النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ الجُرُ (٣) - ألغتزر ان: ٢٨/٣-٣٠ وهذا يجب عليه الهجرة من ذلك المكان إلى مكان يستطيع إظهار دينه فيه. أما إن كان من المستضعفين وهم الصبيان والنساء والعجزة فيجوز له البقاء في ديار الكفر وموافقة الكافرين في الظاهر بقدر الضرورة، مع السَّعي في حيلة للخروج والفرار بدينه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَبِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضِّ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اُللَّهِ وَسِعَةٌ فَنْهَاجِرُواْ فِيهَّا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَنَّهُمْ جَهٌَّ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ﴿ إِلَّا الْمُسْتَصْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالِسَآءِ فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ٩٨ وَاُلْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء: ٩٧/٤ -٩٩]. ٩٩٦ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا والموافقة حينئذٍ للكفار رخصة، وإظهار ما في قلبه عزيمة، فلو مات فهو شهيد، بدليل ما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله وَطّ، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، ثم قال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فتركه؛ ثم دعا الثاني وقال: أتشهد أنّ محمداً رسول الله؟ قال: نعم، فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم، قالها ثلاثاً، فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله وَ الر فقال: ((أما هذا المقتول، فقد مضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضيلة فهنيئاً له، وأما الآخر، فقبل رخصة الله، فلا تبعة عليه))(١). وأما النوع الثاني - وهو من كانت عداوته بسبب المال ونحوه، فقد اختلف العلماء في وجوب هجرة صاحبه من ديار الأعداء، فقال بعضهم: تجب لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى الَُّكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥/٢] وللنهي عن إضاعة المال، ولقوله ﴿ فيما رواه أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه، وابن حبان عن سعيد بن زيد: ((من قتل دون ماله فهو شهيد)). وقال آخرون: لا تجب؛ لأنها مصلحة دنيويّة ولا تضرّ بالدّين. ولكن الراجح أن الهجرة قد تجب هنا أيضاً إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه أو هتك عرضه. (١) التلخيص الحبير: ٤/ ١٠٣ ٢٢٢ لُرُ (٣) - آلعمران: ٣١/٣-٣٢ ٤ - مداراة الناس بإظهار المحبة والولاء والموافقة: إن كانت فيما لا يؤدي إلى ضرر الغير، كما أنها لا تخالف أصول الدِّين، فهي جائزة. وإن كانت تؤدي إلى ضرر الغير كالقتل والسرقة وشهادة الزّور، فلا تجوز. قال الحسن البصري: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل. ٥ - ينبغي دوام الحذر من عقاب الله وغضبه، حتى يكون الإنسان على طهر من المعاصي، ويحرص على زيادة القربات إلى ربِّه، فهي التي تنفعه يوم القيامة، فيجازي كل إنسان بعمله: إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرٌ. ٩ - علم الله واسع شامل، يعلم كل شيء كبيراً أو صغيراً، ويعلم ما في السماوات والأرض، ويعلم خفيات النفوس وجلياتها، فسواء أظهر الإنسان شيئاً أو أخفاه في صدره، فإن الله تعالى عالم به علماً دقيقاً تاماً، لا يختلف عليه شيء. محبّة الله باتباع الرّسول وطاعته ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ نَّحِيمٌ (٣) قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَّ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ (٣٢) البلاغة: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾ أقام الظاهر وهو اسم الجلالة مقام المضمر، لتربية المهابة والرّوعة وتعظيم الله في النفوس. ويوجد جناس مماثل في ﴿تُحِبُّونَ﴾ و﴿يُحْبِبْكُمُ﴾، وجناس مغاير في ◌َتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ﴾ وفي ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ و﴿غَفُورٌ) المفردات اللغوية: ﴿تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ المحبّة: ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، قال ابن ٢٢٣ الجزء (٣) - آلعمران: ٣١/٣-٣٢ عرفة: المحبّة عند العرب: إرادة الشيء على قصد له. وقال الأزهري: محبّة العبد لله ورسوله: طاعته لهما واتِّباعه أمرهما، ومحبّة الله للعباد: إنعامه عليهم بالغفران، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾ أي لا يغفر لهم. ﴿ يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ أي يثيبكم. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي يتجاوز عن سيئاتكم وأباطيلكم. ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ فيما يأمركم به من التوحيد . ﴿فَإِن تَوَلَّوْ﴾ أعرضوا عن الطاعة، ولم يجيبوا دعوتك ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾ أي يعاقبهم. سبب النزول: نزول الآية (٣١): أخرج ابن المنذر عن الحسن البصري قال: قال أقوام على عهد نبيِّنا: والله يا محمد، إنا لنحبُّ ربّنا، فأنزل الله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَتَّبِعُونِ﴾ الآية. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت في وفد نجران إذ زعموا أن ما ادَّعوه في عیسی حُبُّ لله عزّ وجلّ. وقال ابن عباس: إن اليهود لما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَؤُّأَ اَللَّهِ وَأَحِبَّتُؤُهُ﴾ أنزل الله تعالى هذه الآية، فلما نزلت عرضها رسول الله صل على اليهود، فأبوا أن يقبلوها. وعلى كلِّ فالخطاب في الآية عام يشمل كل من ادَّعى حبّ الله، أي طاعته واتِّباع أمره، ولم يتّبع رسول الله وَّر، قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادَّعى محبّة الله، وليس هو على الطريقة المحمديّة، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتَبع الشَّرع المحمدي والدِّين النَّبوي في جميع أقواله ٢٢٤ الُرعُ (٣) - آلغفر ان: ٣١/٣-٣٢ وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله وَلقول أنه قال: ((من عمل عملاً لیس علیه أمرنا فهو رد)». المناسبة: بعد أن نهى الله المؤمنين عن موالاة الكافرين، أوضح هنا أن طريق محبّة الله تعالى متابعة رسوله ول# وامتثال أوامره واجتناب ما نهى عنه. التفسير والبيان: قل يا محمد لهم: إن كنتم تطيعون الله وترغبون في ثوابه، فامتثلوا ما أنزل الله علي من الوحي، يرضَ الله عنكم، ويغفر لكم ذنوبكم، أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبَّته إياكم، وهو أعظم من الأوّل. والله غفور لمن أطاعه، واتَّبع دينه، رحيم به في الدُّنيا والآخرة، والطاعة تکون باتباع الرَّسول ێ. روي أنه لما نزل قوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ﴾ قال عبد الله بن أبي زعیم · المنافقين: إنّ محمداً يجعل طاعته كطاعة الله تعالى، ويأمرنا أن نحبَّه، كما أحبَّ النصارى عيسى، فنزل قوله: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. أي قل لهم: أطيعوا الله باتِّباع أوامره، واجتناب نواهيه، وأطيعوا الرَّسول باتِّباع سنّته والاهتداء بهديه واقتفاء أثره. وهذا يدلّ على أنّ الله إنما أوجب عليكم متابعة نبيِّه؛ لأنه رسوله، لا كما يقول النّصارى في عيسى عليه السلام. فإن تولوا وأعرضوا، وخالفوا أمره، ولم يجيبوا دعوته غروراً منهم، بادِّعاء أنهم أبناء الله وأحباؤه، أي محبون الله، فإنّ الله يجازي الكافرين ولا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم ويغضب عليهم؛ لأنهم اتَّبعوا أهواءهم، ولم يهتدوا إلى الدِّين الحنيف. وهذا دليل على أنّ مخالفة النَّبي ◌َّ في الطريقة والمنهج كفر، ٢٢٥ الجُرُ (٣) - آل عمران: ٣١/٣-٣٢ والله لا يحبّ من اتَّصف بذلك، وإن ادَّعى وزعم في نفسه أنه محبّ لله ويتقرَّب إلیه. فقه الحياة أو الأحكام: إن محبّة الله والرَّسول تتجلّ في اتّباع الإسلام وإطاعة رسول الله وَله والعمل بشريعته، واتّباع أوامره واجتناب نواهيه. ومحبة الرَّسول وَ لّ لا لذاته وإنما لكونه رسولاً مرسلاً من عند الله إلى جميع الثقلين: الجنّ والإنس. فاتِّباع شرع النَّبي محمد نبَّل هو دليل الحبّ الصادق، كما قال الورَّاق: تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبُّك صادقاً لأطعته إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ وقال سهل بن عبد الله: علامة حبِّ الله: حبّ القرآن، وعلامة حبٍّ القرآن: حبّ النَّبِيِ وَّ، وعلامة حبِّ النَّبِي وَّر: حبّ السّنّة، وعلامة حبِّ الله وحبِّ القرآن وحبِّ النَّبي وحبِّ السّنّة: حبِّ الآخرة، وعلامة حبُّ الآخرة: أن يحبَّ نفسه، وعلامة حبِّ نفسِه: أن يبغض الدُّنيا، وعلامة بغض الدُّنيا: ألا يأخذ منها إلا الزّاد والبُلْغة. وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((إن