النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
لِلُعُ (٤) - آل عمران: ١١٠/٣-١١٢
﴿إِلَّ أَذَىّ﴾ منصوب؛ لأنه استثناء منقطع، وكذلك قوله ﴿إِلَّا بِحِبْلٍ﴾
أي ولكن قد يثقفون بحبل من الله وحبل من الناس، فيأمنون على أنفسهم
وأموالهم.
والجملتان وهما ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ و﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ واردتان على طريق
الاستطراد، بمناسبة الكلام عن أهل الكتاب.
البلاغة:
﴿ ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ استعارة تبعية حيث شبه الذل بالخباء المضروب على
أصحابه، ثم حذف المشبه به وأتى بشيء من لوازمه وهو الضرب.
﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾ نكَّر كلمة الغضب للتفخيم والتهويل.
﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ تساءل الزمخشري قائلاً: هلا جزم المعطوف في قوله:
﴿ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾؟ ثم أجاب بقوله: عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم
الإخبار ابتداء، كأنه قيل: ثم أخبركم أنهم لا ينصرون، أي لا يكون لهم نصر
من أحد، ولا يمنعون منكم. والفرق بين الجزم والرفع: أنه لو جزم لكان نفي
النصر مقيداً بمقاتلتهم كتولية الأدبار، وحين رفع كان نفي النصر وعداً مطلقاً
(الكشاف: ٣٤٢/١).
المفردات اللغوية:
﴿كُنْتُمْ﴾ أي وجدتم وخلقتم خير أمة، أي في الماضي، وقد تستعمل
للأزلية والدوام كما في صفاته تعالى مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾.
﴿أُخْرِجَتْ﴾ أي أظهرت. ﴿أَذَىّ﴾ أي ضرراً يسيراً كالسب باللسان
والوعيد. ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدَّبَارَ﴾ كناية عن الانهزام أي يكونوا منهزمين (ثُمَّ لَا
يُصَرُونَ﴾ وعد مطلق من الله للمسلمين في الماضي، كأنه قال: ثم شأنهم
وقصتهم أنهم بعد التولي مخذولون غير منصورين، لا تنهض لهم قوة بعدها،

٣٦٢
الُ (٤) - آلِ غَيْر أَنَ: ١١٠/٣-١١٢
ولا يستقيم لهم أمر، وكان ذلك كما أخبر في هزيمة طوائف اليهود في المدينة
وهم ((بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع)) ويهود خيبر. والتراخي في ﴿ثُمَّ﴾ هو
في المرتبة.
[الذِّلَّةُ﴾ الذل الذي يحدث في النفوس من فقد السلطة، وضربها عليهم:
إلصاقها بهم وظهور أثرها فيهم، كضرب السكة بما ينقش فيها . ﴿ ثُقِفُواْ﴾
حيثما وجدوا . ﴿بِحِبٍّ﴾ أي عهدٍ، وهو تأمينهم وعهد المؤمنين إليهم بالأمان
على أداء الجزية، أي لا عصمة لهم غير ذلك، وتظل صفة الذل بهم، سواء
كانوا حرباً أو أهل ذمة.
﴿وَبَآءُو﴾ رجعوا، من البوء وهو المكان أي حلوا فيه ﴿يَعْتَدُونَ﴾
يتجاوزون الجد.
سبب النزول:
نزول الآية (١١٠):
قال عكرمة ومقاتل: نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل
وسالم مولى أبي حُذيفة، وذلك أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوذا اليهوديين
قالا لهم: إن ديننا خير مما تدعونا إليه، ونحن خير وأفضل منكم، فأنزل الله
تعالى هذه الآية.
نزول الآية (١١١):
قال مقاتل: إن رؤوس اليهود: وهم كعب ويجرى والنعمان وأبو رافع
وأبو ياسر وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنهم: عبد الله بن سلام وأصحابه،
فآذوهم لإسلامهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
المناسبة:
هذه الآيات تثبيت للمؤمنين على ما هم عليه من الاعتصام بالله والاتفاق
على الحق والدعوة إلى الخير، وهي أيضاً ترغيب لهم في المحافظة على مزيتهم

٣٦٣
٠
◌ِلُعُ (٤) - آل عمران: ١١٠/٣-١١٢
باتباع الأوامر وترك النواهي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان
بالله، وأعقب ذلك بمقارنتهم بحال أهل الكتاب وبيان سبب إلحاق صفة الذل
بهم والغضب عليهم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن الأمة الإسلامية بأنها خيرالأمم في الوجود الآن، ما
دامت تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله إيماناً صحيحاً صادقاً
كاملاً. وإنما قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان؛ لأنهما أدل
على بيان فضل المسلمين على غيرهم، ولأن الإيمان يدعيه غيرهم، وتظل
الخيرية والفضيلة لهذه الأمة ما دامت تؤمن بالله حق الإيمان وتأمر بالمعروف
وتنهى عن المنكر.
وأما الأمم الأخرى فقد غلب عليهم تشويه حقيقة الإيمان، وشاع فيهم
الشر والفساد، فلا يؤمنون إيماناً صحيحاً، ولا يأمرون بمعروف، ولا ينهون
عن منکر.
والإيمان المطلوب: هو الموصوف بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ
هُمُ الصَدِقُونَ ﴾﴾ [الحجرات: ١٥/٤٩] وقوله أيضاً: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ
إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَنْتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ
٣) [الأنفال: ٢/٨].
يَتَوَّكَّلُونَ
قے
وفي قوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠/٣] جعل الإيمان بكل ما يجب
الإيمان به إيماناً بالله؛ لأن من آمن ببعض ما يجب الإيمان به من رسول أو
كتاب أو بعث أو حساب أو عقاب أو ثواب أو غير ذلك، لم يعتد بإيمانه،
فكأنه غير مؤمن بالله، كما قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ
بِبَعْضِ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا

٣٦٤
لِلُعُ (٤) - آل عمران: ١١٠/٣-١١٢
[النساء: ١٥٠/٤-١٥١]. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ
اَلْكِتَبِ﴾ مع إيمانهم بالله، لكان الإيمان خيراً لهم مما هم عليه؛ لأنهم
إنما آثروا دينهم على دين الإسلام، حباً للرياسة، واستتباع العوام، ولوآمنوا
لكان لهم من الرياسة والأتباع، وحظوظ الدنيا ما هو خير مما آثروا دين
الباطل لأجله، مع الفوز بما وُعدوه على الإيمان من إيتاء الأجر مرتين.
هذه المقومات والأوصاف من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان
الحق بالله وبعناصر الإيمان الأخرى هي سبب الفضيلة والخيرية، ولا تثبت
للأمة إلا بمحافظتها على هذه الأصول الثلاثة، روى ابن جرير عن قتادة
قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها، رأى من الناس
دعة، فقرأ هذه الآية: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ثم قال: ((من سرَّه أن
يكون من هذه الأمة، فليؤد شرط الله فيها)).
ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله تعالى:
[كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩/٥].
ولهذا لما مدح الله تعالى هذه الأمة على هذه الصفات، شرع في ذم أهل
الكتاب وتأنيبهم، فقال: ولو آمنوا بما أنزل على محمد، لكان خيراً لهم؛ إذ
هم يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض، ويؤمنون ببعض الرسل کموسى
وعيسى، ويكفرون بمحمد، مع أن كتبهم تتضمن البشارة بمحمد وصفته!
إلا أن هذا الذم ليس كلياً ولا جماعياً شاملاً، لذا استطرد الله تعالى فذكر
أن بعض أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه والنجاشي ورهطه
مؤمنون إيماناً حقاً، لكن أكثرهم فاسقون خارجون عن حدود دينهم وكتبهم،
متمردون في الكفر، فقليل منهم من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل
إليهم، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان. ومرة يعبر تعالى
بالأكثر كما هنا، وكما في قوله عن بني إسرائيل: ﴿فَلَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾

٣٦٥
لُعُ (٤) - آلِعَتْرَانَ: ١١٠/٣-١١٢
[النساء: ٤٦/٤]، وتارة يعبر بالكثير، كما في قوله عن النصارى واليهود: ﴿أُمَّةٌ
مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦/٥].
ويكثر الفسق عادة بعد طول الأمد على ظهور الدين، كما قال تعالى:
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا
يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَهِمُ اٌلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ
﴾ [الحديد: ١٦/٥٧].
فَسِقُونَ (لَا
ثم أخبر الله تعالى عباده المؤمنين وبشرهم أن النصر والظفر لهم على أهل
الكتاب، فذكر أن هؤلاء الكافرين الفاسقين لن يلحقوا بكم إلا ضرراً بسيطاً
كالسب والهجاء والتوعد باللسان ومحاولة الصد عن دين الله، والطعن في
الدين، وإلقاء الشبهات، وتحريف النصوص، والطعن بمحمد وَليه، كما
يفعل المبشرون اليوم.
وإن يقاتلوكم ينهزموا أمامكم، ولا ينصرون عليكم أبداً ما داموا على
فسقهم، ودمتم على خيريتكم بالحفاظ على الأصول الثلاثة، وقد تحققت
السلف أمتنا هذه البشارات الثلاث من أخبار الغيب، فانهزم يهود بني قينقاع
وبني النضير وبني قريظة، ويهود خيبر.
وتحقق مثل هذه الانتصارات مرهون بنصر دين الله، كما قال: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (®﴾ [محمد: ٧/٤٧] وبالحفاظ
أيضاً على الأصول الثلاثة المذكورة هنا وفي آيات أخرى مثل قوله تعالى في
وصف المؤمنين المجاهدين: ﴿اُلَْمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَالْخَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١١٢/٩].
والخلاصة: إن النصر ليس هبة تمنح كما يتوقع بعض المخدوعين، وإنما هو
مشروط بالإتيان بمقومات دينية أساسية، فما دمنا نأمر بالمعروف، وننهى عن
المنكر، ونؤمن بالله إيماناً صحيحاً، تحقق لنا النصر والسيادة والعزة، وما

