النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ الجزءُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ يجب فيها من العظائم، وأدّى الفرائض، وأخلاق البر فيه أكثر من المعاصي الصغار، قبلت شهادته؛ لأنه لا يسلم عبد من ذنب، ولا تقبل شهادة من ذنوبه أكثر من أخلاق البر، ولا من يلعب الشطرنج يقامر عليها، ولا من يلعب بالحمام ويطيرها، ولا تارك الصلوات الخمس في جماعة استخفافاً أو فسقاً، لا أن تركها على تأويل، وكان عدلاً، ومن يكثر الحلف بالكذب، ولا مداوم على ترك ركعتي الفجر، ولا معروف بالكذب الفاحش، ولا مظهر شتيمة أصحاب رسول الله وَلو، ولا شتام الناس والجيران، ولا من اتهمه الناس بالفسق والفجور، ولا متهم بسب الصحابة حتى يقولوا : سمعناه يشتم. وقال ابن أبي ليلى وأبو حنيفة: تقبل شهادة أهل الأهواء العدول إلا صنفاً من الرافضة وهم الخطابية. وقال محمد: لا أقبل شهادة الخوارج، وأقبل شهادة الحرورية؛ لأنهم لا يستحلون أموالنا، فإذا خرجوا استحلوا(١). واشتراط إسلام الشهود هو مذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) وأجاز الحنفية قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض؛ لأنه عليه الصلاة والسلام رجم يهوديين بشهادة اليهود عليهما بالزنى. وقال ابن القيم في (أعلام الموقعين والطرق الحكمية): البينة في الشرع أعم من الشهادة، فكل ما يتبين به الحق كالقرائن القطعية يسمى بيِّنة، فلا مانع أن تدخل شهادة غير المسلم في البينة بذلك المعنى، إذا تبين للحاكم الحق بها. وقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢/٢] مؤكد لاشتراط الإسلام والعدالة؛ لأن المعنى: ممن ترضون دينهم وعدالتهم من الشهداء، أو من النساء؛ وجيء بهذا الوصف لضعف شهادة النساء وقلة ثقة الناس بها، والخطاب يعم جميع الناس، حكاماً وغيرهم، ولا بد في رأي الجمهور من (١) البحر المحيط: ٣٤٧/٢ ١٢٢ الجُرُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ ثبوت العدالة للشهود بالتزكية. وقال أبو حنيفة: لا حاجة للتزكية، فكل مسلم ظاهر الإسلام مع السلامة من فسق ظاهر فهو عَدْل، وإن كان مجهول الحال. وذكر الله تعالى السبب في جعل شهادة المرأتين بشهادة رجل، أي اعتبار العدد في شهادة النساء: وهو التذكير صوناً لحكم الشهادة؛ لعدم ضبط المرأة وقلة عنايتها ونسيانها، فتذكر كل منهما الأخرى. وبما أن العلة في الحقيقة هي التذكير، وكان الشأن في النساء النسيان، نُزِّل النسيان منزلة العلة، أي نزل السبب منزلة المسبب. فقد جرت العادة أن المرأة لا تهتم كثيراً بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، فتكون معلوماتها محدودة، وخبرتها قليلة، واهتمامها بالوقائع المالية ضعيفاً، وأما اشتغال النساء في هذا العصر بالمسائل المالية فلا يغير الحكم؛ لأن الأحكام إنما للأعم الأغلب، وبالرغم من إسناد الوظائف المالية للمرأة، فإنها لا تأبه بغير العمل الذي وكِّلت به وفوض إليها، فلا تلتفت لما يجري بين الآخرين من منازعات على قضايا مالية، ويظل اهتمامها بالنواحي المالية أو العامة بالرغم من توظفها محصوراً بشؤون منزلها أثاثاً وترفهاً ونظافة، وتوفير مواد تموينية، وإعداد طعام وشراب لأسرتها، وتربية أولاد، فكان تذكرها للمعاملات - فيما عدا مشترياتها الخاصة - قليلاً. والخلاصة: أن الحكم للأغلب، ولا عبرة بالنادر، والشرع ينظر للمجموع. ثم نبَّه القرآن إلى قضية مهمة، فشا بين الناس في عصرنا بل وفي الماضي نقيضها، وهي الإدلاء بالشهادة، فأوصى تعالى الشهود، ونهاهم عن الإباء عن الشهادة أو التقاعس في أدائها وتحملها، كما نهى الكاتب عن الامتناع عن الكتابة، فلا يجوز للشهود الامتناع عن تحمُّل الشهادة (أي استيعاب وقائع القضية المشهود عليها) وأدائها أمام القاضي، كقوله تعالى بعدئذ: ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ: ءَاثِهٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣/٢] إذ بالشهادة تثبت الحقوق ويمنع الجور والظلم والتسلط على الضعفاء. ودلت الآية أيضاً على أن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم. ١٢٣ الجُزءُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ روى الربيع أن الآية نزلت حين كان الرجل يطوف في القوم الكثير، فيدعوهم إلى الشهادة، فلا يتبعه أحد منهم. ثم عاد إلى أمر الكتابة، فأكد طلبها في عقود المداينات، فنهى عن الملل أو الضجر من كتابة الدين، فلا ينبغي التكاسل أو التقصير أو الاستحياء في كتابة الدين، مهما قلَّ، وسواء أكان صغيراً أم كبيراً تطلب كتابته، قطعاً للنزاع والشقاق، وحفظاً لأصل الحق. وهذا دليل على اعتبار الكتابة في أدلة الإثبات، وعلى أنها مطلوبة في القليل والكثير إلى أجل الحق، أي وقت وفائه الذي أقر به المدین. ثم بَيَّن الله تعالى الحكمة من الأوامر والنواهي المتقدمة، وهو أن ذلك البيان الذي أمر به القرآن من الكتابة والإشهاد أعدل في إصابة حكم الله تعالى؛ لأنه يكون إلى الصدق أقرب وعن الكذب أبعد، وهو أيضاً أحرى بإقامة العدل بين المتعاملين، وأعون على أداء الشهادة على وجهها الصحيح، وأقرب إلى إزالة الشكوك في تعيين جنس الدين ونوعه وقدره وأجله، فهذه مزايا ثلاث تؤكد العمل بكتابة الدين. وهذا يدل على أن للشاهد طلب وثيقة الدين المكتوب ليتذكر وضعه. ثم خفف القرآن من قيد المطالبة بالكتابة أخذاً بما تقتضيه ظروف التجارة من حرية وحركة وسرعة، فأبان أن الكتابة مطلوبة إلا إذا تمت مبادلة العوضين في التجارة وقبضهما في الحال، فلا داعي للكتابة، ولا حرج ولا إثم في تركها حينئذ، إذ لا يترتب عليها شيء من التنازع والتخاصم، وهذا يدل على أن الإسلام متمشٍ مع الواقع، متجاوب مع ما تقتضيه المعاملات من تطور وسرعة ورعاية مصلحة. وإذ لا بأس من عدم الكتابة في التجارة الحاضرة أو التعامل يداً بيد، ١٢٤ الجُرُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ فيطلب الإشهاد على التبايع؛ لأن اليد الظاهرة التي تحوز الشيء قد لا تكون محقة، فيحدث النزاع والخلاف، فكان الإشهاد أحوط، ويكفي. أما المعاملات والديون المؤجلة والسَّلم فتجب كتابتها؛ لأن مرور الزمان قد ينسي بعضها، فيقع التنازع. والمبدأ الواجب اتباعه في علاقة الكاتب والشاهد بالمتعاملين هو عدم المضارَّة، فلا يجوز لهما إلحاق ضرر بأحد المتعاملين أو كليهما بزيادة أو نقص أو تحريف أو ترك الإجابة بالاستفسار عن بعض ظروف الواقعة، أو عما يطلب منهما من توضيح بعض الأمور الغامضة، كما لا يجوز أيضاً للمتعاملين إلحاق الضرر أو الأذى بالكاتب أو الشاهد، كتحريف وتغيير بعض الوقائع، أو إهمال الإشارة إلى كلمة أو قيد مثلاً، أو محاولة المنع من أداء الشهادة بالترهيب أو الترغيب برشوة أو وعد بمال؛ لأن الإسلام دين الحق والعدل، والله تعالى يأمر بإقامة الحق والعدل كاملاً غير منقوص. ويؤيد ذلك الآية التالية: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقًا بِكُمْ﴾ أي أن التحريف والتغيير في الكتابة والشهادة فسق وإثم، أو إن تفعلوا ما نهيتكم عنه من الضرار، فإن فعلكم هذا فسوق بكم، وخروج عن الطاعة ملتبس بكم. ومنع المضارَّة مستفاد من تحليل أصل ﴿يُضَآرَّ﴾: فإن كان أصله ((يضارِر)) بكسر الراء الأولى، ثم وقع الإدغام، وفتحت الراء في الجزم لخفة الفتحة، فالمعنى: لا يضر الكاتب ولا الشهيد غيره بترك الإجابة، أو التغيير، والتحريف في الكتابة والشهادة. وإن كان أصله ((يضارَر)) بفتح الراء الأولى، وكذا قرأ ابن مسعود، فالمعنى لا يجوز لطالب الحق أو المطالب به أن يضرّ الكاتب والشهيد، بأن يقهرهما على الانحراف في الكتابة والشهادة. ثم ذكَّر تعالى بالقاعدة العتيدة العامة إثر الأمر والنهي وهي التزام التقوى بامتثال ما أمرالله به واجتناب ما نهى عنه، والمعنى: فاتقوا الله في جميع ما ١٢٥ الُرعُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ أمركم به وما نهاكم عنه، ومن جملة ذلك: ما حذركم منه من الضرار، وهو سبحانه يعلمكم ما فيه صلاح دنياكم وحفظ أموالكم، كما يعلمكم ما يصلح أمر الدين، وهو العليم بكل شيء، لا يخفى عليه حالكم الظاهر والباطن، فإذا شرع شيئاً فإنما يشرعه عن علم دقيق شامل بما يدرأ المفاسد ويجلب المصالح، وشرعه كله حكمة وعدل. وختم الآية بهذه الموعظة الحسنة للتذكير بامتثال جميع الأحكام السابقة. وتكرار لفظ الجلالة في الجمل الثلاث: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ لتربية المهابة في نفس السامع، ولتقرير استقلال كل منها بحكم معین. ثم انتقل البيان إلى تشريع حكم يتناسب مع السفر، وهو الرهان التي يستوثق بها في الحصول على الدين، فإن إثبات المبايعات المؤجلة بالكتابة والإشهاد عليها أمر ممكن في الحضر، أما في السفر فالغالب عدم التمكن من ذلك، فشرع تعالى ما يناسبه وهو الرهن، ودلت السنة على جوازه في الحضر، فقد أخرج النسائي عن ابن عباس، والشيخان عن عائشة: ((أنه عليه الصلاة والسلام رهن درعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعاً من شعير أخذه لأهله». ومعنى آية الرهان: إن كنتم مسافرين، ولم تجدوا كاتباً يحسن كتابة المداينة، أو لم تسمح ظروف السفر بالجلوس والكتابة، أو لم تجدوا أدوات الكتابة، فاستوثقوا برهن تقبضونه. وتقييد الرهان في الآية بوصف السفر، وعدم وجود الكاتب: بيان للعذر الذي رخص في ترك الكتابة، ووضع الرهن وثيقة للدين محلها. وإنما نص على السفر دون الأعذار الأخرى؛ لأنه هو غالب الأعذار، لا سيما في وقت نزول القرآن، لكثرة المعارك والحروب. ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر، مثل ١٢٦ الجزء (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ ظرف الليل، وزحمة الأشغال والأعمال، وتهديد حالة الغريم (المدين) بالإفلاس. وأشارت الآية إلى أن عدم وجود الكاتب مقيد بحال السفر، لا في حال الإقامة والحضر. لكن وصف الرهان بكونها مقبوضة: يدل على أنه ما لم يقبض المرهون لا يظهر وجه للتوثق به. واشتراط القبض يستلزم عند الحنفية أن يكون المرهون معيناً مفرزاً، فلا يجوز لديهم رهن المشاع سواء فيما يقسم وفيما لا يقسم؛ لتعذر القبض، وأجاز الجمهور رهن المشاع مثل بيعه وهبته، ويسلّم للمرتهن كل الشيء المشترك، ويتم التناوب عليه بطريق المهايأة. ثم عادت الآية إلى تقرير احتمال وجود الثقة والائتمان بين المتعاملين، فصرحت بأنه إن أمن بعض الدائنين بعض المدينين، لحسن ظنه به، وثقته بأنه لا يجحد الحق ولا ينكره، وهذا هو البيع بالأمانة، فليؤد المدين الذي اؤتمن أمانته أي دينه الذي ائتمنه الدائن عليه، فلم يأخذ منه رهناً، وليكن عند حسن ظن الدائن به، وليتق الله ربه في رعاية حقوق الأمانة، وعدم خيانتها ولا جحودها ولا التأخر في دفعها، فالله خير الشاهدين، وهو أولى أن يُتَّقَى. وسمي الدين أمانة لائتمان المدين عليه بترك الارتهان عليه. وجمع في قوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ بين الألوهية وصفة الربوبية للمبالغة في التحذير من الخيانة التي تغضب الإله المعبود بحق، وربه الذي يربيه ويلي شؤونه ويدبر مصالحه. ثم أكد سبحانه النهي السابق عن الإباء عن أداء الشهادة وتحملها، فنهى عن كتمانها أي إخفائها بالامتناع عن أدائها، مجدداً النهي فيما يليق ببيع الأمانة، مع ما فيها من زيادة تزعج الشاهد، وتهدده بعقوبة كتمان الشهادة واستحقاق الإثم، والآثم والفاسق متقاربان، فقال بالمعنى: لا تمتنعوا عن أداء الشهادة إذا احتيج إليها، ومن يكتمها أو يمتنع عنها كان مرتكباً للذنب، ١ ١٢٧ الجُزءُ (٣) - البَكُفَرَة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ مجترحاً للمعصية والإثم، وخص القلب بالذكر في تحمل الإثم؛ لأنه مركزالإحساس والشعور ووعي الوقائع وإدراكها، ولأنه أحد الأعضاء التي تقترف ذنباً، كما يسند الزنى إلى العين والأذن ونحوهما، فالإثم قد يكون بعمل القلب كما يكون بعمل بقية الأعضاء، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦/١٧] ومن آتام القلب: إضمار السوء وسوء النية والقصد، والحقد والحسد. وكل ماسبق من أعمال كأداء الشهادة وكتمها وغيرها يعلمه الله، والله بكل شيء عليم وبصير، يجازي عليه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فاحذروا مخالفة الأوامر واقتراف المعاصي، ومنها كتمان الشهادة، واعملوا بما أمركم به، فإن علم الله عام في جميع الأعمال. فقه الحياة أو الأحكام: موضوع آية الدين في توثيق المبايعات المؤجلة والديون والسَّلَم (١) بالكتابة والشهادة والرهن، فإن لم يكن توثيق برهن أو بكتابة جاز البيع بالأمانة، فالمبايعات في هذه الآية ثلاثة أنواع: بيع بكتابة وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع بالأمانة. قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السَّلَم خاصة، معناه أن سَلَم أهل المدينة كان سبب الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعاً. وقال ابن خویزِ مَنْداد: إنها تضمنت ثلاثين حكماً، منها مايلي: اً - استدل بها بعض علماء المالكية على جواز التأجيل في القروض، على ما قال مالك؛ إذ لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات. وخالف في (١) السَّلَم: هو بيع آجل بعاجل. ويقال له السلَف، غير أن السلم خاص به، والسلف يطلق أيضاً على القرض. ١٢٨ الجزءُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ ذلك الشافعية وقالوا: الآية ليس فيها جواز التأجيل في سائر الديون، وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا كان ديناً مؤجلاً؛ ثم يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل في الدين وامتناعه. ◌َ - مشروعية تأجيل الديون، لقوله تعالى: ﴿بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢/٢]: وحقيقة الدين: عبارة عن كل معاملة، كان أحد العوضين فيها نقداً، والآخر في الذمة نسيئة؛ فإن العَيْن عند العرب ماكان حاضراً، والدين: ماكان غائباً. وتشمل الآية كلاً من بيع العين بالدين كبيع كتاب حاضر بثمن مؤجل، وبيع الدين بالعين: وهو السلم. أما بيع العين بالعين كبيع سلعة حاضرة بنقد حاضر فهو جائز، وأما بيع الدين بالدين كبيع صاع من القمح في ذمة إنسان، بصاعين من الشعير في ذمة إنسان آخر، فهو باطل للنهي عنه. ◌َّ - دل قوله: ﴿إِلَى أَجَلِ تُسَنَّى﴾ على أن السلم إلى الأجل المجهول غير جائز، وأكدت السنة ذلك، فقال رسول الله ويليهو: ((من أسلف في تمر، فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) (١). وأجمع أهل العلم على مشروعية السلم: وهو أن يُسلِمَ الرجل إلى صاحبه في طعام معلوم موصوف، من طعام أرض عامَّة لا يخطئ مثلها، بكيل معلوم، إلى أجل معلوم بدنانير أو دراهم معلومة، يدفع ثمن ما أسلم منه قبل أن يفترق العاقدان من مقامهما الذي تبايعا فيه، وسَّيا المكان الذي يُقْبَض فيه الطعام. والسلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، وهو مستثنى من نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع ماليس عندك، وأرخص في السلم، لحاجة الناس إليه، وقد سماه الفقهاء بيع المحاويج أو بيع المفاليس. وأجاز المالكية السَّلَم إلى الحصاد والجذاذ، إذ ذاك يختص بوقت وزمن (١) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس. ١٢٩ لُعُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ معلوم. وأجازوا أيضاً تأخير قبض رأس المال (الثمن) يومين أو ثلاثة، بشرط وبغير شرط، لأن ذلك في حكم المقبوض في المجلس، لقرب هذه المدة. ولم يجز باقي الأئمة تأخير شيء من رأس مال السَّلَم عن مجلس العقد والاتفاق؛ ورأوا أنه كالصرف، وتحرزاً من بيع الدَّیْن بالدَیْن. وأجاز الشافعي السلم الحالّ، ولم يجزه باقي الأئمة، للحديث المتقدم: ((إلى أجل معلوم)). ٤ - ودل قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أي الدَّيْن والأجل على مشروعية الاحتجاج بالكتابة. ويقال: أمر بالكتابة، ولكن المراد الكتابة والإشهاد؛ لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة. وهل كتابة الكاتب فرض أو ندب؟ قيل: إنها فرض كفاية، وقيل: فرض عين على الكاتب متى طلب منه، وكان في حال فراغه لقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كَاِبُ بِالْعَدْلِ﴾ وقوله: ﴿وَلَ يَأْبَ كَاِبُ أَنْ يَكْثُبَ﴾ وقيل: إنه ندب، والصحيح أنه أمر إرشاد، فيجوز له أن يتخلف عن الكتابة، حتى يأخذ أجره؛ إذ لو كانت الكتابة واجبة على الكاتب ماصح الاستئجار بها؛ لأن الإجارة على فعل الفروض باطلة. ٥ - هل الكتابة والإشهاد واجبان؟ ذهب جماعة إلى أن الكتابة والشهادة على الديون المؤجلة واجبان، بقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ وقوله: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ﴾ ثم نسخ الوجوب بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَّدِ الَّذِى أَقْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾. واختار الطبري أن كتب الديون واجب على أربابها بهذه الآية، بيعاً کان أو قرضاً، لئلا يقع فيه نسیان أو جحود. وقال الجمهور: الأمر بالكتابة والإشهاد للندب، وهما مندوبان، لحفظ مايقع بين المتعاقدين إلى حلول الأجل؛ لأن النسيان يقع كثيراً في المدة التي بين العقد وحلول الأجل، وقد تطرأ عوارض من موت أو غيره، فشرع الله ١٣٠ الجُزْءُ (٣) - البَقَرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ الكتابة والإشهاد لحفظ المال وضبط الواقع، ولم ينقل عن الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار أنهم كانوا يتشددون فيهما، بل كانت تقع المداينات والمبايعات بينهم من غير كتابة ولا إشهاد، ولم يقع نكير منهم، فدل ذلك على أن الأمر للندب. وقرينة صرف ظاهر الأمر من الوجوب إلى الندب منصوص عليها في الآية ذاتها، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِّنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَّ الَّذِى أُؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾. أَ - التزام العدل: طالبت الآية بالتزام العدل في الكتابة، وفي الإملاء، وفي إملاء الولي عن السفيه والضعيف، وهذا واضح من قوله: ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَائِبُ بِالْعَدْلِ﴾ وقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ وقوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِّ﴾. وهل يحجر على السفيه؟ أجاز الجمهور الحجر على السفيه المبذر من قبل القاضي حتى لا يصبح عالة على الناس، وقال أبو حنيفة: يمنع السفيه من ماله مالم يبلغ خمساً وعشرين سنة، فإذا بلغها دفع إليه ماله، وإن لم يؤنس منه رشد؛ لأن الحجر عليه إهدار لآ دمیته. لاً - نصاب الشهادة: رجلان أو رجل وامرأتان. وتجوز شهادة النساء مع الرجال عند المالكية في الأموال وتوابعها خاصة، ولا تقبل في أحكام الأبدان مثل الحدود والقصاص، والنكاح والطلاق والرجعة. وتجوز عند الحنفية في الأموال والطلاق والنكاح والرجعة. واتفق الفقهاء على رد الشهادة بسبب التهمة: وهي التي تجلب للمشهود له نفعاً أو تدفع عنه ضرراً، وترد شهادة أحد الزوجين للآخر في رأي الجمهور، ولا ترد في رأي الشافعية وإنما تقبل لأن عقد الزوجية أمر طارئ ويزول. وقال أبو حنيفة: إن شهادة الأجير غير جائزة لمستأجره في شيء، وإن كان عدلاً استحساناً. ولا يجوز في رأي الحنفية القضاء بشاهد ويمين المدعي؛ لأن الله لم يذكر في ١٣١ لُعُ (٣) - البَقَرّة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ الآية إلا قسمين وهما: شهادة رجلين، وشهادة رجل وامرأتين، فلا ثالث لهما. وأجاز الجمهور القضاء بشاهد ويمين في الأموال لا في الأبدان، لا باعتباره قسماً ثالثاً للشهادة، وإنما هو باعتبار اليمين مع الشاهد ترجيحاً لجانب المدعي، بدليل ماثبت عن النبي وَلتر ((أنه قضى بشاهد ويمين))(١). وأما عدم ذكر ذلك في القرآن، فلا يمنع مشروعيته والعمل به، بدليل جواز القضاء بالنكول عند الحنفية، وهو قسم ثالث لم يذكره القرآن. ٨ - ودل قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ على منع الإباء عن تحمل الشهادة وأدائها وإثباتها عند اللزوم أمام القاضي، وأن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم. وهذا في حال طلب الشهادة، فأما في غير حال طلبها من القاضي فأداؤها مندوب، فقد فرض الله الأداء عند الدعاء (الطلب)، فإذا لم يُدْعَ الشاهد، كان أداء الشهادة ندباً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((خير الشهداء: الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها))(٢). ورأى المالكية في الصحيح أن أداء الشهادة فرض، وإن لم يسألها، إذا خاف على الحق ضياعه أو فوته، حتى لا يضيع الحق، سواء في حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلّهِ﴾ [الطلاق: ٢/٦٥] وقوله: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦/٤٣] وفي الصحيح عن النبي ◌َّل: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) فقد تعين عليه نصره إذا كان مظلوماً بأداء الشهادة التي له عنده، إحياء لحقه الذي أماته الإنكار. وذهب الحنفية إلى أن أداء الشهادة في حقوق الله تعالى قبل سؤالها مطلوب، أما في حقوق العباد فلا يشهد الشاهد قبل أن يستشهد، لما أخرجه الصحيحان عن عمران بن حصين: ((إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، (١) رواه الجماعة إلا البخاري عن ابن عباس. (٢) رواه مسلم عن زيد بن خالد الجهني. ١٣٢ الجزءُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يُسْتَشَهدون، ويخونون ولا يُؤتمنون، ويَنْذِرون ولا يُوفون، ويظهر فيهم السِّمَن)) وأوَّله المالكية وحملوه على شاهد الزور فإنه يشهد بما لم يستشهد، أي بما لم يتحمّلْه ولا مُمِّله، أو على الذي يحمله الشَّرَه على تنفيذ ما يشهد به، فيبادر بالشهادة قبل أن يُسألها، فهي شهادة مردودة، أو على الغلمان. واتفق الجميع على أن أداء الشهادة فرض كفاية، فإذا أداها اثنان واجتزا بهما الحاكم، سقط الفرض عن الباقين، وإن لم يجتزئ بهما تعينت الشهادة على الآخر. ـة - الكتابة مندوبة في المبايعات والديون المؤجلة، سواء أكان المؤجل صغيراً أم كبيراً. ولا تطلب الكتابة في التجارة الحاضرة التي يتم فيها التبادل في الحال، ويحدث التقابض في البدلين عقب العقد، إذ يقلّ في العادة خوف التنازع إلا بأسباب غامضة. قال الشافعي: البيوع ثلاثة: بيع بكتاب وشهود، وبيع برِهان، وبيع بأمانة، وقرأ هذه الآية. وكان ابن عمر إذا باع بنقد أشهد، وإذا باع بنسيئة كتب. ٠ ٢َ - ودل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ على طلب الإشهاد على صغير ذلك وكبيره، وهل الإشهاد على البيع على الوجوب أو الندب؟ قال أبو موسى الأشعري وابن عمر والضحاك وجماعة من التابعين: هو على الوجوب، أخذاً بظاهر الأمر في هذه الآية، ورجحه الطبري. وذهب الشعبي والحسن البصري إلى أن ذلك على الندب والإرشاد، لا على الحثّم والإيجاب. وهذا قول مالك والشافعي وأهل الرأي، وزعم ابن العربي أن هذا قول الكافّة، قال: وهو الصحيح، ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلا الضحاك. روي عن ابن عباس أنه قال لما قيل له: إن آية الدَّيْن منسوخة قال: لا والله، إن آية الدَّيْن محكمة ليس فيها نسخ، قال: والإشهاد إنما جعل للطمأنينة، وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طُرقاً، منها الكتاب، ومنها الرهن، ومنها الإشهاد. ١٣٣ الُعُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب، لا بطريق الوجوب، فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد. ومازال الناس يتبايعون حضراً وسفراً، وبراً وبحراً، وسهلاً وجبلاً من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير نكير، ولو وجب الإشهاد ماتركوا النكير على تارکه. ١١ - أداء الشهادة، وكتابة الكاتب يكونان بالحق والعدل، فلا يكتب الكاتب ما لم يُمْلَ عليه، ولا يزيد الشاهد في شهادته ولا ينقص منها، فالكاتب والشاهد يعصيان بالزيادة أو النقصان، وذلك من الكذب المؤذي في الأموال والأبدان، وفيه إبطال الحق، وكذلك إذايتهما من الخصوم معصية وخروج عن الصواب من حيث المخالفة لأمر الله بقول الحق، فلا يجوز إلحاق الضرر بهما، ولا إضرارهما المشهود له أو عليه؛ إذ لا مضارَّة، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وإن تفعلوا المضارة، فإنه فسوق (أي معصية) حالٌّ بكم. ١٢ - وقوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علَّمه، أي يجعل في قلبه نوراً يفهم به ما يُلقى إليه. أما قوله: ﴿وَاَللَّهُ بِكُلٍ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهو إشارة إلى إحاطته تعالى بالمعلومات، فلا يشذ عنه منها شيء، وفيها إشعار بالمجازاة للفاسق والمتقي. ١٣ - دلت آية ﴿فَرِهَانُ مَّقْبُوضَةٌ﴾ على مشروعية الرهن في السفر إذا لم يتوافر الإشهاد وكتابة الدين. وجاءت السنة مبينة جواز الرهن في الحضر، كما بینا. والرهن: احتباس العين وثيقةً بالحق ليُستوفى الحقُّ من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم. ولا يظهر وجه للتوثق بالمرهون من غير قبضه، وقد اتفق الفقهاء على أن القبض شرط في الرهن، واختلفوا في نوع الشرط، فقال الجمهور: القبض شرط لزوم للرهن، فلا يلزم إلا بالقبض، ومالم يلزم للراهن أن يرجع عنه؛ ١٣٤ الفُرُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ لأن مشروعية الرهن للتوثق، ولا توثق إلا بالقبض. وقال المالكية: القبض شرط تمام الرهن، أي لكمال فائدته، وليس شرط صحة أو لزوم، فإذا انعقد الرهن لزم بمجرد العقد، ويجبر الراهن على الإقباض، ومتى قبض تم وكمل، قياساً على سائر العقود، فإنها تلزم بمجرد العقد. والمعتمد لدى المالكية أن الرهن متى رجع إلى الراهن باختيار المرتهن، بطل الرهن. وهو قول أبي حنيفة أيضاً، الآية: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾. فإذا خرج عن يد القابض، لم يصدق ذلك اللفظ عليه لغة، فلا يصدق عليه حكماً. وقال الشافعي: إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقاً، لا يبطل حكم القبض المتقدم. ويصح قبض المرتهن أو وكيله، وقال الجمهور: يصح أيضاً قبض عَدْل (طرف ثالث محايد غير العاقدين) يوضع الرهن في يديه؛ لأنه إذا صار عند العدل، صار مقبوضاً لغة وحقيقة؛ لأن العدل نائب عن صاحب الحق، وبمنزلة الوكيل. والعدل أمين غير ضامن، فلو ضاع المرهون منه دون تهاون ولا تقصیر، لم یضمنه. ويجوز رهن المشاع عند الجمهور، خلافاً للحنفية، كما بينا. ويجوز لدى المالكية خلافاً للجمهور رهن ما في الذمة؛ لأنه مقبوض، : ومثاله: رجلان تعاملا، ولأحدهما على الآخر دَيْن، فرهنه دينه الذي عليه. قالوا: وكل عرض جاز بيعه جاز رهنه، فيجوز رهن ما في الذمة؛ لأن بيعه . جائز، ولأنه مال تقع الوثيقة به، فجاز أن يكون رهناً، قياساً على سلعة موجودة. وقال الجمهور: لا يجوز رهن الدين في الذمة؛ لأنه لا يتحقق إقباضه، والقبض شرط في لزوم الرهن؛ لأنه لابد أن يستوفى الحق منه عند حلول أجل ١٣٥ الُرعُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ وفاء الدين المرهون به، ويكون الاستيفاء من مالية المرهون، لا من عينه، ولا یتصور ذلك في الدَّین. ولا يجوز غَلَق الرهن(١): وهو أن يشترط المرتهن أنه له بحقه، إن لم يأته به عند أجله، وكان هذا من فعل الجاهلية، فأبطله النبي صل# بقوله فيما رواه الشافعي والدارقطني وغيرهما عن أبي هريرة: «لا يغْلَقُ الرهن من صاحبه، له غُنْمِه، وعليه غُرْمه)). قال الجمهور: منفعة الرهن للراهن، ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن خلا الإحفاظ للوثيقة، فإذا آجر المرتهن المرهون بإذن الراهن أو آجره الراهن بإذن المرتهن، فقد خرج من الرهن ولا يعود. وأجاز الحنابلة انتفاع المرتهن بالرهن مقابل نفقته إذا كان المرهون مركوباً أو محلوباً، لما روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدرّ يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)). انطباعات عامة مستفادة من آية الدين: ١ - إن الذي أمر الله تعالى به في آية الدين من الشهادة والكتابة(٢): قصد به الحفاظ على وشائج الود والصلة والمحبة وصلاح ذات البين بين الناس، ومنع وقوع التنازع المؤدي إلى فساد علاقات الناس، وسدِّ كل المنافذ أمام الشيطان الذي قد يسوِّل للمدين جحود الحق، وتجاوز ما حدَّ له الشرع، أو ترك الاقتصار على المقدار المستحق. (١) غلق الرهن: كان من فعل الجاهلية أن الراهن إذا لم يؤد ماعليه في الوقت المعين، ملك المرتهن الرهن، فأبطله الإسلام. (٢) يلاحظ أن صيغة الشهادة تكررت في الآيتين ثمان مرات، وصيغة الكتابة تكررت عشر مرات. ١٣٦ لُ (٣) - الْبَقَرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣ ومن أجل هذه الغايات السامية، حرَّم الشرع البيوع المجهولة التي تؤدي إلى الاختلاف والتنازع وفساد العلاقات وإيقاع التضاغن والتباين. وبناء عليه أيضاً حرم الله الميسر والقمار وشرب الخمر بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ﴾ [المائدة: ٩١/٥] فمن تأدب بأدب الله في أوامره وزواجره، حاز صلاح الدين والدنيا، قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُؤْعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [النساء: ٦٦/٤]. ٢ - لا ينبغي للإنسان استدانة دين إلا لضرورة قصوى أو حاجة ملحّة؛ لأنه كما روي عنه ◌َّلر فيما رواه الديلمي في الفردوس عن عائشة، وهو ضعيف: ((الدَّيْن هم بالليل، ومَذَلَّة بالنهار)). لما فيه من شغل القلب والبال والهمِّ اللازم في قضائه، والتذلل للغريم عند لقائه، وتحمل منَّته بالتأخير إلى حین أوانه. وقد يقع المدين في عجز مستحكم فلا يستطيع وفاء دينه، لذا تعوَّذ منه النبي د - فيما يرويه البخاري عن أنس - فقال: ((اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحزَّن والعَجْز والكَسَل والجبن والبُخْل، وضَلَع الدَّيْن، وغلبة الرجال)) قال العلماء: ضلع الدين: هو ثِقَلُه حتى يميل صاحبه المدين، أو يعجز عن سداد دَیْنِهِ. وإذا حسنت نية المدين أعانه الله على إيفاء الدين، روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدَّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها، أتلفه الله)). ٣ - لما أمر الله تعالى بكتابة الدين والإشهاد وأخذ الرهان، كان ذلك نصاً قاطعاً على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها، ورداً على الجهلة المتصوفة ورِعَاعها الذين لا يرون ذلك، فيخرجون عن جميع أموالهم ولا يتركون كفاية لأنفسهم وعيالهم، ثم إذا احتاج أحدهم أو افتقر عياله، فهو إما أن يتعرض لِئَن ١٣٧ الجُرُءُ (٣) - البَقَرة: ٢٨٤/٢ الإخوان أو لصدقاتهم، أو أن يأخذ من أرباب الدنيا وظلمتهم، وهذا الفعل مذموم منهي عنه. لله ملك السماوات والأرض وإحاطة علمه بكل شيء ومحاسبة العباد على أفعالهم ونواياهم ﴿لِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهٌ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ (٢٨٤ قَدِيُ القراءات: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ﴾: قرئ: ١- بالرفع فيهما، على القطع، وهي قراءة ابن عامر، وعاصم. ٢- بالجزم فيهما، عطفاً على الجواب، وهي قراءة باقي السبعة. الإعراب: ﴿فَيَغْفِرُ﴾ ومثله ﴿وَيُعَذِّبُ﴾: يجوز فيه الرفع والجزم والنصب، فالرفع على الاستئناف وتقديره: فهو يغفر، والجزم بالعطف على ﴿ يُحَاسِبْكُم﴾ ، والنصب ضعيف، على تقدير (أن) بعد الفاء، والفعل وما بعده في تأويل المصدر لعطف مصدر على مصدر حملاً على المعنى دون اللفظ، كأنه قال: إن يكن إبداء أو إخفاء منكم، فمحاسبة، فغفران منَّا. البلاغة: يوجد طباق بين: (وَإِنْ تُبْدُوا .. أَوْ تُخْفُوهُ) وبين (يَغْفِرُ .. وَيُعَذِّبُ). ١٣٨ الُ (٣) - البقرة: ٢٨٤/٢ المفردات اللغوية: ﴿تُبْدُواْ﴾ تظهروا مافي أنفسكم من السوء والعزم عليه ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ تسرُّوه ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾ يخبركم به الله يوم القيامة ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ يستر من أراد المغفرة له ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ يعاقب من أراد تعذيبه ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ عظيم القدرة على أي شيء، ومنه محاسبتكم وجزاؤكم، قال أبو حيان: لما ذكر المغفرة والتعذيب لمن يشاء، عقب ذلك بذكر القدرة؛ إذ ماذكر جزء من متعلَّقات القدرة. المناسبة: هذه الآية متممة لآخر كل من الآيتين السابقتين وهما: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ودليل على إحاطة علم الله بالأشياء؛ لأن من ملك شيئاً وخلقه، فلابد من أن يعلمه، كقوله تعالى: ﴿أَلَا ﴿٢﴾ [الملك: ١٤/٦٧]، وكذلك من ملك شيئاً يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اُلَّطِيفُ الْخَيرُ فله حسابه على أفعاله وما يخفيه صدره، ومنها كتمان الشهادة، وصاحب السلطة المطلقة في شيء وهو الحساب، له الإرادة المطلقة في العفو عمن شاء ممن أخطأ، وعقاب من شاء، وذلك كله مقترن بالقدرة المطلقة على كل شيء. وللآية أمثال كثيرة في القرآن الكريم نحو: ﴿قُلّ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبُّدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ٢٩ ﴾ [آل عمران: ٢٩/٣] ونحو: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧/٢٠] ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ (®َ﴾ [غافر: ١٩/٤٠]. التفسير والبيان: يخبر تعالى في هذه الآية أن له ملك السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن لا تخفى عليه الظواهر والسرائر والضمائر وإن ١٣٩ الُرُءُ (٣) - الْبَقَرة: ٢٨٤/٢ دقت وخفیت، وأنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال ابن كثير. فلله ما في السماوات وما في الأرض ملكاً وخلقاً وتصريفاً وعلماً، وهو العليم بكل شيء، فإن تظهروا ما في قلوبكم من السوء والعزم عليه، أو تكتموه عن الناس وتخفوه، فالله يحاسبكم عليه ويُجَازِكُمْ به، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وهو يغفر بفضله لمن يشاء من عباده، ويعاقب من يشاء عقابه، ومما يكون عوناً على المغفرة توفيق الله عبده إلى التوبة والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَنَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَفِهِمْ عَذَابَ الْحَيِ، رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ اُلَِّى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَقِهِمُ. السَِّئَاتِ وَمَن تَّقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ [غافر: ٤٠ / ٧-٩]. ٩ والحساب من الله لعباده: أن يطلعهم على جميع أعمالهم، ثم يسألهم: لمَ فعلوها؟. فقه الحياة أو الأحكام: تتضمن الآية إنذاراً وتخويفاً شديداً من الحساب الإلهي، لكون الإنسان مملوكاً لله، والله مطلع على كل أفعاله، محاسب له على جليل الأعمال وحقيرها، مما أدى إلى إيقاع الرهبة في النفوس والإشفاق عليها من شدة العذاب، وتفويض أمره مطلقاً إلى الله وحده؛ أخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: لما نزل على رسول الله وَله: ﴿لِلّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضُِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهٌ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله وَلّ، فأتَّوْا رسول الله مََّه ثم جَثَوا على الرُّكَب، فقالوا: أي ١٤٠ الُرُ (٣) - البقرة: ٢٨٤/٢ رسول الله، كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل الله هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله وَله: ((أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير؟)). فلما قرأها القوم وذلَّت (لانت) بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية. فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاَ﴾. الآية. وظاهر قوله: ((نسخها الله)) يدل على نسخ هذه الآية بالآية التي بعدها. وهي: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ﴾ وقد فهم بعض المفسرين(١) من ذلك أن هذه الآية منسوخة؛ لأنها تثبت الحساب على الوساوس وخواطر النفوس. والراجح أن الآية غير منسوخة، وأن المراد من قوله: ((نسخها الله)): أزال ما أخافهم، وأن آية: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ليست ناسخة، ولكنها موضحة، أيدها الحديث الذي رواه الجماعة في كتبهم الستة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تَكَّلَمُ أو تعمل))، وقد قال ابن عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد: إن الآية محكمة مخصوصة، وهي في معنى الشهادة التي نهى الله عن كَتْمها، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي ما في نفسه محاسب. ويدل على منع القول بالنسخ الأدلة التالية: اً - إن قوله تعالى: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ خبر، والأخبار لا تنسخ عند جمهور الأصوليين. (١) وهم الإمام علي وابن عمر وابن مسعود وكعب الأحبار والشعبي والنخعي ومحمد بن كعب القرظي وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وآخرون من الصحابة والتابعين.