الله إذا أحبَّ عبداً دعا جبريل فقال: إني أحبّ فلاناً فأحبَّه، قال: فيحبّه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحبّ فلاناً فأحبّوه، قال: فيحبّه أهل السماء، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلاناً فأبغضْه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض)». ٢٢٦ لُرعُ (٣) - آل عمران: ٣٣/٣-٣٧ اصطفاء الأنبياء وقصة نذر امرأة عمران ما في بطنها لعبادة الله إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْزَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ ٣٣ ذُرِيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضِّ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمُ (﴿ إِذْ قَالَتِ أَمْرَأَتُ عِمْرَنَ رَبٍّ إِ نَذَرْتُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ ٣٥ لَكَ مَا فِىِ بَطْنِ مُحَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّيُّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبِّ إِنِّيِ وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَلْأُنثَىْ وَإِنِ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسٍَ وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ وَأَنْبَتَهَا نَبَّأَنَّا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَكَرِيَا الْمِحْرَبَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيُمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ٣٧١ القراءات: ﴿أَمْرَأَتُ عِمْرَنَ﴾ : كتبوا (امرأت عمران) بالتاء لا بالهاء، فأهل المدينة يقفون بالتاء، اتباعاً لرسم المصحف، وهي لغة لبعض العرب، ووقف أبو عمرو والكسائي بالهاء، ولم يتبعوا رسم المصحف، وهي لغة أكثر العرب. ﴿مِنِىُّ إِنَّكَ﴾ : قرئ: ١- (منيَ إليك) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو. ٢- (منيْ إليك) وهي قراءة الباقين. ﴿بِمَا وَضَعَتْ﴾: قرئ: ٠٠ ٢٢٧ الُرعُ (٣) - آل عمران: ٣٣/٣-٣٧ ١- بضم التاء على أن يكون ذلك وما بعده من كلام أم مريم، وهي قراءة ابن عامر، وأبي بكر. ٢- بسكون التاء، وهي قراءة باقي السبعة. (وَكَفْلَهَا﴾: قرئ: ١- بتشديد الفاء، - وهي قراءة الكوفيين - عاصم، وحمزة، الكسائي. ٢- بتخفيف الفاء، وهي قراءة باقي السبعة. ﴿ذَكِيَّا﴾: قرئ: ١- مقصوراً (زكريا)، وهي قراءة حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف. ٢- ممدوداً (زكرياء)، وهي قراءة باقي السبعة. الإعراب: ﴿ذُرِّيَّةٌ﴾ منصوب على الحال من الأسماء المتقدمة. ﴿إِذْ﴾ ظرف منصوب متعلق بفعل مقدر تقديره: اذكر يا محمد إذ قالت، أو متعلق بقوله: ﴿سَمِيعُ عَلِيمُ﴾. ﴿مُحَرَّرًا﴾ حال من ﴿مَا﴾. وعبر بـ ﴿مَا﴾ عمنِ يعقل للإبهام، مثل: فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾. ﴿وَضَعَتْهَا﴾ الهاء عائدة على (ما)) حملاً على المعنى، ومعناها التأنيث. ﴿ أَنْثَى﴾ منصوب على الحال من ضمير ﴿وَضَعْتُهَا﴾. (وَكَفَّلَهَا زَكِيًّا﴾ بالتشديد، وزكريا مفعول به، ومن قرأها بالتخفيف رفع زكرياء؛ لأنه فاعل. والهمزة في زكرياء للتأنيث. ٢٢٨ المُرُ (٣) - آلعمران: ٣٣/٣-٣٧ البلاغة: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَالْأُنْثَىْ﴾ جملتان معترضتان لتعظيم الأمر. ﴿أُعِيذُهَا﴾ التعبير بالمضارع للدلالة على الاستمرار والتجديد. ﴿ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ شبه تربيتها الصالحة ونموها بالزرع الذي ينمو شيئاً فشيئاً عن طريق الاستعارة التبعية، بحذف المشبه والإتيان بشيء من لوازمه. المفردات اللغوية: أَصْطَفَ﴾ اختار. ﴿ذُرِّيَّةً﴾ الذرية في الأصل: صغار الأولاد، ثم استعملت في الصغار والكبار، وللواحد والكثير، والمراد: ذرية يشبه بعضها بعضاً. ﴿أَمْرَأَتُ عِمْرَنَ﴾ اسمها حنة بنت فاقود. ﴿مُحَّرًا﴾ عتيقاً خالصاً من شواغل الدنيا، مخصصاً للعبادة وخدمة البيت المقدس (المسجد الأقصى). ﴿ فَتَقَبَّلْ مِنِىُّ﴾ خذه على وجه الرضا والقبول. ﴿أُعِيذُهَا بِكَ﴾ أي أمنعها وأحفظها بحفظك، وأصل التعوذ والاستعاذة بالله: الالتجاء إليه، والاستجارة به، واللجوء إليه بالدعاء والرجاء. ﴿مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ المطرود. ﴿مَرْيَمَ﴾ بالعبرية: خادم الرب أي العابدة. ﴿ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ رباها بما يُصلح أحوالها. (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا﴾ جعل زكريا كافلاً لها. وزكريا: من ولد سليمان بن داود عليهما السلام. ﴿اَلْسِحْرَابَ﴾: الغرفة وهي أشرف المجالس، وتسمى عند أهل الكتاب بالمذبح: وهي مقصورة في مقدم المعبد، ذات باب يصعد إليه بسلم ذي ٢٢٩ الُرعُ (٣) - آل عمران: ٣٣/٣-٣٧ درجات قليلة يكون من فيه محجوباً عمن في المعبد .