النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ لُرعُ (٣) - آل عمران: ٨١/٣-٨٣ ميثاق الأنبياء بتصديق بعضهم بعضاً وأمرهم بالإيمان ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ فَمَن عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿٨ أَفَغَيْرَ دِينِ اُللَّهِ يَبْغُونَ وَّلَهُ: (٨٣) أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ القراءات: ﴿ النَّبِّئِنَ﴾: وقرئ: (النبيئين) وهي قراءة نافع. ﴿لَمَا﴾: قرئ: ١- بفتح اللام وتخفيف الميم، على أن ((ما)) شرطية، منصوبة على المفعول بالفعل بعدها، واللام قبلها موطئة لمجيء ما بعدها جواباً للقسم، وهي قراءة جمهور السبعة. ٢- بكسر اللام، على أن اللام للتعليل، و((ما)) موصولة، وهي قراءة حمزة. ﴿ءَاتَيْتُكُم﴾: قرئ: ١- على الإفراد، وهي قراءة الجمهور. ٢- (آتيناكم) على التعظيم، هي قراءة نافع. ﴿يَبْغُونَ﴾: قرئ: ٣٠٢ الُ (٣) - آلِ عُثْر أَنَ: ٨١/٣-٨٣ ١- بالياء، على الغيبة، وهي قراءة أبي عمرو، وحفص. ٢- بالتاء، على الخطاب، على الالتفات، وهي قراءة الباقين. يَرَجَعُونَ﴾: قرئ: ١- بالياء، على الغيبة، وهي قراءة حفص. ٢- بالتاء، على الخطاب، وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿لَمَا﴾: من قرأ بكسر اللام علقها بأخذ، وما بمعنى الذي. ومن فتح اللام جعلها لام الابتداء، وهي جواب لما دل عليه الكلام من معنى القسم؛ لأن أخذ الميثاق إنما يكون بالأيمان والعهود، ويجوز حينئذ أن تكون ((ما)) بمعنى الذي أو شرطية، فإذا كانت بمعنى ((الذي)) كانت مرفوعة مبتدأ، و﴿ءَاتَيْتُكُم﴾: صلته، والعائد محذوف تقديره: آتيتكموه، وخبر المبتدأ: ﴿مِّنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ﴾، و﴿مِّن﴾: زائدة، وقوله: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ معطوف على الصلة، وعائده محذوف تقديره: ثم جاءكم رسول به. وإذا كانت شرطية فهي في موضع نصب بآتيتكم، و﴿ءَاتَيْتُكُم﴾ في موضع جزم بما، وكذا ﴿ثُمَّ جَآءَ كُمْ﴾. وقوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ جواب قسم مقدر ينوب عن جواب الشرط، وحينئذ لا تحتاج الجملة إلى عائد، ولهذا كان هذا الوجه أوجه عند كثير من المحققين، لعدم العائد في الجملة المعطوفة إذا كانت شرطية. ﴿لَوَعًا وَكَرْهًا﴾ منصوبان على المصدر في موضع الحال، أي طائعين ومکرهین. ٣٠٣ ٠۔۔ الُعُ (٣) - آل عمران: ٨١/٣-٨٣ البلاغة: ﴿لَمَآ ءَاتَيْتُكُم﴾ التفات من الغيبة في قوله: ﴿النَّبِِّنَ﴾ إلى الحاضر. ويوجد جناس اشتقاق بين لفظ ﴿فَأَشْهَدُواْ﴾ و﴿الشَّهِدِينَ﴾. ويوجد طباق بين ﴿طَوَّعًا﴾ و﴿وَكَرْهَا﴾. المفردات اللغوية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ﴾ اذكر حين قبل الله ﴿مِيثَقَ﴾ الميثاق: العهد المؤكد الموثّق: وهو أن يلتزم المعاهد شيئاً ويؤكد ذلك بيمين أو بمؤكدات أخرى من ألفاظ العهود. ﴿وَأَفْرَرْتُمْ﴾ أقرّ بالشيء: أخبر بما يلزمه أو بما يدل على ثبوته، مأخوذ من: قرّ الشيء: إذا ثبت في مكانه .﴿ وَأَخَذْتُمْ﴾ قبلتم. ﴿إِصْرِىّ﴾ عهدي، الإصر: العهد المؤكد الذي يحمل صاحبه على الوفاء بما التزمه. ﴿تَوَلَّى﴾ أعرض. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الميثاق. ﴿اُلْفَسِقُونَ﴾ الخارجون عن الطاعة وحدود الله. ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اُللَّهِ يَبْغُونَ﴾ الهمزة للإنكار أي: أيتولون غير دين الله؟ وقدم المفعول الذي هو (غير دين الله) على فعله؛ لأنه أهم من حيث إن الإنكار متجه إلى المعبود بالباطل . ﴿ وَلَهُ: أَسْلَمَ﴾ انقاد. ﴿طَوَّعًا﴾ اختياراً بلا إباء .