النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
الزرعُ (٣) - البقرة: ٢٨٥/٢-٢٨٦
أَ - إن كسب القلب وعمله مما دل الكتاب والسنة والإجماع والقياس على
ثبوته والجزاء عليه، ظهر أثره على الجوارح أم لم يظهر، كقوله تعالى:
لا
يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥/٢]
وقوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:
٣٦/١٧].
٣ - إن الوساوس العارضة وحديث النفس الذي لا يصل إلى درجة القصد
الثابت والعزم الراسخ لا يدخل في مفهوم الآية، كما قال المحققون.
٤ - إن تكليف ماليس في الوسع ينافي الحكمة الإلهية.
- لا يظهر معنى للنسخ وهو تغيير الحكم لتغير مصلحة المكلفين؛ لأن
ما في النفس لا يتغير ولا يختلف باختلاف الأزمنة والأحوال.
وأما قول الصحابة والتابعين بالنسخ فهو مما يتفق مع علو مرتبة هؤلاء
وكمالهم، حتى إنهم ليجدون أن وسوسة النفس مما تخضع للحساب، وهم
يريدون التطهر من كل آثار الإثم، لذا قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فتحرجهم من باب كمال التزكية وتمام الطهارة واعتقاد النقص في أنفسهم.
الإيمان برسالات الرسل والتكليف بالطاقة
﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِلَّهِ وَمَئِكَتِهِ.
مَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ
رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (3َ لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا مَا كَسَبَتْ
وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتَّْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ
عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا
بِهِّ وَاعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
١٨٦

١٤٢
الجزءُ (٣) - البقرة: ٢٨٥/٢-٢٨٦
القراءات:
﴿ وَكتُبِهِ،﴾: قرئ:
١- (كتبه) على الجمع وهي قراءة السبعة، غير: حمزة والكسائي.
٢- (وكتابه) على التوحيد، وهي قراءة حمزة والكسائي.
﴿لَا تُؤَاخِذْنَآَ﴾: وقرئ: (لا تواخذنا) وهي قراءة ورش.
﴿أَخْطَأَنَا﴾: وقرئ: (أخطانا) وهي قراءة السوسي.
الإعراب:
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إما معطوف على ﴿الرَّسُولُ﴾ فكأنه قال: آمن الرسول
والمؤمنون. وإما مبتدأ، و﴿كُلُّ﴾: مبتدأ ثانٍ، و﴿ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾: خبره،
والجملة من المبتدأ والخبر: خبر المبتدأ الأول. والعائد من الجملة إليه محذوف،
وتقديره: كلهم آمن بالله. وقال: ﴿ءَامَنَ﴾: بالإفراد، ولم يقل: آمنوا بالجمع،
حملاً على لفظ كل. وأضيف ﴿بَيْنَ﴾ إلى ﴿أَحَدٍ﴾؛ لأن المراد به ههنا
الكثرة؛ لأن ((أحداً)) في سياق النفي يدل على الكثرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا
يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ ثم قال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ [البقرة: ١٠٢/٢]. إذ لا تجوز
إضافة ﴿بَيْنَ﴾ [البقرة: ٢٨٥/٢] إلى الواحد.
﴿غُفْرَانَكَ﴾ منصوب على المصدر بفعل مقدر تقديره: اغفر لنا غفرانك،
أو نسألك غفرانك، وحذف للعلم به لوجود الدلالة عليه.
البلاغة:
يوجد طباق بين ﴿كَسَبَتْ﴾ في الخير و﴿أَكْتَسَبَتْ﴾ في الشر. ويوجد
جناس اشتقاق بين ﴿ءَامَنَ﴾ و﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وهناك إطناب في قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ
بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِه٤ِ﴾. وإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي آمنوا بالله
ورسله.
٠

١٤٣
الجُرُ (٣) - البقرة: ٢٨٥/٢-٢٨٦
المفردات اللغوية:
﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ صدَّق النبي محمدٍ وَ ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ،﴾ من
القرآن ﴿وَرُسُلِهِ،﴾ يقولون ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ﴾﴾ أي في الرسالة
والتشريع، فلا نفضل بعضهم على بعض في ذلك، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض
(سَمِعْنَا﴾ ما أمرنا به سماع قبول وتدبر ﴿الْمَصِيرُ﴾ المرجع بالبعث.
﴿وُسْعَهَا﴾ طاقتها: وهو ما تسعه قدرة الإنسان من غير حرج ولا عسر.
﴿كَسَبَتْ﴾ من الخير وثوابه ﴿مَا أَكْتَسَبَتَّْ﴾ من الشر أي وزره، فلا
يؤخذ أحد بذنب أحد، ولا بمالا يكسبه مما وسوست به نفسه ﴿لَا
تُؤَاخِذْنَآ﴾ تعاقبنا ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ تركنا الصواب لا عن عمد، كما آخذت
به من قبلنا ﴿إِصْرًا﴾ أمراً أو حملاً يثقل علينا حمله أو يشق تحمله ﴿كَمَا
حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ أي بني إسرائيل، من قتل النفس في التوبة،
وإخراج ربع المال في الزكاة، وقرض موضع النجاسة.﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا
بِهِءٌ﴾ أي مالا قدرة لنا عليه من التكاليف والبلاء، فالتكليف بما يطاق:
هو ما يمكن الإتيان به ولو بمشقة معتادة متحملة، والتكليف بما لا يطاق:
هو مالا يدخل في مُكْنة الإنسان وقدرته، بأن اقترن بمشقة زائدة غير
معتادة. ﴿ وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا﴾ الرحمة أمر زائد على المغفرة ﴿مَوْلَننَا﴾ مالكنا
وسیدنا ومتولي أمورنا.
جاء في الحديث الذي يرويه مسلم عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية،
فقرأها وَّر، قال الله عقب كل كلمة: قد فعلت.
سبب النزول:
سبق بيان سبب نزول هذه الآية فيما رواه مسلم وأحمد عن أبي هريرة في
بحث ((فقه الحياة)) في الآية السابقة. وروى مسلم وغيره عن ابن عباس نحوه.