﴿أَنَّ لَكٍ هَذَا﴾ من أين لك هذا، والزمان زمان قحط وجدب . ﴿مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ يأتيني به من الجنة. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي بغير عدّ ولا إحصاء لكثرته، فهو رزق واسع بلا تبعة. المناسبة: بعد أن بيَّن الله تعالى أن محبته تستلزم محبة رسوله واتباعه وطاعته، وأن طاعة الله مقترنة بطاعة الرسول، ناسب أن يذكر من أحبهم واصطفاهم من الرسل وذرياتهم الذين يبينون للناس طريق المحبة: وهي الإيمان بالله مع طاعته وطاعة رسله الكرام. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائرأهل الأرض، وجعلهم صفوة العالمين بجعل النبوة فيهم، فاختارآدم أبا البشر، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد الملائكة له، وعلمه أسماء الأشياء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة، وتاب عليه واجتباه، كما قال: ﴿ثُمَّ اجْتَبَهُ رَبُهُ ﴾ [طه: ١٢٢/٢٠] وكان من ذريته الأنبياء والمرسلون. ١٢٢ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى واصطفى من بعده نوحاً أبا البشر الثاني، الذي جعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض فهو شيخ المرسلين، لما عبدوا الأوثان، وانتقم له بإغراقهم بالطوفان، ونجاه هو ومن تبعه من المؤمنين في الفلك العظيم، وكان من ذريته كثير من الأنبياء والمرسلين، وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر القرابات. واصطفى آل إبراهيم، ومنهم سيد البشر خاتم الأنبياء على الإطلاق محمد وَ﴾، ومنهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط. واصطفى من ذرية إبراهيم آل عمران: وهم عيسى وأمه مريم بنت عمران التي ينتهي نسبها إلى يعقوب عليه السلام. ٢٣٠ الجُرُ (٣) - آل عمران: ٣٣/٣-٣٧ والمراد بعمران هذا: هو والد مريم أم عيسى عليه السلام، وهو عمران بن ياشم، ابن ميشا بن حزقيا بن إبراهيم، وينتهي نسبه إلى سليمان بن داود عليهما السلام. فعيسى عليه السلام من ذرية إبراهيم. اختار الله هؤلاء وجعلهم صفوة الخلق وجعل النبوة والرسالة فيهم. فهم ذرية واحدة وسلالة واحدة، ويشبه بعضها بعضاً في الفضل والمزية والتناصر في الدين، فآل إبراهيم وهم إسماعيل وإسحاق وأولادهما من نسل إبراهيم، وإبراهيم من نسل نوح، ونوح من آدم. وآل عمران: وهم موسى وهارون وعيسى وأمه من ذرية إبراهيم ونوح وآدم. واصطفاؤهم على جميع الخلق كلهم، فهم صفوة الخلق، فأما محمد رَّ فقد جازت مرتبته الاصطفاء؛ لأنه حبيب ورحمة، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ (﴾﴾ فالرسل خلقوا للرحمة، ومحمد وَ﴿ خلق بنفسه رحمة، فلذلك صار أماناً للخلق، وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الحاكم وابن عساكر عن أبي هريرة: ((إنما أنا رحمة مهداة)) يخبر أنه بنفسه رحمة للخلق من الله، وقوله ((مهداة)) أي هدية من الله للخلق. هذه الذرية هم المذكورون بمناسبة الكلام عن إبراهيم: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبِ كُلَّا هَدَيْنَا﴾ [الأنعام: ٨٤/٦]. وخص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء؛ لأن جميع الأنبياء والرسل من نسلهم. والله سميع لأقوال العباد، عليم بنياتهم وضمائرهم. واذكر وقت أن قالت امرأة عمران (وهي أم مريم واسمها حنَّة بنت فاقود) وكانت عاقراً لم تلد، واشتاقت للولد، فدعت الله تعالى أن يهبها ولداً، فاستجاب الله دعاءها، فلما تحققت الحمل قالت: رب إني نذرت لك ما في بطني خالصاً لوجهك الكريم، متفرغاً للعبادة وخدمة بيت المقدس وكان ذلك ٠ ٢٣١ الجُرعُ (٣) - أل عمران: ٣٣/٣-٣٧ جائزاً في شريعتهم، وكان على الولد الطاعة. ودعت الله أن يتقبل منها هذا النذر، وهو السميع لكل قول ودعاء، العليم بنية صاحبه وإخلاصه، وهذا يستدعي تقبل الدعاء، فضلاً منه وإحساناً، ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكر أم أنثى. والنذر: هو ما أوجبه المكلف على نفسه من العبادات مما لو لم يوجبه لم يلزمه. فهو لا يلزم العبد إلا بأن يلزمه نفسَه. ويلاحظ أن المراد بعمران أولاً