٣٦٦
الُعُ (٤) - الِغَزَانَ: ١١٠/٣-١١٢
داموا هم فاسقين خارجين عن حدود الله والطاعة والإيمان، ظلوا أذلة
مقهورین.
والله تعالى ألصق بهم الذل والهوان أبداً أينما كانوا، لا ينعمون بأمن ولا
استقرار، إلا بعهدين: عهد الله وعهد الناس. أما عهد الله فهو ما قررته
الشريعة لهم من الأمان وتحريم الإيذاء والمساواة في الحقوق والقضاء إذا تم لهم
عقد الذمة وفرض الجزية وإلزامهم أحكام الملة.
وأما عهد الناس: فهو ما يصدر لهم من الأمان كالمهادن والمعاهد والأسير
إذا أمنه أحد المسلمين ولو امرأة، وكذا التاجر الذي يتعامل معه في داخل
البلاد أو على الحدود الخارجية، لتبادل المنافع والصنايع والتجارات. ومثل
ذلك ما نجده من الحماية الثابتة لليهود في فلسطين، سواء من أمريكا وأوربا
وروسیا وغيرها من الدول الكبرى.
والله تعالى أيضاً ألزمهم غضباً منه فالتزموه، واستوجبوه واستحقوه،
وأحاط بهم المسكنة والصغار إحاطة المكان بما فيه، فهم تابعون أذلاء
لغيرهم، دائمون في الذل والحاجة والتبعة لغيرهم، متفرقون في أقطار الأرض
على قلتهم، وسيظلون كذلك بالرغم من محاولاتهم المستميتة في التجمع
والاستيطان والاستقرار في الأراضي المحتلة بفلسطين، وبالرغم من غناهم
واعتمادهم على جمع المال والسيطرة على اقتصاديات العالم.
ثم بيّن تعالى سبب كل ذلك وعلته من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بسخط
الله عليهم: وهو كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق تعطيهم إياه
شريعتهم، وبدافع من الكبر والبغي والحسد، مع اعتقادهم أنهم على غير حق
فيما يرتكبونه من جريمة قتل أناس يقولون: ربنا الله. وفي هذا غاية التشنيع
عليهم، والتوبيخ لهم.
وما جرأهم على ذلك، وما حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله، إلا

٣٦٧
الجُزءُ (٤) - ال عمران: ١١٠/٣-١١٢
كثرة المعاصي لأوامر الله، والانغماس الدائم في المعصية، والاعتداء على شرع
الله وحدوده، فمن اعتاد العصيان، وانتهك حرمات الله، هان عليه كل شيء
حرام ومنكر في الحياة.
والتشنيع على اليهود المعاصرين للنبي وَّل وتوجيه اللوم لهم على الكفر وقتل
الأنبياء، مع أنه صدر من أسلافهم، إنما كان لأنهم منتسبون إليهم، متكافلون
متعاطفون معهم، راضون بأفعالهم، سائرون على منهجهم، فإنهم حاولوا
أيضاً قتل النبي ◌َّ مراراً.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات وصف فريقين أو أمتين من الناس، وأبانت سبب
الاتصاف، وقارنت بينهما، على أساس دقيق من التعادل والحق.
فالأمة الإسلامية خير الأمم بسبب إيمانها الصحيح التام بكل ما أمر به
الله، وبقيامها بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتظل الخيرية
والفضيلة لها على الشرائط المذكورة، والتزامها الأصول الثلاثة.
وإذا ثبت بنص التنزيل أن هذه الأمة خير الأمم، فإن السنة النبوية
أوضحت أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدهم، بقوله وقال: ((خير الناس
قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))(١) وهذا مذهب معظم العلماء، فمن
صحب النبي ◌ّ ورآه ولو مرة في عمره مؤمناً به، فهو أفضل ممن يأتي بعده.
وفضل قرن النبي ◌َّ لأنهم كانوا غرباء في إيمانهم، قليلون في عددهم، مع
كثرة الكفار، صابرون على أذاهم، متمسكون حق التمسك بدينهم. وأما
أواخر هذه الأمة فلهم فضيلة أخرى لا تمنع ولا تحجب فضيلة السلف الصالح
(١) أخرجه أحمد والشيخان والترمذي عن ابن مسعود.

٣٦٨
اِلُحُ (٤) - آل عمران: ١١٠/٣-١١٢
إذا أقاموا الدِّين، وتمسكوا به، وصبروا على طاعة ربهم، في وقت ظهور الشر
والفسق والهرج والمعاصي والكبائر، فيصيرون بذلك أشباه السلف غرباء
أيضاً، وتزكو أعمالهم في ذلك الوقت، كما زكت أعمال أوائلهم، بدليل قوله
عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة: ((إن الإسلام
بدأ غريباً، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء)) وقوله فيما رواه الترمذي
والحاكم وصححاه وابن ماجه وغيرهم عن أبي ثعلبة الخشني: ((إن أمامكم
أياماً: الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر، للعامل فيها أجر خمسين
رجلاً يعمل مثل عمله، قيل: يا رسول الله، منهم؟ قال: بل منكم)) وذكر أبو
داود الطيالسي وأبو عيسى الترمذي: ((أمتي كالمطر لا يُدْرَى أوّلُه خير أم آخره))
وذكره الدارقطني في مسند حديث مالك عن أنس: ((مثل أمتي مثل المطر، لا
يُذْرى أوله خير أم آخره)).
وحينئذ يستوي أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر
والحديبية.
ومدح الأمة الإسلامية ما داموا قائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والإيمان بكل ما يجب الإيمان به، فإذا تركوا التغيير وتواطؤوا على المنكر، زال
عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سبباً لهلاكهم.
وإيمان أهل الكتاب بالنبي وَلّل خير لهم، ومنهم المؤمن والفاسق، والفاسق
أکثر.
ووعد الله المؤمنين ورسوله ول # أن أهل الكتاب لا يغلبونهم، وأنهم
منصورون عليهم، لا ينالهم منهم أذى إلا بالافتراء والتحريف، وأما العاقبة
فتكون للمؤمنين.
وفي هذه الآية معجزة للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن من قاتله من اليهود
انهزم وولى الأدبار.