١٤٤
المرءُ (٣) - البقرة: ٢٨٥/٢-٢٨٦
المناسبة:
بدأ الله تعالى هذه السورة بالكلام على القرآن والمؤمنين ومقارنتهم
بالكافرين، ولا سيما أخبار اليهود، ثم أرشد تعالى إلى كثير من الأحكام
كالصيام والحج والطلاق، ومحاجة الضالين، وختم السورة بالكلام عن إيمان
الرسول محمد له والمؤمنين بالكتب السماوية وبالرسل الكرام دون تفريق أو
تفضيل في أصل الرسالة والتشريع، وكان مسك الختام إبداء ما تفضل الله به
على هذه الأمة من التكاليف السمحة السهلة التي لا ضيق ولا حرج فيها،
وأن الإيمان وأهله منصور على الكفر وأعوانه، إذا صح وصدقت العزيمة
وتوافر الإخلاص والصدق وتنفيذ الأحكام الشرعية.
فضل هاتين الآيتين:
ورد في السّنة النَّبوية أحاديث كثيرة تشير إلى فضائل هاتين الآيتين، منها :
ما رواه البخاري عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَ لقول: ((من قرأ بالآيتين
من آخر سورة البقرة في ليلة كَفَتاه))، ورواه مسلم عن أبي مسعود الأنصاري
بلفظ: ((من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كَفَتَاه)).
ومنها: ما رواه الإمام أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله وَله: ((أعطيت
خواتيم سورة البقرة من كنزٍ تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي)). وروى ابن
مردويه عن علي قال: ((لا أرى أحداً عقل الإسلام ينام حتى يقرأ آية الكرسي
وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز أعطيه نبيِّكم بَّه من تحت العرش)).
ومنها: ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: ((بينا رسول الله اَل وعنده
جبريل إذ سمع نقيضاً فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب
قد فتح من السماء، ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك، فأتى النَّبِي وَّ، فقال
له: أبشر بنورين قد أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم
سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيتَه)).

١٤٥
المُرُ (٣) - البَفَرة: ٢٨٥/٢-٢٨٦
التفسير والبيان:
أخبر الله تعالى عن نبيِّه وَل﴿ وعن المؤمنين بالإيمان بأصول الاعتقاد فقال:
صدّق الرسول محمد والمؤمنون برسالته، بالذي أنزل على قلب محمد وتلقى من
ربِّه، من العقائد والأحكام تصديق يقين واطمئنان. قال النَّبِي وَّ لما نزلت
عليه هذه الآية فيما رواه الحاكم في مستدركه: ((حقّ له أن يؤمن)).
كل منهم آمن بوجود الله ووحدانيته وتمام حكمته في خلقه، وبوجود
الملائكة الذين لهم مهام عديدة منها السفارة بالوحي بين الله ورسله، وبالرُّسل
الكرام الذين أنزل الله عليهم كتباً وصحفاً لهداية البشر، قائلين جميعاً: لا
نفرق بين الرُّسل في الرِّسالة والتَّشريع من حيث المبدأ، وأن دعوتهم واحدة
هي الإقرار بوجود الله ووحدانيته والدّعوة إلى مكارم الأخلاق. وأما التّفضيل
بين الرُّسل في آية سابقة: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِ﴾ [البقرة: ٢٪
٢٥٣]، إنما هو في مزايا أخرى غير الرِّسالة والتَّشريع. وفي هذا إشارة إلى
فضيلة المؤمنين على غيرهم من أهل الكتاب الذين يؤمنون ببعض الرّسل
ويكفرون بالبعض الآخر.
وقال المؤمنون: بلَّغنا الرّسول بالوحي، فسمعنا القول سماع تدبُر وفهم
وقبول، وأطعنا الأوامر إطاعة إذعان وانقياد، معتقدين أن كل أمر ونهي إنما
هو لسعادة الدُّنيا والآخرة.
ويسألون الله تعالى المغفرة بالسّتر في الدُّنيا وترك الجزاء في الآخرة، فأنت
المتصرف في أمورنا وإليك المرجع والمآب، فتفعل فينا ما تشاء. قال جبريل:
((إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل: ﴿لَا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر الآية)).
لا يكلف الله أحداً فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى ورأفته بهم، وهذه
الآية هي التي أوضحت للصحابة ما أشفقوا منه في قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا

١٤٦
لجُعُ (٣) - الَقَة: ٢٨٥/٢-٢٨٦
فِيّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ أي أنه تعالى وإن حاسب وسأل،
لكن لا يعذِّب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة
النفس وحديثها، فهذا لا يكلف به الإنسان، علماً بأن كراهية وسوسة السّوء
من الإيمان.
ومنع التكاليف الشّاقة والتكليف باليسير مشار إليه في كثير من آي القرآن،
نحو: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥/٢]،
ونحو: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨/٢٢].
وللنّفس الإنسانيّة من الأعمال التي تدخل تحت التكليف المحتمل غير
الشّاق ما كسبت من خير وما اكتسبت من شرّ، ولها الثواب على الخير،
وعليها العقاب على الشّر.
وأضيف الاكتساب إلى الشّر لبيان أنه يحتاج إلى تكلف وعناء وتخطيط
ومصادمة الطبيعة والأعراف، أما الخير فلا يحتاج إلى جهد كثير؛ لأنه مما
أودع الله في طبع الإنسان، وترتاح النفس لفعله، ولا يحتاج إلى حذر وتدبیر،
ويقدم الإنسان عليه كلما صفت نفسه وأحسّت بضعفها أمام الخالق، وبفقرها
إليه يوم المحنة الكبرى وكشف الحساب الدّقيق الشامل الرّهيب أمام الله
والنّاس.
ثم أرشد الله تعالى عباده إلى هذا الدُّعاء، وقد تكفَّل لهم بالإجابة وهو:
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ أي إن تركنا فرضاً نسياناً، أو فعلنا
حراماً ناسين، أو أخطأنا الصواب في العمل جهلاً منا بوجهه الشرعي، فلا
تعاقبنا عليه، يؤيده ما رواه ابن ماجه والبيهقي والطبراني والحاكم عن أبي ذرّ
وابن عباس وثوبان أنّ النَّبِي وَّه قال: ((إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ
والنسيان وما استكرهوا عليه)).
- ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ أي

١٤٧
لُزْءُ (٣) - البقرة: ٢٨٥/٢-٢٨٦
لا تكلفنا من الأعمال الشاقة، وإن أطقناها، كما كلفت الأمم الماضية قبلنا
كبني إسرائيل الذين كانت توبتهم بقتل التائب نفسه، وإيجاب ربع المال في
الزّكاة، وقطع موضع النّجاسة من الثوب إذا تنجَّس. أما رسالة الَّي وَلَيه
ففيها التّخفيف والتَّيسير والسّماحة والسّهولة؛ لأنه نبي الرحمة المهداة للأمم
قاطبة، روى الخطيب وغيره عن جابر عن رسول الله وَلقر أنه قال: ((بعثت
بالحنيفية السمحة)».
- ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهٌِ﴾ أي من التكليف والمصائب
والبلاء، فلا تَبْتَلِنا بما لا قدرة لنا عليه من الفتن. ﴿وَأُعْفُ عَنَّا﴾ فيما بيننا
وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا. ﴿وَأَغْفِرْ لَنَا﴾ فيما بيننا وبين عبادك، فلا
تظهرهم على عيوبنا وأعمالنا القبيحة. ﴿وَأَرْحَمْنَا﴾ فيما يستقبل، فجنبنا
بتوفيقك الوقوع في ذنب آخر.
ويلاحظ أن عدم المؤاخذة على النسيان والخطأ يستتبع العفو، وأن عدم
حمل الإصر (الحرج والحمل الثقيل) يستوجب المغفرة، وأن عدم تحميل ما لا
يطاق يتطلب الرحمة.
- ﴿أَنْتَ مَوْلَئِنَا﴾ متولي أمورنا ومالكنا، وناصرنا، وعليك توكلنا،
وأنت المستعان، وعليك التّكلان، ولا حول ولا قوّة إلا بك.
- ﴿فَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ﴾ أي الذين جحدوا دينك، وأنكروا
وحدانيتك ورسالة نبيِّك، وعبدوا غيرك، وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا
عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدّنيا والآخرة.
وكان معاذ رضي الله عنه إذا فرغ من هذه السورة قال: آمين.
وقد تكفَّل الله بالإجابة، ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول
الله وَيُ قال: ((قال الله: نعم))، وعن ابن عباس عن رسول الله وَله قال: ((قال
الله: قد فعلت)).

