النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ الجُرُ (٣) - آلِّعَتْرَانَ: ٦٩/٣-٧٤ مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم، فتكون لام ﴿لِمَن﴾ على هذا زائدة وهو اختيار السيوطي، ومن في موضع نصب لأنه استثناء منقطع. ويجوز أن تكون اللام غير زائدة، ومتعلِّقة بفعل مقدَّر دلّ عليه الكلام؛ لأن معناه: لا تقرُّوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، فتتعلّق الباء واللام (بتقرّوا). والتأويل عند الزمخشري: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أي أسرّوا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم. وجملة ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى﴾ اعتراضية. وقوله: ﴿أَوْ بُعَلُوكُمْ﴾ عطف على ﴿أَنْ يُؤْثَ﴾. والضمير في ﴿بُعَلْتُمْ﴾ عائد لكلمة ﴿أَحَدٌ﴾ لأنه في معنى الجمع. البلاغة: ﴿اَلْحَقَ﴾ و﴿بِالْبَطِلِ﴾ بينهما طباق. ﴿يُضِلُونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ﴾ فيهما جناس تام. المفردات اللغوية: ﴿وَدَّتِ﴾ أحبَّت ورغبت. ﴿طَآئِفَةٌ﴾ جماعة وهم الأحبار والرؤساء. ﴿يُضِلُّونَكُمْ﴾ يوقعونكم في الضلال بالرُّجوع عن دين الإسلام والمخالفة له، والضلال: نوع من الهلاك. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ﴾ لأن إثم إضلالهم عليهم، والمؤمنون لا يطيعونهم فيه. ﴿َِايَتِ اُللَّهِ﴾ ما يدلّ على صدق نبوّة محمد بَّه، وهو القرآن المشتمل على نعته عليه الصلاة والسلام. ﴿تَلْبِسُونَ﴾ تخلطون الحقّ بالباطل، بالتَّحريف والتَّزوير. ﴿وَتَكْثُمُونَ اُلْحَقَّ﴾ أي نعت النَّبِي ◌َّ. ٢٨٢ لُعُ (٣) - آلِعَتْرَانَ: ٦٩/٣-٧٤ ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه حق. ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ أوله. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي المؤمنين. ﴿يَرْجِعُونَ﴾ عن دينهم. ﴿وَلَا تُؤْمِنُواْ﴾ تصدقوا. ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اُللَّهِ﴾ الذي هو الإسلام، والخطاب لمحمد وَّهِ، والجملة اعتراضية. ﴿أَنْ﴾ أي بأن، وأن: مفعول تؤمنوا. ﴿مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ من الكتاب والحكمة والفضائل. ﴿أَوْ بُعَلُوكُمْ﴾ أي بأن يحاجّوكم وهم المؤمنون، أي يغلبوكم بالحجّة. ﴿ اَلْفَضّلِ﴾ الزيادة، والمراد به هنا النّبوة. سبب النزول: نزول الآية (٦٩): نزلت في معاذ بن جبل وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان حين دعاهم اليهود إلى دينهم. نزول الآية (٧٢): روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن الصيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل الله على محمد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنع، فيرجعوا عن دينهم، فأنزل الله فيهم: ﴿يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾ إلى قوله: ﴿ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن السُّدِّي عن أبي مالك قال: كانت اليهود تقول ٢٨٣ الْجُرُ (٣) - آلعمران: ٦٩/٣ -٧٤ أحبارهم للذين من دونهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم فأنزل الله: ﴿قُلْ إِنَّ اُلْهُدَى هُدَى اَللَّهِ﴾. المناسبة: ذكر الله تعالى سابقاً موقفاً لأهل الكتاب وهو الإعراض عن الحق، وذكر هنا موقفاً آخر وهو شدّة حرصهم على إضلال المؤمنين. التفسير والبيان: أحبَّت طائفة من الأحبار والرؤساء إيقاع الضلال بين المسلمين، بزرع الشّبهات ومحاولة كسب بعض المسلمين بإدخالهم في دينهم، ولكنهم خائبون، فهم لا يضلون إلا أنفسهم وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم، إذ شغلوها بما لا يجدي، بل بما يضرّ، ويوقعهم في الإثم والمعصية، وما يشعرون بذلك وما يفطنون إلى سوء حالهم، وفي هذا نهاية الذّم والاحتقار لهم. والآية نظير قوله تعالى: ﴿وَذَّ كَثِيْرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا﴾ [البقرة: ١٠٩/٢]. يا أهل الكتاب (اليهود والنصارى): لأي سبب تكفرون بالآيات الدّالة على صدق نبوّة محمد وَله، وأنتم تشهدون بصحّتها، بما جاء في كتبكم من نعته والبشارة به. يا أهل الكتاب لم تخلطون الحقّ الذي جاء به الأنبياء بالباطل الكذب الذي لفَّقه أحباركم ورؤساؤكم بتأويلاتهم الفاسدة، وبإلقاء الشُّبه، والتَّحريف والتَّبديل، وأنتم تكتمون شأن محمد بَّر، وهو مكتوب عندكم في التّوراة والإنجيل وهو البشارة بنبي من بني إسماعيل يعلِّم الناس الكتاب والحكمة، وأنتم تعلمون أنكم مخطئون مبطلون، وتفعلون ذلك حسداً وعناداً. ثم ذكر نوعاً آخر من مكرهم وكيدهم: وهو أن طائفة منهم كما بان في . ٢٨٤ الُعُ (٣) - آل عمران: ٦٩/٣-٧٤ سبب النزول المتقدم أظهروا الإسلام في أول النّهار فصلّوا مع المسلمين صلاة الصُّبح، ثم ارتدّوا عنه في آخره، ليلبسوا على الضعفاء والجهلة من الناس أمر دينهم، فيقولوا: إنما ردّهم إلى دينهم اطّلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عنه. ولم يدروا أن من عرف الحقّ لم يرجع عنه، سأل هرقل أبا سفيان عن شؤون محمد ◌ّ: هل يرجع عنه من دخل في دينه؟ فقال أبو سفيان: لا. ومن تتمة كلام اليهود أن قالوا لبعضهم زعماً منهم أنّ النّبوة لا تكون إلا فيهم(١): أسرّوا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم، دون المسلمين، لئلا يزيدهم ثباتاً على دينهم، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام، أي أن المعنى كتم التصديق بأن للمسلمين من كتاب الله مثل أهل الكتاب. وقال ابن كثير: لا تطمئنوا أو تظهروا سرّكم وما عندكم إلا لمن تبع دينكم، ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين، فيؤمنوا به ويحتجّوا به عليكم، فالمعنى حجب أسرارهم عن المسلمين. ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجّونكم يوم القيامة بالحق، ويغالبونكم عند الله تعالى بالحجّة. وقال ابن كثير في تفسير ذلك: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين فيتعلّموه منكم، ويساووكم فيه، ويمتازوا به عليكم لشدّة الإيمان به، أو يتّخذوه حجّة عليكم بما في أيديكم، فتقوم به عليكم الدّلالة، وتترتب الحجة في الدّنيا والآخرة. وتخلل ذلك جملة اعتراضية: وهي أن الهدى هدى الله، فمن شاء الله هدايته إلى الإيمان آمن بما أنزله على عبده ورسوله محمد وص له من الآيات البيّنات (١) قوله ﴿وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾: من جملة قول اليهود؛ لأنه معطوف على كلامهم، وهو الظاهر، قال ابن عطية: ولا خلاف في ذلك. ٢٨٥ الُرُ (٣) - آل عمران: ٦٩/٣-٧٤ والدلائل القاطعات والحجج الواضحات، ولا يؤثر كيدكم وخبثكم وحيلكم وكتمكم شيئاً، فسواء أظهرتم الحق، أم كتمتم أيها اليهود ما عندكم من صفة محمد النَّبي الأميّ في كتبكم، فلن يغيِّر ذلك شيئاً من نعمة الهداية الإلهية على أحد من الناس. ثم ردّ الله على اليهود ردّاً قاطعاً لزعمهم أنّ النّبوة لا تكون إلا فيهم فقال: إن الأمور كلها ومنها أمر النّبوة تحت تصرفه، وليس إليكم، وإنما بيد الله وحده، فهو المعطي المانع، يمنُّ على من يشاء بالإيمان والعلم، ويضل من يشاء فيعمي بصيرته وبصره ويختم على قلبه وسمعه، وهو صاحب الفضل المطلق، والخير كله بيده، يؤتيه من يشاء من عباده، يختصّ برحمته أي بالنّبوة من شاء، ويختصّ المؤمنين بالفضل بما لا يحدّ ولا يوصف، وفضله واسع عظيم، ورحمته وسعت كل شيء، فلا حدّ لها، ولاحصر لآثارها، ولاقصر للنبوة على بني إسرائيل على حدّ زعمهم، ولا لنسب أو شرف معين. فقه الحياة أو الأحكام يحسد اليهود المؤمنين ويبغون إضلالهم، ولكن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم، وهم لا يشعرون. وهكذا يحلم الكفار قديماً وحديثاً بردّ المسلمين عن دينهم، إلى دين اليهودية أو النصرانية، أو أن يصبحوا من غير دين، ولكنهم خابوا وخسروا، وأثبتوا أنهم ضعاف العقول، سفهاء الأحلام؛ فإن العقيدة الإسلامية في قلب المسلم أثبت من رواسخ الجبال، وهم لا يعلمون بصحّة الإسلام، وواجب عليهم أن يعلموا؛ لأن البراهين ظاهرة والحجج باهرة على وحدانية الله، وعلى صحّة الشريعة ونضارتها وأصالتها ووفائها بالحاجات وسموّها وتفضيلها على كلّ شرائع العالم قاطبة؛ لأنها شرع الله ودينه. ومن المستنكر عقلاً وعادةً أن يخلط أهل الكتاب الحقّ بالباطل، أو يكتموا الحقّ الأبلج، وهم به عالمون. ٠ ٢٨٦ الُعُ (٣) - آل عمران: ٧٥/٣-٧٧ ومحاولة التَّدليس والخداع في إظهار أناس إيمانهم فترة ما، للتضليل والتشكيك، ثم العودة إلى الكفر هي محاولة صبيانية طائشة، لا يغترُّ بها إلا السُّنَّج أمثالهم؛ لأن التلاعب بالدِّين والإيمان ليس من سمة المخلصين، ولأن الإيمان إذا وقر في القلب عن دليل وبرهان، استحال نزعه وسلخه من صاحبه إلا بالموت أو القتل. والنّبوات ليست قصراً على أمة من الأمم أو شعب من الشعوب، وإنما يختص الله برحمته من يشاء، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وهو صاحب السلطان المطلق والأمر المبرم، يُنزِّل الوحي أو الملائكة على من يشاء من عباده، فليس لليهود أن يقولوا: إن النّبوات محصورة فيهم، أو أن تفوق الحجة عند الله لهم، فهم لاحجّة لهم، والإسلام أصح من معتقداتهم، والمسلمون أصحّ منهم ديناً. وإن الهدى إلى الخير والدلالة إلى الله عزّ وجلّ بيد الله جلّ ثناؤه، يؤتيه أنبياءه، فليس لأهل الكتاب أن ينكروا أن يؤتي أحد مثلما أوتوا، فإن أنكروا يقال لهم ﴿إِنَّ اُلْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيِهِ مَن يَشَآءُ﴾ فالأمور كلها تحت تصرف الله، وهو المعطي المانع، يمنّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتّصرف التامّ، ويضلّ من يشاء، فيعمي بصره وبصيرته، ويختم على قلبه وسمعه، ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجّة التّامة والحكمة البالغة. أداء الأمانة والوفاء بالعهد عند بعض أهل الكتاب وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنَطَارٍ يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنَّهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَأْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى بَلَى مَنْ أَوْفَ اُلْأُمِنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ بِعَهْدِهِ، وَأَقَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَّرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا أُوْلَّكَ لَ خَلَقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةٍ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ ٧٧ ٢٨٧ الُرُ (٣) - آل عمران: ٧٥/٣-٧٧ القراءات: تَأْمَنْهُ﴾: وقرئ: (تامَنْه) وهي قراءة ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً. ﴿ يُؤَدِّهِةِ﴾ : قرئ: ١- بكسر الهاء ووصلها بياء، وهي قراءة الجمهور. ٢- باختلاس الحركة هي قراءة قالون. ٣- بالسكون، وهي قراءة أبي عمرو، وأبي بكر، وحمزة. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: وقرئ: (إليهُم) وهي قراءة حمزة. ٠ الإعراب ﴿بَلَى﴾ إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين، أي بلى عليهم سبيل فيهم . ﴿مَنْ أَوْنَ بِعَهْدِهِ،﴾ جملة مستأنفة مقررة للجملة التي سدّت مسدها. والضمير في ﴿بِعَهْدِهِ،﴾ راجع إلى ﴿مَنْ أَوْفَ﴾. ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالی. البلاغة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ﴾ أشار إليهم بالبعيد لازدياد غلوهم في الشّرّ والفساد. ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِىِ اُلْأُمَّيِّئِنَ سَبِيلٌ﴾ مجاز بالحذف أي ليس علينا في أكل الأموال سبيل. ﴿ يَشْتَرُونَ﴾ فيه استعارة، استعار لفظ الشراء للاستبدال أي يستبدلون. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ﴾ مجاز عن شدّة الغضب والسخط الإلهي. ﴿ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم، تقول: ((فلان لا ينظر إلى فلان)) أي لا يعتدّ به. ٢٨٨ الُرُ (٣) - آلِّعَتْرَانَ: ٧٥/٣-٧٧ ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي لا يحسن إليهم ولا يثني عليهم، فهو مجاز عن معنى الإحسان. يوجد جناس اشتقاق بين ﴿وَأَتَّقَى﴾ و﴿اُلْمُتَّقِينَ﴾. المفردات اللغوية ﴿ تَأْمَنْهُ﴾ أي تأتمنه، وهو من فعل أمنته . ﴿بِقِنَطَارٍ﴾ المراد العدد الكثير، وقيل: هو المعيار الذي يوزن به، ومقداره عند أهل الشام مئة رطل، والرطل كيلوان ونصف . ﴿بِدِينَارٍ﴾ المراد العدد القليل. ﴿فِى الْأُمِّيِِّنَ﴾ أي العرب. ﴿سَبِيلٌ﴾ مؤاخذة وذنب أو تبعة. ﴿بَلَى﴾ كلمة تقع جواباً عن نفي سابق لإثباته، أي عليهم فيه سبيل. ﴿بِعَهْدِهِ،﴾ العهد: ما تلتزم الوفاء به لغيرك، وإذا كان الالتزام من جانبين يقال: عاهد فلان غيره عهداً. ﴿يَشْتَرُونَ﴾ يستبدلون. ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ ماأنزله في كتابه من الإيمان بالنَّبي وأداء الأمانة. ﴿ وَأَيْمَنِهِمْ﴾ جمع يمين: وهي الحلف بالله، والمراد هنا: أيمانهم الكاذبة أو حلفهم بالله تعالى كاذبين . ﴿ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ أي عوضاً يأخذونه من الدّنيا، أو رشوة، وهو قليل؛ لأن المال الذي يكون سبباً في العقاب قليل مهما كثر. ﴿لَا خَلَقَ لَهُمْ﴾ لا نصيب لهم. ﴿ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي يغضب عليهم. ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ أي يسخط عليهم ولا يرحمهم. ﴿وَلَا يُزَكِيهِمْ﴾ أي لا يثني عليهم ولا يطهرهم . ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم. سبب النزول: نزول الآية (٧٧): روى الشيخان وغيرهما أن الأشعث قال: کان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إلى النَّبِي وََّ، فقال: ألك بيِّنة؟ قلت: لا، فقال لليهودي: احلف، فقلت: يا رسول الله، إذن يحلفٍ، فيذهب مالي، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِلًا﴾. ٢٨٩ الُرعُ (٣) - آل عمران: ٧٥/٣-٧٧ وأخرج البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رجلاً أقام سلعة له في السوق، فحلف بالله، لقد أعطي بها ما لم يعطه، ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية. قال الحافظ ابن حجر في (شرح البخاري): لا منافاة بين الحديثين، بل يحمل على أن النزول كان لسببين معاً. وأخرج ابن جرير عن عكرمة: أن الآية نزلت في حُيَيّ بن الأخطب وكعب ابن الأشرف وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة وبدلوه، وحلفوا أنه من عند الله. وقيل: نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الْحُقيق وحبي ابن أخطب: حرّفوا التّوراة، وبدّلوا صفة رسول الله وَله، وأخذوا الرَّشوة على ذلك(١). قال الحافظ ابن حجر: والآية محتملة، لكن العمدة في ذلك ما ثبت في الصحيح. المناسبة: تتابع الآيات في تبيان أوصاف أهل الكتاب، فمنهم الأمين، ومنهم الخائن، ومنهم المستحل أموال غير اليهود بالباطل بتأويلات واهية، لذا فإن القرآن يحذر المؤمنين من الاغترار بهم. التفسير والبيان: لقد أنصف القرآن في وصف أهل الكتاب، فمنهم طائفة تؤتمن على الأموال القليلة والكثيرة، والودائع أو الأمانات، مثل عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفاً ومئتي أوقية ذهباً، فأدّاها إليه، ومثل السموءل بن عاديا اليهودي المشهور بالوفاء. (١) البحر المحيط: ٥٠١/٢ ١ ٢٩٠ الُعُ (٣) - آلِ عُقْر أنَ: ٧٥/٣-٧٧ ومنهم طائفة أخرى تخون الأمانة، وإن كانت قليلة، ويتعذر استردادها منهم إلا بمتابعة المطالبة والتحصيل، أو باللجوء إلى التقاضي والمحاكمة وإقامة البيِّنة عليهم، مثل كعب بن الأشرف أو فنحاص بن عازوراء، استودعه رجل قرشي ديناراً، فجحده وخانه والذي حمل هذه الطائفة من اليهود على الخيانة: زعمهم أن التوراة تبيح لهم أكل أموال الأميين وهم العرب، قائلين: إنه لا تبعة ولا إثم عليهم في أكل أموال العرب بل وكل ما عدا اليهود، إذ هم شعب الله المختار، فلهم السمو والتفوق العنصري على غيرهم، وأما من سواهم فلا حرمة له عند الله، فهو مبغوض عنده، محتقر لديه، ولا حق له ولا حرمة، روي أن بني إسرائيل كانوا يعتقدون استحلال أموال العرب لكونهم أهل أوثان، فلما جاء الإسلام، وأسلم من أسلم من العرب، بقي اليهود فيهم على ذلك المعتقد، فنزلت الآية مانعة من ذلك(١). وهذا أمر مرفوض في شرعة الله التي لا تفرق في أداء الحقوق بين المؤمن والكافر، ولكنهم اليهود الذين يحرِّفون الكلم عن مواضعه، ويتأوّلون النصوص على وفق أهوائهم. ومن أمثلة ذلك أيضاً: ما رواه ابن جرير الطبري: أن جماعة من المسلمين باعوا لليهود بعض سلع لهم في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم الثمن، فقالوا: ليس علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا؛ لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه، وادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم. فليحذر أتباع شرع مثل فعل اليهود، روى عبد الرزاق وأبو إسحاق أنّ رجلاً سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة: الدجاجة والشاة، قال ابن عباس: فماذا تقولون؟ قال: نقول: ليس علينا (١) البحر المحيط: ٥٠٠/٢ ٢٩١ الُ (٣) - أل غتْرَانَ: ٧٥/٣-٧٧ بذلك بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ﴿لَيَسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمَّيْنَ سَبِيلٌ﴾ إنهم إذا أدّوا الجزية، لم تحلّ لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم. وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل، قال نبي الله وَ له: ((كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين، إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر))، هذا ردّ عليهم. وردّ الله عليهم أيضاً بأنهم يكذبون على الله بادعائهم أن ذلك في كتابهم، وهم يعلمون كذبهم الصريح فيه؛ لأن التوراة خالية من هذا الحكم الجائر وهو خيانة الأميين. بل إن حكم التوراة عكس ذلك، فإنها توجب الوفاء بالعقود، وتأمر بوفاء الأمانات، وقال الله لهم: بلى عليهم في الأميين سبيل العذاب بكذبهم، واستحلالهم أموال العرب، فمن اقترض إلى أجل، أو باع بثمن مؤجل، أو اؤتمن على شيء مثلاً، وجب عليه الوفاء به، وأداء الحق لصاحبه في حينه، دون حاجة إلى إلحاح في الطلب أو تقاض، وهكذا فإن كل من أوفى بما عاهد عليه، واتقى الله في ترك الخيانة والغدر، فإن الله يحبه ويرضى عنه؛ لأن الله عهد إلى الناس في كتبه أن يلتزموا الصدق والوفاء بالعهود والعقود. وليس العهد مقصوراً على الوفاء بالعقود والالتزامات وأداء الأمانات وإنما يشمل أيضاً عهد الله تعالى: وهو الوفاء بما التزم به المؤمن من تكاليف وأوامر وواجبات شرعية. ولو وفى اليهود بعهودهم لآمنوا بالنبي وََّ، ولو أنصفُوا لَما فرقوا في وفاء العهد بين اليهودي وغيره. ثم بَيَّن الله تعالى جزاء الذين يخونون العهد، ويكتمون ما أنزل الله، ويبدلون بالحق الباطل، ويستبدلون بكلام الله وأوامره عوضاً حقيراً، وثمناً قليلاً: وهو متاع الدنيا من الترؤس والارتشاء ونحو ذلك، ذلك الجزاء هو ٢٩٢ الجُزءُ (٣) - آلِّعَثْرَانَ: ٧٥/٣-٧٧ خسارة نعيم الآخرة، واستحقاق غضب الله وسخطه، وعدم الثناء عليهم، وانعدام الإحسان إليهم والرحمة بهم، والاستهانة بأحوالهم وأوضاعهم، ولهم عذاب مؤلم شديد في نار جهنم. وقد عبر الله تعالى عن كل ذلك بطريق المجاز، فجعل نكث العهد وأخذ شيء مقابله بمثابة الشراء والمعاوضة، ولكنها صفقة خاسرة؛ لأن المقابل أو الثمن مهما كان كثيراً، فهو في الواقع قليل إذا قيس بعظم الجرم والذنب وشدة العقاب الذي يلقاه في الآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: أخبر الله تعالى أن في أهل الكتاب الخائن والأمين، والمؤمنون لا يستطيعون التمييز بينهم، فعليهم اجتناب جميعهم. وخصّ أهل الكتاب بالذكر، وإن كان المؤمنون كذلك؛ لأن الخيانة فيهم أكثر، فخرج الكلام على الغالب. والأمين لا فرق عنده بين الكثير والقليل، فمن حفظ الكثير وأداه فالقليل أولى، ومن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر. واستدل أبو حنيفة على مذهبه في ملازمة الغريم (المدين) بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَا﴾ وأباه سائر العلماء. والأمانة عظيمة القدر في الدِّين، ومن عِظم قدرها أنها تقوم هي والرَّحِم على جنبتي الصراط، كما في صحيح مسلم، فلا يمكّن من العبور بسلام إلا من حفظهما. وليس في هذه الآية تعديل لأهل الكتاب ولا لبعضهم، في رأي المالكية، خلافاً لمن ذهب إلى ذلك؛ لأن فُسَّاق المسلمين يوجد فيهم من يؤدّي الأمانة، ويؤمن على المال الكثير، ولا يكونون بذلك عدولاً، فطريق العدالة وقبول الشهادة لا يدل عليه أداء الأمانة في المال في التعامل والوديعة. 3 ٢٩٣ الُ (٣) - إِّعَتْرَانَ: ٧٥/٣-٧٧ ولا يوجد في شرع الله مطلقاً التفريق في أداء الحقوق والأمانات بين المؤمن وغيره؛ لأن الحق مقدس، لا تتأثر صفته بشخص مستحقه، أما اليهود فلم يجعلوا الوفاء بالعهد حقاً واجباً لذاته. ودلَّ قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ على أن الكافر ليس أهلاً لقبول شهادته؛ لأن الله تعالی وصفه بأنه كذّاب. وفیه ردّ على الكفرة الذين يحرّمون ويحللون غير تحريم الله وتحليله، ويجعلون ذلك من الشرع. وإن الوفاء بالعهد: عهد الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وعهد الناس في المعاملات والعقود والأمانات من الإيمان، بل من أجل خصال الإيمان، وهو الذي يقرب العبد من ربه، ويجعله أهلاً لمحبته ورضوانه. أما الانتساب إلى أمة أو عنصر أو شعب بعينه فلا أثر له عند الله. وإن خائن العهد ليس من التقوى في شيء، بل هو في زمرة المنافقين، وإن آكل المال بالباطل يستحق غضب الله وسخطه، روى