٣٦٩
لِلُعُ (٤) - آلِ عَتْرَانَ: ١١٣/٣-١١٥
وسبب الغضب من الله على اليهود وإلصاق صفة الذل والهوان أينما
وجدوا هو كفرهم بآيات الله، ومنه عدم إيمانهم بالقرآن والإسلام، وقتلهم
الأنبياء ظلماً وعدواناً، ومنه محاولة قتل النبي صَلّ وتأليب المشركين عليه
وتحريضهم على قتاله واستئصال شأفة المسلمين إلى الأبد، كما حدث في غزوة
بدر في السنة الثانية من الهجرة، وغزوة الأحزاب (الخندق) في السنة الخامسة،
وغير ذلك من ألوان العصيان والاعتداء.
الفئة المؤمنة من أهل الكتاب والثواب على أعمالهم
لَيْسُواْ سَوَآءُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اَللَّهِ ءَانَآءَ الَّلِ
وَهُمْ يَسْجُدُونَ
١٣
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْأَخِرِ وَيَأْمُّرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِّ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ
١٠) وَمَا
يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ
[١١٥)
القراءات:
﴿وَمَا يَفْعَلُواْ﴾: قرئ:
١- بالياء، وهي قراءة حمزة، والكسائي، وحفص.
٢- بالتاء، وهي قراءة نافع، وابن عامر، وابن كثير، وأبي بكر.
الإعراب:
﴿لَيْسُواْ سَوَاءٌ﴾: الواو في ﴿لَيْسُواْ﴾ اسم ليس، وسواء: خبرها.
﴿أُنَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ إما بدل من ضمير ﴿لَيْسُواْ﴾، والتقدير: ليس أمة قائمة.
وأمة غير قائمة سواء. فحذف ((غير قائمة)) مثل حذف البرد في آية ﴿سَرَبِيلَ
تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾، وإما مبتدأ، و﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾: خبر مقدم، أو

٣٧٠
لِلُعُ (٤) - آلِّعَتْرَانَ: ١١٣/٣-١١٥
مرفوع بالجار والمجرور على قول الأخفش والكوفيين. ﴿ يَتْلُونَ ءَايَاتِ اللَّهِ﴾ جملة
فعلية في موضع رفع؛ لأنها صفة ﴿أُمَّةٌ﴾. ﴿ءَانَآءَ الَيْلِ﴾ ظرف زمان متعلق بـ
{ يَتْلُونَ﴾. ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ إما حال من ضمير ﴿يَتْلُونَ﴾، ويكون المراد
بالسجود هنا الصلاة؛ لأن التلاوة لا تكون في السجود، وإما معطوف على
﴿ يَتْلُونَ﴾ ويكون المراد بالسجود: السجود بعينه.
﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ جملة فعلية: إما في موضع نصب على الحال من ضمير
﴿يَسْجُدُونَ﴾ أو ﴿يَتْلُونَ﴾ أو ﴿قَائِمَةٌ﴾، وإما في موضع رفع؛ لأنها صفة
﴿أُمَّةٌ﴾، وإما مستأنفة. وهذه الأوجه تجري في جمل ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ
البلاغة:
﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ﴾ جملة اسمية للدلالة على الاستمرار . ﴿يَتْلُونَ﴾
﴿ يَسْجُدُونَ﴾ جملة فعلية للدلالة على التجدد. ﴿ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
الإشارة بالبعيد لبيان علو درجتهم وسمو منزلتهم.
المفردات اللغوية:
﴿لَيْسُواْ﴾ أي أهل الكتاب. ﴿سَوَآءٌ﴾ متساوين، يستعمل للواحد والمثنى
والجمع، فيقال: هما سواء، وهم سواء ﴿قَائِمَةٌ﴾ مستقيمة عادلة ثابتة على
الحق، مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه وأصحابه، مأخوذ من قولك:
أقمت العود فقام، بمعنى: استقام ﴿يَتْلُونَ ءَايَاتِ اللَّهِ﴾ أي القرآن. ﴿ءَانَآءَ
الَّلِ﴾ أي في ساعاته، واحدها أنَى كعصا . ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يصلون.
﴿وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ﴾ يبادرون إلى فعل الخيرات. ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ﴾ أي
الأمة القائمة، والقراءة بالتاء: أي أيتها الأمة. ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أي يعدموا
ثوابه، بل يجازون عليه، والقراءة بالتاء: أي أنتم أيتها الأمة.

