النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ الُرُ (٣) - ألِ عَتْران: ٢١/٣-٢٢ وجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فارقاً بين المؤمنين والمنافقين، فقال: ﴿الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧/٩]. ثم قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١/٩]. فدلّ على أن أخصّ أوصاف المؤمن: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ورأسها الدعوة إلى الإسلام والقتال عليه. وهناك أحكام أخرى متعلقة بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منها : أ - ليس من شرط النّاهي أن يكون عدلاً، عند أهل السّنة؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس. ب - أجمع المسلمون - فيما ذكر ابن عبد البر - أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى؛ فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك. وإذا أنكر بقلبه، فقد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك، والأحاديث في هذا المبدأ ومراحل تطبيقه كثيرة جداً، ولكنها مقيدة بالاستطاعة. روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ◌َو يقول: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))، قال العلماء: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء، يعني عوام الناس. ويبدأ بإزالة المنكر بالأخف فالأخف، باللسان أولاً، ثم بالعقوبة، أو بالقتل. وعليه بنى العلماء أنه إذا دفع الصائل على النفس أو على المال عن نفسه أو عن ماله أو نفس غيره، فله ذلك ولاشيء عليه. جـ - متى يترك؟ أخرج ابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول ٢٠٢ اِلُرُ (٣) - آل عمران: ٢١/٣-٢٢ الله، متى نترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر؟ قال: ((إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم))، قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: ((الملك في صِغاركم، والفاحشة في كِباركم، والعلم في رُذَالتكم))، قال زيد : تفسير معنى قول النَّبي ◌َّهِ: ((والعلم في رُذَالتكم)) إذا كان العلم في الفسّاق. ◌َّ - قد جعل الله وعيد الكفار ومنهم اليهود ثلاثة أنواع: أ - إيقاع العذاب الأليم في الدّنيا والآخرة، الألم والقلق والاضطراب في الدّنيا، ونار جهنم في الآخرة. ب - إحباط الأعمال في الدّنيا والآخرة، ففي الدّنيا الذّم والخزي واللعن، وفي الآخرة العذاب كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ ﴾ [الفرقان: ٢٣/٢٥]. فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنتُورًا جـ - دوام هذا العذاب لقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ) والخلاصة: ذكرت هذه الآية ثلاثة أوصاف لليهود: أولها - الكفر بآيات الله، وهو أقوى الأسباب في عدم المبالاة بما يقع من الأفعال القبيحة. وثانيها - قتل من أظهر آيات الله واستدلّ بها. وثالثها - قتل أتباعهم ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر(١). (١) البحر المحيط: ٢ /٤١٣ الجزءُ (٣) - آل عمران: ٢٣/٣-٢٥ ٢٠٣ إعراض أهل الكتاب عن حكم الله ﴿أَلَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَى فَرِيْقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُعْرِضُونَ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَسَنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَّهُمْ فِ دِينِهِمِ مَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴿ فَكَيِّفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٢٥ الإعراب: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ كيف: استفهام عن الحال، وهو ههنا بمعنى التهديد والوعيد، وهي منصوبة بفعل مقدّر، وتقديره: في أي حال يكونون إذا جمعناهم. وإذا: منصوب على الظرف. و﴿لِيَوْمٍ﴾ اللام تتعلق بجمعناهم. و﴿لَّا رَبْبَ فِيهِ﴾ في موضع جرّ صفة ليوم. المفردات اللغوية: ﴿أَلَّمْ تَرَ﴾ استفهام للتعجب من حالهم. ﴿نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ﴾ حظّاً من التّوراة، والمراد: أحبار اليهود أو اليهود أنفسهم، ومن: إما للتبعيض، وإما للبيان. ﴿يُدْعَوْنَ﴾ يطلبون، وهو حال والداعي هو النَّبِي وَّهُ ﴿كِتَبِ اللَّهِ﴾ التوراة أو القرآن. ﴿يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أي ليفصل بين اليهود. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَ﴾ يعرض بالبدن أو بالقلب. ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عن قبول حكمه. ﴿ذَلِكَ﴾ التولي والإعراض. ﴿يَفْتَرُونَ﴾ يختلقون ويكذبون. ﴿لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شكّ فيه، وهو يوم القيامة. ﴿مَّا كَسَبَتْ﴾ عملت من خير أو شرّ. ﴿وَهُمْ﴾ أي الناس. ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقص حسنة أو زيادة سيئة. سبب النزول: نزول الآية (٢٣ - ٢٤): أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن إسحاق عن ابن عباس قال: دخل ٠ ٢٠٤ الجزء (٣) - ألغتران: ٢٣/٣-٢٥ رسول الله وَله بيت المِذْراس(١) على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: ((على ملّة إبراهيم ودينه))، قالا: فإن إبراهيم كان يهودياً، فقال لهما رسول الله وخلقه: ((فهلما إلى التّوراة، فهي بيننا وبينكم)) فأبيا عليه، فأنزل الله: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اُلْكِتَبِ يُدْعَوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿يَفْتَرُونَ﴾. المناسبة: الآيات استمرار في تعداد قبائح اليهود، ولكنها خطاب إلى الرسول وله يستدعي التّعجب من شأنهم، وهو أنهم يرفضون التّحاكم إلى كتابهم، بدافع الغرور والكبرياء، واغترارهم باتِّصال نسبهم بالأنبياء، وزعمهم النّجاة من عذاب الله يوم القيامة، فردّ الله عليهم بأن الجزاء على الأعمال، لا على الأنساب. التفسير والبيان: انظر يا محمد وتعجّب من صنع هؤلاء اليهود الذين يحفظون بعض كتابهم الذي أوحاه الله لنبيِّهم موسى عليه السلام، وفقدوا سائره أو حرَّفوه وغيّروه؛ لأن التّوراة كتبت بعد موسى بخمس مئة سنة، وبقي الجزء الذي فيه بشارة محمد رَلتر، وموضع العجب: أنهم يرفضون قبول حكم كتابهم، حينما زنى بعض أشرافهم، وحكّموا النَّبي ◌َّةِ، فحكم بمثل حكم التّوراة، فتولّوا وأعرضوا عن قبول حكمه. وعمم ابن كثير الآية وجعلها إنكاراً على اليهود والنصارى المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللذَين بأيديهم، وهما التّوراة والإنجيل(٢). (١) مدرسة اليهود لدراسة التّوراة. (٢) تفسير ابن كثير: ٣٥٥/١ ٢٠٥ الجزء (٣) - ألغتر ان: ٢٣/٣-٢٥ فإذا دعوا إلى حكم الكتاب تولى فريق منهم أي بعد تردّد في قبول الحكم، ثم أدبروا وهم معرضون. وفي قوله: ﴿فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ إشارة إلى أن منهم طائفة متمسكة بالحق كعبد الله بن سلام وغيره، كما قال تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى [الأعراف: ١٥٩/٧]. وفي قوله: ﴿وَهُم ١٥٩٦ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ مُعْرِضُونَ﴾ إشارة إلى دوام إعراضهم. ثم ذكر الله تعالى سبب هذا التّولي والإعراض أو العناد والجحود: وهو اعتقادهم النّجاة، فاليهودي يعتقد أنه مهما فعل لن يدخل النار إلا أياماً معدودة، ثم يدخل الجنة، فلم يبالوا بارتكاب المعاصي والذنوب، اعتماداً على اتِّصال نسبهم بالأنبياء. وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةٌ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ: أَمْ نَغُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (بَ﴾ [البقرة: ٨٠/٢]. ولم يثبت في عدد الأيام التي يدخلون فيها النار شيء، وقيل: هي أربعون يوماً، وهي مدّة عبادتهم للعجل. وغرهم افتراؤهم في الدين أي خدعهم ما كانوا يختلقونه في الدِّين، كقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وسيشفع لنا الأنبياء، ونحن أولاد الأنبياء، وشعب الله المختار، وإن الله وعد يعقوب ألا يعذِّب أبناءه إلا تَحلّة القسم أي مدّة قصيرة. فكيف يصنعون إذا جمعناهم للجزاء في يوم لا شك فيه، يوم تتقطع فيه الأنساب، ولا ينفع فيه مال ولا بنون، يوم توفّ كل نفس ما عملت من خير أو شرّ، دون نقص، وهم لا يظلمون فلا يزاد في العذاب شيء، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِيِنَ الْقِسْطَ لِيَّوْمِ الْقِيَمَةِ فَلَ نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِينَ (﴾﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٤٧]. ٢٠٦ الزرعُ (٣) - آلعمران: ٢٣/٣-٢٥ فقه الحياة أو الأحكام: توجب الآيات الالتزام في الأحكام الشرعية وأحكام القضاء بما أمر الله به في كتابه، وتندِّد بفعل اليهود وغيرهم الذين إذا دعوا إلى