النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ لُعُ (٣) - البقرة: ٢٧٢/٢-٢٧٤ وقيل: حجت أسماء بنت أبي بكر، فأتتها أمها تسألها، وهي مشركة، فأبت أن تعطيها، فنزلت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن النبي ولو كان يأمر أن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ الآية، فأمر بالتصدق علی کل من سأل من کل دین. وروى سعيد بن جبير مرسلاً عن النبي وَ له في سبب نزول هذه الآية: أن المسلمين كانوا يتصدّقون على فقراء أهل الذمّة، فلما كثُر فقراء المسلمين، قال رسول الله وَله: ((لا تتصدَّقوا إلا على أهل دينكم)) فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام. وحكى الطبري أن مقصد النبي ◌ُّه بمنع الصدقة إنما كان ليُسلموا ويدخلوا في الدين، فقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾. والخلاصة: إن مضمون سبب نزول هذه الآية: أن من أسلم كره أن يتصدق على قريبه المشرك أو على المشركين أو نهاهم النبي ◌َّ- من التصدق عليهم فنزلت الآية. ٢ - نزول الآية (٢٧٣): نزلت في أهل الصُّفَّة(١): وهم أربع مئة من المهاجرين، أرصدوا لتعلم القرآن والخروج مع السرايا(٢). (١) تفسير القرطبي: ٣٣٧/٣ (٢) كان أهل الصفة من مهاجري قريش، ولم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صُفَّة المسجد: وهي سقيفته، يتعلمون القرآن بالليل، ويرضخون النوى بالنهار، ويخرجون مع سرية بعثها رسول الله وَلاير، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى. ٨٢ الجزء (٣) - البقرة: ٢٧٢/٢-٢٧٤ ٣ - نزول الآية (٢٧٤): أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن يزيد بن عبد الله بن غَريب عن أبيه عن جده عن النبي ◌ُّ قال: نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرَّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ في أصحاب الخيل(١): وهم الذين يرتبطون الخيل في سبيل الله تعالى، ينفقون عليها بالليل والنهار، سرّاً وعلانية، نزلت فيمن لم يرتبطها تخيلاً ولا افتخاراً. وروي عن ابن عباس: أن هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ نزلت في علف الخيل. ويدلّ على صحة هذا حديث أسماء بنت يزيد، قالت: قال رسول الله وَ لقوله: ((من ارتبط فرساً في سبيل الله، فأنفق عليه احتساباً، كان شبعه وجوعه وريّه وظمؤه، وبوله وروثه في میزانه يوم القيامة)). المناسبة: أرشدت الآية السابقة المؤمنين إلى إعطاء الفقراء عامة، مسلمين وغير مسلمين، وصرحت هذه الآية بإباحة صدقة التطوع لغير المسلمين، سواء أكانوا مشركين أم من أهل الكتاب (اليهود والنصارى)؛ لأن الله تعالى يرزق المؤمن والكافر من خير الدنيا، وشأن المؤمن أن يتخلَّق بأخلاق الله، وأن يكون خيره عاماً للناس؛ إشعاراً بحبّ الخير والنّفع للبشرية، وإدلالاً على توافر صفة الرحمة والمحبة في قلب المسلم لكل إنسان، وإبعاداً للعصبية الدِّينية التي من شأنها التهديم والتفريق والفتنة، وزرع الأحقاد والضغائن، والتنفير من قبول الإسلام ذاته القائم على التسامح، وترك أمر الهداية للدين لله تعالى، فإن الهداية من الله، وتقتضي الشفقة إعطاء المحتاج أيّاً كان دينه. التفسير والبيان: ليس عليك أو لا يجب عليك يا محمد أن تقود الناس إلى هداية الإسلام (١) قال السيوطي: يزيد وأبوه مجهولان. ٨٣ الُرءُ (٣) - البَقَرّة: ٢٧٢/٢-٢٧٤ كرهاً، وإنما عليك البلاغ والإرشاد إلى الدين فقط، فتبشر من أطاع بالجنة، وتنذر من عصى بالنار، وأمر الهداية بمعنى التوفيق إلى الخير والسعادة والاهتداء إلى الإسلام مرّه إلى الله، بما وضع في النفوس من العقول، وما أبانه لهم من سنن وأدلّة ترشدهم إلى الدين الحق، فأمرْ يا محمد بالصدقة إلى کل من سألها من کل دین. وثواب الصدقة وإنفاق المال في سبيل الله عائد بذاته لأنفسكم، ولا ينتفع به غيركم في الدنيا والآخرة. أما في الدُّنيا فيصون المال، ويحصّن الثروة، ويحميكم من أذى الفقراء بالنّهب والسلب والسرقة؛ لأن الجائع يستبيح لنفسه كل شيء. وأما في الآخرة فثوابه لكم بدخول الجنة وتكفير بعض السيئات والذنوب. وإنكم لا تنفقون إلا طلباً لرضوان الله، لا لمصلحة دنيوية أو لإرضاء الشيطان، وعلى ذلك فلا فرق بين فقير وفقير أيّاً كان دينه، ولا داعي للمنّ والأذى، أو الرياء والسمعة؛ لأنك تقصد بنفقتك وجه الله وحده، وفعل الخير المحض، دون انتظار ثناء، أو جزاء الناس في الدّنيا، قال وَلّ لسعد بن أبي وقاص في الحديث الصحيح: ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أُجِرْتَ بها، حتى ما تجعل في في امرأتك)) أي فمها. ثم أكّد سبحانه الآية السابقة: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَشُِّكُمْ﴾ بمؤگِّدین: الأول - قوله: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي يصلكم ثوابه كاملاً غير منقوص في الآخرة. الثاني - قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ أي لا يضيع عليكم منه شيء، ولا تبخسون منه شيئاً، فيكون ذلك البخس ظلماً، كقوله تعالى: ﴿فَلَ نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧/٢١]. ٨٤ الجُرْ (٣) - البقرة: ٢٧٢/٢-٢٧٤ وكل هذا يدل على أن الإنفاق يكون للفقراء عامة، مسلمين أو غير مسلمين، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا تُطِعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ لَا نُرِدُ مِنْكُمْ جَزَآءَ وَلَا شُكُورًا (٤)﴾ [الإنسان: ٨/٧٦-٩]. والأسير في دار الإسلام لا يكون عادةً إلا مشركاً. وقوله تعالى: ﴿لَّا يَنَهَلَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِ اٌلِّينِ وَلَمْ يُخِجُوكُ مِّن دِيَزِكُمْ أَنْ نَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨/٦٠]. ويؤيد ذلك ما روي في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((قال رجل: لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدّثون: تُصدِّق على زانية، فقال: اللهم لك الحمد: على زانية! لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدَّثون: تُصدِّق الليلة على غني، قال: اللهم لك الحمد: على غني! لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدّثون: تُصدِّق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية، وعلى غني، وعلى سارق، فأُتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زنا، ولعل الغني يعتبر، فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سر قته)). ثم بَيَّن الله تعالى أحقّ الناس بالصدقة وهم الفقراء بالصفات الخمس التالية : الصفة الأولى - الإحصار في سبيل اللَّه: أي الذين حبسوا أنفسهم للجهاد أو العمل في مرضاة الله كطلب العلم؛ إذ لواشتغلوا بالكسب مثل غيرهم لتعطلت المصلحة العامة، فهم فداء الأمة وحماتها وقادتها الموجهون لها في وقت السّلم والحرب، وفي الشدّة والأزمة أو المحنة، والرفاه والرخاء أو السعادة. وقد عرفنا أن هذه الآية نزلت في أهل ٨٥ الجُزءُ (٣) - البقرة: ٢٧٢/٢-٢٧٤ الصُّفَّة: وهم فقراء المهاجرين الذين كانوا حوالي أربع مئة رجل، وكانوا مرابطين في سقيفة المسجد، يتعلمون القرآن في الليل، ويجاهدون في النهار، عن ابن عباس أن رسول الله وَ ل﴾ وقف يوماً على أصحاب الصُّفّة، فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم، فقال: ((أبشروا يا أصحاب الصُّفّة، فمن بقي من أمتي على النّعت الذي أنتم عليه، راضياً بما فيه، فإنه من رفقائي)). الصفة الثانية - العجز عن الكسب: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ﴾ أي لا يتمكنون من القيام بالسفر أو السَّير في البلاد للتجارة والكسب. والضرب في الأرض: هو السّفر، وعجزهم لأسباب عديدة: منها الكبر والشيخوخة، ومنها المرض، ومنها الخوف من العدو، ونحو ذلك من الضرورات. الصفة الثالثة - التّعفف: إظهار العفّة والتَّرفع عن الطَّمع مما في أيدي الناس، حتى إن الجاهل بحقيقة حالهم يظنّهم أغنياء، لعفتّهم وصبرهم وقناعتهم وتعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم. ورد في هذا المعنى حديث متّفق على صحّته عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي تردّه التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين: الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً))(١). الصفة الرابعة - القرائن المميزة لهم: ﴿ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ﴾ أي علامتهم، والتّعرُّف عليهم يحتاج إلى فراسة المؤمن(٢)، وخبرة المجرِّب، وحنكة ذوي البصيرة والعقل، والتَّحرّي عنهم (١) رواه أحمد أيضاً عن ابن مسعود. (٢) جاء في حديث السُّنن: ((اتَّقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله)) ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْمُنَوَسّمِينَ ٧٥ ٨٦ الجزء (٣) - البقرة: ٢٧٢/٢-٢٧٤ بالسؤال لمن يعرفهم من جيران وأقارب، وربما يستأنس بمظاهر الضّمور والنّحول والضّعف ورثائة الثياب، وربما لا يكون ذلك دليلاً مقنعاً، فقد يتظاهر بعضهم بالفقر، وقد يكتسي بعضهم