﴿وَكَرْهَا﴾ بالسيف بمعاينة ما يلجئ إليه. المناسبة: الآيات السابقة من أول السورة إلى هنا، وعلى التخصيص المتضمنة خيانة أهل الكتاب بتحريفهم كلام الله، وتغييرهم أوصاف رسول الله ويلية الموجودة في كتبهم، قصد بها حملهم على الإيمان برسالة النبي محمد وَّه وإثبات نبوته، وتؤكد هذه الآية القصد المذكور من طريق إقامة الحجة عليهم: وهو أن الله ٣٠٤ الُرعُ (٣) - آل عمران: ٨١/٣-٨٣ تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء من لدن آدم إلى عيسى عليهم السلام أن يؤمن كل واحد بمن يأتي بعده، ويصدق برسالته، وينصره في مهمته، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع المبعوث بعده ونصرته. فإذا كان هذا هو ميثاق الأنبياء، فالواجب على أتباعهم الإيمان بكل المرسلين والتصديق بما معهم؛ لأن رسالتهم واحدة، وهي رسالة الإسلام بالمعنى العام وبالمعنى الخاص الذي هو رسالة محمد على: وهو الخضوع والانقياد لأوامر الله، وإعلان مبدأ التوحيد، والتمسك بأصول الفضائل والأخلاق، وهو الدين الحق الذي لا يقبل الله سواه. التفسير والبيان: اذكر يا محمد لهم وقت أن قبل الله الميثاق المأخوذ على جميع الأنبياء أنهم مهما آتيناهم من كتاب وحكم ونبوة، ثم جاءهم رسول مصدق وموافق لما معهم، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين: محمد وجّه، لتؤمنن به ولتنصرنه؛ لأن رسالات الأنبياء يكمل بعضها بعضاً، والقصد من إرسالهم واحد، فهم متفقون في الأصول، وأما اختلافهم في الفروع فهو خير الإنسان ومصلحته، ولمناسبته مع تقدم وتطور الحياة الإنسانية. فإن تعاصر نبيان مثلاً في أمة واحدة مثل موسى وهرون عليهما السلام، كانا متفقين في كل شيء؛ وإن اختلفت أقوامهما فالمتأخر يؤمن بدعوة المتقدم وبالعكس، كما آمن لوط بما جاء به إبراهيم عليهما السلام وأيده في دعوته، وإن تعاقبا مثل موسى وعيسى عليهما السلام صدق كل منهما بدعوة الآخر. وهكذا بعثة خاتم النبيين يجب على أتباع الأنبياء السابقين الإيمان بها وتأييدها. فليس الدين مصدر شقاق واختلاف، وسبب عداوة وبغضاء، كما فعل أهل الكتاب حين عادوا النبي ◌َّه، وإنما هو سبب تجمع واتحاد، وسبيل حب ووداد، وطريق إنقاذ وإسعاد. / ٣٠٥ الُ (٣) - آل عمران: ٨١/٣-٨٣ ثم قال الله تعالى لمن أخذ عليهم الميثاق من النبيين: أأقررتم وقبلتم ذلك الإيمان والعهد بالرسول المصدق لما معكم، ونصرته وتأييده، أقبلتم عهدي وميثاقي المؤكد؟! قالوا: أقررنا واعترفنا بذلك، فقال تعالى: فليشهد بعضكم على بعض، وأنا معكم شاهد عليكم وعلى إقراركم، أعلم بكل شيء عنكم، لا يفوتني شيء. روى الشيخان عن أنس بن مالك أن النبي وَ لّ قال: ((يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك)). هذه المحاورة على طريق التمثيل توكيد عليهم وتحذير من الرجوع عن الإقرار إذا عملوا بشهادة الله، وشهادة بعضهم على بعض. فمن تولى بعد ذلك الميثاق والتوكيد، واتخذ الدين أداة للتفريق والعداء، ولم يؤمن بالنبي المبعوث في آخر الزمان، المصدِّق لمن تقدمه، المهيمن على الرسالات والكتب السابقة، كما حصل من أهل الكتاب المعاصرين للنبي وَل ير، فأولئك هم المتمردون من الكفار، الخارجون عن عهد الله وميثاقه، الناقضون العهد. وإذا كان الدين واحداً، وأن الرسل متفقون في الأصول العامة لوحدة الدين الحق، كما بيَّن تعالى، فلماذا ينكر أهل الكتاب نبوة محمد ◌َليه؟! أيتولون غير دين الله، وغير الحق بعدما تبين، ويريدون غير الإسلام ديناً؟ وقد أسلم وخضع لله تعالى وانقاد لحكمه ومراده أهل السماوات والأرض، إما طوعاً واختياراً من أنفسهم بالإنصاف والنظر في الأدلة، أو كرهاً بالسيف أو بمعاينة ما يلجئ إلى الإسلام كنتق الجبل على بني إسرائيل، وإدراك الغرق فرعون والإشراف على الموت، فلما رأوا بأس الله وتصرفه بالكون والتكوين ٣٠٦ الْجُزْءُ (٣) - آلِ عُثْر أن: ٨١/٣-٨٣ والإيجاد قالوا: آمنا بالله وحده، وإلى الله المرجع والمآب يوم المعاد، يرجع إليه سائر الخلق، فيجازي كلاًّ بعمله، سواء من أسلم وخضع وانقاد لله، ومن اتخذ غير الإسلام ديناً من اليهود والنصارى، وهذا تهديد ووعيد لهم. فقه الحياة أو الأحكام: أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضاً، ويأمر بعضهم بعضاً، فذلك معنى النصرة بالتصديق، ومن بنود الميثاق: أن يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام وينصروه إن أدركوه، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم. ثم جاءهم الرسول محمد وَلته، فما عليهم إلا أن يؤمنوا برسالته ويؤيدوا دعوته، تنفيذاً للميثاق العظيم على الأنبياء، إن كانوا من أتباعهم، ووفاء بالعهد المؤكد، ولأنه مصدِّق لرسالات الأنبياء السابقين؛ لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف، وهم قد شهدوا على بعضهم بموجب الميثاق وشهد الله عليهم جميعاً به. ومن لم يؤت الكتاب فهو في حكم من أوتي الكتاب. ومن أعرض عن اتباع رسالة الإسلام التي جاء بها محمد رَطلقة، وتولى من أمم الأنبياء أو من غير أممهم عن الإيمان بوحدانية الله وبصدق رسالة خاتم الأنبياء، بعد أخذ الميثاق، فأولئك هم الخارجون عن دائرة الإيمان، المصنَّفون مع الكفار المتمرِّدين عن طاعة الله. أهيم يطلبون غير دين الله؟! وقد خضع لحكمه أهل السماوات والأرض، وكل مخلوق هو منقاد مستسلم؛ لأنه مجبول على ما لا يقدر أن يخرج عنه. قال الكلبي: إن كعب بن الأشرف وأصحابه اختصموا مع النصارى إلى النبي ◌َّرَ فقالوا: أيُّنا أحق بدين إبراهيم؟ فقال النبي ◌َّ: ((كلا الفريقين ٣٠٧ لُ (٣) - آلِ عَتْرَانَ: ٨١/٣-٨٣ بريء من دينه)) فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فنزل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ يعني: يطلبون. وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَلَبِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧/٤٣] وقوله: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم ◌َنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١/٢٩]. عن مجاهد عن ابن عباس قال: إذا استصعبت دابّة أحدكم أو كانت ١ شموساً(١)، فليقرأ في أذنها هذه الآية: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهَا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ والخلاصة: إن الدين الحق هو الانقياد لله والإخلاص له، وإن دين الله واحد، وإن رسالات الأنبياء ومللهم واحدة في أصولها العامة، وإن الأنبياء يكمل بعضهم بعضاً وينصر بعضهم بعضاً ويؤيد دعوته، وهم جميعاً عبيد لله مؤمنون بوحدانيته، مذعنون لوجهه الكريم، مخلصون له الدين حنفاء، وقد أدّوا رسالتهم على الوجه الأكمل، وما على البشرية إلا التزام منهجهم، والسير على سنتهم، دون اختلاف ولا نزاع ولا معاداة، ولا تمسك بالموروثات، وبما عندهم من كتاب وحكمة، فقد انصبَّت كل الأديان في الإسلام في صورته الأخيرة، وانصهرت كل الأحكام في حكم رسالة محمد وَ﴿، وكان القرآن مصدِّقاً لما بين يديه وما تقدمه من الكتب السماوية ومهيمناً عليها، ودين الله الواحد: هو عبادة الله وحده لا شريك له الذي أسلم له من في السماوات والأرض، أي استسلم له من فيهما طائعين أو كارهين، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥/١٣] وقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ, عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَخِرُونَ ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِن دَآبَةٍ (١) الشموس: الدابة النفور التي لا تخضع لأمر صاحبها. ٣٠٨ الُ (٣) - آلِ عَتْرَانَ: ٨٤/٣-٨٥ ٤٩ يَخَافُونَ رَبَهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ وَالْمَلَئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ ٥٠ [النحل: ٤٨/١٦-٥٠] فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرهاً، بالقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع. الإيمان بكل الأنبياء وقبول دين الإسلام ﴿قُلْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَّا أُوتِيَ مُؤْسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَكِمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ٨٤ وَهُوَ فِ اُلْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ ١٨٥ القراءات: ﴿ وَالنَّبِيُّونَ﴾: وقرئ: (النبيئون) وهي قراءة نافع. ﴿وَهُوَ﴾: قرئ: ١- (وهو) وهي قراءة قالون، وأبي عمرو، والكسائي. ٢- (وهُو) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿قُلْ ءَامَنَا بِاللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما - على تقدير محذوف: قل: قولوا: آمنا بالله، وحذف القول كثير في القرآن وكلام العرب. الثاني - أن يكون المقصود من خطاب النبي عليه الصلاة والسلام خطاب أمته، مثل: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾ ومثل: ﴿فَإِن كُنْتَ فِي شَكٍّ مِّمَّ أَنَزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام والمراد به الأمة. ﴿دِينًا﴾ منصوب إما لأنه مفعول ﴿يَبْتَعْ﴾، ويكون ﴿غَيّرَ﴾ حالاً ٣٠٩ لُزُ (٣) - آل عمران: ٨٤/٣-٨٥ منصوباً، تقديره: ومن يبتغ ديناً غير الإسلام، فلما قدم صفة النكرة عليها انتصبت على الحال، أو لأنه منصوب على التمييز. ﴿وَهُوَ فِ اُلْآَخِرَةِ﴾ متعلق بفعل مقدر تقديره: وهو خاسر في الآخرة، من الخاسرين، ولا يجوز أن يتعلق بالخاسرين لأن الألف واللام فيه بمنزلة الاسم الموصول، فلو تعلّق به لأدى إلى أن يتقدم معمول الصلة على الموصول، وهو لا يجوز. البلاغة: ﴿ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ﴾ هو من عطف العام على الخاص. المفردات اللغوية: ﴿وَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعني القرآن. ﴿وَاَلْأَسْبَاطِ﴾ الأحفاد وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وأبناؤهم، وخصهم بالذكر؛ لأن أهل الكتاب يقرّون بنبوتهم . ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ بالتصديق والتكذيب . ﴿مُسْلِمُونَ﴾ موحدون مخلصون له عبادتنا، ومستسلمون مطيعون له. ﴿غَيِّرَ الْإِسْلَكِمِ﴾ يعني التوحيد وإسلام الوجه لله تعالى، ويمكن أن يراد به شريعة نبينا وَّة. ﴿مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ أريد به تضييع رصيد الفطرة وهو الانقياد لله وطاعته. سبب النزول، نزول الآية (٨٥): قال مجاهد والسدّي: نزلت هذه الآية في الحارث بن سُويد أخو الخُلاس "ابن سويد، وكان من الأنصار، ارتد عن الإسلام هو واثنا عشر معه، ولحقوا بمكة كفاراً، فنزلت هذه الآية، ثم أرسل إلى أخيه يطلب التوبة. قال ابن عباس: وأسلم بعد نزول الآيات. ٣١٠ الُرُ (٣) - آلِ غَثْرَانَ: ٨٤/٣-٨٥ المناسبة: ذكر فيما سبق ميثاق النبيين أن يؤمنوا بمحمد رَ له وينصروه، وهنا أمر لمحمد وأمته أن يؤمنوا بجميع الأنبياء المتقدمين وبكتبهم وبالإسلام الذي هو دين الأنبياء قاطبة. التفسير والبيان: قل يا محمد: آمنت وأمتي بوجود الله ووحدانيته وسلطانه. فهذا أمر الرسول الله وَله بأن يخبر عن نفسه وعن أمته بالإيمان، فلذلك وحّد الضمير في ﴿قُلْ﴾ وجمع في ﴿ءَامَنَّا﴾، ويجوز أن يؤمر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك إجلالاً من الله لقدر نبيه، كما ذکر الزمخشري. وآمنا بما أنزل علينا وهو القرآن، وصدقنا بما أنزل الله من وحي على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وذريته الأسباط، فجوهر المنزَّل واحد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيْنَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [النساء: ١٦٣/٤]. وصدَّقنا بما أوتي موسى من التوراة وعيسى من الإنجيل وسائر المعجزات. وخُصَّ هذان النبيان بالذكر، تبياناً لأتباعهم وهم اليهود والنصارى بأن الإيمان عام في منهج القرآن. وكذلك صدقنا بما أوتي بقية النبيين من رسالات كداود وسليمان وصالح وهود وأيوب وغيرهم ممن لم نعلم قصصهم. وقدم الإيمان بالله على الإيمان بالكتب؛ لأنه المصدر والأساس، وقدم المنزل علينا وهو القرآن، مع أنه متأخر عن نزول الكتب الأخرى؛ لأنه طريق المعرفة بما سبق، ولأنه المهيمن على سائر الكتب السماوية، ولأنه الكتاب الإلهي إلى الأبد، وأما غيره فاندثر وضاع، ثم بدِّل وغيِّر. ٣١١ لُرءُ (٣) - آل عمران: ٨٤/٣-٨٥ والأمر بالإيمان بالله وبأنبيائه أمر شامل عام، لا يختلف فيه أهل ملة عن غيرهم، ولا تفرقة فيه بين الأنبياء تصديقاً وكفراً، فلسنا في ذلك كاليهود والنصارى نؤمن ببعض ونكفر ببعض، بل نؤمن بالكل على أن كل نبي مرسل من قبل الله تعالى، ونحن له مستسلمون منقادون له بالطاعة. وبعد الأمر بالإيمان جاء الأمر بالإسلام؛ لأن الإيمان بوجود الله وهو التصديق به هو الأصل، وعنه يصدر العمل الصالح، وأما الإسلام فهو توحيد الله وإخلاص العبادة له والانقياد لشرعه ومنهجه، وهو يأتي تبعاً لأصل الاعتقاد. ومن يطلب غير الإسلام (وهو التوحيد وإسلام الوجه لله تعالى) ديناً، فلن يقبل منه قطعاً، وهو من الذين وقعوا في الخسران مطلقاً؛ لأنه سلك طريقاً سوى ماشرعه الله، وأضاع ما جبلت عليه الفطرة السليمة من توحيد الله والانقياد لأوامره، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥/٣٩]، وقال ◌َّ في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد ومسلم عن عائشة: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ) وقال أيضاً فيما رواه أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن الأسود بن سريع: ((كل مولودٍ يُولَد على الفطرةِ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجّسانه)). فقه الحياة أو الأحكام: إن خلود شريعة الإسلام نابع من شيئين: أولهما - الإيمان الشامل المطلق بكل الأنبياء وبكتبهم ورسالاتهم، دون تفرقة بين أحد منهم، فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم يصدقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله. ٠ ٣١٢ الُ (٣) - آلِّعَتْرَانَ: ٨٦/٣-٩١ وثانيهما - الإيمان بوجود الله ووحدانيته، والانقياد لطاعته، والتزام منهجه وشرعه، وهو شرع الأنبياء ودين الرسل الذي ارتضاه لعباده، وجعله أساس الاحتكام إليه، وطريق النجاة به يوم المعاد، فمن سلك طريقاً آخر سوى ماشرعه الله، فلن يقبل منه قطعاً في الآخرة، وكان من الذين خسروا أنفسهم، وأضاعوا حياتهم في غير المفيد لهم. أنواع الكفار من حيث التوبة كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوْاْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ ﴿﴿ أُوْلَبِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ وَجَآءَ هُمُ الْبَيْنَتُّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الََّلِمِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ عَلَهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ اُلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنَظَرُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا لَّنْ تُقْبَلَ ٨٩ غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ ٩٠ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُونَ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اُفْتَدَى بِة أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِّ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ ٩١ القراءات: ﴿عَلَيْهِمْ﴾: وقرئ: (عليهُم) وهي قراءة حمزة. الإعراب: ﴿ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾: ﴿أُوْلَئِكَ﴾: مبتدأ، و﴿جَزَآؤُهُمْ﴾: مبتدأ ثان، ﴿أَنَّ عَلَيَهِمْ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول. ويجوز أن يكون ﴿جَزَآؤُهُمْ﴾ بدلاً من ﴿أُوْلَئِكَ﴾ بدل اشتمال، و﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ خبر ﴿أُوْلَئِكَ﴾. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ استثناء متصل. الُ (٣) - أل غتْرَانَ: ٨٦/٣-٩١ ٣١٣ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال من ضمير ﴿عَلَّهِمْ﴾ و﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ﴾ حال أخرى، ويجوز أن يكون مستأنفاً منقطعاً عن الأول. ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿ وَمَاثُواْ﴾. ﴿ذَهَبًا﴾ تمييز. ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ﴾ ﴿وَمَا﴾: نافية، و﴿مِّن﴾: زائدة، و﴿ نَّصِرِينَ﴾: مبتدأ، و﴿لَهُمْ﴾: خبره، والجملة الاسمية حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾ الأول. ودخلت الفاء في خبر إن ﴿فَلَن يُقْبَلَ﴾ لشبه الذين بالشرط، وإيذاناً بتسبب الكفر لعدم القبول. البلاغة: مؤلم، وهو صيغة فعيل للمبالغة. (أَلِيـ المفردات اللغوية: كَيْفَ يَهْدِى﴾ أي لا يهدي. ﴿اَلْبَيِّنَاتُّ﴾ الحجج الظاهرات على صدق النبي ﴿الَّالِمِينَ﴾ أي الكافرين، والظلم: الانحراف عن سبيل الحق والعدل. ﴿لَغَنَةَ اللَّهِ﴾ اللعن: الطرد والإبعاد من رحمة الله. ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ أي اللعنة أو النار المدلول بها عليها. ﴿يُنَظَرُونَ﴾ يمهلون ويؤخرون. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بعيسى ﴿بَعْدَ إِيمَنِهِمْ﴾ بموسى ﴿ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَا﴾ بمحمد ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ إذا غرغروا أو ماتوا كفاراً. ﴿مِّلْءُ اَلْأَرْضِ﴾ مقدار ما يملؤها . ﴿أَلِيمٌ﴾ مؤلم . ﴿نَّصِرِينَ﴾ مانعين منه. سبب النزول: نزول الآية (٨٦): .. روى النسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد، ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله : هل لي من توبة؟ فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فأرسل إليه قومه، فأسلم. : ٣١٤ الُرُ (٣) - آل عمران: ٨٦/٣-٩١ وأخرج مسدِّد في مسنده وعبد الرزاق عن مجاهد قال: جاء الحارث بن سُوَيْد فأسلم مع النبي بَّر، ثم كفر، فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه القرآن: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فحملها إليه رجل من قومه، فقرأها عليها، فقال الحارث: ((إنك والله ما علمت لصدوق، وإن رسول الله وَ﴾ لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة)) فرجع وأسلم وحسن إسلامه. وقال الحسن البصري وقتادة: نزلت في اليهود؛ لأنهم كانوا يبشِّرون بالنبي رَله، ويستفتحون على الذين كفروا، فلما بُعث عاندوا وكفروا، فأنزل الله عز وجل: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيَّهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ وَالْمَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) أخرجه عبد بن حميد وغيره(١). (٨٧) أي أن هذه الآية نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت النبي وَ﴿ في كتابهم، وأقروا بذلك، وشهدوا أنه حق، ولذا كانوا يستفتحون به على المشركين، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك، وأنكروه، وكفروا به بعد إيمان سابق. وأرى أنه لا مانع من تعدد أسباب النزول، وإن كانت القرائن ترجح أن الآية نزلت في أهل الكتاب - ومثلهم المشركون -؛ لأن الآيات السابقة تدور حول محاورتهم ومناقشتهم واستئصال جذور الشرك من نفوسهم. وهذا ما رجحه أيضاً ابن جرير الطبري، وأيده في (تفسير المنار). مجمل بيان الآيات: هذه الآيات جعلت الكفار أصنافاً ثلاثة: ١ - الذين تابوا توبة صادقة، وهم الذين أشارت إليهم الآية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾. (١) البحر المحيط: ٥١٩/٢. ٣١٥ الجُزُ (٣) - آل عمران: ٨٦/٣-٩١ ٢ - الذين تابوا توبة غير صحيحة، وهم المذكورون في قوله: ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾. ٣ - الذين لم يتوبوا أصلاً وماتوا على الكفر، وهم الموصوفون بقوله: ﴿إِنَّ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. التفسير والبيان: كيف يهدي الله قوماً كاليهود والنصارى الذين كفروا بعد إيمانهم وشهادتهم أن الرسول حق، وأرشدتهم الآيات الواضحات من القرآن والكتب السابقة وسائر المعجزات الدالة على صدق نبوته وصحة رسالته؟! هذا استبعاد لهداية هؤلاء وتيئيس للنبي وَالله منهم، كما قال البيضاوي. فمن سنن الله تعالى في هداية البشر إلى الحق أن يقيم لهم الدلائل والبينات، مع إزالة الموانع من النظر فيها على النحو المؤدي إلى المطلوب، وقد مكنهم الله من هذا کله، وآمنوا به ثم كفروا. والله لا يهدي أولئك الظالمين لأنفسهم؛ لأنهم عرفوا الحق وحادوا عنه، وتركوا دلائل النبوة، وهداية العقل. فجزاؤهم استحقاق غضب الله وسخطه والطرد من رحمته، وسخط الملائكة والناس، وصبّ اللعنات عليهم، والدعاء عليهم بالطرد من رحمة الله في الدنيا، وكذا في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا أَتَّخَذْتُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا قَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥/٢٩]. وهم خالدون أبداً في اللعنة أو في النار؛ لأن مستحق اللعنة جزاؤه النار، ولا يخفف عنهم العذاب ساعة واحدة، ولا يؤجلون لعذر يعتذرون به. ٣١٦ لُعُ (٣) - آلِ عَتْرَانَ: ٨٦/٣-٩١ ثم استثنى الله تعالى التائبين، فمن تاب من هؤلاء عن ذنبه، وترك الكفر، ورجع إلى الله، وأصلح قلبه وعمله، وندم على ما فعل، فإن الله غفور لما تقدَّم منه، رحيم بعباده كما قال: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ ١٢٥ ﴾ [الشورى: ٢٥/٤٢]. هذا هو الصنف الأول من السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ الكفار وهم التائبون. وأما الصنف الثاني فهم أهل الكتاب الذين آمنوا بالنبي ◌َّ، وشهدوا قبل بعثته أنه حق، ثم كفروا به بعد البعث، ثم ازدادوا كفراً بالإصرار والعناد، ومقاومة الرسول وَله، ومحاربة المؤمنين، فهؤلاء لن تقبل توبتهم ما داموا على الكفر، ثم ماتوا وهم كفار، وأولئك هم الواقعون في الضلال، المخطئون سبيل الحق والنجاة، الذين تمكن الكفر في قلوبهم. والآية تشير إلى أن الكفر يزداد قوة واستقراراً، وتمكناً في القلب بعمل ما يقتضيه ويقويه وينميه، من طريق القيام بأعمال تنافي الإيمان، وتدعم الكفر وأهله. وكذلك الإيمان يزداد وينقص بعمل الصالحات أو بالإنقاص منها، كما قال تعالى في الحالين: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمِ مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ: إِيمَنَّا فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) وَأَمَّا الَّذِينَ ١٢٤ فِى قُلُوبِهِم مَرَضُ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ ١٢٥ [التوبة: ٩ /١٢٤-١٢٥]. والتوبة سبيل التزكية والتطهير والإصلاح، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن (﴾ [الشمس: ٩/٩١-١٠] فمن أهمل إصلاح زَّكَّنْهَا ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنهَا نفسه خسر، ومن حاول الإصلاح نجح، فإذا تراكمت المساوئ، وأهملت تزكية النفس، وتدنست بالمعاصي الكثيرة، صعب في العادة الرجوع إلى جادة الاستقامة. وهذا ما أشارت إليه آيات التوبة: ﴿إِنَّمَا الثَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَّةَ بِجَهَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٣١٧ الُرُ (٣) - آل عمران: ٨٦/٣-٩١ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتََّ ١٧ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِِّ تُبْتُ اَلْتَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ [النساء: ٤ /١٧-١٨]. ١٨ كُفَّارُ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وأما الصنف الثالث فهم الذين يموتون وهم كفار، فهؤلاء لن يقبل منهم الفداء، ولو كان ملء الأرض ذهباً، ولو افتدى به في الآخرة، لا يقبل منه، على افتراض أنه يملكه، ويريد استخدامه وسيلة النجاة، ولهم عذاب أليم أي عقاب مؤلم، وليس لهم ناصر ولا شفيع يمنع عنهم العذاب، أو يخففه، كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَنَكُمُ النَّارِّ هِىَ مَوْلَنَكُمْ وَبِئْسَ اُلْمَصِيرُ (١٥) [الحديد: ٥٧ /١٥]. فقه الحياة أو الأحكام: صنفت الآيات الكفار إلى أصناف ثلاثة بحسب بقائهم على الكفر وقبولهم الإيمان، وهو تصنيف صريح واقعي. فمن كفر بعد إسلامه، وكان ظالماً مقيماً على الظلم لا يهديه الله ما دام مقيماً على كفره وظلمه، ولا يُقْبِل على الإسلام، وله جزاء شديد هو استحقاق غضب الله وسخطه، والخلود في نار جهنم، دون تخفيف لشيء من العذاب، ولا تأجيل له لمعذرة ما. فأما إذا أسلم هؤلاء وتابوا، وأصلحوا ما أفسدوا، فباب المغفرة والرحمة مفتوح لهم. وهذا الباب مفتوح أيضاً بالأولى لمن كان مسلماً عاصياً ثم تاب وأصلح وأخلص عمله لله. ولن تقبل التوبة من الكفار الذين كفروا بعد إيمانهم، وبقوا مقيمين على الكفر، وسماها الله تعالى توبة غير مقبولة؛ لأنه لم يصح منهم عزم عليها، والله عز وجل يقبل التوبة كلها إذا صح العزم وصدقت الإرادة. كما لا تقبل توبتهم إذا عزموا عليها عند الموت، كما قال عز وجل: ٣١٨ الُ (٣) - آلِ عَتْرَانَ: ٨٦/٣-٩١ ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْثُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ اٌلْتَنَ﴾ [النساء: ١٨/٤] ويؤيده قوله بَّله فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن ابن عمر: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم یغرغر». ومن مات كافراً فلن يقبل منه خير أبداً، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهباً فيما يراه قربة، ولن ينفعه بعد موته بديل ولا فداء مهما كثر، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنَفَعُهَا شَفَعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣/٢] وقال: ﴿لَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤/٢] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ, مَعَدُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ عَذَابِ يَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ مَا نُقُبِّلَ مِنْهُمِّ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (®َ﴾ [المائدة: ٣٦/٥]. وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن النبي وَ الر قال: ((يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك))(١). وأما عدم جدوى فعل الخير الذي صدر منه في الدنيا، ففيه حديث آخر وهو أن عبد الله جُدْعان سئل عنه النبي ◌ََّ، وكان يقري الضيف، ويفك العاني(٢)، ويطعم الطعام: هل ينفعه ذلك؟ فقال: ((لا، إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي یوم الدین)). (١) هذا لفظ البخاري، وقال مسلم بدل ((قد كنت)): ((كذبتَ، قد سُئِلتَ)) وقد تقدم الحديث قريباً في تفسير الآية (٨١). (٢) العاني: الأسير. ٣١٩ الجُرُ (٣) - آلِ عَتْرَانَ: ٩٢/٣ نوع النفقة المبرورة وجزاء الإنفاق ﴿لَنْ نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ وَمَا نُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ ٩٢ المفردات اللغوية: ﴿لَنْ نَنَالُواْ﴾ لن تصيبوا وتجدوا. ﴿اَلْبِرَّ﴾ كلمة جامعة لوجوه الخير، والمراد بها هنا: لن تنالوا ثواب البر وهو الجنة. ﴿ تُنفِقُوا﴾ تصَّدقوا. ﴿مَِّا تُحِبُّونَ﴾ من أموالكم. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ فيجازي عليه. المناسبة: ادعى أهل الكتاب في الآيات السابقة الإيمان، وأن النبوة محصورة فيهم، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات، وناسب هنا أن يذكّرهم بأن آية الإيمان هو الإنفاق في سبيل الله من أحب الأموال، مع الإخلاص. التفسير والبيان: لن تصلوا إلى ثواب البر وهو الجنة، ولن تكونوا بررة تستحقون رضوان الله وفضله ورحمته، وصرف عذابه عنكم، حتى تنفقوا من أحب الأموال إليكم من كراثم الأموال. وما تنفقون من شيء، سواء أكان كريماً أم رديئاً، فإن الله به عليم فيجازي عليه، ولا يخفى عليه أمر الإخلاص والرياء. ومما يدل على سمو رتبة الصحابة أنهم كانوا يتصدقون بأحب الأموال لديهم، روى الأئمة الستة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار نخلاً بالمدينة، وكان أحب أمواله إليه بَيْرُحاء (١) (بستان في (١) وضبطها ابن العربي ((بَيْرَحاء)) وفي الموطأ: ((وكانت أحب أمواله إليه بترُحَاء)». ٣٢٠ الُرُ (٣) - ◌ِعَتْرَانَ: ٩٢/٣ المدينة) وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي مثل يدخلها ويشرب من ماء طيب فيها، فلما نزلت: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى، أرجو برّها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله تعالى، فقال عليه الصلاة والسلام: بَخ بَخ (كلمة استحسان تدل على الرضا والإعجاب) ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. وفي رواية لمسلم: فجعلها بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب. قال العلماء: إنما تصدّق به النبي ◌َلّ على قرابة المصدِّق لوجهين: أحدهما - أن الصدقة في القرابة أفضل، الثاني - أن نفس المتصدق تكون بذلك أطيب وأبعد عن الندم. وكذلك فعل زيد بن حارثة، أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن المنكدر قال: لما نزلت هذه الآية، جاء زيد بن حارثة بفرس يقال لها (سَبَل) لم يكن له مال أحب إليه منها فقال: هي صدقة، فقبلها رسول الله وَ ﴿ وحمل عليها ابنه أسامة - أي أعطاها له -، فكأن زيداً وجد من ذلك في نفسه (أي حزن)، فقال رسول الله وَالله: ((إن الله قد قبلها منك). وفي الصحيحين: أن عمرَ قال: يا رسول الله، لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: ((حبّس الأصل، وسبِّل الثمرة)). وأعتق ابن عمر نافعاً مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار، قالت صفية بنت أبي عبيد: أظنه تأوّل قول الله عز وجل: ﴿لَن نَنَالُواْ اَلْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾. وأخرج عبد بن مُميد والبزار عن ابن عمر قال: حضر تني هذه الآية: ﴿لَنْ نَنَالُواْ الْبِرَّ﴾، فذكرت ما أعطاني الله تعالى فلم أجد