١٤٨
الزرعُ (٣) - البقرة: ٢٨٥/٢-٢٨٦
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيتان على ما يلي:
١ - الإيمان لا يتجزّأ: فالمؤمن يجب عليه الإيمان بكل ما أوحى الله به،
والمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا ربَّ
سواه، ويصدقون بجميع الأنبياء والرّسل والكتب المنزلة من السماء على عباد
الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض، ويكفرون
ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارّون، راشدون، مهديون، هادون إلى
سبيل الخير.
وليس المؤمنون كاليهود والنصارى الذين يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون
ببعض.
٢ - الإيمان يستلزم الطاعة: المؤمن بالله يؤمن بصدق لقائه، ويسمع ويطيع
أوامره، ويتجنّب نواهيه، فلا يقصر في واجب، ولا ينغمس في معصية،
فذلك يتصادم مع الإيمان.
٣ - الإسلام دين اليسر: فهو يمتاز بقلّة التكاليف والفرائض والواجبات،
وبيسر تكاليفه، وعدم التكليف بالشّاق من الأعمال، فلا تكليف فوق
الطاقة، وإنما التكليف بحسب الوسع والقدرة، والطاعة على قدر الطاقة، فقد
يكلفنا الله بأمور فيها شيء من المشقّة لكنها معتادة متحمّلة مقدور عليها،
كثبوت الواحد للعشرة من الكفار في مبدأ الإسلام حينما كان المسلمون قلَّة،
وهجرة الإنسان وخروجه من وطنه، ومفارقة أهله ووطنه وعادته، أما
المشقات الثَّقيلة والأمور المؤلمة فهي مرفوعة عنا، وكان بعضها على الأمم
السابقة، كتكليفهم بقتل أنفسهم للتوبة، وقرض موضع النّجاسة كالبول من
ثيابهم وجلودهم، فلله الحمد والمنّة، والفضل والنّعمة.

١٤٩
الزرعُ (٣) - البقرة: ٢٨٥/٢-٢٨٦
والخلاصة: إن قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ نصّ على
أن الله تعالى لا يكلف أحداً ما لا يقدر عليه ولا يطيقه، ولو كلف أحداً ما لا
يقدر عليه ولا يستطيعه، لكان مكلفاً له ما ليس في وسعه. وهذا أصل عظيم
في الدِّين وركن من أركان الإسلام.
هذا من حيث الواقع الفعلي، أما من حيث الجواز العقلي، فلم يمنع
الأشاعرة من تكليف ما لا يطاق، فهو جائز عقلاً وإن لم يقع شرعاً.
٤ - المسؤولية الشخصية: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتّْ﴾ [البقرة: ٢/
٢٨٦]: للإنسان ما كسب من الحسنات، وعليه ما اكتسب من السَّيئات، مثل
قوله: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤/٦]، ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ
إِلَّا عَلَيَّهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤/٦].
روى ابن مردويه عن ابن عباس قال: ((كان رسول الله وَ ﴾ إذا قرأ آخر
سورة البقرة وآية الكرسي، ضحك، وقال: إنهما من كنز الرحمن تحت
العرش))، وإذا قرأ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣/٤]، ﴿وَأَنْ
(١) ثُمَّ يُحْزَنُهُ الْجَزَاءَ الْأَوْنَ
لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى (﴿ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى
﴾ [النجم: ٣٩/٥٣-٤١] استرجع واستكان.
٤١٠
٥ - ودلّت آية ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتَّْ﴾ على أنه يطلق على
أفعال العباد الكسب والاكتساب، وعلى أن من قتل غيره بمثقَّل كحجر
وخشب، أو بخنق أو تغريق، فعليه ضمانه قصاصاً أو دية، خلافاً لأبي حنيفة
الذي جعل ديته على العاقلة (القبيلة) وذلك يخالف الظاهر. ودلّت على أن
سقوط القصاص عن الأب بقتل ولده لا يقتضي سقوطه عن شريكه، فالقود
واجب على شريك الأب في رأي المالكية خلافاً لأبي حنيفة، وعلى شريك
المخطئ خلافاً للشافعي وأبي حنيفة، ودلّت أيضاً على وجوب الحدّ على المرأة
العاقلة البالغة إذا مكنت مجنوناً من نفسها.

١٥٠
لُرَءُ (٣) - البقرة: ٢٨٥/٢-٢٨٦
٦ - رفع الإثم عن الخطأ والنسيان: دلّت الآية على أن الإثم مرفوع حال
الخطأ والنسيان. وأما الأحكام الدّنيوية المتعلّقة بهما فالصَّحيح أنها تختلف
بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتِّفاق كالغرامات والدِّيات والصَّلوات
المفروضات، وقسم يسقط باتِّفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر. وقسم
ثالث مختلف فيه كمن أكل ناسياً في رمضان أو حنث ساهياً. وهذا يدل على أن
أحكام العباد وحقوق الناس ثابتة، كما سنبيِّن في سورة النساء.
خلاصة أهم الأحكام في سورة البقرة المسمّاة ((فسطاط القرآن)):
أولاً - العقائد:
اً - دعوة جميع الناس إلى عبادة الله تعالى.
أَ - تحريم اتخاذ الأنداد والشركاء مع الله.
◌َّ - إثبات الوحي والرِّسالة بالقرآن وتحدِّي الناس بالإتيان بسورة من مثله.
٤ - أساس الدِّين: توحيد الله، وإثبات البعث ومحاجة الكافرين الضالين
في ذلك.
ثانياً - الأحكام العملية الفرعية:
اً - إباحة الأكل من الطَّيِّبات.
اً - الحفاظ على حق الحياة بتشريع القصاص والقتال في سبيل الله.
٣ - أحكام أركان الإسلام: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم
رمضان، والحج والعمرة.
٤ - إنفاق المال في سبيل الله تحقيقاً للتكافل الاجتماعي في الإسلام.
٥ - تحريم الخمر والميسر والرِّبا.