التّحاكم بكتاب الله، وما فيه من اتِّباع محمد وَّرَ، تولوا وهم معرضون عن حكم الله. وهذا في غاية ما يكون من ذمّهم ووصفهم بالمخالفة والعناد. وتندّد الآيات أيضاً بمزاعم اليهود أنهم ناجون يوم القيامة من النّار، وأنهم يعتمدون على الأنساب، وكونهم من سلالة الأنبياء، وأنهم شعب الله المختار. والحقيقة أن الجزاء يكون على قدر العمل من خير أو شرّ. وفي الآية دليل على أن من دعي إلى مجلس الحاكم ليحكم بينه وبين خصمه بكتاب الله، وجب عليه أن يجيب، ما لم يعلم أن الحاكم فاسق، أو يُعلم عداؤه من المدعي والمدعى عليه، فإن لم يجب زجر وعزر. واستنبط المالكية من الآية أنها تدلّ على أن شرع من قبلنا شرع لنا، إلا ما علمنا نسخه، وأنه يجب علينا الحكم بشرائع الأنبياء قبلنا إذا ثبتت من طريق المسلمين بنقل صحيح. وإنما لا نقرأ التوراة ولا نعمل بما فيها؛ لأن من هي في يده غير أمين عليها، وقد غيَّرها وبدَّلها، بل ولم يثبت نقلها إلى موسى عليه السلام، وإنما كتبت بعده بخمسة قرون. ولو علمنا أن شيئاً منها لم يتغيَّر ولم يتبدَّل، جاز لنا قراءته. والبرهان القاطع الساطع المصادم أن هؤلاء الكتابيين المعتمدين على مجرد الأوهام والمزاعم والأباطيل، كيف يصنعون إذا حشروا يوم القيامة، واضمحلت عنهم تلك الزخارف التي ادَّعوها في الدّنيا، وجوزوا بما اكتسبوه من كفرهم واجترائهم وقبيح أعمالهم. وهذا تهديد ووعيد. ٢٠٧ لُعُ (٣) - آل عمران: ٢٦/٣-٢٧ دلائل قدرة الله وعظمته وتصرفه في خلقه والتفويض إليه ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ اَلْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُ مَن تَشَدَءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَّدِيرٌ (٦َ تُولِجُ اَلَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَاَرَ فِىِ الَّيْلِّ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ اٌلْمِيِّتَ مِنَ ٢٧ اَلْحِّيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ القراءات: ﴿اَلْمَيْتَ﴾: قرئ: ١- (الميْت) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر. ٢- (الميِّت) وهي قراءة الباقين. الإعراب: الجمل كلها في الآية الأولى جمل فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿مَلِكَ﴾، ويجوز كونها في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: أنت تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء. وكذلك الجمل في الآية الثانية مثل الآية الأولى في النصب والرفع. البلاغة: يوجد طباق بين ﴿تُؤْتِ﴾ و﴿وَتَنزِعُ﴾، و﴿وَتُعِزّ﴾ و﴿وَتُذِلُ﴾، و﴿اَلَيْلَ﴾ و﴿النَّهَارَ﴾، و﴿اَلْحَىَّ﴾ و﴿اَلْمَيِّتَ﴾. ويوجد جناس ناقص بين ﴿مَلِكَ﴾ و﴿ اَلْمُلْكِ﴾ . ٢٠٨ لُرعُ (٣) - المُقتر ان: ٢٦/٣-٢٧ وهناك ما يسمى بردّ العجز على الصدر في ﴿تُولِجُ اَلَيْلَ فِ النَّهَارِ﴾ و ﴿ وَتُولُِ النَّهَارَ فِىِ الَّيْلِّ﴾. والتكرار في جمل ﴿تُؤْنِ اُلْمُلْكَ مَنْ تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ للتفخيم والتعظيم. والإيجاز بالحذف في قوله: ﴿تُؤْتِ اُلْمُلْكَ مَنْ تَشَآءُ﴾ أي من تشاء أن تؤتيه. وكذا في قوله: ﴿وَتَنِعُ﴾ و﴿وَثُعِزُّ﴾ و﴿وَتُذِلُ﴾. وفي قوله: ﴿قُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَقُولِجُ النَّهَارَ فِ اَلَيْلِ﴾ استعارة لإدخال هذا على هذا، وهذا على هذا، فما ينقصه الليل يزيده في النهار والعكس. ولفظ الإيلاج أبلغ في التعبير عن الإدخال. ﴿اَلْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ الحيّ والميِّت مجاز عن المؤمن والكافر، شبه المؤمن بالحي والكافر بالميِّت. ﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي والشر خلقاً وتقديراً: ﴿قُلْ كُلُّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾، ولكنه ذكر الخير دون الشّر تأذُّباً مع الله، فلا ينسب له الشّر أدباً. المفردات اللغوية: ﴿اللَّهُمَّ﴾ أي يا الله. ﴿الْمُلْكِ﴾ السلطة والتصرف في الأمور. ﴿تُؤْقِ﴾ تعطي. ﴿وَتَنِعُ﴾ تقلع وتخلع. ﴿مَن تَشَآءُ﴾ أي من خلقك. ﴿ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ﴾ بإيتائه. ﴿وَتُذِلُ مَن تَشَاءُ﴾ بنزعه منه. ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ بقدرتك الخير، أي والشّ خلقاً وتقديراً، لا كسباً وعملاً. ﴿تُولِجُ﴾ تدخل، ويراد به زيادة زمان النهار في الليل وبالعكس بحسب الفصول والبلاد، فيزيد كل منهما بما نقص في الآخر. قال السيوطي: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ كإخراج الإنسان من النطفة، ٢٠٩ الجزء (٣) - آلعمران: ٢٦/٣-٢٧ والطائر من البيضة.﴿وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ﴾ كالنطفة والبيضة. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي رزقاً واسعاً. سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله وَ ﴿ سأل ربَّه أن يجعل ملك الرّوم وفارس في أمته، فأنزل الله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية. وقال ابن عباس وأنس بن مالك: لما افتتح رسول الله وَ ل في مكّة، ووعد أمته ملك فارس والرُّوم، قالت المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والرّوم؟ هم أعزّ وأمنع من ذلك، ألم يكفِ محمداً مكة والمدينة، حتى طمع في ملك فارس والرّوم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. المناسبة: هذه الآية بقصد تسلية النَّبي ◌َ سير أمام موقف المشركين وأهل الكتاب بإنكار دعوته فيما ذكرته الآيات السابقة، والتذكير له بقدرته تعالى على نصرة دينه وإعلاء كلمته، فكان المشركون ينكرون النّبوة لرجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وأهل الكتاب ينكرون النّبوة في غير بني إسرائيل. التفسير والبيان: إذا أعرض المشركون وأهل الكتاب کوفد نجران عن قبول دعوتك يا محمد، فالجأ إلى الله مالك الملك وصاحب الأمر، وتوجه إليه وقل: يا الله، يا مالك الملك، لك السلطان المطلق، وأنت المتصرف في خلقك، الفعّال لما تريد، ومدبِّر الأمور على وفق حكمتك، فأنت المعطي وأنت المانع، تؤتي الملك والنّبوة من تشاء من عبادك، وتنزع الملك ممن تشاء من خلقك، كما نزعت النّبوة من بني إسرائيل ببعثة رسولك العربي القرشي الأمي المكي خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن. ٢١٠ لالُ (٣) - آلعمران: ٢٦/٣-٢٧ والظاهر المتبادر أن المراد بالملك: السلطة والتصرف في الأمور، وأنه تعالى صاحب السلطان المطلق في تدبير الأمور وتحقيق التوازن في الكائنات. والله يعطي من يشاء إما النّبوة فقط كهود ولوط، وإما الملك فقط كالملوك الغابرين والمعاصرين، وإما الملك والنّبوة كآل إبراهيم ومنهم داود وسليمان: ﴿فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيَمَ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤/ ٥٤]، وهكذا يعطي النّبوة لمن يريد، كما قال تعالى: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤/٦]، وقال: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ﴾ [الإسراء: ٢١/١٧]. وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء، وللعزّة والذلّة مظاهر وآثار، ولا يتوقف ذلك على الملك أو المال، فكم من ملك ذليل، وكم من غني مهين، وكم من فقير عزيز. ولا عبرة بكثرة عدد الأمة وقلّتها، فقد كان المشركون في مكة واليهود ومنافقو العرب في المدينة يغترون بكثرتهم على النَّبي ◌َّهَ والفئة القليلة المؤمنة، ولكن ذلك لم يغنِ عنهم شيئاً، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَيِن رَّجَعْنَآَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ ﴾ [المنافقون: ٨/٦٣]. اٌلْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ بقدرتك وحدك الخير كله، تتصرّف فيه بحسب مشيئتك، فكل ما كان أو يكون فيه الخير والنعمة إما لصاحبه أو للجماعة، إنك صاحب القدرة المطلقة على كل شيء، خيرأو شرّ، فأنت المفوض إليك كل شيء، ونحن المتوكّلون عليك. وذكر الخير، مع أنّ كلَّ من الخير والشّر بقدرته، لمناسبته للمقام، بتحويل النّبوة والملك من قوم إلى قوم ومن شخص إلى شخص. والخير: شامل للنصر والغنيمة والعزّة والجاه والمال ونحو ذلك مما يرغب به الإنسان ويحرص عليه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِّ لَشَدِيدُ ﴿3﴾ [العاديات: ٨/١٠٠]. ٢١١ الُزْءُ (٣) - آلعمران: ٢٦/٣-٢٧ ومن مظاهر القدرة الإلهية وإبراز تمام الملك والعظمة إدخال الليل في النهار، زيادةً ونقصاً، فتأخذ من طول هذا، فتزيده في قصر هذا، فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا، فيتفاوتان، ثم يعتدلان، وقد يطول التفاوت جداً في بعض البلاد والأوقات، وهكذا يتفاوت طول الليل والنهار وقصره بحسب فصول السنة ربيعاً وصيفاً وخريفاً وشتاءً، وبحسب مواقع البلدان الجغرافية، فقد يكون الليل ستة أشهر والنهار كذلك، وقد يطول النهار إلى ثماني عشرة أو عشرين ساعة، وقد تطلع الشمس في بعض البلاد والأزمان بعد غروبها بساعة أو أكثر. بيده تعالى أمر الزمان، كما قال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبَضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتْ بَِمِينِهِ، سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ (1) [الزمر: ٦٧/٣٩]. وهو الذي خلق الأرض مكورة يلف عليها الليل والنهار: ﴿يُكَوِّرُ اَلَيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِّ﴾ [الزمر: ٥/٣٩]، والتكوير: اللف على الجسم المستدير، وجعل الشمس دليلاً على النّهار. وتخرج الحيّ من الميِّت إما إخراجاً مادياً كالنخلة من النواة، والزرع من الحب، والإنسان من النّطفة، والطائر من البيضة، أو إخراجاً معنوياً كالعالم من الجاهل والمؤمن من الكافر. وتخرج الميِّت من الحيّ مادياً ومعنوياً أيضاً كالنّواة من النّخلة، والبيضة من الطائر، والجاهل من العالم، والكافر من المؤمن. وفشَر بعض الأطباء إخراج الحيّ من الميّت: بأن الحيّ ينمو بأكل أشياء ميتة، فالصغير يكبر جسمه بتغذية اللبن أو غيره، والغذاء شيء ميِّت. وأما إخراج الميت من الحيّ فهو الإفرازات مثل اللبن، فهو سائل ليس فيه حياة، ومثله اللحوم ومنتجات الزروع والنباتات، بخلاف النّطفة فإن فيها حيوانات حيّة، وهكذا ينمو الحيّ من الميِّت، ويخرج الميّت من الحيّ. ٢١٢ الُرءُ (٣) - آلعمران: ٢٦/٣-٢٧ وترزق من تشاء بغير حساب، أي تعطي من شئت من المال والرِّزق بغير عدّ ولا حصر ولا إحصاء، ولا إعياء ولا تعب(١)، فلك خزائن السماوات والأرض، وتقتِّ على آخرين على وفق حكمتك وإرادتك ومشيئتك. فقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي بغير تضييق ولا تقتير، كما تقول: فلان يعطي بغير حساب، كأنه لا يحسب ما يعطي. وأنت القادر على انتزاع الملك من العجم إلى العرب، والنّبوة من بني إسرائيل إلى العرب. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على أن الله تعالى صاحب السلطان المطلق، والقدرة الشاملة، والإرادة والمشيئة العليا، بيده الخير والشّر خلقاً وتقديراً، لا كسباً، فالخير منه مطلقاً، والشّر لا ينسب إليه أدباً، وإنما ينسب لفاعله. وإنّ النّبوة والملك والرّزق بيده تعالى، يمنحها بحسب الإرادة ومقتضى الحكمة البالغة، والحجة التامة. وإنّ إدخال الليل بالنهار وإدخال النهار بالليل دليل على كروية الأرض ودورانها؛ لأن تعاقب الليل والنهار، وتفاوت مقدارهما بحسب الفصول والأزمنة والأمكنة يشير إلى الكروية والدوران. ويخرج الله الحيّ من الميِّت، والميِّت من الحيّ بكل من المعنى المادي والمعنوي المتقدم. وإنعامه عام يتولى من يشاء، والرزق على الله مضمون، يعطي منه ما يشاء ويمنع بمقتضى الحكمة والإرادة والمشيئة. (١) كلمة الحساب في القرآن: إما بمعنى العدد، مثل: ﴿إِنََّا يُؤَنَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وإما بمعنى التعب في هذه الآية، وإما بمعنى المطالبة، مثل: ﴿فَمَنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ٢١٣ الزرعُ (٣) - ألغتزر ان: ٢٨/٣-٣٠ روى الطبراني عن ابن عباس عن النَّبِي وَّ قال: ((اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب: في هذه الآية من آل عمران: ﴿قُلِ اللَّهُوَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ اُلْمُلْكَ مَنْ تَشَآءُ وَتَنِعُ الْمُلْكَ مِمَنْ تَشَاءُ وَتُمِزُ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُ مَن تَشَأٌَ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ موالاة الكافرين والتحذير من الآخرة ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونٍ الْمُؤْمِنِينُّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةً وَيُعَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ٢٨ قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ نُخُضَرًّا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَّا بَعِيدًاً ٣٠ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُمْ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ القراءات: ﴿رَءُوفٌ﴾: قرئ: ١- (رؤف) وهي قراءة أبي عمرو، وحمزة، والكسائي. 1 ٢- (رؤوف) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿لَّا يَتَّخِذِ﴾ لا ناهية، فالفعل مجزوم، أو نافية، فالفعل مرفوع، وتكون الجملة خبرية في معنى النهي. ﴿فَلَيْسَ مِنَ اَللَّهِ فِي شَىْءٍ﴾ أي ليس من دين الله أو ثواب الله في شيء، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه . ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في موضع نصب على ٢١٤ اِلُرءُ (٣) - آل عمران: ٢٨/٣ -٣٠ الحال؛ لأن التقدير: فليس في شيء كائن من دين الله. فلما قدم صفة النكرة عليها انتصب على الحال. و﴿ فِي شَىْءٍ﴾: في موضع نصب، خبر ليس. و﴿ثُقَنَةً﴾ منصوبة على المصدر. وأصلها وُقَيَة فأبدل الواو تاء ومن الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت تقاة. ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ يوم: منصوب بفعل مقدر، وتقديره: اذكر يوم تجد كل نفس. ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ﴾ ما: إما بمعنى الذي، وهي معطوفة بالنصب على ﴿َّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ﴾ وجملة: تودُّ منصوبة على الحال، أو هي مرفوعة مبتدأ وخبره: ﴿تَوَدُّ﴾. وإما أن تكون ﴿مَا﴾ شرطية مبتدأ، وعملت: فعل الشرط، و﴿ تَوَدُ﴾: جواب الشرط خبر المبتدأ. البلاغة: يوجد طباق في ﴿تُخْفُواْ﴾ و﴿ تُبْدُوهُ﴾، وفي ﴿مِنْ خَيْرٍ ﴾ و﴿ مِن سُوْءٍ﴾، وفي ﴿ ◌ُضَرًا﴾ و﴿بَعِيدًا﴾. المفردات اللغوية: ﴿أَوْلِيَّةَ﴾ مفرده ولي وهو النصير والمعين. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي يواليهم. ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ﴾ أي ليس من دين الله في شيء. ﴿ إِلَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ﴾ مصدر تقية، أي تخافوا مخافة، فلكم موالاتهم باللسان دون القلب. وهذا في حال ضعف المسلم بأن يكون في بلد ليس قوياً فيها. ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ يخوّفكم الله أن يغضب عليكم إن واليتموهم. ﴿ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ المرجع، فيجازيكم. ﴿تُحْضَرًّا﴾ حاضراً لديها. ﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾ الأمد: المدة التي لها حدّ محدود، والمراد: غاية في نهاية البعد، فلا يصل إليها. ﴿ وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ كرر للتأكيد. ٢١٥ الجزء (٣) - ألغتْزان: ٢٨/٣-٣٠ سبب النزول: نزول الآية (٢٨): أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: كان الحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، وابن أبي الْخُقَيق، وقيس بن زيد - وهؤلاء كانوا من اليهود - قد بطنوا (لازموا) بنفر من الأنصار، ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيد بن خَيْئمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء النفر من يهود، واحذروا مباطنتهم (ملازمتهم)، لا يفتنوكم عن دينكم، فأبوا، فأنزل الله فيهم: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية. أي أن هذه الآية نزلت في جماعة من المؤمنين كانوا يوالوان رجالاً من اليهود، فحذرهم جماعة من المؤمنين من تلك الموالاة أو المخالطة والمصاحبة، فأبوا النصيحة، وظلّوا على ملازمة اليهود ومباطنتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروي أيضاً عن ابن عباس: نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري البدري النقيب، وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النَّبِي بَّ يوم الأحزاب، قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي، فأستظهر بهم على العدو، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ﴾ الآية. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى أن الأمر بيد الله، وأنه مالك الملك، المعزّ والمذلّ، المعطي والمانع، وأنه على كل شيء قدير، نَّه المؤمنين إلى أنه يجب الالتجاء إليه وحده والاستعانة بأوليائه دون أعدائه، وأنه لا ينبغي لهم أن يوالوا أعداءه، أو يستعينوا بهم لقرابة أو صداقة قديمة. ٢١٦ الُزُرُ (٣) - آلعمران: ٢٨/٣-٣٠ وقد جاء في هذا المعنى آيات كثيرة، منها: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨/٣]، ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَاَلْيَوْمِ اُلْآَخِرِ يُوَاذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢/٥٨]، ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةً بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ وَمَن يَتَوَلَُّم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١/٥] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَنَّخِذُواْ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اُلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النساء: ١٤٤/٤]، ﴿يَأَيُّهَا ١٤٤ أَتْرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١/٦٠] ﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ٧٣ [الأنفال: ٨ / ٧٣]. وفي مقابل ذلك قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ﴾ [التوبة: ٧١/٩]. التفسير والبيان: نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، ثم توَّد على ذلك بقوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ الَّهِ فِي شَىْءٍ﴾ فلا يحلّ للمؤمنين اتّخاذ الكافرين أولياء لقرابة أو صداقة أو جوار ونحو ذلك، يطلعونهم على أسرارهم، ويودونهم، ويقدمون مصلحتهم على مصلحة المؤمنين، وإن كان في ذلك مصلحة خاصة، فالمصلحة العامة أولى وأحقّ بالمراعاة. فإن كانت الموالاة والمخالفة لمصلحة المسلمين، فلا مانع منها، فقد حالف النَّبي ◌َّ خزاعة، وهم علی شرکهم. وإنما الواجب موالاة المؤمنين بعضهم بعضاً، والاعتماد عليهم في الشؤون العامة. قال ابن عباس: نهى الله أن يلاطفوا الكفار، فيتّخذوهم أولياء. ومعنى الموالاة الممنوعة: الاستنصار بهم والتعاون معهم والاستعانة بهم ٠ ٢١٧ المُرُ (٣) - آل عمران: ٢٨/٣-٣٠ لقرابة أو محبة، مع اعتقاد بطلان دينهم؛ لأن الموالاة قد تجرّ إلى استحسان طريقتهم، والموالاة بمعنى الرِّضا بكفرهم كفر؛ لأن الرِّضا بالكفر كفر. أما الموالاة بمعنى المعاشرة الجميلة في الدّنيا بحسب الظاهر، مع عدم الرِّضا عن حالهم، فليس ممنوعاً منه. ومن يوالي الكافرين من غير المؤمنين أي يتجاوز المؤمنين إلى الكفار، كأن يكون جاسوساً للكفار، فليس من دين الله ولا من حزبه أو من ولاية الله في شيء، أي يكون بينه وبين الله غاية البعد، ويطرد من رحمته، ويكون منهم، ولا يكون مطيعاً لدينه، كما قال: ﴿وَمَنْ يَوَُّم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: إشارة إلى اتّخاذهم أولياء، وهذا يدلّ على المبالغة في ترك الموالاة؛ إذ نفى عن متوليهم أن يكون في شيء من الله. ثم استثنى سبحانه حالة تجوز فيها موالاة الكفار، وهي حالة الخوف من شيء، يجب اتِّقاؤه منهم، كالقتل مثلاً أي حال اتِّقاء الضّرر؛ فتجوز موالاتهم حينئذٍ؛ لأن ((درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح)). وإذا جازت موالاتهم لدفع الضَّرر، فتجوز لنفع الإسلام والمسلمين. ويكون ذلك للضَّرورة، مثل النّطق بالكفر حال الإكراه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦/١٦]. ويحذركم الله عقابه، وفي ذكر ﴿نَفْسَهُ﴾ إشارة إلى أن الوعيد صادر منه تعالى، وأنه القادر على إنفاذه، ولا يعجزه شيء عنه. وهذا تهدید شدید علی المخالفة. وإلى الله مرجع الخلق وجزاؤهم، فيحاسب كل امرئ بما عمل، ويجازيه بما فعل. ثم بَيَّن تعالى سعة علمه بالمخلوقات، فإن تخفوا ما في صدوركم وتكتموه، أو ٢١٨ لالُرُ (٣) - آل عمران: ٢٨/٣-٣٠ تبدوه وتظهروه، فالله يعلمه ويجازي عليه، وهو يعلم كل شيء في السماوات والأرض، ومنه الميل إلى الكفار أو البعد عنهم. والله قدير على عقوبتكم، فلا تعصوا نواهيه، إذ ما من معصية ظاهرة أو خفية إلا يعلمها. واحذروا يوم الآخرة الذي تجد فيه كل نفس ما عملت في الدّنيا من خير حاضراً لديها، فتسرّ وتنعم بما عملت، وتجد ما عملت من شرّ صغر أو كبر حاضراً أيضاً، فتساء وتندم، وادّة أن يكون بينها وبين عملها بُعْد طويل ومسافة كبعد المشرقين. ثم أكّد تعالى تحذيره، فيحذركم الله عقابه وسخطه من ارتكاب المخالفات، وعليكم ترجيح جانب الخير على الشّر. والله بهذا التحذير والتهديد رؤوف بعباده، إذ أنذرهم عاقبة أمرهم، وعرّفهم جزاءهم ومصيرهم. قال الحسن البصري: ومن رأفته أن حذّرهم نفسه، وعرّفهم كمال علمه وقدرته؛ لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة، دعاهم ذلك إلى طلب رضاه، واجتناب سخطه. فقه الحياة أو الأحكام: اً - دلّت الآية على تحريم الاطمئنان إلى الكفار أو الثقة بهم والرّكون إليهم في أمر عام، والتّجسس لهم، وإطلاعهم على أسرار المسلمين الخاصة بمصلحة الدِّين، واتخاذهم أولياء وأنصاراً في شيء تقدّم فيه مصلحتهم على مصلحة المؤمنين، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة؛ لأن فيه إعانة للكفر على الإيمان. وقصة حاطب المسندة في الصحيحين وغيرهما ملخصها: ((أن حاطباً كتب كتاباً لقريش يخبرهم فيه باستعداد النَّبِي وَّ للزَّحف على مكة، إذ كان يتجهّز لفتحها، وكان يكتم ذلك، ليبغت قريشاً على غير استعداد منها، فتضطر إلى قبول الصلح - وما كان يريد حرباً - وأرسل حاطب كتابه مع جارية وضعته ٠ ٢١٩ المُرُ (٣) - آل عمران: ٢٨/٣-٣٠ في عقاص شعرها، فأعلم الله نبيَّه بذلك، فأرسل في أثرها عليّاً والزُّبير والمقداد، وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإنّ بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها، فلما أتي به، قال : يا حاطب ما هذا؟ فقال: يا رسول الله، لا تعجل علي! إنّي كنت حليفاً لقريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النَّسب فيهم أن أتَّخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أما إنه قد صدقكم))، واستأذن عمر النَّبِي وَّ في قتله فلم يأذن له، قالوا: وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءَكُمْ مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِعُونَ الرَّسُولَ وَإِيََّكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١/٦٠]. أي أن آية ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ﴾ لم تنزل في قصة حاطب، وإنما هذه الآية وما نزل في قصة حاطب يشتركان في النهي عن موالاة الکافرین. ولا تمنع هاتان الآيتان وأمثالهما التّحالف أو الاتِّفاق بين المسلمين وغيرهم، وإن كان التّحالف أو الاتّفاق لمصلحة غير المسلمين؛ لأن النَّبي ◌َّ كان محالفاً خزاعة، وهم على شركهم. كما لا تمنع الآيات في هذا الموضوع موادّة ومجاملة غير الحربيين من غير المسلمين في الظاهر مع عدم الرِّضا بكفرهم في الحقيقة والباطن، ولا تمنع معاملة غير المسلم أو معاشرته أو الثقة به في أمر خاص من الأمور، لا يمسّ ﴿﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مصلحة المسلمين العامة، بدلیل آیات: الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ قَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيْرُ وَالَهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿﴿ لَا يَنْهَكُ اَللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَزِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُفْسِطُواْ إِلَتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ٢٢٠ الُرُ (٣) - آلعمران: ٢٨/٣-٣٠ إِنَّمَا يَتْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَلُوَّكُمْ فِ اٌلِيْنِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَرِكُمُ ٨ اُلْمُقْسِطِينَ وَظَهَرُواْ عَلَىَّ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمَّ وَمَن يَنَوَُّمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الممتحنة: ٦٠/ ٧-٩]. فالكفار الحربيون الذين آذوا المسلمين أو ظاهروا على إخراجهم من بلادهم أو اغتصبوا بعض بلادنا كفلسطين، لا تحلّ موالاتهم بل تجب معاداتهم، للآية المتقدّمة. أَ - وفي الآية دليل على أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في الحرب، وإليه ذهب بعض المالكية، ولقوله ◌َّ فير - فيما رواه مسلم عن عائشة - لرجل تبعه يوم بدر: ((ارجع فلن أستعين بمشرك))، ولأنه لا يؤمن غدرهم، إذ العداوة الدينية تحملهم على الغدر إلا عند الاضطرار. وأجاز الأكثرون من أتباع المذاهب الأربعة الاستعانة بالكافر على الكفار، إذا كان الكافر حسن الرأي بالمسلمين، وقيّد الشافعية ذلك أيضاً بالحاجة؛ لأن النَّبِي وَلّهِ - فيما رواه مسلم - استعان بصفوان بن أمية يوم حنين لحرب هوازن، وتعاونت خزاعة مع النَّبِي وَلِ عام فتح مكة، وخرج قُزْمان - وهو من المنافقين - مع الصحابة يوم أحد، وهو مشرك. وأما حديث ((ارجع فلن أستعين بمشرك)) فهو منسوخ بدليل استعانته وَّه بيهود قينقاع وقسمه لهم من الغنيمة. ٢٣ - وفي الآية أيضاً دليل على مشروعية التّقية: وهي المحافظة على النفس أو العرض أو المال من شرّ الأعداء. والواقع أن التَّقية نوعان بحسب نوع العدوّ: عدو في الدِّين، وعدوّ في الأغراض الدّنيوية كالمال والمتاع والإمارة. أما النوع الأول: فكل مؤمن وجد في مکان لا يقدر فیه علی إظهار دينه،