اللباس المعقول لعزّة نفسه، ویکون هو المحتاج، وغيره هو الكاذب. الصفة الخامسة - عدم السؤال أصلاً وعدم الإلحاح في السؤال: · يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ ومعناه في رأي جمهور المفسرين: أنهم متعففون عن المسألة عفة تامة، ويكون التعفف صفة ثابتة لهم، أي لا يسألون الناس إلحاحاً ولا غير إلحاح. وقال قوم: إن المراد نفي الإلحاف، أي إنهم يسألون الناس غير إلحاف، وهذا هو المتبادر إلى الذهن والسابق للفهم، أي يسألون غير ملحفين، فلا يلخّون في المسألة، ولا يكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن المسألة، فقد ألحف في المسألة. وفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافاً، وهذا شأن أغلب الشّحاذين اليوم. روى الأئمة، واللفظ المسلم، عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله وَلَهُ: ((لا تُلْحِفُوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً، فتُخرج له مسألته مني شيئاً، وأنا له كاره، فيبارَك له فيما أعطيتُه)). ثم ختمت الآية بأنه ما من نفقة صغيرة أو كبيرة إلا ويعلمها الله، ولا يخفى عليه الباعث على النفقة أو النّة أيضاً، فبحسن النية والإخلاص في النفقة دون أذى يحسن الجزاء، وبسوء النية يسوء الجزاء. وفي هذا ترغيب في الإنفاق الطيِّب، وترهيب من الإنفاق الخبيث. ثم أوضح الله تعالى ثواب المنفقين وجزاء الإنفاق في جميع الأحوال والأوقات، فمن تصدّق بأمواله ليلاً أو نهاراً، سرّاً أو علانية، ولم يمتنع عن نفقة وقت الحاجة إليها، ومنها النفقة على الأهل، كما دلّ حديث النَّي ◌ِّ ٨٧ الجُزءُ (٣) - الَقَة: ٢٧٢/٢-٢٧٤ لسعد المتقدّم، فله الأجر الكامل عند ربّه وثوابه على الله لا على أحد سواه، ولا خوف عليه في الآخرة، ولا يتعرَّض للحزن أبداً، أي فلا خوف عليه فيما يستقبله من أهوال يوم القيامة، ولا يحزن على ما خلّفه من أولاد ولا على ما فاته من الحياة الدُّنيا وزهرتها، فلا يأسف عليها؛ لأنه قد صار إلى ما هو خير له من ذلك. وإنما قدّم الليل على النهار، والسرّ على العلانية، للإشارة إلى تفضيل صدقة السرّ على صدقة العلانية. فقه الحياة أو الأحكام: أباحت الآية دفع صدقة التطوع لأي إنسان كان. أما الصدقة المفروضة (الزكاة) فلا يجزئ بالإجماع دفعها لكافر، لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الجماعة عن ابن عباس: ((أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردَّها في فقرائكم)). وكذلك لا يجوز في رأي الجمهور دفع زكاة الفطر لكافر؛ لأنها طهرة للصيام، فلا تصرف إلى الكافر، كصدقة الماشية والنقود، وقد قال النَّبي وَسير فيما رواه الدارقطني وغيره عن ابن عمر: ((أغْنُوهم عن سؤال هذا اليوم)) يعني يوم الفطر، لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد، وهذا لا يتحقّق في المشركين. وجوَّز أبو حنيفة رضي الله عنه صرف صدقة الفطر إلى غير المسلم من أهل الذّمة، أخذاً بعموم الآية في البرِّ وإطعام الطّعام وإطلاق الصدقات. ودلّت آية: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ على أن ثمرة النفقة عائدة في الواقع إلى المنفق؛ لأنه سيجد جزاء أوفى على فعله، وأكَّد تعالى هذا المعنى في جملتين تاليتين وهما: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَقَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَ تُظْلَمُونَ﴾. وأرشد قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهُ﴾ إلى أن النفقة المعتدّ بقبولها إنما هي ما كان ابتغاء وجه الله. ٨٨ الجُرُ (٣) - البَفَرَّة: ٢٧٢/٢-٢٧٤ وأبانت آية: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ﴾ صفات مستحقي النفقة وهم الفقراء، وقد أوضحناها في التفسير المتقدّم. وأن من أدب السؤال عدم الإلحاح في المسألة. والسؤال في الإسلام محرّم إلا لضرورة، فلا يحلّ للقادر على الكسب بدليل قوله ◌َير - فيما رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه - : ((لا تحلّ الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّة سوي)). والْمِرَّة: القوة، والسّوي: سليم الأعضاء، والمراد به القادر على الكسب. ولا تحلّ المسألة إلا لثلاث حددهم النَّبِي ◌ِّ بقوله: ((المسألة لا تحلّ إلا لذي فقر مُدْقع، أو لذي غرم مُفْظِع، أو لذي دمّ موجع))(١)، والفقر المدقع: هو الشديد، وهو الذي يلصق صاحبه بالدقعاء: وهي الأرض التي لا نبات فيها، والغرم: ما يلزم أداؤه تكلفاً؛ لا في مقابلة عوض، كالكفالة والنفقة