١
الجُزُ (٤) - آل عمران: ١١٣/٣-١١٥
٣٧١
سبب النزول:
نزول الآية (١١٣):
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن منده في الصحابة عن ابن عباس قال:
لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعنة (أو سَعْية)، وأَسِيد بن سعنة (أو
سعية)، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدقوا ورغبوا
في الإسلام قالت أحبار اليهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد واتبعه إلا
شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله في
ذلك: ﴿لَيْسُواْ سَوَآءُ مِّنْ أَهْلِ اُلْكِتَبِ﴾ وذكر مثله عن مقاتل.
وأخرج أحمد وغيره عن ابن مسعود قال: أخرَّ رسول الله وَي ◌َو- صلاة
العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا بالناس ينتظرون الصلاة، فقال: أما إنه
ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم، وأنزلت هذه
الآية ﴿لَيْسُواْ سَوَاءٌ﴾ حتى بلغ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ﴾. وبعبارة أخرى لابن
مسعود: نزلت الآية في صلاة العتمة (العشاء) يصليها المسلمون، ومن سواهم
من أهل الكتاب لا يصليها.
المناسبة:
هذه الآيات استمرار في بيان أوصاف أهل الكتاب، ففي الآيات السابقة
صنفهم القرآن صنفين: منهم المؤمنون وكثير منهم الفاسقون، ثم بين حال
الفاسقين ومصيرهم، وهنا بيَّن حال المؤمنين منهم الذين وإن كانوا قلة دخلوا
في الإسلام.
التفسير والبيان:
ليس من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب متساوين أو على حد سواء في
الفسق والكفر، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم، فمنهم فئة قائمة بأمر الله،

٣٧٢
لُ (٤) - آلِ عَتْ أنَ: ١١٣/٣-١١٥
مستقيمة على دينه، مطيعة لشرعه، متبعة نبي الله، يتلون القرآن في صلواتهم
ليلاً، ويكثرون التهجد.
وهم يؤمنون بالله واليوم الآخر إيماناً حقاً صادقاً لا شبهة فيه، ويأمرون
غيرهم بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويبادرون إلى فعل الخيرات بسرعة،
ويعملون الصالحات دون تلكؤ، وهم موصوفون عند الله بأنهم من الصالحين
الذين صلحت أحوالهم، وحسنت أعمالهم.
وهم من أحبار أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام، وأسد بن عبيد،
وثعلبة بن سعنة وغيرهم ممن نزلت فيهم هذه الآيات، رداً على اليهود الذين
زعموا أن من آمن منهم شرارهم لا خيارهم، ولو كان فيهم خير لما آمنوا.
وما يفعلون من الطاعات فلن يحرموا ثوابه، ولا يضيع عند الله، بل يجزيهم
به أوفر الجزاء، والله شكور عليم بالمتقين، أي لا يخفى عليه عمل عامل، ولا
يضيع لديه أجر من أحسن عملاً.
فقه الحياة أو الأحكام:
يأبى عدل الله إلا أن يظهر الأخيار، ويبعد الأشرار، لذا أكد سبحانه
وتعالى في هذه الآيات التنويه بإيمان المؤمنين من أهل الكتاب، فإنهم آمنوا
بالإسلام، وصدقوا بالقرآن، ورغبوا في دين الله ورسخوا فيه.
وقاموا بالأعمال الصالحة، فأصلحوا أنفسهم، وجاهدوا في إصلاح
غيرهم، وقاوموا دعوة الفساد والانحراف، فاستحقوا الاتصاف بالصالحين،
والوصف بالصلاح هو غاية المدح والثناء، بدليل مدح إسماعيل وإدريس وذي
الكفل بهذا الوصف، فقال تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَهُمْ فِى رَحْمَيِّنَآ إِنَّهُم ◌ِّنَ
الصَّلِحِين
(4) [الأنبياء: ٨٦/٢١] وقال عن سليمان: ﴿وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِىِ
عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ﴾ [النمل: ١٩/٢٧].

٣٧٣
الُعُ (٤) - آل عمران: ١١٦/٣-١١٧
وهذا هو واجب الإنسان العاقل في هذه الحياة، فلا قيمة لحياة دون عقيدة
صحيحة، ولا مدنية لإنسان دون العمل الصالح، ومحاربة ألوان الفساد.
وسيجد العامل الصالح ثمرة عمله، ويجازى بأوفر الجزاء، ويُشكر عليه،
ولن يجحد ثوابه، وقد سمى الله في آية أخرى إثابته للمحسنين شكراً في قوله:
﴿فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩/١٧]، وسمى نفسه شاكراً في
قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٨/٢]، وعبر تعالى هنا عن عدم الإثابة
بالكفر.
ضياع أعمال الكافرين يوم القيامة
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلََّ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًاً
وَأُؤْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ ( مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هَذِهِ اُلْحَيَوْةِ
الذُّنْيَا كَمَثَلِ رِيج فِهَا صِرُّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوَأْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَنَّةً وَمَا
١٧
ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
الإعراب:
كَمَثَلِ رِيج﴾: خبر المبتدأ وهو ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾. ﴿فِهَا صِرُّ﴾ في
موضع جر؛ لأنها صفة ﴿رِيجٍ﴾. ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾ و﴿ظَلَمُوَأْ أَنْفُسَهُمْ﴾
جملة في موضع جر صفة لقوم.
البلاغة:
﴿كَمَثَلِ رِيج فِهَا صِرُّ﴾ أي باردة: تشبيه تمثيلي، شبه ماكانوا ينفقون من
أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس لا يبتغون
به وجه الله، بالزرع الذي أصابته الريح الباردة، فذهب حطاماً (الكشاف:
٣٤٤/١).