١٥١
الجُرُ (٣) - البقرة: ٢٨٥/٢-٢٨٦
أَ - الولاية على اليتامى ومخالطتهم في المعيشة.
٧ - أحكام الزواج من طلاق ورضاع وعدّة ونفقة.
٨ - الوصية الواجبة.
ـو - كتابة وثيقة الدَّين والإشهاد عليه والرِّهان وكتمان الشهادة ونصاب
الشهادة المطلوب في المعاملات.
. ١ - أداء الأمانة.
ااَ - صيغة الدُّعاء المطلوبة في التَّشريع.

١٥٢
الُعُ (٣) - سُورَةُ (٣) آلِّعْرَانَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
ـمـ
سُورَةُ آلِّعَقْرَانَ
هي السُّورة الثالثة، وهي سورة مدنيّة وآياتها مئتان. نزلت بعد الأنفال.
مدى صلتها بسورة البقرة:
هناك أوجه اتّصال وشبه ومقارنة بين السورتين: البقرة وآل عمران، وهي
ما يأتي :
اً - موقف الناس من القرآن: بدئت السورتان بذكر القرآن (أو الكتاب)
وحدد موقف الناس منه، ففي البقرة: ذكر حال المؤمنين وغير المؤمنين به،
وفي آل عمران: ذكر موقف الزائغين الذين يتصيَّدون ما تشابه منه، ابتغاء
الفتنة وابتغاء تأويله، وموقف الرَّاسخين في العلم الذين يؤمنون بمحكمه
ومتشابهه، قائلین: کلٌّ من عند ربِّنا.
أَ - عقد التَّشابه بين خلق آدم وخلق عيسى: ففي البقرة تذكير بخلق آدم،
وفي آل عمران تذكير بخلق عيسى، وتشبيه الثاني بالأول في خَلْق غير معتاد.
◌َّ - محاجّة أهل الكتاب: في السورة الأولى: إفاضة في محاجّة اليهود وبيان
عيوبهم ونقائصهم ونقضهم العهود، وفي الثانية: إيجاز في محاجّة النصارى،
لتأخرهم في الوجود عن اليهود.
٤ - تعليم صيغة الدُّعاء في ختام كلٍّ منهما: في الأولى دعاء يناسب بدء
الدِّين ويمسّ أصل التَّشريع وبيان خصائصه في قلّة التكاليف ودفع الحرج

٠٨
١٥٣
لُ (٣) - سُورَةُ (٣) الِ غَيْرَانَ
والأخذ باليسر والسماحة، وفي الثانية: دعاء بالتَّثبيت على الدِّين وقبول دعوة
الله إلى الإيمان، وطلب الثواب عليه في الآخرة.
٥ - إثبات الفلاح للمؤمنين: ختمت السورة الثانية بقوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُوا
اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وهو ما بدئتٍ به السُّورة الأولى بقوله تعالى واصفاً
لمؤمنين: ﴿أَوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
ما اشتملت عليه السورة:
تضمّنت هذه السُّورة الكلام على جانبي العقيدة والتَّشريع.
أما العقيدة: فقد أثبتت الآيات وحدانية الله، والنّبوة، وصدق القرآن،
وإبطال شبهات أهل الكتاب حول القرآن والنَّبي محمد وَّ، وإعلان كون
الدِّين المقبول عند الله هو الإسلام، ومناقشة النصارى في شأن المسيح
وألوهيته والتكذيب برسالة الإسلام، واستغرقت المناقشة قرابة نصف
السورة، كما استغرقت سورة البقرة ما يزيد عن ثلثها في مناقشة اليهود وتعداد
قبائحهم وجرائمهم، بالإضافة إلى ما تضمنته هذه السُّورة من تقريعاتهم،
والتحذير من مكائد أهل الكتاب.
وأما التَّشريع: فقد أبانت الآيات بعض أحكام الشرع مثل فرضية الحج
والجهاد وتحريم الرِّبا وجزاء مانع الزَّكاة، وبعض الدروس والعبر والعظات
من غزوتي بدر وأُحُد، والتَّنديد بمواقف أهل النِّفاق.
ثم ختمت السورة بما يناسب الجانبين، فطالبت بالتّفكير والتّدبُّر في
خلق السماوات والأرض وما فيهما من عجائب وأسرار، وأوصت
بالصبر على الجهاد والمرابطة في سبيل الله، ليحظى الإنسان برتبة الفلاح:
( يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ
٢٠٠

١٥٤
◌ِلُ (٣) - سُورَةُ (٣) آلِ ◌ّعْرَانَ
سبب التَّسمية:
سميت السورة سورة آل عمران لإيراد قصة أسرة عمران والد مريم أم عيسى
فيها، وإعداد مريم التي نذرتها أمها للعبادة، وتسخير الله الرِّزق لها في المحراب
واصطفائها وتفضيلها على نساء عالَي زمانها، وتبشيرها بإنجاب عيسى صاحب
المعجزات(١).
وسميت آل عمران والبقرة بالزَّهْرَاوَيْن؛ لأنّهما النَّيِّرتان الهاديتان قارئهما
للحقّ بما فيهما من أنوار، أي معان، أو لما يترتب على قراءتهما من النور
التام يوم القيامة، أو لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم، روى أبو
داود وابن ماجه وغيرهما عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله وَ لو قال: ((إن اسم
الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحٌِ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ
٦
الرَّحِيمُ (﴾، والتي في آل عمران: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ
.((
فضلها:
أخرج مسلم عن النَّواس بن سَمعان قال: سمعت النَّبِي وَلّ يقول: ((يؤتى يوم
القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به، تقْدمه سورة البقرة وآل
عمران))، وأخرج أيضاً عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله وليه
يقول: ((اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرؤوا
الزَّهْراوَيْن: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما
غمامتان أو كأنهما غَيَايتان، أو كأنهما فِرْقان من طير صَوَافّ، تُحاجَّان عن
أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخْذَها بركة، وتركها حَسْرة، ولا
يستطيعها البَطَلَةُ))(٢).
(١) وسميت السورة أيضاً: الزهراء والأمان والكنز والمعينة والمجادلة وسورة الاستغفار وطيبة
(البحر المحيط: ٣٧٣/٢).
(٢) الغمامة: السحاب الملتف، وهو الغَيَاية، إذا كانت قريباً من الرأس، وهي الُلّة أيضاً،
والمعنى أن قارئهما في ظل ثوابهما، كما جاء في حديث ((الرجل في ظل صدقته)). تحاجان: أي
يخلق الله من يجادل عنه بثوابهما ملائكة. والبطلة: السَّحرة.
١

١٥٥
لُ (٣) - آلِّعْر أَنَ: ١/٣-٦
إثبات التوحيد وإنزال الكتاب
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا
٢
اللَّهُ لَآ إَِهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ
﴿الــ
مِن قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنَزَلَ اٌلْغُرْقَانُ إِنَّ الَّذِينَ
لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَةَ وَالْإِنجِيلَ
كَفَرُواْ بِثَايَتِ اَللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَاءٍ ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى
عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ ﴿٣َ هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِ اْأَرْحَاِ كَيْفَ
يَشَاءُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْغَيِزُ الْحَكِيمُ
الإعراب:
﴿الَّمّ (4): أحرف مقطعة مبنية غير معربة، وكذلك سائر حروف الهجاء
في أوائل السور، كما قلنا أول البقرة، إلا أنه فتحت الميم ههنا لسكونها
وسكون اللام بعدها. وأما قول من قال: إنها فتحت لالتقاء الساكنين،
ففاسد؛ لأنه لو كان كذلك، لوجب فتحها في ﴿الَّمّ ﴿ ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾
وفي ﴿حمّ ®) وفي (ت) وفي كل حرف من حروف التهجي التي في
أوائل السور.
﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: الله: مبتدأ، ولا إله: مبتدأ ثانٍ، وخبره محذوف
وتقديره: لا إله معبود إلا هو، والمبتدأ الثاني وخبره خبر عن المبتدأ الأول. و
((هو)) مرفوع لوجهين: أحدهما - لكونه مرفوعاً على البدل من موضع: لا إله،
والثاني: لكونه خبر: لا إله. ويجوز جعل الجملة في موضع نصب على الحال
من الله تعالى، أو حال من ضمير ﴿نَزَّلَ﴾.
﴿بِالْحَقِّ﴾ جار ومجرور في موضع نصب على الحال وعامله فعل مقدر
وتقديره: نزل عليك الكتاب كائناً بالحق.
﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من ضمير الحق، وتقديره: نزَّل عليك الكتاب محققاً
مصدقاً لما بين يديه. وكلتا الحالين مؤكدة.

١٥٦
الُرُ (٣) - آل عمران: ١/٣-٦
﴿التَّوْرَنَةَ ﴾ي في مذهب البصريين على وزن فَوْعله، وأصله: وَوْرَيَة،
فأبدلت الواو الأولى تاء، وقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها . ﴿مِن
قَبْلُ﴾ مبني؛ لأنه مقطوع عن الإضافة ﴿هُدَّى﴾ حال بمعنى هادين من
الضلالة.
البلاغة:
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ﴾ عبر عن القرآن بالكتاب، لكمال تفوقه على بقية
الكتب السماوية.
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كناية عما تقدمه من الكتب السماوية، وعبر بذلك لصلته
الوثيقة بها ولظهوره واشتهاره.
﴿ وَأَنَزَ الْفُرْقَانٌ﴾ أي أنزل سائر ما يفرق بين الحق والباطل، وهو من باب
عطف العام على الخاص، حيث ذكر الكتب الثلاثة أولاً، ثم عم الكتب كلها.
المفردات اللغوية:
﴿الَّمَّ أ) الحروف المقطعة في أوائل السور للتنبيه مثل ألا ويا، لتنبيه
المخاطب إلى ما يلقى بعدها ﴿إِلَهَ﴾ الإله هو المعبود بحق ﴿اُلْحَىُّ﴾ ذو الحياة،
وهي صفة تستلزم الاتصاف بالعلم والإرادة ﴿اُلْقَيُّومُ﴾ القائم على كل شيء
بحفظه ورعايته.
﴿َزَّلَ عَلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿الْكِنَبَ﴾ القرآن مقترناً بالحق أي الصدق في
أخباره فكل ما فيه حق لا شك فيه. ونزل: تفيد التدرج، والقرآن نزل في نيف
وعشرين سنة بحسب الحوادث.
﴿التَّوْرَةَ﴾ كلمة عبرية معناها الشريعة، وتشتمل على خمسة أسفار هي
((سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر تثنية

١٥٧
◌ِلُ (٣) - آل عمران: ١/٣-٦
الاشتراع)) ويقول اليهود: إن موسى كتبها، ويسميها النصارى: العهد القديم
أو العتيق، وفيها حكاية قصص الأنبياء وتاريخ بني إسرائيل قبل المسيح.
﴿ وَالْإِنجِيلَ﴾ كلمة يونانية، معناها التعليم الجديد أو البشارة. ويسمى العهد
الجديد، ويشتمل في سيرة المسيح عليه السلام وبعض تعاليمه على أربعة
أناجيل هي إنجيل متى ويوحنا ومرقس ولوقا وعلى أعمال الرسل (الحواريين)
ورسائل بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب، ورؤيا يوحنا، وهي كلها مكتوبة
بعد قرن أو قرنين من وفاة المسيح، وليس لها سند متصل إلى كاتبها.
والتوراة في عرف القرآن: ما أنزل الله على موسى، والإنجيل: ما أوحاه الله
إلى عيسى عليه السلام، وفيه البشارة بمحمد لير وأنه هو الذي يتمم الشريعة.
﴿مِن قَبْلُ﴾ تنزيله ﴿هُدَّى﴾ هادين من الضلالة ﴿لِّلنَّاسِ﴾ ممن تبعهما.
وعبر عن التوراة والإنجيل بأنزل، وعن القرآن بنزل؛ لأنهما نزلا دفعة
واحدة، وأما القرآن فنزل تدريجياً، والتعبير عن الوحي بالتنزيل أو بالإنزال
للإشارة بأن منزلة الموحي أعلى من منزلة الموحى إليه، فتكرار ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ
اَلْكِتَبَ﴾ ﴿ وَأَنْزَلَ التَّوْرَنَةَ﴾ ﴿ وَأَنَزَلَ اٌلْقُرْقَانَ﴾ لاختلاف الإنزال بآيات الله وكيفيته
وزمانه، والله كرر اسمه تعالى تفخيماً؛ لأن في ذكر الظاهر من التفخيم ما ليس
في ذكر المضمر.
﴿اَلْقُرْقَانُ﴾ ما يفرق بين الحق والباطل كالدلائل والبراهين، وهو عموم بعد
خصوص ليعم ما عدا الكتب الثلاثة. ﴿بِقَايَاتِ اللَّهِ﴾ القرآن وغيره ﴿وَاللَّهُ
عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره، فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده ﴿ذُو انِقَاءِ﴾
عقاب شدید ممن عصاه، لا يقدر على مثله أحد.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ﴾ كائن في الأرض ولا في السماء، لعلمه بما
يقع في العالم من كلي وجزئي، وخصهما بالذكر؛ لأن الحس لا يتجاوزهما.
﴿هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِ الْأَرْحَامِ﴾ التصوير: جعل الشيء على صورة لم يكن

١٥٨
اِلُعُ (٣) - آلِ عَتْرَانَ: ١/٣-٦
عليها، والأرحام: جمع رحم، وهو مستودع الجنين من المرأة ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾
من ذكورة وأنوثة وبياض وسواد وطبائع وأخلاق وغير ذلك.
﴿اَلْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ في صنعه.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري وابن إسحاق وابن المنذر(١) أن هذه
الآيات إلى بِضْع وثمانين آية نزلت في وفد نصارى نجران، وفدوا على رسول
الله ◌َّ﴾، وكانوا نحو ستين راكباً، فيهم أربعة عشر من أشرافهم، وعلى رأسهم
أميرهم ووزيرهم وحَبْرهم، وخاصموه في عيسى ابن مريم، وقالوا له: من
أبوه؟ وتكلم منهم ثلاثة، فمرة قالوا: عيسى ابن مريم إله؛ لأنه يحيي الموتى؛
وتارة هو ابن الله، إذ لم يكن له أب؛ وتارة هو ثالث ثلاثة لقوله تعالى: ((قلنا،
وفعلنا)) ولو كان واحداً، لقال: قلت وفعلت.
· وقالوا على الله الكذب والبهتان، فقال لهم النبي وثلو: ألستم تعلمون أنه لا
يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا
يموت، وأن عيسى أتى عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا
قيّم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك
شيئاً؟ قالوا: لا. قال: فإن ربنا صوَّر عيسى في الرّحم كيف شاء، وربنا لا
يأكل ولا يشرب ولا يُحْدِث؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته
أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته، كما تضع المرأة ولدها، ثم غُذِّي كما يُغذَّى
الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟ قالوا: بلى. قال: فكيف يكون هذا
كما زعمتم؟ فسكتوا، فأنزل الله عز وجل فيهم صدر سورة آل عمران، إلى
بضعة وثمانين آية منها.
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ٥٣، البحر المحيط: ٣٧٣/٢ وما بعدها.

١٥٩
الُ (٣) - آل عمران: ١/٣-٦
التفسير والبيان:
بدأ الله تعالى السورة بإثبات التوحيد أساس الدين لينفي عقيدة التثليث، ثم
أبان أنه تعالى أنزل الكتب على الأنبياء، وأن عيسى نبي مثلهم فهو منزل عليه،
وأن الله هو صاحب القدرة المطلقة الذي يصور في الأرحام، ليرد على ولادة
عيسى من غير أب، إذ الولادة من غير أب ليست دليلاً على الألوهية، فآدم
مخلوق من غير أب ولا أم، والخالق هو الإله، والمخلوق عبد كيفما خلق.
ألم: الحروف المقطعة لتحدي العرب بالإتيان بشيء من مثل القرآن، ما دام
هو مكوَّناً من لغتهم ومن الحروف التي ينطقون بها وتتركب منها كلماتهم.
الله لا معبود بحق في الوجود سواه؛ لأنه الخالق المسيطر على الكون
والنفوس، ولأنه مصدر الخير ودافع الضر، الحي الدائم الحياة التي لا أول
ولا نهاية لها، القائم على خلقه بالتدبير والتصريف، وعلى السماوات والأرض
قبل خلق عيسى، فكيف قامت ودبِرت قبل وجوده وبعد موته؟!
والله هو الذي نزَّل القرآن عليك يا محمد بالحق الذي لا شك ولا شبهة
فيه، مصدقاً ومؤيداً ما تقدَّمه من الكتب المنزلة على الأنبياء السابقين، وهو
تصديق إجمالي لا تفصيلي في أصل الوحي وأصل الرسالة الداعية إلى توحيد
الإله ومكارم الأخلاق، والإخبار والبشارة، فهي تصدقه بما أخبرت به
وبشرت قديماً، وهو يصدقها؛ لأنه طابق ما أخبرت به وبشرت من الوعد من
الله بإرسال محمد وَ﴿ وإنزال القرآن العظيم عليه.
وأنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى من قبل القرآن، هداية
للناس في زمانهما، وإرشاداً، فالله هو الذي أنزل الوحي والشرائع قبل وجود
عيسى وبعده، وليس عيسى مصدر الوحي، وإنما هو كغيره من الأنبياء متلقٌّ
للوحي، فكيف يكون إلهاً؟!

١٦٠
لُحُ (٣) - آِ عَتْرَانَ: ١/٣-٦
وأنزل الله الفرقان: وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل،
والغي والرشاد، بالدلائل والبينات الواضحات، والبراهين القاطعات.
إن الذين كفروا بآيات الله الواضحة الدالة على توحيده وتنزيهه عما لا
يليق، أي جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل، لهم عذاب شديد يوم
القيامة بسبب كفرهم، والله منيع الجناب عظيم السلطان، ذو انتقام ممن
كذب بآياته وخالف رسله الكرام، ينفذ بعزته مراده، وينتقم ممن خالف
و حیه.
وإن الله لا يخفى عليه شيء في الكون، فيعلم حال الصادق في إيمانه، وحال
الكافر والمنافق والمكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. وعيسى وغيره لا يعلم
شيئاً من ذلك، فكيف يكون إلهاً؟
والله هو الذي يخلق الإنسان في الرحم كما يشاء، ذكراً أو أنثى، حسناً
وقبيحاً وغير ذلك من الطبائع والألوان والمقادير والسلامة والعاهة، وعيسى
وغيره لا يصوِّر أحداً في رحم ولا يخلق شيئاً، بل هو مصوَّر مخلوق في رحم
أمه، وخارج منه، فكيف يكون إلهاً؟
لا إله إلا هو العزيز الحكيم: أي هو الخالق الموجد المستحق للألوهية
وحده لاشريك له، الواحد الأحد الفرد الصمد، المنزه عن الوالد والولد،
العزيز الذي لا يُغلب، الحكيم المنزه عن العبث الذي يضع الأمور في محالها
على وفق الحكمة. وهذا دلیل صریح بأن عیسی عبد مخلوق، کما خلق الله سائر
البشر؛ لأن الله صوَّره في الرحم، وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلهاً، كما
زعمت النصارى؟ وقد تدرج خلقه، وتنقل من حال إلى حال، كما قال
تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقًا مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِ ظُلُمَتٍ نَثٍ ﴾
[الزمر: ٦/٣٩].