في قوله: ﴿وَءَالَ عِمْرَنَ﴾ هو أبو موسى عليه السلام، وثانياً في قوله ﴿آَمْرَأَتُ عِمْرَنَ﴾ هو أبو مريم، وبينهما نحو ألف وثمانمائة عام (١٨٠٠) تقريباً. فلما وضعت بنتاً، قالت متحسرة حزينة: إني وضعتها أنثى، وذلك أنه ما كان يؤخذ لخدمة البيت إلا الذكور؛ لأن الأنثى تحيض وتلد، فلا تصلح لهذا، والله أعلم بما وضعت وبمكانتها، وفي هذا تعظيم لشأن الأنثى، وليس الذكر الذي طلبت وتمنت كالأنثى أي في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى، بل هذه الأنثى خير مما كانت ترجو من الذكر. أما قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فهو من كلام الله عز وجل. وقرئ بضم تاء ((وضعتُ)) فيكون من كلام امرأة عمران عن طريق التعظيم والتنزيه الله تعالى. وأما : ﴿وَلَيَّسَ الذَّكَرِ كَالْأُنثٌ﴾ فهو من كلام الله بالمعنى المذكور. ويجوز كونه من كلام امرأة عمران، قالته معتذرة إلى ربها من ولادة أنثى على خلاف ما قصدته من خدمة المسجد؛ لأنه أنثى لا تصلح للخدمة بسبب كونها عورة. وقالت امرأة عمران: إني سميتها مريم، أي خادمة الرب، وإني أجيرها وأعيذها بحفظك ورعايتك من شر الشيطان المطرود من الخير، وأدعوك أن تقيها وذريتها وهو عيسى عليه السلام من الشيطان وسلطانه عليهما، فاستجاب الله دعاءها. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ قال: ٢٣٢ الجُرُ (٣) - آل عمران: ٣٣/٣-٣٧ ((كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها))(١) أي أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يؤثر فيه إلا مريم وابنها. فتقبل الله مريم من أمها بأبلغ قبول حسن، ورضي أن تكون محررة خالصة للعبادة وخدمة البيت على صغرها وأنوثتها، ورباها ونماها بما يصلح أحوالها تربية عالية تشمل الجسد والروح، كما يربى النبات في الأرض الصالحة بعد تعهد الزارع إياه بالسقي والتسميد والعزق وقلع الأعشاب الضارة من حوله. وجعل زكريا - وكان زوج خالتها وكان معروفاً بالخلق والتقوى - كافلاً لها وراعياً مصالحها حتى شبت وترعرعت. وإنما قدر الله كون زكريا كفيلها لسعادتها، لتقتبس منه علماً جماً نافعاً وعملاً صالحاً. وكان كلما دخل زكريا عليها المحراب، وجد عندها خيراً كثيراً ورزقاً وافراً، وألواناً من الطعام لا توجد في مثل ذلك الوقت، قال جماعة من مفسري التابعين: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. فيقول لها: يا مريم، من أين لك هذا؟ والأيام أيام جدب وقحط، قالت: هو من عند الله الذي يرزق الناس جميعاً، بتسخير بعضهم لبعض، إن الله يرزق من يشاء من عباده بغير حساب. قيل: هو من قول مريم، ويجوز أن يكون كلاماً مستأنفاً، فكان ذلك سبب دعاء زكريا وسؤاله الولد. فقه الحياة أو الأحكام: كان المشركون وأهل الكتاب ينكرون نبوة النبي ◌َّ؛ لأنه بشر مثلهم، (١) وفي لفظ: ((ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخاً من مسّه إياه، إلا مريم وابنها)) ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِِّّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ ٢٣٣ الجُرُ (٣) - آل عمران: ٣٣/٣-٣٧ ولأنه ليس من بني إسرائيل، فرد الله عليهم: إن الله اصطفى آدم أبا البشر. ونوحاً الأب الثاني، واصطفى من ذريتهما آل إبراهيم، واختار آل عمران من آل إبراهيم. وآل عمران هم من سلالة بني إسرائيل حفيد إبراهيم. فإذا كان الاصطفاء لله فهو يصطفي أيضاً نبياً من العرب وهو سليل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. فكانت هذه القصة لتقرير نبوة النبي العربي اَلر، ودحض شبهة أهل الكتاب الذين حصروا النبوة في بني إسرائيل، وإبطال شبهة المشركين الذين تصوروا كون النبي غير بشر، وهو لا يكون إلا بشراً من جنس المبعوث إليهم. وفي القصة إرهاص بنبوة عيسى، إذ ولدت أمه من أم عاقر كبيرة السن، على خلاف المعهود، وقبلت الأنثى في خدمة بيت المقدس، لتكون سيرتها الطاهرة عنواناً على كون ولدها من روح الله وكلمته. ودل قوله تعالى: ﴿ وَإِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ على جواز التسمية يوم الولادة، وهو شرع من قبلنا، وأكده ما ثبت في السنة عند البخاري ومسلم عن رسول الله وَير حيث قال: ((ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي: إبراهيم)). وكان من أثر دعاء امرأة عمران الذي قبله الله بصون مولودها وذريتها من مس الشيطان أن صان عيسى عليه السلام من إغواءات الشيطان، كما يصون الله تعالى سائر أنبيائه الكرام من وساوس الشياطين وسلطانهم، فكم تعرَّض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك فعصمهم الله مما يَرُومه الشيطان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢/١٥] و[الإسراء: ٦٥/١٧]. ووجود الرزق الكثير عند مريم مما ليس كالعادة دليل على كرامات الأولياء، كما ذكر ابن كثير (١). (١) تفسير ابن كثير: ٣٦٠/١ ٢٣٤ الُ (٣) - آلِ عَتْرَانَ: ٣٨/٣-٤١ قصة زكريا ويحيى (دعاء زكريا وطلبه الولد الصالح وإنجاب يحيى) ﴿هُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِنَّا رَبٍَّ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَُّنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴿ فَنَادَتَّهُ الْمَلَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِىِ الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى قَالَ رَبِّ أَنَى ٣٩٦ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًَّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ( يَكُونُ لِ عُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَأَمْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَنَةَ أَيَّامِ إِلَّ رَمْزًّا ٤٠ وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَّبِّحْ بِالْعَشِّ وَالْإِنْكَرِ ٤١ القراءات: ﴿فَنَادَتَّهُ﴾: قرئ: ١- (فناداه)، وهي قراءة حمزة، والكسائي. ٢- (فنادته)، وهي قراءة الباقين. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: قرئ: ١- بكسر الهمزة، وهي قراءة ابن عامر، وحمزة. ٢- بفتح الهمزة، وهي قراءة الباقين. يُبَشِّرُكَ﴾: قرئ: ١- (يَبْشُرُك) وهي قراءة حمزة، والكسائي. ٢- (يُبَشِّرُك) وهي قراءة الباقين. ٢٣٥ الُرعُ (٣) - آل عمران: ٣٨/٣-٤١ ﴿وَنَبِيًّا﴾: قرئ: (ونبيئاً) وهي قراءة ورش. ﴿لِيّ ءَايَةٌ﴾: قرئ: ١- (لي آية) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو. ٢- (ليْ آية) وهي قراءة الباقي السبعة. الإعراب: ﴿هُنَالِكَ﴾ الأصل أن يكون ظرف مكان، ولكنه استعمل هنا ظرف زمان، وقيل: بهما في هذه الآية أي في ذلك المكان والوقت، وهو متعلق بدعا أي دعا زكريا في ذلك الوقت، وهذا الاستعمال جائز على سبيل التوسع، ويعرف المراد بدلالة الحال، وقد تجيء ﴿هُنَالِكَ﴾ محتملة الزمان والمكان، كما في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾. والظرف منه ((هنا)) واللام للتأكيد، والكاف للخطاب، لا موضع لها من الإعراب. ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَئِكَةُ﴾ أي جماعة الملائكة. ومن قرأ ((فناداه)) أراد جمع الملائكة؛ إذ يجوز في فعل الجماعة التذكير والتأنيث، سواء كانت الجماعة للمذكر أو المؤنث، نحو: قال الرجال وقالت الرجال، وقال النساء وقالت النساء، فالتذكير بالحمل على معنى الجمع، والتأنيث بالحمل على معنى الجماعة . ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحالِ من هاء ﴿فَنَادَتْهُ﴾. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ مفعول ثان لنادته، ومن قرأها بالكسر فعلى الابتداء، على تقدير: قال: إن الله يبشرك. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من يحيى، وكذلك: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًا﴾. ﴿وَأَمْرَأَتِى صے عَاقِرٌ﴾ إنما جاء بغير تاء؛ لأنه أراد النَّسب، أي: ذات عُقْر أي عُقْم، مثل طالق وحائض. البلاغة: ﴿فَنَادَتَّهُ الْمَلَئِكَةُ﴾ المنادي جبريل، وعبر عنه باسم الجماعة تعظيماً له؛ لأنه رئیسهم. ١٠ ٢٣٦ الُرُ (٣) - آل عمران: ٣٨/٣-٤١ بِالْعَشِىّ وَاَلْإِبْكَرِ﴾ فيه طباق وهو أحد المحسنات البديعية. المفردات اللغوية: ﴿هُنَالِكَ﴾ أي لما رأى زكريا ذلك، وعلم أن القادر على الإتيان بالشيء من غير حينه قادر على الإتيان بالولد على الكبر، وكان أهل بيته انقرضوا ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ ولداً صالحاً مباركاً. الذرية: الولد، وتقع على الواحد والكثير وهو هنا واحد، والطيب: ما تستطاب أفعاله ﴿سَمِيعُ اُلُّعَاءِ﴾ أي مجيبه وقابله، كما يقال: سمع الله لمن حمده، إذ من لم يُجب، فكأنه لم يسمع ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ أي يصدق بعيسى أنه روح الله، فهو قد وجد بكلمة كائنة من الله، وكلمة الله: عيسى عليه السلام، وسمي كلمة؛ لأنه خلق بكلمة: كن، قال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى بن مريم . ﴿وَسَيِّدًا﴾ السيد: الرئيس المتبوع الذي يسود قومه . ﴿وَحَصُورًا﴾ قال السيوطي وغيره: ممنوعاً من النساء، من الحصر: وهو المنع، فهو لا يأتي النساء مع القدرة على إتيانهن تعففاً وزهداً. وقال آخرون: منوعاً نفسه من ارتكاب ما يعاب عليه، أو أنه معصوم من الذنوب أي لا يأتيها، كأنه حصور عنها، كما قال القاضي عياض. ﴿ وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي من أصلابهم، روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها ﴿أَّ﴾ كيف ﴿عُلَمٌ﴾ ولد ﴿وَقَدْ بَلَغَنِىَ اُلْكِبَرُ﴾ أي بلغت نهاية السن، مئة وعشرين سنة ﴿ وَأَمْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾ عقيم لا تلد بلغت ثمانياً وتسعين سنة. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي الأمر كذلك، أي من خلق الله غلاماً منكما ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾: لا يعجزه شيء. ﴿ءَايَةٌ﴾ علامة على حمل امرأتي أي علامة أعرف بها ميقات الحمل إذا حدث لأتلقى النعمة بالشكر ﴿أَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ أي تمتنع من كلامهم ما عدا ذكر الله تعالى ﴿رَمْزًّا﴾ إشارة بيد أو رأس أو غيرهما، وسمي الرمز كلاماً؛ لأنه يفيد ما يفيده الكلام ويدل على ما دل عليه ﴿بِالْعَشِّ﴾ الوقت من الزوال ٢٣٧ اِلُعُ (٣) - آل عمران: ٣٨/٣-٤١ إلى الليل. ﴿وَالْإِنْكَرِ﴾ من طلوع الفجر إلى الضحى، فشمل قوله: ﴿بِاَلْعَشِيّ وَالْإِبْكَرِ﴾: أواخر النهار وأوائله. التفسير والبيان: حينما رأى زكريا حال مريم وتفرغها للعبادة وتفضل الله عليها بالأرزاق الوفيرة، دعا ربه أن يرزقه ولداً صالحاً مثلها من ولد يعقوب عليه السلام، قائلاً: إنك يا رب سميع لكل قول، مجيب لكل دعاء صالح؛ لأن رؤية الأولاد النجباء تشوق النفس لو يكون له مثلهم. فخاطبته الملائكة شفاهاً، والمخاطب في رأي الجمهور: هو جبريل عليه السلام(١)، والأظهر في رأي القرطبي: ناداه جميع الملائكة، أي جاء النداء من قبلهم. وهو قائم يدعو الله ويصلي في محراب عبادته، وقالت له: إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ أَسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: ٧/١٩] وهو معرَّب يوحنا، ويطلق عليه في إنجيل متى: ((يوحنا الْمَعْمَدان)» لأنه كان يعمِّد الناس في زمانه. وهو أول من يصدق بعيسى بن مريم عليه السلام المسمى (كلمة الله)؛ لأنه ولد ونشأ بكلمة الله: ﴿كُنْ﴾، لا بالطريقة المعتادة من الولادة من أب وأم. ويحيى أيضاً سيد قومه، ومعصوم من الذنوب، ومانع نفسه من شهواتها، ونبي يوحى إليه - وهذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى - وهو صالح ناشئ من أصلاب الصالحين: أنبياء الله الكرام صلوات الله عليهم. (١) في التنزيل: ﴿يُنْزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ يعني جبريل، والروح: الوحي. وجائز في العربية: أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع. وجاء في التنزيل: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ يعني: نعيم بن مسعود. ٢٣٨ الُ (٣) - آلِ عَتْرَانَ: ٣٨/٣-٤١ ولكن زكريا تعجب قائلاً: كيف يكون لي غلام، وقد أصبحت كبير السن، وامرأتي عقيم لا تلد، فأجابه الله تعالى من طريق الملائكة: كذلك الله يفعل ما يشاء، أي مثل ذلك الخلق غير المعتاد الحاصل مع امرأة عمران، يفعل الله ما يشاء في الكون، فمتى شاء أمراً أوجده، سواء بسبب معروف أو بغير سبب، ومنه إيجاد الولد والمرأة عاقر. فطلب زكريا من ربه أن يجعل له علامة تدله على الحمل ووجود الولد منه، استعجالاً للسرور، أو ليشكر تلك النعمة، فجعل الله علامة ذلك ألا يقدر على كلام الناس مدة ثلاثة أيام متوالية إلا بالإشارة والرمز بيد أو رأس أو نحوهما. وأمره بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحال طوال الوقت، وعلى التخصيص في الصباح والمساء. فقه الحياة أو الأحكام: دلت هذه الآية على مشروعية طلب الولد، وهي سنة المرسلين والصدّيقين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةٌ﴾ [الرعد: ٣٨/١٣] وقال: ﴿ وَاُلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤/٢٥] وقال مخبراً عن إبراهيم الخليل: ﴿ وَأَجْعَل لَّى لِسَانَ ٨٤] [الشعراء: ٨٤/٢٦]، وروي من حديث أنس قال: قال صِدْقٍ فِ الْآَخِرِينَ ( النبي ◌َّهِ: ((أيّ رجل مات، وترك ذُرّية طيبة، أجرى الله له مثل أجر عملهم، ولم ينقص من أجورهم شيئاً)). وخرّج ابن ماجه عن عائشة قالت: قال رسول الله ◌َّ: ((النكاح من سُنَّتي، فمن لم يعمل بسُنتي فليس مني، وتزوّجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طَوْل فلْيَنكِح، ومن لم يجد فعليه بالصوم، فإنه "له وجاء)). وأخرج أبو داود من قوله وَله: «تزوجوا الوَلود الوَدود، فإني مكاثر بكم الأمم». والأخبار في هذا المعنى كثيرة، تحث على طلب الولد وتندب إليه؛ لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته، روى مسلم وغيره أنه وَلتر ٠ ٢٣٩ اِلُرُ (٣) - آل عمران: ٣٨/٣-٤١ قال: ((إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث: فذكر: أو ولد صالح يدعو له)) ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية. ودلت الآية أيضاً على أن الواجب على الإنسان أن يتضرع إلى خالقه في هداية ولده وزوجه وطلب التوفيق لهما، والهداية والصلاح والعفاف والرعاية، وأن يكونوا مُعينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه. ألا ترى قول زكريا: ﴿وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦/١٩] وقال: ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ وقال: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّلِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤/٢٥]، ودعا رسول الله له لأنس، فقال فيما رواه البخاري ومسلم: ((اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه)). ومن مهام الملائكة البشارة، كما بشرت بيحيى عليه السلام، والأنبياء معصومون من الذنوب والمعاصي الكبيرة والصغيرة قبل النبوة وبعدها، وقد يعصمون ويمنعون عن الشهوات المباحة، كما حصل ليحيى عليه السلام أنه كان حصوراً، ولعل هذا كان شرعه، فأما شرعنا فالنكاح. وكان يحيى أول من آمن بعيسى عليهما السلام وصدَّقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين، ويقال بستة أشهر. واستبعاد زكريا عليه السلام وتعجبه كان على وفق المعتاد أن حاله وحال امرأته لا يولد لمثلهما، لا أن ذلك ليس من مقدور الله. وقد طلب إتمام النعمة بأن يجعل له آية تكون دليلاً على زيادة النعمة والكرامة. وفي هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، وذلك موجود في كثير من السنة، وآكد الإشارات: ما حكم به النبي ◌َّ من أمر السوداء حين قال لها: ((أين الله؟)) فأشارت برأسها إلى السماء، فقال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز الدم والمال، وتستحق به الجنة، وينجى به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك. ٢٤٠ الُعُ (٣) - آلِ عَتْرَانَ: ٣٨/٣-٤١ وهذا قول عامة الفقهاء، قال مالك: إن الأخرس إذا أشار بالطلاق إنه يلزمه. وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه، فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق. وقال أبو حنيفة: ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف، وإن شك فيها فهي باطل، وليس ذلك بقياس، وإنما هو استحسان. وقد منع زكريا الكلام بآفة دخلت عليه منعته إياه، وتلك الآفة عدم القدرة على الكلام مع الصحة. أما عن ذكر الله فلا، فقد أمره الله بألا يترك الذكر في نفسه مع اعتقال لسانه. قال محمد بن كعب القرظي: لو رخص لأحد في ترك الذكر، لرخص لزكريا بقول الله عز وجل: ﴿أَلَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ إِلَّ رَمْزًّا وَأَذْكُرُ زَبَّكَ كَثِيرًا﴾ ولرخص للرجل يكون في الحرب بقول الله عز وجل: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥/٨]. وكذلك الصلاة لا تترك؛ لأن معنى قوله: ﴿وَسَبِّحْ﴾ أي صلِّ، سميت الصلاة سُبْحة، لما فيها من تنزيه الله تعالى عن السوء. قصة زكريا عليه السلام: ذكر زكريا في القرآن الكريم ثماني مرات في آل عمران وفي الأنعام وفي مريم وفي الأنبياء. ويظهر أن لزكريا أبي يحيى شركة في خدمة الهيكل، فهو (لا وي)) وهو زوج خالة ((مريم)). لما رأى زكريا آيات الله الباهرات وإكرامه تعالى لمريم ورزقها من حيث لا تحتسب، فدعا ربه ليرزقه ذرية طيبة مباركة تلي أمور بني إسرائيل؛ لأنه كان يخشى ابتلاءهم بمواليه الذين لم يكونوا متمسكين بالشريعة، فحملت زوجه بيحيى وبشره الله بنبوته، وأعلمه أن آية ذلك أن يعجز عن الكلام مع الناس ثلاثة أيام لا يكلمهم إلا رمزاً. وقتل زكريا وابنه يحيى في حادث واحد. قصة يحيى عليه السلام: ذكر يحيى في مواضع أربعة من القرآن الكريم: في آل عمران، وفي الأنعام، وفي مريم، وفي الأنبياء.