٣٧٤
◌ِلُعُ (٤) - آل عمران: ١١٦/٣-١١٧
المفردات اللغوية:
﴿لَنْ تُغْنِىَ﴾ لن تجزئ وتنفع ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾ أي صفة إنفاق الكفار
﴿صِرُّ﴾ أو صرَّة: برد شديد ﴿حَرْثَ﴾ زرع ﴿ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بالكفر
والمعصية.
المناسبة:
هذه الآيات وعيد للكفار وإحباط لآمالهم بأنهم لن يجدوا يوم القيامة
بنفقاتهم فائدة، ولن ترد عنهم عذاباً، وذلك بعد أن ذكر في الآيات السابقة
أحوال الكافرين وعقابهم، قال مقاتل: لما ذكر تعالى مؤمني أهل الكتاب ذكر
كفارهم، وهو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
التفسير والبيان:
أخبر الله تعالى عن مصير أعمال الكافرين يوم القيامة، وهم اليهود
والمنافقون والمشركون جميعاً، فهم بافتخارهم بأموالهم، وإنفاقهم لها فيما يكيد
النبي ◌َّ﴿ ويعاديه في هذه الحياة الدنيا، لن تجزي عنهم أموالهم ولا أولادهم
من عذاب الله شيئاً إذا أراده بهم، وخص الأموال والأولاد بالذكر؛ لأن
الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال، وتارة بالاستعانة بالأولاد؛ لأنهم
أقرب أنسابهم إليهم.
وأكد تعالى هذا المعنى في آيات كثيرة منها: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن
[الشعراء:
نَّفْسِ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨/٢] ومنها ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالُ وَلَا بَنُونَ (3)
٢٦/ ٨٨] ومنها ﴿فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ أَفْتَدَى بِدٌ﴾
[آل عمران: ٩١/٣] ومنها: ﴿ وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَ أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُفَرِّيَّكُمْ عِندَنَا زُلْفَىّ
[سبأ: ٣٤ / ٣٧].
وأولئك هم الملازمون للنار لا ينفكون عنها، وهم دائمون فيها بسبب
کفرهم وفساد عقيدتهم.

٣٧٥
لِلُعُ (٤) - آلِ عَتْرَانَ: ١١٦/٣-١١٧
وكما أن أموالهم لا تغني عنهم شيئاً، كذلك لا تجديهم أموالهم التي
أنفقوها في أغراض الدنيا ولذاتها، أو الرياء والسمعة والمفاخرة، وكسب
الثناء والشهرة؛ لأنها لغير وجه الله، وقد يكون منها للصد عن سبيل الله وعن
اتباع النبي محمد القر وعداوته ومقاومته.
وما مثل أو صفة تلك الأموال التي أنفقوها في غير مرضاة الله، إلا كمثل
ربح عاتية شديدة البرد أتت على نبات مزروع، فأحرقته وأهلكته، فلم يبق منه
شيء، وأعقب على صاحبه الحسرة والندامة، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآَ
إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَنهُ هَبَآءُ مَنُورًا
﴾ [الفرقان: ٢٣/٢٥] وقوله:
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَمَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اُلَّمْشَانُ مَآءَ حَقَّ إِذَا جَآءَهُ لَمْ
يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩/٢٤].
وهكذا يمحق الله ثواب وثمرة أعمال الكفار التي عملوها في الدنيا، كما
" يُذهب ثمرة زرع بذنوب أصحابه، وما ظلمهم الله بهذا بأن لم يقبل نفقاتهم بل
جازاهم على عملهم الشر بالشر، وكانوا هم الظالمين أنفسهم حيث لم يأتوا بها
مستحقة للقبول: ﴿وَجَزَّوُاْ سِيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠/٤٢].
وسبب إحباط أعمال الكفار يوم القيامة ولو كانت صدقة في الخيرات، هو
فقد الإيمان، وبناؤهم العمل على قاعدة الكفر، وتركهم النظر في الدلائل
الموصلة إلى الحق والصواب.
فإن توافر الإيمان، وصح اليقين، وكان الإنفاق بقصد وجه الله تعالى، لا
الرياء والسمعة، كان مقبولاً عند الله، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ
اُلْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة: ١٥
فقه الحياة أو الأحكام:
إن الكفر أساس بلاء الإنسان في الآخرة، وهو سبب ضياع ثمرة أعماله