لإصلاح ذات البين ونحوه من أعمال البر، كدفع مظلمة وحفظ مصلحة، والمفظع: الشديد، فلمن تحمل ذلك أن يسأل الإعانة على سداد ما غرم، وأما ذو الدّم الموجع: فهو الذي يتحمل الدِّية عن الجاني من قريب أو نسيب أو صديق لئلا يقتل، فيتوجع لقتله. والإلحاح في المسألة مع الغنى عنها حرام لا يحل، أخرج مسلم عن النَّبي وَالر قال: ((من سأل الناس أموالهم تكثُّراً، فإنما يسأل ◌َهْراً، فليستقلَّ أو لِيَسْتَكْثِرْ))، وأخرج أيضاً عن ابن عمر أنّ النَّبي ◌ِّر قال: ((لا تزال المسألة بأحدكم، حتى يلقى الله، وليس في وجهه مُزْعة (٢) لحم))، وروى أحمد وأبو (١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. (٢) المزعة: القطعة، قال القاضي عياض: قيل: معناه يأتي يوم القيامة ذليلاً ساقطاً لا وجه له عند الله. وقيل: هو على ظاهره، فيحشر ووجهه عظم لا لحم عليه، عقوبة له، حين سأل بو جهه. ٨٩ لُعُ (٣) - البََرة: ٢٧٢/٢-٢٧٤ داود وابن حبان عن سهل ابن الحنظلية عن رسول الله وَ ل* قال: ((من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من جمر جهنم، قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: ما یغدیه أو یعشّیه)). أما إذا كان السائل محتاجاً فلا بأس أن يكرِّر المسألة ثلاثاً إعذاراً وإنذاراً، والأفضل تركه. فإن كان المسؤول يعلم بذلك، وهو قادر على ما سئله، وجب عليه الإعطاء، وإن كان جاهلاً به، فيعطيه مخافة أن يكون صادقاً في سؤاله، فلا يفلح في ردّه(١). وقوله: ﴿اُلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ﴾ مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله وابتغاء مرضاته، في جميع الأوقات، من ليل أو نهار، وفي جميع الأحوال سرّاً أو علانية، لكن تقديم الليل على النهار، والسرّ على العلانية يومئ إلى تفضيل صدقة السرّ على صدقة العلن، كما بيَّنا. ٠ (١) وأما حديث أحمد وأبي داود عن الحسين بن علي: ((للسائل حقّ وإن جاء على فرس)) فهو مرسل، وفيه مجهول. ٩٠ الجُزءُ (٣) - البَقَرة: ٢٧٥/٢-٢٨١ الربا وأضراره على الفرد والجماعة ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَؤْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّنَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا اُلْبَيْعُ مِثْلُ الْرِّبَوْ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِيَوْ ج فَمَنْ جَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْنَهَى فَلَمُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَوْ وَيُرْبِ الضَدَقَاتِ ٢٧٥ فَأَوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَئِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ وَأَقَامُواْ اُلْضَلَوَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوْاْ إِن كُنتُم يَحْزَنُونَ إ مُؤْمِنِينَ ﴿٧) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأُذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ، وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ وَأَثَّقُواْ يَوْمًا مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمٌّ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّ تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَلَّى كُلُّ نَفْسِ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ القراءات: ﴿ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ : قرئ: ١- (ولا خوفٌ عليهُم) وهي قراءة حمزة. ٢- (ولاخوفٌ عليهِم) وهي قراءة باقي السبعة. ﴿فَأَذَنُواْ﴾ : قرئ: ١- (فآذنوا) بالمد، أمر من آذن، الرباعي، بمعنى: أعلم، وهي قراءة حمزة، أي: فأعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب، والمفعول محذوف. ٢- (فأذنوا) وهي قراءة باقي السبعة. ٩١ م الُرعُ (٣) - البَقَرة: ٢٧٥/٢-٢٨١ ﴿ مَيْسَرَةٍ﴾: قرئ: ١- بضم السين، وهي قراءة نافع وحده، والضم لغة أهل الحجاز، وهو قليل. ٢- بفتح السين، وهي قراءة الجمهور، وهي لغة أهل نجد، وهي اللغة الكثيرة. ﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ﴾: قرئ: ١- بإدغام التاء في الصاد، وهي قراءة الجمهور. ٢- بحذف التاء، وهي قراءة عاصم. ﴿ تُرْجَعُونَ﴾ : قرئ: ١- مبنياً للفاعل، وهي قراءة أبي عمرو. ٢- مبنياً للمفعول، وهي قراءة باقي السبعة. الإعراب: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوَأْ لَا يَقُومُونَ﴾ الذين وصلته: مبتدأ، ولا يقومون: خبره. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ مبتدأ وخبره ﴿بِأَنَّهُمْ﴾. ﴿فَمَنْ جَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّيِّهِ،﴾ إنما ذكَّر: جاء، لثلاثة أوجه: الأول - حملاً على المعنى؛ لأن موعظة بمعنى (وَعْظ)). الثاني - لأن تأنيث موعظة مجازي ليس بحقيقي. الثالث - لوجود الفصل بالهاء. ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَقٍ﴾ کان ههنا تامة بمعنی حدث ووقع، ولا خبر لها، كقول الشاعر: ((إذا كان الشتاء فأدفئوني)) أي حدث ووقع، وذو عسرة: عام في حقّ كل أحد. ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف وتقديره: فشأنه أو حاله فنظرة. ٠٠ ٩٢ الجُرُ (٣) - البقرة: ٢٧٥/٢-٢٨١ ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُواْ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿لَّكُمْ﴾. ﴿ وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ﴾ يوماً: منصوب؛ لأنه مفعول ﴿وَأَثَّقُواْ﴾، وترجعون: جملة فعلية في موضع نصب؛ لأنه صفة يوم. ورجع: يكون لازماً ومتعدياً، يقال: رجع زيد ورجعته، كما يقال: زاد الشيء وزدته، ونقص ونقصته. البلاغة: ﴿إِنََّا اُلْبَيْعُ مِثْلُ الْرّبَوَأْ﴾ الأصل أن يقال: الرِّبا مثل البيع، ولكنهم قلبوا التَّشبيه، فجعلوا المشبّه مكان المشبّه به، على سبيل ((التشبيه المقلوب)). ويوجد طباق بين لفظ ﴿وَأَحَلَّ﴾ و﴿ وَحَرَّمَ﴾، وبين ﴿يَمْحَقُ﴾ و﴿ وَيُرْبِىِ﴾. ﴿كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ كلاهما من صيغ المبالغة، أي عظيم الكفر شديد الإثم. ﴿ فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ﴾ تنكير ((حرب)) للتهويل أي بنوع شديد من الحرب. ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ فيه ما يسمى ((الجناس الناقص)) لاختلاف شكل الحروف. المفردات اللغوية: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوَا﴾ أي يأخذون، عبَّر بالأكل عن الأخذ أو الانتفاع بالرِّبا؛ لأنه الغرض الأساسي منه، أي أن أغلب حالات الانتفاع هو الأكل. ويشمل ذلك الآخذ والمعطي، لقوله وَّ: ((لعن رسول الله وَلّ آكل الرِّبا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء))(١). والرِّبا في اللغة: الزّيادة، وفي الشرع: زيادة مالٍ مخصوص بلا عوض في (١) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود بلفظ: ((لعن الله آكل الربا ومو کله وشاهده و کاتبه)». ٩٣ الجُرُ (٣) - الفقرة: ٢٧٥/٢-٢٨١ معاوضة مال بمال، أو الزِّيادة في المعاملة من بيع أو قرض بالنقود والمطعومات في القدر أو الأجل. وهذا في رأي الشافعية، وحصره المالكية في ربا الفضل بالمقتات المدَّخر، وأما في ربا النَّسيئة فهم كالشافعية. وعممه الحنفية والحنابلة على كل مكيل وموزون. ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ أي من قبورهم. ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ يصرعه. ﴿الْمَسَِّّ﴾ الجنون والصرع. ﴿يِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم . ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ وعظ وزجر. ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي لا يسترد منه ما أخذه قبل النَّهي. ﴿ وَأَمْرُهُ﴾ في العفو عنه إلى الله . ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى أكل الرِّبا مشبِّهاً له بالبيع في الحلّ. ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَوْا﴾ ينقصه ويذهب بركته. ﴿وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ﴾ يزيدها وينميها ويضاعف ثوابها. كَفَّارٍ﴾ مقيم على كفره بتحليل الرِّبا. ﴿أَثِيمٍ﴾ فاجر أي بأكله الرِّبا، ومصرّ على الإثم ومبالغ فيه . ﴿لَا يُحِبُّ﴾ أي يعاقبه. ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي قوا أنفسكم عقابه. ﴿وَذَرُواْ﴾ اتركوا. ﴿فَأَذَنُواْ﴾ اعلموا، من أذن بالشيء: علم به . ﴿يِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ﴾ بغضب منه، وحرب من رسوله: بمعاملتكم معاملة البغاة وقتالكم بالفعل في عصره، واعتباركم أعداء له في كل عصر. ﴿وَإِن تُبْتُمْ﴾ رجعتم عنه. ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ﴾ أصول. ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ لا تأخذون الزِّيادة من الغريم . ﴿ وَلَا تَظْلَّمُونَ﴾ بنقص شيء من رأس المال. ﴿وَإِن كَانَ﴾ وجد غريم. ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ معسر بفقد المال أو كساد المتاع. ﴿فَنَظِرَةُ﴾ له، أي فعليكم تأخيره وانتظاره. ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ وقت اليسر ج والرَّخاء. ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ﴾ على المعسر بالإبراء. ﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه خير فافعلوه. ٩٤ الجُرَءُ (٣) - البقرة: ٢٧٥/٢-٢٨١ سبب النزول: نزول الآيتين (٢٧٨ - ٢٧٩): أخرج أبو يعلى في مسنده وابن منده عن ابن عباس قال: بلغنا أن هذه الآية نزلت في بني عمرو بن عوف من ثقيف، وفي بني المغيرة من بني مخزوم، وكان بنو المغيرة يُرْبون لثقيف(١)، فلما أظهر الله رسوله علی مکة، وضع يومئذٍ الرِّبا كله، فأتى بنو عمرو وبنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد، وهو على مكة، فقال بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالرِّبا، ووُضِع عن الناس غيرنا. فقال بنو عمرو: صالحنا على أن لنا ربانا، فكتب عتاب في ذلك إلى رسول الله وَلّ، فنزلت هذه الآية والتي بعدها. وأخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في ثقيف، منهم مسعود، وحبيب، وربيعة، وعبد ياليل بنو عمرو وبنو عمير. فقالت ثقيف: لا يد لنا - أي لا طاقة لنا - بحرب الله ورسوله، وتابوا، وأخذوا رؤوس أموالهم فقط. نزول الآية (٢٨٠): قال الكلبي: قالت بنو عمرو بن عمير لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا، ولكم الرِّبا ندعه لكم، فقالت بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة، فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة، فأبوا أن يؤخروهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ الآية. المناسبة: كانت الآيات السابقة في النفقة أو الصدقة من المال بغير عوض، تقرُّباً إلى الله، وطلباً لمرضاته، وتثبيتاً لأنفسهم على الإيمان. وهذه الآيات في المرابين (١) أي فكانت الدّيون لبني عمرو من ثقيف، انظر البحر المحيط: ٣٣٩/٢ ٩٥ لُروُ (٣) - الكفرَة: ٢٧٥/٢-٢٨١ الذين يأخذون المال بلا عوض يقابله، والصدقة يبارك الله فيها، وأما الرِّبا فيمحقه الله ويبطل بركته ونماءه، فالمناسبة بين الآيات التَّضاد؛ لأن الضدّ أقرب خطوراً بالبال من غيره. التفسير والبيان: الذين يأخذون الرِّبا، ويستحلُّونه حبّاً في المال وعملاً بالأهواء، ويأكلون أموال الناس بالباطل ومن غير عمل ولا جهد: مثلهم في الاضطراب والقلق وتعذيب الضمير والوجدان والانهماك في الأعمال والدُّنيا كمثل المصروعين الذين تتخبطهم الشياطين، وتمسّهم الجنّ، وتضربهم وتصرعهم، وهم في الآخرة - من وقت قيامهم من قبورهم إلى البعث والنشور - أشدّ تخبُّطاً واضطراباً وتثاقلاً في حركاتهم، بسبب ثقل المال الحرام الذي أكلوه من الرِّبا، مما جعلهم متميزين عن بقية الناس في تعثرهم وسقوطهم كلما هموا بالنهوض والقيام، وهذه صورة في غاية القبح والبشاعة، ودليل على ما يحدثه النظام الرأسمالي الرِّبوي في العالم المعاصر من هزّات وقلق واضطراب وخوف وأمراض عصبية ونفسية. وجمهور المفسرين على أن المراد بقوله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ القيام من قبورهم يوم القيامة إلى بعثهم ونشورهم، فعلامتهم أنهم لا يقومون منها إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبُّط الشيطان له، قال ابن عباس - فيما رواه ابن أبي حاتم -: ((آكل الرِّبا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق)). واقتصر جماعة (وهم ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة ومقاتل بن حيان) على القول: بأنهم لا يقومون يوم القيامة. وإنما عبَّر بالقيام؛ لأنه أبرز مظاهر النشاط في ممارسة العمل. وذلك لأنهم فهموا خطأ وتصوروا باطلاً أن الرِّبا مثل البيع، أي أن الزِّيادة الرِّبوية عند حلول أجل الدين آخراً كمثل أصل الثمن في أول العقد؛ ٩٦ لُعُ (٣) - البقرة: ٢٧٥/٢-٢٨١ لأن العرب كانت لا تعرف إلا ذلك، فكانت إذا حلَّ دينها قالت للغريم (المدين): إما أن تَقْضي، وإما أن تُرْبي، أي تزيد في الدَّين، فحرّم الله سبحانه ذلك عليهم. وبعبارة أخرى: كما يجوز لك أن تبيع الشيء في الحال نقداً بدرهمين، فلماذا لا يصحّ أن تأخذ درهماً في وقت الحاجة، ثم تدفع في وقت اليسار درهمين؟! وسبب الزيادتين واحد وهو الأجل. فردّ الله تعالى عليهم وأبان قياسهم الفاسد بقوله الحق: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّيَواْ﴾ أي أن البيع لا يكون إلا لحاجة وهو معاوضة لا غبن فيه، والرِّبا محض استغلال لحاجة المضطر، وليس له مقابل ولا عوض(١)، فقياسهم فاسد، فمن يشتري شيئاً من الطعام ويدفع ثمنه في الحال، هو محتاج إليه في الأكل أو البذر أو أي انتفاع یصون به حیاته وجسده، أما من یرابي، فلا يعقد عقد معاوضة، وإنما يأخذ الزِّيادة عن أصل الدَّين وقت حلول أجل الوفاء بدون مقابلة شيء، بل إن المصارف اليوم تشبه في عملها أفعال الجاهلية بتجميع الفوائد المتراكمة أو المركّبة، وأخذ الفائدة وفائدة الفائدة مع مرور السنوات، فصار حملة أسهم المصرف يأكلون الرِّبا أضعافاً مضاعفة، وأخذ هذه الزِّيادة وتوابعها ظلم موجب للإثم والمعصية الكبيرة. فمن بلغه تحريم الرِّبا، فانتهى عما كان يفعله، فله ما سلف أخذه من الرِّبا في الجاهلية، وأمره بالعفو عنه أو بالحكم فيه بالعدل، وإسقاط التَّبعة عنه يوم القيامة إلى الله تعالى. ومن عاد إلى أخذ الرِّبا بعد تحريمه، فقد استوجب العقوبة، واستحقّ الخلود في نار جهنم. والمراد بالخلود هنا: المكث الطويل إذا كان الفاعل مؤمناً، وعبّر به تغليظاً لفعله. (١) البحر المحيط: ٣٣٥/٢ ٩٧ الجُرَءُ (٣) - البقرة: ٢٧٥/٢-٢٨١ ثم نبّه الله تعالى على أضرار الرِّبا وتبديد أثره، فالرِّبا يذهب الله بركته، ولا ينميه ولا يزيده في الحقيقة والواقع، وإن زاد المال بسببه في الظاهر، فهو إلى ضياع وفناء. أما الصدقة: فالله ينميها ويبارك فيها، ويضاعف ثوابها، ففي الدنيا ما نقصت صدقة من مال قط، والله يعوّض المتصدِّق خيراً في بيع أو شراء أو ارتفاع ثمن أرض أو سلعة أو متاع، وفي الآخرة يجد المتصدق ثواب عمله أضعافاً مضاعفة. ومن مظاهر النَّماء المعنوية في الصدقة: أنّ المتصدِّق محبوب عند الله وعند الناس، فلا حسد ولا بغض ولا سرقة ولا إيذاء، ومن مظاهر المحق الأدبية في الرِّبا: أنّ المرابي مبغوض مكروه عند الله وعند الناس، الكل حاسد له وشامت إن ألم به أمر مكروه، والكل ينتظر له المصير المشؤوم، وهذا أمر ملحوظ في واقع المرابين، فسرعان ما يبدِّدون المال، وعاقبتهم تكون في صحّتهم وثروتهم سيئة للغاية، فهم إن بدا عليهم الغنى وقتاً ما، فإن الفقر في النهاية هو المحدق بهم غالباً. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: (من تصدَّق بِعِدْل تمرة من كسب طيِّب، ولا يقبل الله تعالى إلا طيِّاً، فإن الله تعالى يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه، كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل)). هذا في نماء الصدقة، وأمّا الرِّبا فقد عبَّرت الآية بالإضافة إلى محقه، بأن الله يعاقب صاحبه ويبغضه، ولا يرضى عن كل من يصرّ على ارتكاب المحرّمات ويحلّها، ويبغض كل كفّار أي متماد مبالغ في كفر ما أنعم الله عليه، فلا ينفق منه في سبيله، ويبغض كل أثيم أي منهمك في ارتكاب الآثام أو المعاصي، فيستغل حاجة المعسرين، ففيه تغليظ أمر الرِّبا وإيذان بأنه من فعل الكفار، لا من فعل أهل الإسلام. ثم قارن الله - كما هو شأن القرآن - فعل الكفار الآثمين بفعل المؤمنين الصالحين، ليظهر الفرق واضحاً بين الفريقين، فيكون ذلك أدعى إلى امتناع الجاحد وامتثال المؤمن الصادق. فقال: إن الذين صدقوا بالله ورسوله وبما ٩٨ الجُرع (٣) - الفقرة: ٢٧٥/٢-٢٨١ جاءهم من الأوامر والنواهي، وعملوا الصالحات التي تصلح بها نفوسهم كمواساة المحتاجين، وإنظار المعسرين، وأقاموا الصلاة التي تذكِّر المؤمن بربِّه وتقرِّبه إليه، وآتوا الزكاة المفروضة التي تساهم في تخفيف الفقر ومحبة الناس لبعضهم، لهم ثواب كامل مدَّخر عند ربّهم الذي تعهدهم بالرِّعاية في شؤونهم، ولا يخافون مما هو آتٍ، ولا يحزنون على ما فات. وخصّ الله تعالى الصّلاة والزَّكاة مع شمول الأعمال الصالحة لهما، اهتماماً بشأنهما؛ لأنهما أعظم أركان العبادة العملية. وبعد هذه المقارنة بين جزاءي أكلة الرِّبا والمؤمنين العاملين الصالحات، جاء الأمر الصريح القاطع بترك الرِّبا والتخلّص من مختلف آثاره، ومضمونه: يا من اتَّصفتم بالإيمان المتنافي مع كل حرام، قوا أنفسكم عقاب ربّكم على ترك الأوامر وفعل المنهيات، واتركوا ما بقي لكم من الرِّبا عند الناس حالاً، وإياكم والتعامل به من جديد إن كنتم مؤمنين حقّاً، وإلا فلستم بمؤمنين كاملي الإيمان؛ لأن الإيمان طاعة والتزام فلا إيمان مع المعاصي، وهو سلام ورحمة وعطف وصلة، فلا إيمان مع تعاطي الرِّبا؛ لأن الرِّبا ظلم وجشع واستغلال يتنافى مع الإخاء والإنسانية. ثم ذكر الله الوعيد على المخالفة فقال: فإن لم تتركوا الرِّبا وما بقي منه - والخطاب للمؤمنين - فإنكم محاربون لله ولرسوله أي أعداء خارجون عن شريعته، وهذا معنى قوله: ﴿فَأَذَنُواْ﴾ أي اعلموا، وحرب الله: غضبه وانتقامه من أكلة الرِّبا، في الدُّنيا بإلحاق الضّرر، وفي الآخرة بالعذاب في النار، وحرب رسوله: معاداته، ومن حارب الله ورسوله استحقّ القتال، لتجاوز شرع الله وأحكامه. وإن رجعتم عن الرِّبا امتثالاً لأمر الله، فتستحقون رؤوس أموالكم كاملة فقط، لا نقص ولا زيادة، فلا تَظْلِمون أحداً بأخذ الرِّبا، ولا تُظْلَمون بنقص شيء من أموالكم. ٩٩ الُءُ (٣) - البَقَة: ٢٧٥/٢-٢٨١ ثم يأمر الله تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقرر ما يلي: إن تعاملتم مع فقير معسر، ولم يتمكن من سداد دينه في الأجل المحدد، فأمهلوه وانتظروه إلى وقت اليسر والرَّخاء، حتى يتمكّن من أداء الدَّين، كقوله وَلّ فيما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة: ((من نفَّس عن مؤمن كربة، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يشَر الله عليه في الدُّنيا والآخرة))، والعُشْرة: ضيق الحال من جهة عدم المال، والنَّظِرة: التّأخير، والميسرة: مصدر بمعنى اليُسر. وأن تتصدَّقوا على المعسر أو الغريم بإبرائه من الدَّين كله أو بعضه، فهو خير لكم من الإنظار والتَّأجيل، وأكثر ثواباً عند الله، إن كنتم تعلمون أنه خير، ومن علم بشيء عمل به. وفي هذا حثّ على السماحة للمدين المعسر، لما فيه من تعاون وتعاضد وتراحم، كقوله وي لر فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي موسى: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً))، وقوله أيضاً - فيما رواه الطّحاوي عن بُرَيْدة بن الْخَصيب -: ((من أنظر معسراً كان له بكل يوم صدقة، ثم قلت: بكل يوم مثله صدقة؛ قال: بكل يوم صدقة ما لم يحلّ الدّين، فإذا أَنْظَرَه بعد الْخِلّ، فله بكل يوم مثله صدقة)). وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَاليه: ((من أراد أن تستجاب دعوته، وأن تكشف كربته، فليفرِّج عن معسر)). وروى مسلم عن أبي مسعود قال: قال رسول الله وَل: ((حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسراً، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال: قال الله عزّ وجلّ: نحن أحقّ بذلك منه، تجاوزوا عنه)). وفي حديث طويل لأبي اليَسَر (كعب بن عمرو) أنه سمع رسول الله وَليل يقول فيما رواه أحمد ومسلم: ((من أنظر معسراً أو وضع عنه، أظله الله في ظِلِّه))، وإنظار المعسر: تأخيره إلى أن يوسر، والوضع عنه: إسقاط الدَّين عن ذمّته. ١٠٠ الجُرَءُ (٣) - البقرة: ٢٧٥/٢-٢٨١ ثم أمر الله تعالى بالتّقوى أمراً عاماً ونبّه خلقه على محاسبتهم يوم القيامة، وحدد مصير المتّقين وذكرهم بزوال الدنيا وما فيها من أموال، ومضمون ذلك: اتَّقوا واحذروا يوماً عظيماً ترجعون فيه إلى الله تعالى، فيحاسبكم على ما عملتم، ويجازيكم على ما كسبتم من خير أو شرّ، فيثيبكم على الخير ويعاقبكم على الشّر، ويجازى كل امرئ بما يستحق من خير أو شرّ، ولا تظلمون فلا ينقص من ثوابكم شيئاً، ولا يزاد في عقوبتكم، كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَّؤْمِ الْقِيَئِمَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ ﴾ [الأنبياء: ٤٧/٢١]. ٢٤٧ حَبّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَأْ وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ قال ابن جريج: إنّ آيَة ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا﴾ نزلت قبل موت النَّبِي ◌َّ بتسع ليال، ثم لم ينزل بعدها شيء، وقال ابن جبير ومقاتل: بسبع ليال، وروي: بثلاث ليال، أو بثلاث ساعات، وقال عليه الصلاة والسلام: ((اجعلوها بين آية الرِّبا وآية الدیَّن)». وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: ((آخر ما نزل من القرآن كله: ﴿ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا﴾ وعاش النَّبِي ◌َّله بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول)». وروى النسائي وغيره عن عبد الله بن عباس قال: آخر شيء نزل من القرآن: ﴿ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فكان بين نزولها وموت النَّبِي ◌ِّل واحد وثلاثون يوماً. مراحل تحريم الرِّبا: حرَّم الله الرِّبا في القرآن كتحريم الخمر في أربعة مواضع، وسار التَّحريم في مراحل أربع، الموضع الأول منها مكي، والباقي مدني. ١ - ففي مكّة أنزل الله: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرْبُواْ فِىِّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلاَ ٢