النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ الزرع (٣) - الغتر ان: ٥٢/٣-٥٨ وهكذا عيسى انتدب طائفة من بني إسرائيل لنصرته، فآمنوا به وآزروه ونصُرُوه، كما جاء في آية أخرى: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤/٦١]. قال الحواريون أي الأنصار: نحن أنصار دين الله وجنوده المخلصون المؤيدون دعوتك، آمنا بوجود الله وبوحدانيته إيماناً صادقاً، واشهد بأنا مسلمون، أي خاضعون منقادون لأوامره، وجوهر الإسلام متفق عليه بين کل الأديان. ثم تضرعوا إلى الله قائلين: ربنا آمنا وصدقنا بما أنزلت في كتابك واتبعنا الرسول عيسى ابن مريم، فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون لأنبيائك بالصدق. وذكر الاتباع في قولهم دليل على صحة الإيمان، لأن الإيمان يقتضي العمل. . ثم أخبر الله تعالى عن مؤامرة جماعة من بني إسرائيل على قتل عيسى، فوشوا به إلى ملك ذلك الزمان، وكان كافراً: أن هنا رجلاً يضل الناس، ويصدهم عن طاعة الملك، ويفسد الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه، وهذا هو مكرهم بتوكيل من يقتله غيلة، فأبطل الله مكرهم وأفسد تدابيرهم، إذ بعث الملك في طلبه لأخذه وصلبه والتنكيل به، فلما أحاطوا بمنزله، وظنوا أنهم قد ظفروا به، بإلقاء شبهه على رجل ممن كان عنده في المنزل، نجاه الله تعالى من بينهم، ورفعه إلى السماء. والله خير المدبرين، وأنفذهم خطة، وأحكمهم وأقواهم صنعاً، وأقدرهم على إضرارهم، وإتمام حكمته، وإنفاذ مشيئته، وتركهم في ضلالهم يعمهون: يعتقدون أنهم قد ظفروا بمطلبهم، وحققوا مأربهم. ٢٦٢ الجُرُ (٣) - أل غتْر أنَ: ٥٢/٣-٥٨ وقال أبو حيان: معناه: أي المجازين أهل الخير بالفضل وأهل الجور بالعدل؛ لأنه فاعل حق في ذلك، والماكر من البشر فاعل باطل في الأغلب(١). ثم ذكر الله رفع عيسى إلى السماء مخاطباً نبيه محمداً ێ﴿ وقائلاً: اذكر يا محمد حين قال الله لعيسى: إني موفيك أجلك كاملاً، ورافعك إلي، وهذه بشارة له بنجاته من کیدهم وتدبیرهم. وللمفسرين رأيان في تأويل هذه الآية: اً - إن في الآية تقديماً وتأخيراً: والتقدير: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء، أي أنه رفعه إلى السماء حياً بجسمه وروحه، وسينزل في آخر الزمان، فيحكم بشريعة الإسلام، ثم يميته الله. وهذا مادلت عليه الأحاديث النبوية الصحيحة، قال رسول الله صل: ((إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة)). أَ - التوفي: الإماته العادية، والرفع: رفع الروح والمكانة، لا المكان، كما قال تعالى في شأن إدريس عليه السلام: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴾ [مريم: ١٥٧ ١٩/ ٥٧] وقال في شأن المؤمنين: ﴿فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِكٍ مُقْنَدِرٍ [القمر: ٥٥/٥٤] ويكون المعنى: إني مميتك وجاعلك بعد الموت في مكان علي رفيع. ويؤيد التأويل الأول أكثر العلماء، وقال بعضهم وهو الربيع بن أنس: المراد بالوفاة ههنا: النوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ بِلَيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠/٦] وقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى اُلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢/٣٩] وكان رسول الله ويل يقول إذا قام من النوم: ((الحمد لله الذي أحيانا، بعدما أماتنا)). وقال القرطبي: والصحيح أن الله تعالى (١) البحر المحيط: ٤٧٢/٢ ٢٦٣ الجُرَءُ (٣) - آلعمران: ٥٢/٣-٥٨ رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم، وهو اختيار الطبري، وهو الصحيح عن ابن عباس. وذكر الله تعالى قصة صلب عيسى ورفعه في آيات أخرى هي: ﴿وَيَكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَلْنَا اُلْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَّا عَظِيمًا (٢٦) رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُّبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِىِ شَكٍ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ١٥٧ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلٍْ إِلَّا أَنْبَعَ الَِّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا اَللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿ وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ◌ِهِ، قَبْلَ مَوْتِّ وَيَوْمَ ﴾ [النساء: ١٥٦/٤-١٥٩]. والضمير في قوله ﴿قَبْلَ ١٥٩٦ اُلْقِيَّمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَوْنٌِ﴾ عائد على عيسى عليه السلام، أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلهم؛ لأنه يضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام. ثم الله أبان تعالى بعض وجوه أخرى من إكرام عيسى عليه السلام، فقال: وجاعل الذين آمنوا بأنه عبد الله ورسوله، وصدقوه في قوله، واتبعوا دينه فوق الذين كفروا أي أعلى منهم، وهي إما فوقية روحانية: وهي فضلهم عليهم في حسن الأخلاق، وكمال الآداب، والقرب من الحق، والبعد عن الباطل، وإما فوقية دنيوية وهي كونهم أصحاب السيادة عليهم، وليس ذلك أمراً مطرداً دائماً في كل وقت، مما يرجح كون الفوقية روحانية ومعنوية وأدبية. هذه الفوقية في صحة العقيدة وسمو الآداب والأخلاق وقوة الحجة وعلو القدر تدوم لأهل الإيمان إلى يوم القيامة. ثم مصيركم جميعاً إلى يوم البعث، فأحكم بينكم فيما اختلفتم فيه من أمور الدین. ثم بَيَّن الله جزاء المحق والمبطل: فأما الذين كفروا بعيسى وكذبوه وهم اليهود فلهم عذاب في الدنيا بذنوبهم بالإذلال والقتل والأسر وتسليط الأمم عليهم، وعذاب في الآخرة بنار جهنم، ومالهم في الآخرة من نصير ولا معين. ٢٦٤ الُرعُ (٣) - آل عمران: ٥٢/٣-٥٨ وأما الذين آمنوا بعيسى وصدقوا بنبوته وبما جاء به من عند الله، وعملوا صالحاً بتنفيذ الأوامر وترك النواهي، فيعطيهم الله أجورهم كاملة غير منقوصة. ثم أكد تعالى جزاء الكافرين فقال: والله لا يحب الظالمين أي يعاقبهم ويجازيهم بما يستحقون، أو لا يريد ظلم الظالمين. هذه الأخبار عن عيسى نتلوها عليك يا محمد، وهي من الأدلة الواضحة الدالة على صدق نبوتك، وهي من القرآن الحكيم الذي يبين وجوه العبرة والحكمة والعظة في الأخبار والأحكام، فيهتدي المؤمنون بها إلى الحق ومعرفة سر الشريعة وجوهر الدين. وشبيه ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍّ سُبْحَتَهُ، إِذَا (٣٤ قَوْلَ اُلْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٥) ﴾ [مريم: ٣٤/١٩-٣٥]. قَضَّ أَمْرًّا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( فقه الحياة أو الأحكام: أصحاب الدعوات الإصلاحية وعلى رأسهم الأنبياء يتعرضون بسبب دعوتهم إلى مختلف أنواع الأذى والطرد ومحاولة الاغتيال. ولكن اقتضت الحكمة الإلهية ألا ينضب الخير والفلاح بين الناس، فيهيء أناساً يؤازرون المصلحين، ويحتاج القائد إلى أن يتعرف على أتباعه وأنصاره المخلصين، كما فعل عيسى عليه السلام بالتعرف على الحواريين، ليعتمد عليهم وقت الشدة والأزمة، ويساعدونه في تحمل عبء الدعوة إلى الله، وهذا هو المراد بقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللهِ﴾. ولما أخرج بنو إسرائيل عيسى وأمه من بين أظهرهم، عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فهموا بقتله، وتواطؤوا على الفتك به، فذلك مكرهم. ومكر الله في رأي الفراء: استدراجه لعباده من حيث لا يعلمون، وفي رأي الزجاج: مكر الله: مجازاتهم على مكرهم، فسمى الجزاء ٢٦٥ لُ (٣) - إِلِ غَيْرَانَ: ٥٢/٣-٥٨ باسم الابتداء، كقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ﴿وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ وهذا على طريق المشاكلة، وهو الرأي المشهور بين العلماء: رأي الجمهور. والصحيح لدى المحققين من العلماء أن الله رفع عيسى عليه السلام إلى السماء من غير وفاة ولا نوم. وسينزل في آخر الزمان. جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَاليقول: ((والله لينزلن ابن مريم حكماً عادلاً، فليكسِرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتُتركُنَّ القلاص(١)، فلا يسعى عليها، ولَتذهَبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعَوَنَّ إلى المال، فلا يقبله أحد)». وأما تطهيره من الذين كفروا: فهو إنجاؤه مما كانوا يرمونه به، أو يرومونه منه، ويريدونه به من الشر. وأما قوله ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ﴾ ففيه رأيان: قال الضحاك ومحمد بن أبان: المراد الحواريون. وقال آخرون: الخطاب لمحمد ◌َله، والفوقية: بالحجة وإقامة البرهان، وقيل: بالعز والغلبة. والتفوق بالحجة على صحة دين الإسلام بالمعنى العام الذي يتفق عليه جميع الأنبياء وأتباع عيسى وموسى وغيرهم من أتباع محمد صلوات