل، ولكن المراد
إقامة الدّليل والبرهان على الناس بصدور ما يوجب لهم الجنة والمغفرة.
ثم خاطب الله بعض المؤمنين الذين لم يشهدوا بدراً، وكانوا يتمنون أن
يحضروا مشهداً مع رسول الله وَله ليصيبوا من كرامة الشهادة ما نال شهداء
بدر، وهم الذين ألحوا على رسول الله وير في الخروج إلى المشركين، وكان رأيه
في الإقامة بالمدينة. فقال الله لهم: قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم تتمنون
لقاء العدو، وتتحرقون عليه، وتودون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل
لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا.

٤٣٦
لالُعُ (٤) - آل عمران: ١٤٢/٣-١٤٨
فلما كان يوم أُحد ولّ جماعة منهم، فعاتبهم الله على ذلك. روي عن
الحسن البصري أنه قال: بلغني أنّ رجالاً من أصحاب النَّبِي وَلَّ كانوا
يقولون: لئن لقينا مع النَّبِي وَلّهِ لنفعلَنَّ ولنفعلَنَّ، فابتلوا بذلك، فلا والله، ما
كلُّهم صدَق، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اُلْمَوْتَ﴾.
وتمني الموت: معناه تمني الشهادة في سبيل الله. ولقد تمنى الشهادة جماعة لم
يشهدوا بدراً، حتى إذا دارت معركة القتال مع الأعداء في أحد، وشهدوا
أسباب الموت من اشتباك الرّماح، وظهور الأسنة، واصطفاف الرجال
للقتال، جبنوا وضعفوا، وتركوا رسول الله يتلقى السهام، وهو يدعوهم إلى
الوقوف بجانبه، ويدعوهم إلى عبادة الله، وصدق اللقاء والثبات.
فمعنى قوله: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾ أي رأيتم الموت، أي أسبابه،
معاينين مشاهدين له، حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم،
وشارفتم أن تقتلوا. وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت، وعلى ما تسببوا له من
خروج رسول الله وَلقر، بإلحاحهم عليه، ثم انهزامهم عنه، وقلة ثباتهم عنده.
ولما انهزم المسلمون يوم أحد، وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن
محمداً قد قتل، ورجع ابن قمئة إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمداً، وإنما
كان ضرب رسول الله وَ﴿، فشجه في رأسه، فظنّ الكثيرون أن رسول الله وَليقول
قد قتل، فأنزل الله: ﴿ وَمَا تُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَتْ مِن قَبْلِهِ الرَّسُلُ﴾ الآية،
أي له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه، فقد توفي موسى وعيسى
عليهما السّلام، وقتل زكريا ويحيى عليهما السّلام، ومع هذا ظلّت ديانتهم
كما هي، وأتباعهم متمسكون بها، فعليكم الثبات على الدين والمبدأ كما كنتم
ولو مات أو قتل، فالرّسول بشر كسائر الأنبياء، له مهمة تنتهي بانتهاء أجله،
فمن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حيٌّ باقٍ
لا يموت.