٣٧٦
الْجُزْعُ (٤) - آل عمران: ١١٨/٣ -١٢٠
التي عملها في الدنيا، فيكون جزاء الكافرين النار خالدين فيها أبداً، ولن
تفيدهم نفقاتهم المنفقة في دنياهم إلا الحسرة والندامة، وليس عدم قبول
نفقاتهم ظلماً من الله لهم، وإنما هم الظالمون لأنفسهم حيث لم يأتوا بها
مستحقة للقبول فكفروا وعصوا ومنعوا حق الله تعالى، وأنفقوا أموالهم رياء
وسمعة ومفاخرة، ولم يبتغوا بها وجه الله تعالى. وحالهم حال بؤس وشقاء وقلق
واضطراب، فهم كمن يزرع زرعاً تأمَّل منه خيراً ونفعاً ورزقاً يعيش منه طوال
العام، فأصابته ريح باردة، فأحرقته، فوقف مبهوتاً حائراً، خائب الظن،
خائر القوى لا يستطيع فعل شيء، عافانا الله من السوء، وألهمنا الرشد
والصواب، وثبت قلوبنا على الإيمان، وجعل أعمالنا كلها ظاهرها وباطنها في
سبيله، ومن أجل رضوانه فقط.
الثقة بالكفار وإطلاعهم على الأسرار
وموقفهم الثابت من المؤمنين
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُواْ مَا
عَنْتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ
هَدَأَنتُمْ أُوْلَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِنَبِ
١١٨
اُلَيَتِّ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ
كُلِهِ، وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوَاْ ءَمَنَا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظُّ قُلْ مُوتُواْ
بِغَيِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيُمْ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ نَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ
سَيْئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا
١٢٠
يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
القراءات:
﴿هَأَنتُمْ﴾ :
تقدمت في الآية (٦٦).

٣٧٧
الُرُ (٤) - آل عمران: ١١٨/٣-١٢٠
يَضُرُّكُمْ﴾: وقرئ:
١- (لا يُضِرْكم) من ((ضار يضير)) وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي
عمرو.
٢ - (لا يضُرُّكم) بضم الضاد، والراء المشددة المضمومة، من: ((ضرّ يضرّ))
وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿لَا يَأَلُونَكُمْ﴾ صفة لـ ﴿بِطَانَةً﴾. (خَبَالًا﴾ تمييز منصوب ﴿وَدُّواْ﴾
و﴿بَدَتِ الْبَغْضَآءُ﴾: إما صفة ﴿بِطَانَةً﴾ أو جملة مستأنفة ﴿مَا عَنِتُمْ﴾ ما:
مصدرية، وتقديره: ودوا عنتكم، أي هلاككم ﴿هَأَنْتُمْ أُوْلَاءِ﴾ ها: للتنبيه،
وأنتم: مبتدأ، وأولاء: خبر أنتم، ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ حال من اسم الإشارة.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ إنما ضمه وإن كان مجزوماً لكونه جواب الشرط؛ اتباعاً
لضمة ما قبله . ﴿شَيْئًا﴾ منصوب على المصدر.
ج
البلاغة:
﴿لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً﴾ استعارة، شيه فيها خواص الرجل بالبطانة،
لملازمتهم له ملازمة الثوب للجسم.
﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾ إما حقيقة تبين وصف المغتاظ والنادم، وإما من
مجاز التمثيل الذي يبين شدة الغيظ والتأسف على عدم إذاية المؤمنين. ويوجد
مقابلة الحسنة بالسيئة والمساءة بالفرح في آية: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن
تُصِبْكُمْ سِئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾. ويوجد جناس اشتقاق في ﴿ظَلَمَهُمُ﴾
و﴿يَظْلِمُونَ﴾ وفي ﴿اَلْغَيَظِ﴾ و﴿بِغَيْظِكُمْ﴾ وفي ﴿وَتُؤْمِنُونَ﴾ و﴿ءَامَنَا﴾.
المفردات اللغوية:
﴿بِطَانَةٌ﴾ بطانة الرجل: خاصته الذين يطلعهم على أسراره، مأخوذ من

٣٧٨
لُرُ (٤) - آل عمران: ١١٨/٣ -١٢٠
بطانة الثوب: وهي القماش الرقيق الذي يبطن به الثوب من الداخل،
وعكسه الظهارة، وهي تستعمل للواحد والجمع، مذكراً ومؤنثاً ﴿مِّن
دُونِكُمْ﴾: من غيركم ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ أي لا يقصرون لكم في الفساد،
و﴿خَبَالًا﴾: منصوب بنزع الخافض وهي مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُ
مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧/٩] أي فساداً وضرراً ﴿وَدُّواْ﴾ تمنوا ﴿مَا
عَنْتُمْ﴾ إيقاعكم في العنت وهو الهلاك والمشقة وشدة الضرر ﴿قَدْ بَدَتِ﴾
ظهرت ﴿اَلْبَغْضَاءُ﴾ العداوة لكم ﴿مِنْ أَفْوَهِهِمْ﴾ بالوقيعة فيكم وإطلاع
المشركين على سركم ﴿وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ﴾ من العداوة.
اُلْأَنَامِلَ﴾ أطراف الأصابع ﴿مِنَ الْغَيِّظِ﴾ من شدة الغضب لما يرون من
ائتلافكم، ويعبر عن شدة الغضب أو الندم بِعَضِّ الأنامل مجازاً، وإن لم يكن
ثَمَّ عَضُ ﴿قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ أي ابقوا عليه إلى الموت، فلن تروا مايسركم
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بما في القلوب، ومنه ما يضمره هؤلاء.
﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ إن تصبكم نعمة كنصر وغنيمة ﴿نَسُؤُهُمْ﴾ تحزنهم
﴿وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ كهزيمة وجدب، يفرحوا بها، وعبر أولاً بالمس إشارة
إلى أن الحسنة تسوء الأعداء، ولو كانت بأيسر الأشياء، وعبر ثانياً بالإصابة
إشارة إلى أن السيئة تفرح الأعداء مهما كانت كبيرة وخطيرة (١). والحسنة:
المنفعة المادية أو المعنوية مثل صحة البدن والفوز بالغنيمة، وانتشار الإسلام،
وتآلف المسلمين. والسيئة: الفقر والهزيمة والتفرقة.
والمعنى: أنهم متناهون في عداوتكم والحقد عليكم، فلا توالوهم
واجتنبوهم . ﴿وَإِنْ تَصْبِرُواْ﴾ على أذاهم ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ الله في موالاتهم وغيرها
إِلَا يَضُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ لا يؤثر عليكم احتيالهم، للإيقاع في المكروه،
(١) حاشية الكشاف: ٣٤٦/١ بتصرف.
.

٣٧٩
الُعُ (٤) - آل عمران: ١١٨/٣ -١٢٠
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ عالم، فيجازيهم به، مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِن
وَرَآءِهِم تُحِيطٌ ﴾﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ﴾.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير الطبري وابن إسحاق عن ابن عباس قال: كان رجال من
المسلمين يواصلون رجالاً من يهود، لما كان بينهم من الجوار والحلف في
الجاهلية، فأنزل الله فيهم، ينهاهم عن مباطنتهم، تخوف الفتنة عليهم:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ الآية. وروي مثل ذلك عن
مجاهد.
المناسبة:
كانت الآيات السابقة في بيان صفات الكافرين من أهل الكتاب والمشركين
وعقوباتهم في الآخرة، وفي بيان أحوال المؤمنين وثوابهم.
وهذه الآيات تحذير للمؤمنين من عقد الصلات والصداقات العميقة مع
الكافرين والمنافقين؛ لأنها تؤدي إلى تسرب الأسرار، والاطلاع على أحوال
المسلمين، مما تقضي المصلحة بكتمانه، ويؤدي إلى مخاطر تؤثر على كيان الأمة
الإسلامية، وهذا التحذير في غاية الحكمة والتعقل وحماية المصالح العامة
العليا، شأن كل أمة لا تأتمن على أسرارها إلا خواصها.
ولا يصح أن تكون القرابات والصداقات والعهود والمخالفات والجوار
والرضاع والمصاهرة وغير ذلك سبباً في توطيد الصلات والثقة بالأعداء.
التفسير والبيان:
أيها المؤمنون بالله ورسوله، وشأن الإيمان السماع إلى الكلام، لا تتخذوا
الكافرين من اليهود والنصارى والمنافقين بطانة أي أصدقاء وخواص
ومستشارين، تطلعونهم على أسراركم ودخائلكم، لأسباب عديدة هي:

٣٨٠
لُعُ (٤) - آلِ عُزر انَ: ١١٨/٣ -١٢٠
١ - لا يقصرون في إضراركم وإفساد أموركم، ما استطاعوا ذلك.
٢ - يتمنون إلحاق الضرر والمشقة والهلاك بكم في دينكم ودنياكم.
٣ - يظهرون لكم العداوة والبغضاء أثناء الكلام وعلى صفحات الوجوه
وفلتات اللسان، ويكذبون كتابكم ونبيكم.
٤ - ما تخفي صدورهم من الحسد والحقد والبغضاء للإسلام وأهله أشد
وأكثر مما يظهرون.
وهذا النهي المطلق الذي له أمثال كثيرة في القرآن الكريم، يوضحه ويقيده
آيتا الممتحنة: ﴿لَا يَنَهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِ اٌلِيْنِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن
◌ِيَزِّكُمْ أَنْ تَبَزُّوهُمْ وَتُقْسِطُوْاْ إِلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ ﴿ إِنَّمَا يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ
الَّذِينَ قَلُكُمْ فِ اٌلِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ وَظَهَرُواْ عَى إِخْرَاِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَن
يَنَوَلَُّمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ ﴿َ﴾ [الممتحنة: ٨/٦٠-٩].
فإذا اطمأن الحاكم أو الإمام المسلم إلى موادة غير المسلمین، ووثق بهم،
جاز التعاون معهم، کما حدث من عون اليهود للمسلمين في فتوح الأندلس،
وكما وقع من القبط، إذ عاونوا المسلمين في فتح مصر. وجاز توظيفهم في
أعمال الدولة الإسلامية، فقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجال
دواوينه من الروم، وتابعه الخلفاء من بعده على هذا النهج، وأناط العباسيون
أعمال الدولة باليهود والنصارى، وكان كثير من سفراء الدولة العثمانية من
النصارى(١).
ثم عاد القرآن محذراً ومنبهاً المؤمنين قائلاً لهم: قد بينا وأظهرنا لكم الدلائل
والعبر التي ترشدكم إلى الخير، وتهديكم إلى سواء السبيل، إن كنتم تدركون
هذه الحقائق التي ترشدكم إلى ضرورة التفرقة بين الأعداء والأولياء.
(١) تفسير المنار: ٦٨/٤ وما بعدها.