الله وسلامه عليهم: هو الأولى، مثل آية: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥/٢٤]. وجزاء الكافرين: النار في الآخرة، والقتل والصلب والسبي والإذلال في الدنيا. وجزاء المؤمنين الذين عملوا الصالحات: السعادة والاطمئنان في الدنيا، والجنة في الآخرة، فهي سعادة في الدارين. - (١) القلاص: جمع قلوص وهي الناقة الشابة. ٢٦٦ الُرعُ (٣) - آل عمران: ٥٩/٣-٦٣ الردّ على من زعم ألوهية عيسى والمباهلة ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌّ خَلَقَكُمْ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا فَيَكُونُ ﴿َ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنُ مِّنَ الْمُمْتَرِينَ جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَذِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلِ لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ اللَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَإِن تَوَلَّوْ فَإِنَّ اُللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ القراءات: ﴿ لَّمْنَتَ﴾ : : رسمت بالتاء فوقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي. ووقف الباقون بالتاء. ﴿لَهُوَ﴾: قرئ: ١- (لَهْوَ)، وهي قراءة قالون، وأبي عمرو، والكسائي. ٢- (لَهُو)، وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ جملة مفتّرة للمثل، وهي موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: ما المثل؟ فقال: خلقه من تراب، أي المثل خلقه من تراب. ولا يجوز أن يكون وصفاً لآدم؛ لأن آدم معرفة، والجملة لا تكون إلا نكرة، والمعرفة لا توصف بالنكرة. ولا يجوز أيضاً أن يكون حالاً؛ لأن ﴿خَلَقَهُ﴾ فعل ماض، والفعل الماضي لا يكون حالاً. ٢٦٧ المُرْعُ (٣) - آل عمران: ٥٩/٣-٦٣ ﴿ اَلْحَقُّ مِن رَّيِّكَ﴾ الحق: خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا الحقّ من ربِّك، أو هو الحقّ، أي أمر عيسى. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾ من: زائدة للتوكيد. البلاغة: ﴿اَلْحَقُّ مِن رَّيِّكَ﴾ أتى بوصف الربوبية وأضافه إلى الرّسول عليه الصلاة والسلام لتشريفه. ﴿ فَلَا تَكُ مِّنَ الْمُمْتَِينَ﴾ هذا من باب الإثارة والإلهاب، لزيادة التَّثبيت. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾ المثل: الشأن الغريب والحال المدهشة. ﴿عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌ﴾ أي كشأنه في خلقه من غير أم ولا أب، وهو من تشبيه الغريب بالأغرب، ليكون أوقع في النفس وأقطع لقول الخصم. والمراد أنّ شبه عيسى وصفته في خلق الله إياه على غير مثال سبق، كشأن آدم في ذلك، ثم فسر هذا المثل بقوله: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ أي خلق قالبه وقدر أوضاعه وكون جسمه من تراب ميِّت أصابه الماء، فكان طيناً لازباً لزجاً. ثم قال له: كن بشراً، فكان، وكذلك عيسى قال له: كن من غير أب فكان. ﴿فَلاَ تَكُنُ مِّنَ اُلْمُمْتَرِينَ﴾ الشاكين فيه، الامتراء: الشّك. ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ﴾ جادلك من النصارى .﴿ثُمَّ نَبْتَهِلَ﴾ نتضرّع في الدّعاء، وابتهل القوم: تلاعنوا، والبُهَلَة: اللعنة. ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ﴾ بأن نقول: اللهمّ العن الكاذب في شأن عيسى. وقد دعا وَله وفد نجران لذلك، لما حاجّوه به، فقالوا: حتى ننظر في أمرنا، ثم نأتيك، فقال ذو رأيهم - مستشارهم، واسمه ((العاقب)): ((لقد عرفتم نبوّته، وأنه ما باهل قوم نبيّاً إلا هلكوا))، : .. ٢٦٨ الُ (٣) - أَلِ ◌ّعُقْرَأَنَ: ٥٩/٣-٦٣ فودّعوا الرجل وانصرفوا، فأتوا الرّسول بَّر، وقد خرج، ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعلي، وقال لهم: إذا دعوت، فأمِّنوا، فأبوا أن يلاعنوا وصالحوه على الجزية. رواه نعيم. ﴿اَلْقَصَصُ﴾ الخبر. ﴿اُلْحَقِّ﴾ الذي لا شكّ فيه. ﴿اَلْعَزِيزُ﴾ أي ذو العزّة الذي لا يغالبه أحد في ملكه . ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ ذوالحكمة الذي لا يساميه أحد في صنعه. سبب النزول: قال المفسّرون: إن وفد نجران قالوا لرّسول الله وَل: مالك تشتم صاحبنا؟ قال: وما أقول؟ قالوا: تقول: إنه عبد، قال: أجل، إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟ فإن كنت صادقاً فأرنا مثله، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية(١). المناسبة: ذكر الله تعالى سابقاً قصة عيسى وأمه، وإيمان بعض قومه به، وكفر بعض آخر، وهنا ذكر حال فريق ثالث لم يكفر به، ولم يؤمن به إيماناً صحيحاً، بل افتتن به افتتاناً، لكونه ولد من غير أب، فزعم أن معنى كونه «كلمة الله وروح الله)): أنّ الله حلّ في أمه، وأن كلمة الله تجسَّدت فيه، فصار إنساناً وإلهاً ذا طبيعة مزدوجة، فردّ الله عليهم بأن خلق آدم أعجب من خلق عيسى. التفسير والبيان: إن صفة عيسى في قدرة الله حيث خلقه من غير أب كمثل آدم حيث خلقه من غير أب ولا أم، بل خلقه من تراب، وقدره جسداً من طين، ثم قال له: (١) البحر المحيط: ٢ /٤٧٧ ٢٦٩ الُرءُ (٣) - آل عمران: ٥٩/٣-٦٣ كن فيكون أي أنشأه بشراً بنفخ الروح فيه. شبّه الغريب بالأغرب منه، والتشبيه واقع على أن عيسى خُلق من غير أب كآدم، لا على أنه خلق من تراب، والشيء قد يشبّه بالشيء لاتِّفاقهما في وصف واحد، وإن اختلفا في أمور أخرى. فالذي خلق آدم من غير أب قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادّعاء البُنَّة في عيسى، لكونه مخلوقاً من غير أب، فجواز ادعائها في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتِّفاق أن ذلك باطل، فدعوى البنوّة في عيسى أشدّ بطلاناً. ولكن الله تعالى أراد أن يظهر قدرته للناس حين خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية البشر من ذكر وأنثى. ولهذا قال تعالى في سورة مريم: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١/١٩]، وقال هنا: ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾. هذا الذي أخبرتك به من شأن عيسى ومريم هو القول الحق، لا ما اعتقده النصارى في المسيح من أنه إله، ولا ما زعمه اليهود من رمي مريم بيوسف النّجار. فلا تشكنّ في أمرهما بعد أن جاءك العلم اليقيني به. وهذا النهي يثير في النَّبي وأمّته ضرورة الاعتصام باليقين واطمئنان النفس إلى الخبر الإلهي. أي واظب على يقينك وطمأنينة نفسك إلى الحقّ والبعد عن الشّك فيه، أو أن الخطاب النَّبِي وَّ والمراد أمته؛ لأنه وَّه لم يكن شاكّاً في أمر عيسى عليه السّلام. فمن جادلك في شأن عيسى عليه السّلام بعد معرفة الحقّ واليقين فادعهم إلى المباهلة أي الملاعنة: بأن نتباهل وندعو الله أن يلعن الكاذب ويطرده من رحمته. وهذه الآية تسمى آية المباهلة. وقد ثبت أنّ النَّبِي وَ لِيو دعا نصارى نجران للمباهلة، فأبوا. جاء في سيرة ابن إسحاق: أنه قدم سنة تسع على رسول الله وسلم وفد نصارى نجران ستون : ٢٧٠ الُعُ (٣) - أَلِ غَيْر أن: ٥٩/٣-٦٣ راكباً: فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم، منهم: ((العاقب)) واسمه عبد المسيح، وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه. ومنهم السيِّد وهو الأيهم، وكان عالمهم، ومنهم أبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وكان أسقفهم. فدخلوا بعد العصر مسجد رسول الله وَ﴾، فصلوا صلاتهم إلى المشرق، ثم كلموا رسول الله وَ ﴿ وقالوا عن عيسى: هو الله، هو ولد الله، هو ثالث ثلاثة، فنزل القرآن للرّدِّ علیھم. وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه: أنه جاء العاقب والسيِّد صاحب نجران إلى رسول الله وَ ل يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيّاً، فلاعناه، لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. فقال: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلاً أميناً، ولا تبعث معنا إلا أميناً، فقال: لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين، قم يا أبا عبيدة بن الجرّاح، فلما قام قال رسول الله وَله: هذا أمين هذه الأمّة. وروي أنّ النَّبِي وَلّ اختار للمباهلة عليّاً وفاطمة وولديهما: الحسن والحسين، وخرج بهم وقال: إن أنا دعوت، فأمِّنوا أنتم. وبعد أن رفضوا المباهلة صالحوا النَّبي ◌َّ على الجزية: وهي دفع ألف حلّة في صفر، وألف في رجب ودراهم. وهذا يدلّ على قوة اليقين والثّقة بما يقول، وعلى أن امتناعهم عن المباهلة فيه تقرير للخطر وكونهم على غير بيّنة فيما يعلنون، فما أمكنهم الإقدام على المباهلة. إن هذا الذي قصصته عليك في شأن عيسى هو القصص الحق الذي لا مرية فيه ولا جدال، لا ما يدّعيه النصارى من كونه إلهاً أو ابن الله، ولا ما يدّعيه اليهود من كونه ابن زنا. وسميت قصصاً؛ لأن المعاني تتابع فيها. ٢٧١ الُرُ (٣) - آل