٤٣٧
الُ (٤) - آل عمران: ١٤٢/٣-١٤٨
ثم أنكر الله تعالى على من حصل له ضعف بأن من يرجع عن دينه والجهاد
في سبيل الله ومقاومة الأعداء، فلن يضرّ الله شيئاً بما فعل، بل يضرّ نفسه.
وسيجزي الله الشاكرين نعمه الذين قاموا بطاعته، وقاتلوا عن دينه، واتّبعوا
رسوله حيّاً وميِّتاً بأن يمنحهم من فضله ورحمته في الدُّنيا والآخرة بحسب
شكرهم وعملهم. وكانت هذه تمهيداً لموت النَّبِي وََّ، وتذكيراً لأمثال عمر
رضي الله عنه. وهذا يعني أن المصائب التي تحلّ بالإنسان لا مدخل لها في كونه
على حق أو باطل.
قال أنس بن النضر عم أنس بن مالك في ساعة اشتداد الأزمة على المسلمين
في أحد، وحين شاع بين الناس أنّ النَّبي ◌َّ قد قتل، وظهر على لسان بعض
ضعفاء المؤمنين: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي، فيأخذ لنا أماناً من أبي
سفيان، وقال بعض المنافقين: إن كان محمد قد قتل، فالحقوا بدينكم الأول،
قال: ((إن كان محمد قد قتل، فإن ربّ محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد
رسول الله ◌َ﴾؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه)).
ثم قال: ((اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به
هؤلاء))، ثم شدّ بسيفه، فقاتل حتى قتل رضي الله عنه(١).
وقال البخاري: عن أبي سلمة أن عائشة رضي الله عنها أخبرته: أنّ أبا
بكر رضي الله عنه أقبل على فرس من مسكنه بالشُّنْح(٢)، حتى نزل، فدخل
المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمَّمَ النبيَّ وَِّ، وهو
مغطّى (مغشى) بثوب حِبَرة (بُرْد يمانٍ)، فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه وقبَّله
وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين: أما الموتة
التي كتبت عليك فقد متّها(٣).
(١) تفسير القرطبي: ٢٢١/٤، تفسير ابن كثير: ٤١٣/١
(٢) موضع بعوالي المدينة، وهي منازل بني الحارث بن الخزرج، بينها وبين منزل النَّبي ◌ِ لي ميل.
(٣) كما في البخاري كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت.

٤٣٨
لُعُ (٤) - آلِ عُثْرَانَ: ١٤٢/٣-١٤٨
وقال الزهري: وحدثني أبو سلمة عن ابن عبّاس أن أبا بكر خرج، وعمر
يكلم الناس، وقال: اجلس يا عمر، قال أبو بكر: أما بعد، من كان يعبد
محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فإنّ الله حيّ لا يموت، قال
الله تعالى: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ
أَنْقَلَبْتُمْ عَلَىَّ أَعْقَلِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اَللَّهُ
الشَّاكِرِينَ﴾ قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى
تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلهم، فما أسمعُ بشراً من الناس إلا
يتلوها. وروى ابن ماجه عن عائشة مثل ذلك(١).
وقال الزّهري أيضاً: وأخبرني سعيد بن المسيِّب أن عمر قال: والله ما هو
إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعرقت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى هويت إلى
الأرض.
وقال أبو القاسم الطبري بسنده - فيما حدثوا به - عن ابن عبّاس: أنّ
عليّاً كان يقول في حياة رسول الله وَله: ﴿أَفَإِئْن ◌َّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَ
أَعْقَلِكُمْ﴾: والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو
قتل، لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه ووليه وابن عمه
ووارثه، فمن أحق به مِّي(٢) ؟
ثم أخبر تعالى أنه لا يموت أحد إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي
حددها الله له، ولذا قال: ﴿كِنَبًا مُؤَجَّلًا﴾ أي أثبته الله مقروناً بأجل معين،
ومؤقتاً بوقت لا يتقدم ولا يتأخر، فقد يظل الشجاع الذي تعرض لأهوال
الحرب حيّاً، ويموت الجبان الذي تخبأ في مأواه. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا
يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَبٍ﴾ [فاطر: ١١/٣٥]، وقوله:
﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىَ أَجَلَاً وَأَجَلٌ مُسَمِّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢/٦]،
وقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَنْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١/١٦].
(١) تفسير القرطبي: ٢٢٢/٤-٢٢٣
(٢) تفسير ابن كثير: ٤٠٩/١-٤١٠

٤٣٩
لُزُعُ (٤) - آل عمران: ١٤٢/٣-١٤٨
فالأعمار محدودة، والآجال محتومة، والأقدار هي الحاكمة، والله وحده
هو المتصرف في كل شيء، فيأذن بقبض كل نفس على وفق علمه دون تأخير
ولا تقديم، سواء في الحرب أو في السلم.
وفي هذه الآية تشجيع للجبناء، وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام
والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه، فكيف يسوغ الجبن والضعف ما
دام العمر بيد الله، وانقضاؤه بمشيئة الله؟
ثم بيَّن الله تعالى غاية البشر: وهي إما إرادة الدُّنيا، وإما إرادة الآخرة. فمن
قصد بعمله التوصل للدُّنيا فقط، ناله منها ما قدره الله له، ولم يكن له في
الآخرة من نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله من ثوابها وما
قسم له من الدُّنيا، كما قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِ
حَرْثِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْيِِّ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِىِ الْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ
﴾ [الشورى: ٢٠/٤٢]، وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيْهَا مَا
وَمَنْ أَرَادَ
نَشَآءُ لِمَن تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهََّمَ يَصْلَئِهَا مَذْهُومًا مَّدْخُورًا (َ)
١٩
اُلْأَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا
[الإسراء: ١٨/١٧-١٩]، وآخر هذه الآية يطابق ما ههنا: ﴿ وَسَنَجْزِى الشَّكِرِينَ﴾
أي سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدُّنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم،
ونؤتيهم الثواب الأبدي على ترك الانهزام.
أما أنتم يا من قصدتم الدنيا وهرعتم لجمع الغنائم وخالفتم أمر نبيكم
وقائدكم في أحد، بإمكانكم الحصول على الدنيا، ولكنكم ضيعتم ما يدعوكم
إليه نبيكم وهو الدنيا والآخرة. ففي الآية تعريض بهؤلاء الذين شغلتهم الغنائم
يوم أحد، وفيها إشارة بقوله (يُرِدُ﴾ إلى أن الإرادة الشخصية هي التي تحدد
طبيعة العمل من خير أو شر، وهذا مطابق لقوله مسير فيما يرويه الشيخان عن
عمر: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)).

٤٤٠
لُعُ (٤) - آل عمران: ١٤٢/٣-١٤٨
ثم قال الله تعالى مسلياً المؤمنين عما كان وقع في نفوسهم يوم أحد: ﴿ وَكَأَیِّن
مِّن نَّبٍِ﴾ أي أن كثيراً من الأنبياء قاتلوا في سبيل الله، وقاتل معهم كثير من
أصحابهم الذين آمنوا بهم لإعلاء كلمة الله، وكانوا هداة معلمين فما ضعفوا
بعد ما قتلوا وقتل نبيهم، ولا وهنت عزائمهم عن الجهاد بعدئذ، ولا
استسلموا للأعداء، ولا خضعوا للدنيا ومتاعها، ولا ولّوا الأدبار، بل ثبتوا
وصبروا بعد قتل نبيهم، كما ثبتوا في حال الحياة، والله يحب الصابرين الذين
صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله، فهو يهديهم ويرشدهم ويثيبهم أجزل
الثواب، وهذه نبذة من مفاخر أفعالهم، وتعريض بما أصاب المسلمين من
الوهن والانكسار عند الإرجاف بقتل رسول الله وَله وبضعفهم عند ذلك عن
مجاهدة المشركين واستكانتهم لهم حين أرادوا الأمان من أبي سفيان.
أما محاسن أقوالهم أي الربيين فهي أنهم قالوا عند نزول الكارثة: ربنا اغفر
لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا وتجاوزنا أمرك، وثبّت أقدامنا في مواطن الحرب
ولقاء العدو، وانصرنا على القوم الكافرين.
وطلبهم المغفرة من الذنوب وغيرها مع كونهم ربانيين إشعار لأنفسهم
بالتقصير، وكان دعاؤهم بالاستغفار مقدماً على طلب تثبيت الأقدام في أثناء
المعركة، بقصد جعل طلبهم إلى ربهم عن تزكية نفس وطهارة وخضوع أقرب
إلى الاستجابة.
فآتاهم الله ثواب الدنيا بالنصر والظفر على الأعداء والعزة وطيب السمعة،
وحسن ثواب الآخرة بتحصيلهم رضوان الله ورحمته والقرب منه في دار
الكرامة، ونحو ذلك مما أخبر به تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ
أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧/٣٢] وأخبر به النبي ◌َّ: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن
سمعت؛ ولا خطر على قلب بشر)).
ثم وصفهم الله بأنهم محسنون أعمالهم على وفق ما يرضي الله، فهم الذين
يقيمون سننه في أرضه، والله يثيبهم على حسن فعلهم.