أحمد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ويليه : ((من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، لقي الله وهو عليه غضبان)) وقال أيضاً فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) وروى الطبراني في الأوسط عن أنس حديثاً هو: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)). وجزاء ناكثي العهد وخائني الأمانات أشدّ عند الله من مرتكبي بقية الكبائر كالزنا والسرقة وشرب الخمر ولعب الميسر وعقوق الوالدين؛ لأن مفسدة نقض العهد عامة شاملة، وضررها أعظم وأخطر. ودلت هذه الآية وأحاديث النبي وَلّ المتقدمة على أن حكم الحاكم لا يُحلّ المال في الحقيقة والباطن بقضاء الظاهر إذا علم المحكوم له بطلانه، روى الأئمة عن أم سلمة قالت: قال رسول الله وَله: ((إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ٢٩٤ الُعُ (٣) - آلعمران: ٧٨/٣ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحوٍ مما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة)). ورأى أبو حنيفة أن قضاء القاضي ينفذ في الظاهر والباطن إذا حكم بعقد أو فسخ أو طلاق؛ لأن مهمته القضاء بالحق، وأما الحديث السابق فهو في قضية لا بينة فيها، فإذا ادّعى رجل على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فأقام على زواجها شاهدي زور، فقضى القاضي - دون أن يعلم بزور الشهود - بالنكاح بينهما، وهما يعلمان أنه لا نكاح بينهما، حلّ للرجل وطؤها، وحلّ لها التمكين. ومثله لو قضى بالطلاق فرق بينهما عنده، وإن كان الرجل منكراً. ويقاس عليه البيع ونحوه. من أكاذيب اليهود ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَغَرِيقًا يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ اُلْكِتَبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ VA القراءات: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾: وقرئ: ١- (لتحسَبُوه) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة. ٢- (لتحسِبوه) وهي قراءة باقي السبعة. المفردات اللغوية: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم﴾ من اللّ وهو الفتل والعطف، أي يفتلون ألسنتهم ٢٩٥ ◌ِلُ (٣) - آلِ غَيْرَانَ: ٧٨/٣ ويميلونها ويعطفونها عن الكلام المنزل إلى المحرَّف والمبدل كإثبات البنوة الحقيقية لعيسى عليه السلام، بدلاً من المعنى المجازي الوارد على لسان عيسى، وكتحريف صفة نبي آخر الزمان. ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ أي المحرف ﴿مِنَ اُلْكِتَبِ﴾ الذي أنزله الله. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم كاذبون. سبب النزول: عن ابن عباس: قال عن هذه الفئة الثالثة من أهل الكتاب الذين افتروا على الله ما لم يقله: هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف - وكان من ألدّ أعداء النبي ◌َّ - غيّروا التوراة، وكتبوا كتاباً بدلوا فيه صفة رسول الله وَالر، ثم أخذت قريظة ما كتبوه، فخلطوه بالكتاب الذي عندهم(١). التفسير والبيان: إن من أهل الكتاب جماعة من أحبارهم وعلمائهم وزعمائهم، وهم كعب ابن الأشرف، ومالك بن الصيف، وحُيّيّ بن أخطب وغيرهم، يفتلون ألسنتهم بقراءة كتابهم المنزل عن الصحيح إلى المحرَّف، بالزيادة في كلام الله أو النقص أو تغيير المعنى، أو قراءته بنغمة توهم الناس أنه من التوراة، وتجعلهم يظنون أن ذلك المحرَّف من كلام الله، وما هو من عند الله، فهم كاذبون فيما يقولون، فإنهم يدعون أنه من عند الله، وهذا تأكيد لقوله: ﴿هُوَ مِنَ اُلْكِتَبِ﴾. فهم لم يكتفوا بالتعريض ولكنهم يصرحون بنسبة الكلام إلى الله كذباً، لفرط جرأتهم على الله وقساوة قلوبهم، ويأسهم من الآخرة. وبناء عليه سجَّل الله تعالى عليهم صفة الكذب الدائمة الملازمة لهم وهي افتراء الكذب على الله عمداً، لا خطأ؛ لأنهم يعلمون تمام العلم أنه كذب وافتراء محض، فهذه الجملة تنعى عليهم قبيح ما يرتكبون من الكذب. (١) الكشاف: ٣٣١/١ ٢٩٦ اِلُعُ (٣) - آل عمران: ٧٨/٣ من أمثلة ليِّ لسانهم: أنهم كانوا إذا سلَّموا على النبي وَلّ أخفوا لام ((السلام)) وقالوا: ((السام عليكم)) والسام هو الموت. ومن الأمثلة قولهم: ﴿رَعِنَا﴾ من الرعونة والحمق، لا من الرعاية، كما جاء في آية: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيَّأَ بِاَلْسِنَئِهِمْ وَطَعْنًا فِىِ الدِّينَّ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ وَأَنْظْهَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ [النساء: ٤٦/٤]. التحريف والتبديل: هذا وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة في تحريف التوراة والإنجيل، منها هذه الآية، وآية النساء المتقدمة، وآية البقرة: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥/٢] وآية المائدة: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيُِّ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ اُلْكِتَبِ﴾ [المائدة: ١٥/٥] والآية الأخرى في المائدة: ﴿يُحَرَّفُونَ الْكَلِمَ عَن ◌َّوَاضِعِهِ،﴾ [المائدة: ١٣/٥] وآيات الإسراء: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ فِى الْكِنَبِ لَتُفْسِدُنَّ فِ اْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلِيُنَبِرُواْ مَا عَلَوْاْ تَنِبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤/١٧-٧] وآية إبراهيم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤْأ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودٌ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرَدُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِىّ أَفْوَهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩/١٤] وآية الأنعام: ﴿قُلّ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدَى لِلنَّاسِّ تَجْعَلُونَهُ قَرَطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١/٦]. فقه الحياة أو الأحكام: أثبتت الآية صفتين شنيعتين لليهود والنصارى وهما تحريف التوراة والإنجيل، وتأويلهما، ووضع كتب يكتبونها من عند أنفسهم، والكذب والافتراء على الله. وهاتان الصفتان يصدر عنهما عادة أسوأ الأفعال وأخس المؤامرات، وأخطر أنواع التضليل والتدليس والخداع الذي يمارسونه في حق البشرية. . ٢٩٧ الجُرُ (٣) - الِغَقْر ان: ٧٩/٣-٨٠ افتراء أهل الكتاب على الأنبياء ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَّهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُنُواْ عِبَادًا لِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّكِِّنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴿ وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْ الْمُلَكَةَ وَالنَّبِتْنَ أَرْبَأَبْ أَيَأْ مُرُّكُم ٨٠ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم ◌ُسْلِمُونَ القراءات: ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ وقرئ: (النبوءة) وهي قراءة نافع. تُعَلِّمُونَ﴾: قرئ: ١ - بالتخفيف، مضارع ((علم)) وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو. ٢- بضم التاء وفتح العين وتشديد اللام المكسورة، وهي قراءة باقي السبعة. ﴿وَلَا يَأْمُرَّكُمْ﴾: قرئ: ١- بنصب الراء، وهي قراءة عاصم، وابن عامر، وحمزة، على أن يكون المعنى: ولا أن يأمركم. ٢ - (ولا يَأْمُرُكُم) بضم الراء، وهي قراءة نافع، وابن كثير، والكسائي. ﴿ وَالنَّبِيِّنَ﴾: وقرئ: (النبيئين)، وهي قراءة نافع. الإعراب: ﴿وَلَا يَأْمُرَّكُمْ﴾ على قراءة النصب معطوف على ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾ أو على ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ وضميره وهو ((كم)) للبشر. وعلى قراءة الرفع على الاستئناف والاقتطاع مما قبله، وتكون (لَا) بمعنى ((ليس)) والضمير المرفوع في ﴿يَأْمُرَّكُمْ﴾ لله تعالى. ٠ ٢٩٨ الجُرُ (٣) - آلِ عُثْرَانَ: ٧٩/٣ -٨٠ البلاغة: يوجد طباق بين لفظ ﴿بِالْكُفْرِ﴾ و﴿مُسْلِمُونَ﴾. ﴿أَيَأْمُرُّكُمْ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري أي لا ينبغي له. المفردات اللغوية: ﴿لِبَشَرٍ﴾ إنسان ذكراً أو أنثى، واحداً أو جمعاً. ﴿وَالْحُكْمَ﴾ الحكمة وهي فقه الشريعة وفهم القرآن، وذلك يوجب العمل به . ﴿عِبَادًا﴾ مفرده عبد بمعنى عابد. ﴿رَبِِّنَ﴾ واحده رباني: منسوب إلى الرب؛ لأنه عالم به مواظب على طاعته، مثل: رجل إلهي. فالمراد بالربانيين: هم العلماء الفقهاء العاملون المنسوبون إلى الرب. قال محمد بن الحنفية حين مات ابن عباس: ((اليوم مات رباني هذه الأمة)). ﴿تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون الكتاب. سبب النزول: أخرج ابن إسحاق والبيهقي عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القُرَظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى؟ قال: معاذ الله، فأنزل الله في ذلك: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمُ مُسْلِمُونَ﴾. وأخرج عبد الرزاق في تفسيره عن الحسن البصري قال: بلغني أن رجلاً قال: يا رسول الله، نسلُم عليك، كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: لا، ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله، فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾. والغرض من الآية تكذيب أهل الكتاب الذين يعظمون عيسى والعزير تعظيم عبادة. ٢٩٩ لُ (٣) - آلِ غَيْرَانَ: ٧٩/٣-٨٠ التفسير والبيان: لا ينبغي لبشر ينزل الله عليه الكتاب، ويعلمه الحكمة: فقه الدين ومعرفة أسرار الشرع، ويؤتيه النبوة والرسالة، ثم يقول بعد هذا للناس: اعبدوني من دون الله أي متجاوزين ما يجب من إفراد العبادة لله تعالى، فهذا هو الشرك بعينه، وإنما يجب إخلاص العبادة لله وحده، كما قال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ (١٤)﴾ [الزمر: ١٤/٣٩]. دینی وروى مسلم وغيره حديثاً قدسياً عن النبي ◌َّ قال: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري، تركته وشركه)) وفي رواية: ((فأنا منه بريء، هو للذي عمله)). وروى أحمد عنه وَ له: ((إذا جمع الله الناس يوم القيامة نادى منادٍ: من أشرك في عمل عمله لله أحداً، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك)). ولكن يقول الرسول للناس: كونوا ربانيين أي علماء فقهاء عاملين بما أمرالله، مطيعين له طاعة تامة؛ لأن العلم الصحيح هو الذي يبعث على العمل، وإن تعلم الكتاب الإلهي ودراسته يوجب الطاعة، ويحقق وصف الرباني. ولا يعقل أن يأمر الرسول باتخاذ إله أو رب غير الله، أو بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مقرَّب. وقد كان مشركو العرب يعبدون الملائكة، وحكى القرآن: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى اَلْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠/٩]. وهذا كله مخالف لرسالات الأنبياء التي تأمر بعبادة الله وحده. أيأمركم هذا النبي بالكفر بعد الإسلام، وهذه شهادة لهم بأنهم مسلمون، أي لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير الله، ومن دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ ٣٠٠ الُرُ (٣) - آلِّعَتْرَانَ: ٧٩/٣ -٨٠ [الأنبياء: ٢٥/٢١] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا ٢٥ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَاعْبُدُونِ فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ اُلَّغُونَ﴾ [النحل: ٣٦/١٦] وقال: ﴿وَسْثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةَ يُعْبَدُونَ جّ [الزخرف: ٤٥/٤٣] وقال إخباراً عن الملائكة: ﴿﴿ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إٍِّ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيِهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى الطَّيْلِمِينَ ٢٩ [الأنبياء: ٢٩/٢١]. فقه الحياة أو الأحكام: من المستبعد أن يأتمن الله تعالى رسولاً أو نبياً على وحيه، ثم يدعو الناس إلى عبادة نفسه، فإن الأمين يقوم عادة بما كلفه به المؤتمن له. وإنما تكون دعوة الأنبياء موجّهة نحو عبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة تتطلب الإخلاص، قال تعالى: ﴿قُلِ اَللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِيِنِ ﴿َ﴾ [الزمر: ١٤/٣٩] وقال: ﴿ وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ حُنَفَآءَ﴾ [البينة: ٥/٩٨]. ٢ ودلَّت الآية على أن العلم الصحيح والفقه وفهم أسرار الشريعة يستدعي العمل والطاعة والتزام التكاليف الشرعية؛ لأن من عرف الله هابه، ومن هابه امتثل أمره، ومن آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة يكون أعلم الناس بالله. فمن تعلم علوم الشريعة وترك العمل بها فهو ساقط الاعتبار أمام الله، وکان علمه وبالاً عليه، وحجة على ضلاله وهلاكه وفساده. والتقرب إلى الله لا يكون إلا بالعمل، والعلم الذي لا يبعث على العمل لا يعدّ علماً صحيحاً. والكفر يتنافى مع الإسلام، والإسلام دين الفطرة، وهو في عرف القرآن: دين جميع الأنبياء.