عمران: ٥٩/٣-٦٣ وليس هناك إله إلا الله العزيز الذي لا يغلبه أحد، الحكيم: ذوالحكمة الذي يضع كل شيء في موضعه الصحيح المناسب له. فإن أعرضوا بعد هذا عن اتِّباعك وتصديقك، ولم يعلنوا وحدانية الله، ولم يجيبوا إلى المباهلة، فإن الله عليم (واسع العلم) بحال المفسدين، وسيجازيهم على أعمالهم شرّ الجزاء. وكل من عدل عن الحقّ إلى الباطل فهو المفسد، والله قادر عليه لا يفوته شيء. فقه الحياة أو الأحكام: إن عجائب الخلق وخلق الكائنات وأمر الخليقة تدلّ على وجود الخالق وهو الله تعالى، كما قال: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ اَلْحَقّ﴾ [الأنعام: ٧٣/٦]. ومن خلْقه تعالى: خلق الناس على وفق قوانين عادية، أو على غير العادة، مثل خلق آدم، وحواء، وعيسى. وعقد الشَّبه بين آدم وعيسى هو في أنهما خلقا من غير أب، وذلك للرّدِّ على وفد نجران الذين أنكروا على النَّبِي وَ ل ل قوله: إن عيسى عبد الله وكلمته، فقالوا: أرنا عبداً خلق من غير أب؟! فقال لهم النَّبِي وٍَّ: آدم، من كان أبوه؟ أعجبتم من عيسى ليس له أب؟ فآدم عليه السّلام ليس له أب ولا أم. وآية المباهلة حدّ فاصل في الجدال؛ لأن اللعنة محقَّقة فيها على الكاذب. وهذه الآية من أعلام نبوّة محمد وَلهر؛ لأنه دعاهم إلى المباهلة، فأبوا ورضوا بالجزية، بعد أن أعلمهم كبيرهم: العاقب أنهم إن باهلوه اضطرم عليهم الوادي ناراً، فإن محمداً نبي مرسل، ولقد تعلمون أنه جاءكم بالفصل في أمر عيسى؛ فتركوا المباهلة، وانصرفوا إلى بلادهم على أن يؤدوا في كل عام ألف حُلَّةٍ في صفَر، وألف حُلَّة في رجب، فصالحهم رسول الله وَّ على ذلك بدلاً من الإسلام. ٢٧٢ الُرُ (٣) - ألِعَتْر ان: ٦٤/٣-٦٨ ودلّ قوله تعالى: ﴿نَدْعُ أَبْنَاْءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ﴾، وقوله ◌َّ في الحسن: ((إنّ ابني هذا سيِّد))(١) على خصوصية تسمية الحسن والحسين: ابني التَّبِي وَّ دون غيرهما، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسپي)»(٢). الدّعوة إلى توحيد الله وعبادته وملّة إبراهيم ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوٍَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلََّّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىَ إِنْرَهِيمَ وَمَآ ٦٤ أَشْهَدُواْ بِأَنَا مُسْلِمُونَ هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ أُنزِلَتِ التَّوْرَةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِوَّةٍ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (® حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ، عِلْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿ مَا كَانَ إِنَهِيمُ يَهُودِيَّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنَهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ٦٨ ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ القراءات: ﴿هَكَأَنتُمْ﴾: قرئ: ١- (ها أنتم) بألف بعد الهاء، بعدها همزة (أنتم) محققة، وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وابن عامر، والبزي. ٢- (ها أنتم) بهاء بعدها ألف بعدها همزة مسهلة بين بين، وهي قراءة نافع، وأبي عمرو. (١) رواه أحمد والبخاري وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن أبي بكرة. (٢) رواه الطبراني والحاكم والبيهقي عن عمر. ٢٧٣ لُعُ (٣) - آل عمران: ٦٤/٣-٦٨ ﴿وَهَذَا النَّبِىُّ﴾: وقرئ: (وهذا النبيء) وهي قراءة نافع. الإعراب: ﴿سَوَآَمْ﴾ صفة لكلمة، أي كلمة مستوية. ﴿أَلَّا نَعْبُدَ﴾ بدل مجرور من كلمة. ويجوز رفعه خبراً لمبتدأ محذوف وتقديره: هي ألا نعبد إلا الله، أو جعله مبتدأ، أي بيننا وبينكم ترك عبادة غير الله . ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ﴾ ها للتنبيه، وأنتم: مبتدأ، وهؤلاء: خبره. ﴿حَجَجْتُمْ﴾ جملة مستأنفة مبيّنة للجملة الأولى أي أنتم هؤلاء أنكم جادلتم ﴿ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُهُ﴾: خبر إن. ﴿وَهَذَا﴾ عطف عليه. ﴿ النَّبِىُّ﴾ صفة لهذا أو بدل منه أو عطف بيان. البلاغة: ﴿كَلِمَةٍ﴾ مجاز إذ أطلق الواحد على الجمع. ﴿أَرْبَابًا﴾ فيه تشبيه طاعتهم لرؤساء الدِّين في أمر التحليل بالرّب المستحق وحده للعبادة. ﴿أَوْلَ﴾ و﴿وَلٌِ﴾ فیه جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ﴾ هم اليهود والنصارى. ﴿تَعَالَوْ﴾ أقبلوا. ﴿سَوَاْ﴾ مستو أمرها بين الفريقين، والسّواء: العدل والوسط الذي لا تختلف فيه الشرائع. ﴿أَرْبَابًا﴾ جمع ربّ: وهو السَّيِّد المربي المطاع فيما يأمر وينهى، ويراد به هنا: ما له حق التشريع من تحريم وتحليل. أما الإله: فهو المعبود الذي يُدعى حين الشدائد ويقصد عند الحاجة؛ لأنه مصدر الفرج. مُسْلِمُونَ﴾ منقادون لله مخلصون له موحدون. ﴿تُحَاجُّونَ﴾ تخاصمون وتجادلون. ﴿حَنِيفًا﴾ مائلاً عن العقائد الزائفة الباطلة إلى الدِّين الحق القيِّم. ﴿مُّسْلِمًا﴾ موحّداً مخلصاً مطيعاً له. ٢٧٤ الجُعُ (٣) - ألِعَتْر ان: ٦٤/٣-٦٨ ﴿إِنَّ أَوْلَى﴾ أحق. ﴿وَللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ناصرهم وحافظهم. سبب النزول: نزول الآيات (٦٥ - ٦٧): أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صل﴾، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانياً، فأنزل الله: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىّ إِنْرَهِيمَ) الآية)). نزول الآية (٦٨): سأل اليهود قائلين: والله يا محمد، لقد علمت أنّا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وإنه كان يهودياً، وما بك إلا الحسد، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((إنّ لكل نبي ولاة من النَّبيين، وإن وليي أبي وخليل ربي، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنَهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ﴾ الآية. المناسبة: أقام القرآن الحجة على النصارى في ادعائهم ألوهية المسيح، ثم دعا هنا اليهود والنصارى إلى أصل الدِّين وروحه الذي اتّفقت عليه دعوة الأنبياء جميعاً وهو توحيد الله وعبادته، والاقتداء بإبراهيم أبي الأنبياء عليهم السّلام؛ إذ أن ملّته مّة الإسلام، ولم يكن يهودياً ولا نصرانياً. التفسير والبيان: قل يا محمد: يا أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى جميعاً، أقبلوا وهلموا ٢٧٥ الجزء (٣) - آلغتر ان: ٦٤/٣-٦٨ إلى كلمة عادلة وسطى سواء بين الفريقين اتَّفقت عليها جميع الشرائع والرُّسل والكتب التي أنزلت إليهم، فأمرت بها الصُّحف والكتب الأربعة: التّوراة والزَّبور والإنجيل والقرآن، وهي كلمة التّوحيد: ﴿لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وعبادة الله وتفويض سلطة التشريع والتحليل والتحريم إليه، وعدم الشرك به شيئاً، وعدم اتّخاذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، كالوثن والصليب والصنم والطاغوت والنار. هذه الآية حوت وحدانية الألوهية في قوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾، ووحدانية الرّبوبية في قوله: ﴿ وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾. وهذه دعوة جميع الرسل إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَُّ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ فَأَعْبُدُونِ ٢٥ [الأنبياء: ٢٥/٢١] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُونَ﴾ [النحل: ٣٦/١٦]. وكان اليهود موحدين، ولكن مفهوم الإله فيهم أصبح ليس هو الإله الحق، واتبعوا رؤساء الدين فيما يخترعون من أحكام، وكذلك كان النصارى موحدين وما زالوا يدعون الوحدانية، لكنهم انتقلوا من ادعاء بنوة عيسى لله والتثليث إلى ادعاء ألوهيته وأن الثلاثة واحد، وهو عيسى، ورفضت فرقة الإصلاح ((البروتستانت)) فكرة ألوهية عيسى. روى عدي بن حاتم قال: ((أتيت رسول الله وَّر، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: ياعدي، اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١/٩] فقلت له: يا رسول الله، لم يكونوا يعبدونهم، فقال: ما كانوا يحللون لكم ويحرِّمون، فتأخذون بأقوالهم؟ قال: نعم، فقال عليه الصَّلاة والسّلام: هو ذاك))، وعلى هذا خوطب أهل الكتاب بهذا الخطاب؛ لأنهم جعلوا أحبارهم في الطاعة لهم كالأرباب. ٢٧٦ للزرع (٣) - آلعمران: ٦٤/٣-٦٨ فإن أعرضوا عن هذه الدعوة أو التحكيم، وأبوا إلا أن يعبدوا غير الله، فقولوا لهم: إنا مسلمون حقاً، منقادون لله، مخلصون له الدِّين، لا نعبد أحداً سواه، ولا نطلب النّفع أو دفع الضّرر من غيره، ولا نحلّ إلا ما أحلَّه الله، ولا نحرِّم إلا ما حرَّمه الله. وهذه الآية هي جوهر رسائل النَّبِي وَّ وكتبه إلى ملوك وأمراء العالم من أهل الكتاب وغيرهم، مثل كسرى ملك الفرس الوثنيين، وهرقل ملك الرّوم النصارى، والنَّجاشي النَّصراني والمقوقس عظيم أقباط مصر وغيرهم. واشتملت كل تلك الكتب على هذه الآية، وهنا أذكر كتابه إلى هرقل، جاء في صحيح مسلم : («بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الرّوم. سلام على من اتّبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلِمْ تسلَمْ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين - أي الشعب من فلاحين وخدم وأتباع وغيرهم، و﴿ يَأَهْلَ اُلْكِنَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. المحاجّة في انتماء إبراهيم: أيها اليهود والنصارى، لم تتنازعون في إبراهيم الخليل عليه السلام ويدّعي كل منكم أنه كان منكم على دينه؟ كيف تدّعون أيها اليهود أنه كان يهودياً، وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة على موسى؟ وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانياً، وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر؟ فما أنزلت التوراة على موسى، ولا الإنجيل على عيسى إلا من بعد إبراهيم بأزمان طويلة، قيل: كان بين إبراهيم وموسى سبع مئة سنة، وبين موسى · وعيسى حوالي ألف سنة. ٢٧٧ لُرُ (٣) - آلعمران: ٦٤/٣-٦٨ لهذا قال تعالى: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أن المتقدم على الشيء لا يكون تابعاً له؟ وألا تعقلون ضعف حجّتكم وانهيارها وبطلان قولكم؟ ثم أشار الله تعالى إلى جهلهم وحماقتهم في دعواهم هذه، فقال: ها أنتم هؤلاء تجادلون وتحاجّون فيما لكم به علم ومعرفة من أمر عيسى(١) عليه السّلام مما نطق به التّوراة والإنجيل، وقد قامت عليكم الحجّة وظهر الغلط، فكيف تحاجّون، وعلى أي أساس تجادلون في شأن إبراهيم عليه السّلام أنه كان يهودياً أو نصرانياً، وليس لكم به علم ولا نزل في شأنه شيء في دينكم وكتبكم، فمن أين أتاكم أنه كان يهودياً أو نصرانياً؟ والله يعلم ما غاب عنكم ولم تشاهدوه، وأنتم لا تعلمون إلا ما عرفتم وعاينتم وشاهدتم أو سمعتم؟ فهذا إنكار من الله عليهم مثل تلك الدَّعاوى والمحاجّة في إبراهيم والمحاجّة فيما لا علم لهم به، وأمرهم بردّ ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقيقتها. ثم جاء القرار الإلهي الحاسم في شأن إبراهيم، وهو أنه ما كان يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مائلاً عن الشرك بالله والوثنية، مسلماً منقاداً لله مطيعاً لأوامره، مجتنباً نواهيه، فأهل دينه الذين هم على منهاجه وشريعته هم أهل الإسلام، فهم الصادقون، وأما اليهود والنصارى فهم الكاذبون. وما كان أيضاً من المشركين الذين يسمون أنفسهم الحنفاء، ويدَّعون أنهم على ملّة إبراهيم، وهم قريش ومن تبعهم من العرب. ثم أكّد تعالى ما سبق بقوله: إن أحقّ الناس بإبراهيم ونصرته هم المؤمنون بالله وحده لاشريك له، المخلصون له الدِّين، وهذا النَّبي محمد والذين آمنوا معه، فهم أهل التوحيد المتفقون على وحدانية الله وألوهيته وربوبيته، وهذا هو (١) وقال القرطبي: يعني في أمر محمد رَّير؛ لأنهم كانوا يعلمونه من نعته في كتابهم. - ٢٧٨ الُ (٣) - آل عمران: ٦٤/٣-٦٨ روح الإسلام، والله ناصر المؤمنين ومؤيدهم، وموفقهم ومتولي أمورهم ومصلح شؤونهم، بإرسال الرُّسل إليهم. فقه الحياة أو الأحكام: إن إطاعة غير الله تعالى من الأحبار وعلماء الدِّين في الأحكام الشرعية بالتحليل والتحريم يجعل الأحبار كالأرباب، وهذا يقتضي تخصيص الطاعة لله تعالى. وإن ملتقى الأديان هو الانصياع تحت راية التوحيد وهي كلمة ((لا إله إلا الله)) وعبادته وحده، والاعتماد في التشريع على الله تعالى فهو مصدر الشرائع الحقّ. لذا خاطبهم القرآن بقوله: أجيبوا إلى ما دعيتم إليه، وهو الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾. ودلّ قوله تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ على أنه لا يجوز اتِّباع من سوى الله في تحليل شيء أو تحريمه، إلا فيما حلله الله تعالى، وهو نظير قوله تعالى: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١/٩]، معناه: أنهم أنزلوهم منزلة ربّهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرِّمه الله ولم يحلَّه الله. وفي هذا حجّة على أنّ مسائل الدِّين كالعبادات والتَّحريم والتَّحليل لا يؤخذ فيها إلا بقول النَّبي المعصوم، لا بقول إمام ولا فقيه، وإلا كان إشراكاً في الرّبوبية، وهذا ما ندّد به القرآن في آيات مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوْا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اَللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١/٤٢]، وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦/١٦]. أما المسائل الدنيوية كالقضاء والسياسة فهذه فوّض أمرها إلى أهل الحلّ والعقد وهم أهل الشورى، فما أمروا به وجب تنفيذه وقبوله. ٢٧٩ الُزُ (٣) - ألغتْرَانَ: ٦٤/٣-٦٨ وإن أعرض أهل الكتاب عما دعوا إليه وهي الكلمة السواء نقول: نحن مسلمون أي متَّصفون بدين الإسلام، منقادون لأحكامه، معترفون بما لله علينا في ذلك من النّعم، غير متَّخذين أحداً ربّاً، لا عيسى ولا عُزيراً ولا الملائكة؛ لأنهم بشر مثلنا، ولا نقبل من الرُّهبان شيئاً بتحريمهم علينا ما لم يحرِّمه الله علينا، فنكون قد اتّخذناهم أرباباً. وأبين آية وحجّة على اليهود والنصارى الذين ادّعوا أن إبراهيم كان على دين كل منهم آية: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ فهي تكذبهم بأن اليهودية والنصرانية إنما كانتا من بعده، وذلك قوله: ﴿وَمَآ أُنزِلَتِ التَّوْرَةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِيَةٌ﴾ فكيف يكون إبراهيم منسوباً إلى ملّة حادثة بعده؟ هذا فضلاً عن أن اليهودية مّة محرَّفة عن مّة موسى عليه السلام، والنَّصرانية ملّة محرَّفة عن شريعة عيسى عليه السلام. ودلّت آية: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ حَجَجْتُمْ﴾ على المنع من الجدال لمن لا علم له. أما الجدال لمن علم وأيقن، والاحتجاج للحقّ فهو جائز، لقوله تعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥/١٦]، ومثاله: ما روي عن النَّبي وَليه أنهه أتاه رجل أنكر ولده فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاماً أسود. فقال رسول الله ويلقى: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: مُمْرٌ، قال: هل فيها من أورق(١)؟ قال: نعم. قال: ((فمن أين ذلك؟)) قال: لعل عرقاً نزعه، فقال رسول الله وَ له: ((وهذا الغلام لعل عرقاً نزعه)) ودلّت هذه الآية على وجوب المحاجّة في الدِّين وإقامة الحجّة على المبطلين، كما احتجّ الله تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في أمر المسيح عليه السلام، وأبطل بها شبهتهم. وإبراهيم كان على الحنيفية الإسلامية، ولم يكن مشركاً ولا يهودياً ولا (١) الأورق: الذي لونه بين السواد والغبرة. ٢٨٠ الُرُ (٣) - آلعمران: ٦٩/٣-٧٤ نصرانياً، وأحقّ الناس بإبراهيم ونصرته: هم الذين سلكوا طريقه ومنهاجه في عصره وبعده، وكانوا حنفاء مسلمين مثله غير مشركين، وأيضاً هذا النَّبي محمد وَلّ والذين آمنوا معه، فإنهم أهل التوحيد. والله ولي المؤمنين، أي ناصرهم. أخرج الترمذي عن ابن مسعود أن النَّبِي وَ لّ قال: ((إن لكل نبي ولاة من النَّبيين، وإن وليي أبي وخليل ربِّ، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِهِيمَ لَلَّذِينَ أَنَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ﴾)». محاولة بعض أهل الكتاب إضلال المسلمين والتلاعب بالدين والعصبية الدينية ﴿وَدَّت ◌َطَآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يُضِلُونَكُمْ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا ٧٠ يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ يَشْعُرُونَ ◌َ يَتَأَهْلَ الْكِتَبٍ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُونَ اُلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ ءَامِنُواْ بِلَّذِىّ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُواْ وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ءَآخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أَنْ يُؤْثَنَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ بُعَاتُوَكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ اُلْفَضْلَ بِيَدِ اُللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴿ يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ ٧٤ اُلْعَظِيمِ القراءات: ﴿أَنْ يُؤْنَ﴾: وقرئ: (أأن يؤتى) على الاستفهام، الذي معناه الإنكار عليهم والتوبيخ، وهي قراءة ابن كثير. الإعراب: ﴿أَنْ يُؤْثَىَ﴾ مفعول به لتؤمنوا، وتقدير الكلام: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد