النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
الُرُ (٣) - الَفَرة: ٢٦٠/٢
لِيَطْمَبِنَّ قَلْبِىٌ﴾ اللام إما لام ((كي)) وهي متعلقة بفعل مقدر، وتقديره:
ولكن سألتك ليطمئن قلبي، أو أرني ليطمئن قلبي، وإما لام الأمر والدعاء،
كأنه دعا لقلبه بالطمأنينة، والوجه الأول أوجه.
﴿سَعْيَاً﴾ مصدر منصوب في موضع الحال، أي يأتينك ساعيات،
كقولهم: جاء زيد ركضاً أي راكضاً.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ قَالَ﴾ واذكر حين قال ﴿رَبٍّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْنَى﴾ قال
الجمهور: لم يكن إبراهيم عليه السلام شاكّاً في إحياء الله الموتى قط، ولا في
قدرة الله، وإنّما طلب المعاينة لكيفية الإحياء؛ لأنّ النفوس تحبّ الاطلاع على
المجهول ورؤية ما أخبرت به، ولهذا قال عليه السلام: ((ليس الخبر كالمعاينة))
رواه الطبراني عن أنس.
﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنَ﴾ بقدرتي على الإحياء، والسؤال والجواب مع علمه تعالى
بإيمان إبراهيم لتعليم السامعين . ﴿بَلَى﴾ حرف جواب أي آمنت. ﴿ وَلَكِن
لِيَظْمَيِنَ قَلْبِىّ﴾ أي سألتك ليسكن قلبي بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال.
﴿فَصُرْهُنَّ﴾ أي قطعهنّ، وقيل: المعنى: أمِلْهُنّ إليك أي ضمهنّ واجمعهنّ
إليك، وقوله: ﴿إِلَيْكَ﴾ على تأويل التقطيع، متعلق بفعل ((خُذْ)) أي اجمعهنّ عندك
ثم قطّعهن، واخلط لحمهن وريشهن، ثم وَزِّع أجزاءهنّ على مجموعة من الجبال،
﴿ثُمَّ أَدْعُهُنَ﴾ نادهنّ إليك، ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيَا﴾ مسرعات، طيراناً ومشيّاً.
﴿عَزِيزٌ﴾ غالب لا يعجزه شيء .﴿حكِيمٌ﴾ في صنعه وتدبيره.
التفسير والبيان:
ونفَّذ إبراهيم الخطّة ولم يعين الله تعالى الأربعة من أي جنس هي من الطّير،
٤٢
الُ (٣) - البَفَرَة: ٢٦٠/٢
وقيل عن ابن عباس: أخذ طاووساً ونسراً وغراباً وديكاً، وفعل بهنّ ما ذكر،
وأمسك رؤوسهن عنده، ودعاهنّ، فتطايرت الأجزاء إلى بعضها، حتى
تکاملت، ثم أقبلت إلى رؤوسها.
وقال مجاهد: كانت طاووساً وغراباً وحمامةً وديكاً(١)، فذبحهنّ، ثم فعل
بهنّ ما فعل، ثم دعاهنّ، فأتين مسرعات، وهكذا يحيي الله الموتى بمجرد الأمر
الإلهي: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ
ج﴾ [يس:
٨٢/٣٦]، ﴿فَقَالَ لَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوَّعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآ أَنْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت:
٤١ / ١١].
وخلاصة القصّة: كان إبراهيم عليه السلام محبّاً للاستطلاع، فلما أوحى
الله تعالى إليه أنه سيحيي الموتى ويحشرهم يوم القيامة، ليجازي المحسن بإحسانه
والمسيء بإساءته، فأحبّ أن يرى ميتاً عاد حيّاً، فسأل الله ذلك، ليطمئن
قلبه، فأمره الله تعالى أن يأخذ أربعة طيور، فيذبحها، ويفرِّق أجزاءها على
الجبال، ثم يدعوها إليه، وحينئذٍ يرى كيف يعود الميت حيّاً، ففعل ودعا
الطيور إليه، فجاءت صحيحة، كأنها لم تمت أصلاً.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه القصة دليل آخر على إثبات قدرة الله على إحياء الموتى، مهما تلاشت
أجزاؤها، وتفتت ذراتها، وتطاول الزمان على موتها. ولم يكن إبراهيم عليه
السلام شاكّاً في القدرة الإلهية على ذلك، وإنما ليثبت الاعتقاد بالتجربة الحسيّة
أو الخبر والمعاينة، وهذا يشير إلى أهمية العلم التجريبي، والاختبارات
العملية، لمعرفة كيفية تركيب الأشياء.
ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشّك، فإنه كفر،
والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث، وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه
(١) البحر المحيط: ٢٩٩/٢
٤٣
الجُرُ (٣) - البَفَرَّة: ٢٦٠/٢
ليس للشيطان عليهم سبيل، فقال: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)
[الإسراء: ٦٥/١٧]، وفي آية أخرى ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ﴾
[الحجر: ٣٩/١٥-٤٠]، وإذا لم يكن له عليهم سلطنة، فكيف يشككهم؟!
وإنما سأل إبراهيم عليه السلام أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد
تفريقها، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يترقى من علم
اليقين إلى عين اليقين، فقوله: ﴿أَرِنِ كَيْفَ﴾ طلب مشاهدة الكيفية، وليس
اختبار القدرة الإلهية على الإحياء أو الإنشاء.
ثم إنه طلب طمأنينة القلب: وهي أن يسكن فكره في الشيء المعتقَد، ليتبيّن
الفرق بين المعلوم برهاناً والمعلوم عياناً.
ولقد ذهبت كلمة إبراهيم مثلاً بين الناس عند التصديق بالشيء، وطلب
التأكُّد من حصول الفعل، فيطلب الشخص من غيره ما يؤكد الوعد أو القول
أو الفعل قائلاً: ﴿وَلَكِن لِيَطْمَبِنَ قَلْبِىّ﴾ مع توافر الثقة والائتمان.
وطلب إبراهيم وجيه، وبخاصة في عصرنا، حيث كثرت الشكوك، وسخر
بعض الناس من احتمال بعث الأجساد والأرواح التي مات أصحابها في البرّ
والبحر والجوّ، على مدى مرور آلاف السنين، وكثرة ملايين البشر من بدء
الخليقة إلى يوم القيامة، فكان هذا الطلب في محله ليخرس الألسنة، ويطمئن
الأفئدة ويزيل الشكوك في المعتقدات.
وهو أيضاً مثال ثالث لولاية الله تعالى للمؤمنين، وإخراجه إياهم من
الظلمات إلى النور، وهو كالذي قبله من آيات البعث، وكان المثال الأول:
وهو محاجّة من آتاه الله الملك لإبراهيم، للدلالة على وجود الله، والمثال
الثاني: إماتة العزير مئة عام، والمثال الثالث: إماتة أربعة من الطيور. والحكمة
في ذكر مثال واحد في إثبات الرّبوبيّة ومثالين في إثبات البعث أن منكري البعث
أكثر من منكري الألوهية.
٤٤
الُعُ (٣) - البَفَرَة: ٢٦١/٢-٢٦٤
وأرشد قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ﴾ إلى ما ينبغي للإنسان أن يقف عنده،
فلا يتعداه إلى ماليس من شأنه. وفي هذا الإرشاد لخليل الرحمن تأديب للمؤمنين
كافة، ومنع لم عن التّفكر في كيفية التكوين، وشَغْل نفوسهم بما استأثر الله
تعالی به، فلا یلیق بهم البحث عنه.
والحكمة في اختيار الطير على غيره: أن الطَّير أقرب إلى الإنسان، وأجمع
لخواص الحيوان، ولسهولة إجراء التجربة عليها، ولأن الطير أكثر نفوراً من
الإنسان في الغالب، فإتيانها بمجرد الدعوة أبلغ في المثل.
وأما كون الطيور أربعة فيفوّض فيه أمره إلى الله تعالى؛ لأن العدد تعبدي
غالباً، وقيل: إنه الموافق لعدد الطبائع أو لعدد الرياح، وهو ليس بشيء، كما
جاء في تفسير المنار.
ثواب الإنفاق في سبيل اللَّه وآدابه
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ
سَنَاِلَ فِى كُلِّ سُتْلَةٍ مِّأْئَةُ حَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ
٢٦
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ مَنَّا وَلَآَ أَذْىٌّ لَهُمْ
أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ
وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَىُّ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ
٦٣
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَّءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ, كَمَثَلِ صَفْوَاٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًّا لَّا
يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الْكَفِرِينَ
(٢٦٤)
القراءات:
﴿ يُضَعِفُ﴾: قرئ:
٤٥
الجزء (٣) - البقرة: ٢٦١/٢-٢٦٤
١- (يضعَّف) وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر.
٢- (يضاعف) وهي قراءة الباقين.
﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾: قرئ:
١- (لاخوفٌ عليهم) وهي قراءة حمزة.
٢- (لاخوفٌ عليهِم) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿ أَنْبَتَتْ﴾ جملة فعلية في موضع جر صفة ((لحبة)). ﴿فِي كُلِّ سُتَبْلَةٍ مِّأْئَةُ
مبتدأ مؤخر وخبر مقدم.
حبّةٍ ﴾
﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ﴾ قول: مبتدأ، ومغفرة: معطوف عليه، وخير:
٦
خبر.
يَتْبَعُهَآ أَذَىُّ﴾ جملة فعلية في موضع جر صفة ﴿صَدَقَةٍ﴾.
كَلَّذِى يُنفِقُ﴾ الكاف في موضع نصب صفة لمصدر محذوف وتقديره:
إيطالاً كالذي.
﴿رِثَّءَ النَّاسِ﴾ منصوب: إما لأنه مفعول لأجله، أو لأنه حال، أو صفة
لمصدر محذوف تقديره، إنفاقاً.
﴿كَمَثَلِ﴾ في موضع رفع لأنه خبر المبتدأ وهو: مَثَلُه. وصفوان: إما مفرد
أو اسم جنس واحده صفوانة، مثل دُرّ ودرّة. وقال ﴿عَلَيْهِ﴾ بالتذكير؛ لأن
اسم الجنس مذكر.
﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ جملة اسمية في موضع جر لأنها صفة لصفوان.
٤٦
الزُعُ (٣) - البَقَرة: ٢٦١/٢-٢٦٤
البلاغة:
﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ تشبيه مرسل لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه، شبه
تعالى الصدقة التي تنفق في سبيله بحبة زرعت وباركها الله، فأصبحت سبع مئة
حبّة.
﴿ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ مجاز عقلي؛ إذ أسند الإنبات إلى الحبة، مع أن
المنبت هو الله تعالى.
﴿مَنَّا وَلَا أَذْىٌّ﴾ ذكر العام بعد الخاص لإفادة الشمول؛ لأن الأذى أعم
من المنّ.
﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ فيه تشبيه تمثيلي؛ لأن وجه الشبه منتزع من
متعدد.
المفردات اللغوية:
﴿مَّثَلُ﴾ صفة نفقات المنفقين في سبيل الله. ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما يؤدي إلى
مرضاته تعالى. ﴿حَبَّةٍ﴾ واحدة الحبّ الذي يزرع. ﴿وَاسِعُ﴾ فضله. ﴿عَلِيمٌ﴾
بمن يستحقّ مضاعفة الثواب.
﴿مَنَّا﴾ المنّ: أن يذكر المحسن إحسانه على المنفق عليه، ويظهر تفضله
عليه، فيقول: قد أحسنت إليه وجبرت حاله. (أذىً﴾ الأذى: التّطاول
والتّفاخر بالإنفاق، وذكره إلى من لا يحبّ اطلاعه عليه، أو التَّبرم منه.
﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ثواب إنفاقهم. ﴿يَحْزَنُونَ﴾ في الآخرة. ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾
كلام حسن وردّ جميل على السائل. ﴿وَمَغْفِرَةَ﴾ ستر وتجاوز لإلحاحه في السؤال
وغيره.
﴿خَيْرٌ﴾ أنفع وأكثر فائدة. ﴿غَنِىُّ﴾ عن صدقة العباد. ﴿حَلِيمٌ﴾ بتأخير
٤٧
اِلُعُ (٣) - البقرة: ٢٦١/٢ -٢٦٤
العقوبة عن المانّ والمؤذي . ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ﴾ أي أجورها كإبطال نفقة
المرائي للناس.
﴿رِئَّءَ النَّاسِ﴾ مراءة لهم وشُمعة، أي يفعل الخير مباهاة أو لأجل أن يروه
فيحمدوه.
﴿صَفْوَانٍ﴾ حجر أملس. ﴿وَابِلٌ﴾ مطر شديد. (صَلّدًا﴾ صلباً أملس ليس
عليه تراب أو غبار . ﴿لَّا يَقْدِرُونَ﴾ استئناف كلام لبيان مثل المنافق المنفق
رئاء الناس. وجمع الضمير باعتبار معنى الذي، والمراد لا يجدون ولا يملكون
شيئاً . ﴿مِّمَّا كَسَبُواْ﴾ عملوا، أي لا يجدون له ثواباً في الآخرة، كما لا
يوجد على الصفوان شيء من التراب الذي كان عليه، لإذهاب المطر له.
سبب النزول:
قال الكلبي: نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، أما عبد
الرحمن بن عوف فإنه جاء إلى النَّبي ◌َّ بأربعة آلاف درهم صدقة، فقال: كان
عندي ثمانية آلاف درهم، فأمسكت منها لنفسي ولعيالي أربعة آلاف درهم،
وأربعة آلاف أقرضتها ربي، فقال له رسول الله وَله: ((بارك الله لك فيما
أمسكت وفيما أعطيت)).
وأما عثمان رضي الله عنه، فقال: علي جهاز من لا جهاز له في غزوة
تبوك، فجهّز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، وتصدّق برومة ركية
كانت له على المسلمين(١)، فنزلت فيهما هذه الآية.
وقال أبو سعيد الخدري: رأيت رسول الله صل# رافعاً يده يدعو لعثمان،
ويقول: ((يا ربّ، إن عثمان بن عفان رضيت عنه، فارضَ عنه)) فما زال رافعاً
(١) وفي رواية: ووضع بين يدي رسول الله﴿ ألف دينار، فصار رسول الله،فضل يقلّبها ويقول:
((ما ضّ عثمان ما فعل بعد اليوم)).
٤٨
للجَعُ (٣) - البقرة: ٢٦١/٢-٢٦٤
يده حتى طلع الفجر، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية (١).
المناسبة:
أثبتت الآيات السابقة أمر البعث، وأن الناس يبعثون إلى دار يوفّون فيها
أجورهم بغير حساب، وذكر هنا فضيلة الإنفاق في سبيل الله، وسبل الله
كثيرة، مثل نشر العلم ومحاولة القضاء على الجهل والفقر والمرض، وأعظمها
الجهاد لتكون كلمة الله (أي دين الإسلام) هي العليا، فمن جاهد بعد هذا
البرهان على البعث الذي لا يأتي به إلا نبي، فله في جهاده الثواب العظيم.
وقد رغَّب القرآن الكريم في مواضع عديدة بالإنفاق؛ لأنه وسيلة إغناء
وتحقيق رفاه للجميع، وواسطة متعيِّنة لصون عزّة الأمة وكرامتها ودحر عدوان
المعتدين عليها، فما بخلت أمة بمالها إلا حاق بها الذُّل والاستعباد، وتكالبت
عليها الأمم، روى البستي في صحيح مسنده عن ابن عمر قال: لما نزلت هذه
الآية، قال رسول الله وَّر: ((ربِّ زد أمتي" فنزلت: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ
قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قال رسول الله وَّهِ: ((ربِّ زد
أمتي)) فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
التفسير والبيان:
هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء
مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، فأبان تعالى
أن صفة نفقات المنفقين أموالهم في طاعة الله تعالى وابتغاء رضوانه وحسن
مثوبته كنشر العلم والجهاد وإعداد السلاح والحج والدفاع عن الوطن
والأهل، كصفة حبة زرعت في أرض خصبة، فأنبتت سبع سنابل، في كل
(١) أسباب النزول للنيسابوري: ص ٤٧-٤٨، تفسير القرطبي: ٣٠٣/٣
٤٩
لالُعُ (٣) - البقرة: ٢٦١/٢-٢٦٤
سنبلة مئة حبة، وقد ثبت لدى متخصصي الزراعة أن الحبة الواحدة من قمح أو
أرز أو ذرة مثلاً لا تنبت سنبلة واحدة، بل أكثر، قد تصل إلى أربعين أو ست
وخمسين أو سبعين، وأن السنبلة قد تشتمل على أكثر من مئة حبة، وقد أنبتت
فعلاً مئة وسبع حبات. وهذا تصوير لمضاعفة ثواب المنفق.
﴿وَاَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي بحسب إخلاصه في عمله، فيزيده أكثر من
ذلك، والله تعالى لا ينحصر فضله، ولا يحدّ عطاؤه، ففضله واسع كثير، أکثر
من خلقه، عليم بمن يستحق هذه المضاعفة ممن لا يستحقها.
وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبع مئة؛ لأن التحديد والتعداد
يظل فيه قصور، وأما عدم التحديد بحدّ فيشير إلى احتمال النمو والبركة
والزيادة. وفيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عزّ وجلّ لأصحابها،
كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة، وقد وردت السُّنة بتضعيف
الحسنة إلى سبع مئة ضعف.
روى ابن ماجه وابن أبي حاتم الحديث الأول عن علي وأبي الدّرداء،
والثاني عن عمران بن حصين عن رسول الله وسلم قال: ((من أرسل بنفقة في
سبيل الله، وأقام في بيته، فله بكل درهم سبع مئة درهم يوم القيامة، ومن غزا
في سبيل الله، وأنفق في جهة ذلك، فله بكل درهم سبع مئة درهم))، ثم تلا
هذه الآية: ﴿وَاَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ﴾.
وروى الإمام أحمد عن أبي عبيدة، قال: سمعت رسول الله وَ ل و يقول: ((من
أنفق نفقة في سبيل الله، فسبع مئة، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضاً
أو أماط أذى، فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جُنَّة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه
الله عزّ وجلّ ببلاء في جسده، فهو له حطة)) وروى النسائي بعضه في الصوم.
ومن شروط الإنفاق وآدابه لاستحقاق هذا الثواب في الآخرة: ألا يتبعوا
ما أنفقوا أو بذلوا منّاً على الفقير بأن يحاسبه على ما أعطاه ويظهر تفضُّله عليه،
٥٠
الُرُ (٣) - البقرة: ٢٦١/٢ -٢٦٤
ولا أذى أو ضرراً بأن يتطاول عليه ويطلب جزاء عمله. فهؤلاء الباذلون
الذين لا يمتثُّون ولا يؤذون من أحسنوا إليهم لهم ثواب كامل لا يُقْدَر قَدْرِه،
ولا خوف عليهم حين يخاف الناس، ولا هم يحزنون حين يحزن الناس
البخلاء الذين لا ينفقون شيئاً في سبيل الله، فيندمون، كما قال تعالى:
﴿ وَأَنْفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخْتَنِىّ
إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّذَّفَ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّلِحِينَ (٣)﴾ [المنافقون: ١٠/٦٣].
والكلام الحسن، والرّد الجميل على السائل وعدم الصدقة، وستر ما يقع
منه من إلحاف في السؤال وغيره، خير للسائل والمسؤول من صدقة يتبعها أذى
وضرر؛ إذ الصدقة شرعت للأخذ بيد الضعيف، وتخفيف حدّة الحسد والحقد
على الأغنياء، ولتحصين مال الغني من السرقة والنهب والضياع؛ والمنّ
والأذى يخرجها عن هذه الغاية السامية التي شرعت لها، والله غني عن صدقة
عباده، فيستطيع أن يرزق الجميع، حليم لا يعجل بعقوبة المسيء، كمن يمنّ أو
يؤذي، ولكنها الحكمة البالغة التي مدارها الابتلاء والاختبار، ومعرفة من
يجاهد نفسه الشحيحة، فيحملها على البذل وتنفيذ التكاليف الإلهية عن رضا
وطيب خاطر، وقد شرع الله الصدقة سبيلاً لكسب المودّة، وجلب المحبّة،
وتأكيد الصلة والتعاطف والتعاون بين الجميع.
ومن أجل استئصال طبيعة المنّ والأذى في نفوس الناس، أكّد سبحانه ما
أخبر به من صفات المستحقين للثواب العظيم وهو عدم إتباع صدقاتهم بالمنّ
والأذى، وأن الأذى من شوائب الصدقة المكروه الذي يسقط الأجر
والثواب، أكّد ذلك بخطاب المؤمنين بصفة الإيمان التي تدعو إلى التقيّد بالأمر
الإلهي، فنهاهم وحرم عليهم المنّ والأذى؛ لأن صفاء الصدقة وجعلها
خالصة لله أدعى لقبولها واستحقاق ثوابها.
ولأن من يتبع صدقته بمنّ أو أذى يشبه حال من ينفق ماله رياء وسمعة،
٥١
لُعُ (٣) - البقرة: ٢٦١/٢-٢٦٤
لأجل أن يحمده الناس، وليقال عنه: إنه كريم جواد، ونحو ذلك من مقاصد
الدُّنيا الفانية، لا لابتغاء رضوان الله، وترقية شؤون الأمة، وهذا المرائي في
الواقع لا يؤمن بالله واليوم الآخر إيماناً صحيحاً، حتى يرجو ثواباً أو يخشى
عقاباً، ومثله الذي يمنّ ويؤذي السائل.
وصفةُ عمل كل من المرائي والذي يمنّ ويؤذي كصفة تراب على حجر
أملس، نزل عليه مطر شديد، فأزال التراب وترك الحجر أملس لا شيء عليه، .
أي أنه لا ثمرة ولا بقاء لعمله، وإنما يضمحل ويتبدد بالظواهر الطارئة، ويبقى
فارغاً لا أثر لعمله، ولا ينتفع بشيء مما فعل لا في الدُّنيا ولا في الآخرة، أما
في الدُّنيا فلأنّ المنّان بغيض إلى الناس، والمرائي مذموم منبوذ لدى المجتمع،
وأما في الآخرة فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له وابتغي به
وجهه، والرِّياء ومثله المنّ والأذى ينافي الإخلاص، وهو نوع من الشرك بالله
إذ هو الشرك الخفي؛ فإن صاحبه يقصد به غير الله.
والله لا يهدي القوم الكافرين لما فيه خيرهم ورشادهم ما داموا على الكفر،
أو لا يهديهم في أعمالهم وهم على الكفر(١)، وأما الإيمان فهو الذي يهدي
صاحبه إلى الإخلاص والخير وابتغاء وجه الله، والتأدُّب بالإنفاق بما أدّب الله
به أهل الإيمان. وهذا يشير إلى أنّ كلاً من الرياء والمنّ من صفات الكافرين لا
من صفات المؤمنين.
فقه الحياة أو الأحكام:
١ - تضمنت الآية بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله، والتحريض
والحثّ على الإنفاق في سبيل الله، إما عن طريق حذف مضاف تقديره: مثل
نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة، وإما بطريق آخر: مَثَل
(١) البحر المحيط: ٣١٠/٢
١
٥٢
الجُرُ (٣) - البقرة: ٢٦١/٢-٢٦٤
الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع زرع في الأرض حبة، فأنبتت الحبة سبع
سنابل، فشبه المتصدّق بالزارع، وشبّه الصدقة بالبذر، فيعطيه الله بكل صدقة
له سبع مئة حسنة.
٠ ٢ - وهي تشمل الإنفاق المندوب إليه، والواجب أيضاً؛ لأن سبل الله
كثيرة، ولا حاجة للقول: بأنها نزلت قبل آية الزكاة، ثم نسخت بآية الزكاة؛
لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كل وقت.
٣ - وقد ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها،
واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبع مئة ضعف، ثم دلّ قوله
تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ على أنه تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من
سبعمائة ضعف، بدليل حديث ابن عمر المتقدم في مناسبة الآية.
٤ - وفي هذه الآية دليل على أن اتِّخاذ الزرع من أعلى الْخِرَف التي يتّخذها
الناس، والمكاسب التي يشتغل بها العمال، ولذلك ضرب الله به المثل، فقال:
﴿َثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ﴾. وفي صحيح مسلم عن النَّبِي ◌َّ: ((ما من
مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلا
كان له صدقة))، وأخرج الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله وَله:
((التمسوا الرزق في خبايا الأرض)) يعني الزرع. والزراعة من فروض الكفاية،
فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها، وغرس الأشجار في معناها.
٥ - الإنفاق في سبيل الله دون مَنّ ولا أذى سبب لرضوان الله، كما رضي
الله ورسوله عن عثمان الذي جهز جيش العُشرة، وجاء بألف دينار ووضعها
بين يدي رسول الله وَله، فقال: ((ما ضرّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم، اللهم
لا تنس هذا اليوم لعثمان)».
وهذا الرضا الإلهي والثواب العظيم إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه مَنّاً ولا
أذى؛ لأن المنّ والأذى مبطلان لثواب الصدقة، كما أخبر تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
٥٣
الُعُ (٣) - البقرة: ٢٦١/٢ -٢٦٤
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَاَلْأَذَى﴾ وإنما على المرء أن يريد وجه
الله تعالى وثوابَه بإنفاقه على المنفَق عليه، ولا يرجو منه شيئاً، قال تعالى: ﴿إِنَّا
تُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرُبِدُ مِنْكُمْ جَزَآءَ وَلَا شَكُورًا (جَ﴾ [الإنسان: ٩/٧٦]. ومن طلب
بعطائه الجزاء والشكر والثناء، كان صاحب سمعة ورياء. قال ابن عباس: في
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (﴾﴾ [المدثر: ٦/٧٤]، أي لا تُعْطِ عطية تلتمس
بها أفضل منها.
٦ - المنّ من الكبائر، والمنّ: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع
بها، مثل أن يقول: قد أحسنت إليك، ونَعَشْتُك ونحوه، وقال بعضهم: المنّ:
التحدّث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطی فیؤذیه. ودلیل کونه من الكبائر: ما
ثبت في صحيح مسلم وغيره، وأنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم، ولا
يزكيهم، ولهم عذاب أليم. وروى النسائي عن ابن عمر قال: قال رسول الله
وَله: ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقُّ لوالديه، والمرأة المترجِّلة
تتشبه بالرجال، والدُيوث. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاقّ لوالديه، والمدمن
الخمر، والمنّان بما أعطى))(١).
والأذى: السب والتشكي، وهو أعم من المنّ؛ لأن المنّ جزء من الأذى،
لكنه نص عليه لكثرة وقوعه.
والمن والأذى هادم للفائدة المقصودة من الصدقة ومبطل لها: وهو تخفيف
بؤس المحتاجين ودفع غائلة الفقر عنهم.
٧ - جعل الله تعالى ثواب النفقة في سبيله أموراً ثلاثة: ضمن الله له
الأجر، والأجر الجنة، ونفى عنه الخوف بعد موته في المستقبل، وأذهب عنه
الحزن أو الألم على ما سلف في الدنيا؛ لأنه يغتبط بآخرته، فقال: ﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ
(١) وروى القسم الأخير أيضاً ابن مردويه وابن حبان والحاكم في مستدركه.
٥٤
الجُزءُ (٣) - البقرة: ٢٦١/٢-٢٦٤
عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وفيها دلالة لمن فضَّل الغنى
على الفقر.
٨ - القول المعروف خير من صدقة الأذى، والقول المعروف: هو الدعاء
والتأنيس والترجية بما عند الله. وهذا فيه أجر، ولا أجر فيها، قال وَلّ فيما
أخرجه مسلم: ((الكلمة الطيبة صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه
طَلِقٍ)) أي يتلقى السائل بالبشر والترحيب، ويقابله بالطلاقة والتقريب، ليكون
مشكوراً إن أعطى، ومعذوراً إن منع، وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَإِمَا تُعْرِضَنَّ
[الإسراء: ٢٨/١٧].
٢٨
عَنْهُمُ أَنْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّيِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا
وأيضاً الفعل المؤدي إلى المغفرة خير من صدقة يتبعها أذى. والمغفرة: ستر
سوء حالة المحتاج، أو التجاوز عن السائل إذا أَخَّ وأغلظ وجَفَى.
ودلت آية ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ﴾ على مبدأ مهم عام في الشريعة وهو ((درء
المفاسد مقدم على جلب المصالح)).
٩ - لا تقبل الصدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه يمنّ أو يؤذي بها، وعبر
الله تعالى عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبطال. والمراد إبطال الصدقة
المصحوبة بالمن أو الأذى، لا غيرها، فالمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقةً
غيرها، وإنما يقتصر الأمر على حرمان المرائي والمنان من الانتفاع بصدقته
المشتملة على الرياء أو المن.
ودل قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ﴾ على تسلية الفقراء، وتعليق قلوبهم
بجبل الرجاء بالله الغني الحليم، وتهديد الأغنياء وإنذارهم بأن لا يغتروا بحلم
الله وإمهاله إياهم.
١٠ - كره الإمام مالك لهذه الآية: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ﴾ أن يعطي
الرجل صدقته الواجبة أقاربه، لئلا يعتاض منهم الحمد والثناء، ويظهر منَّته
٥٥
الجزء (٣) - البقرة: ٢٦١/٢ -٢٦٤
عليهم، ويكافئوه عليها، فلا تخلص لوجه الله تعالى. واستحب أن يعطيها
الأجانب، وأن يولّي غيره تفريقها إذا لم يكن الإمام عدلاً، لئلا تحبط بالمن
والأذى والشكر والثناء والمكافأة بالخدمة من الْمُعْطَى.
وهذا بخلاف صدقة التطوع السرِّية؛ لأن ثوابها إذا حبِط سلِم من الوعيد،
وصار في حكم من لم يفعل، والواجب إذا حبط ثوابه توجه الوعيد عليه،
لكونه في حكم من لم يفعل.
١١ - صاحب المن والأذى مثل المرائي المنافق، عمل كل منهما باطل لا
فائدة فيه، ولا فضل له، ولا دوام لأثره. وإنما ينمحي بسرعة، كما تعصف
الرياح بالغبار الموجود على الحجارة أو الصخور الصلبة الملساء، وتعد أفعال
المرائي الواجبة أو الخيرية من صلاةو وصيام وتطوع كلها باطلة، لاتجاه قلبه
إلى من يرائيه، لا إلى الله الصمد الذي يستحق العبادة دون سواه.
ويوصف كل من المرائي والمّان أيضاً بأنه لا يؤمن حقاً بالله ولا باليوم
الآخر؛ لأن قصده من فعله مدح الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة
ليشكره الناس أو ليقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية.
ولا يقدر المرائي الكافر والمانّ على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو
كسبهم، عند حاجتهم إليه؛ إذ كان لغير الله، فعبَّر عن النفقة بالكسب؛ لأنهم
قصدوا بها الكسب. وفي قوله تعالى: ﴿لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا
كَسَبُواْ﴾ تعريض بأن كلاً من الرياء والمن والأذى من صفات الكافرين، لا
المؤمنين، فلا ينبغي للمؤمنين الاتصاف بها، وعليهم تجنبها؛ لأن الإخلاص
الله هو من صفات الإيمان، قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
اُلْدِينَ﴾ [البينة: ٥/٩٨].
٥٦
لُجُرُءُ (٣) - البقرة: ٢٦٥/٢-٢٦٦
الإنفاق لمرضاة الله والإنفاق لغير وجه الله
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيْتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ
كَمَثَلِ جَنَّةِمٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا
وَابِلٌ فَطَلٌْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُ ﴿َ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ
مِّن تَّخِيلٍ وَأَعْنَانٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ
اُلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَأَحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
٦٦
القراءات:
﴿مَرْضَاتِ﴾:
وقف الكسائي بالهاء مع الإمالة، والباقون بالتاء مع الفتح.
(بِرَبْوَةٍ﴾: قرئ:
١- بفتح الراء وهي قراءة ابن عامر، وعاصم.
٢- بضم الراء وهي قراءة باقي السبعة.
﴿أُڪُلَهَا﴾: وقرئ:
بضم الهمزة وإسكان الكاف، وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو.
الإعراب:
﴿أَبْتِغَاءَ﴾ و﴿وَتَتْبِيتًا﴾ منصوبان على المفعول لأجله. ﴿كَمَثَلٍ جَنَّةِمٍ﴾
الكاف في موضع رفع خبر مبتدأ وهو قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ﴾. ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ جار
ومجرور في موضع جر صفة لجنة و﴿أَصَابَهَا وَائِلٌ﴾ جملة فعلية في موضع جر
٠٫
٥٧
الُ (٣) - البَفَة: ٢٦٥/٢-٢٦٦
صفة لجنة أو الربوة. ﴿مِّن نَّخِيلٍ﴾ جار ومجرور في موضع رفع وصف لجنة
﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا﴾ إما مرفوع وصف ثان للجنة، وإما منصوب على الحال من
﴿جَنَّةِ﴾ لأنها قد وصفت. ﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَرَتِ﴾ في موضع نصب
على الحال من ﴿أَحَدُكُمْ﴾. و﴿ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ عطف على قوله: ﴿فِيهَا﴾.
وقال الزمخشري: الواو للحال، لا للعطف، ومعناه: أن تكون له جنة، وقد
أصابه الكبر.
البلاغة:
﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَرَتِ﴾ ذكر العام بعد الخاص وهو النخيل
والعنب؛ لأنهما أكرم الشجر وأكثرهما منافع فخصهما بالذكر تغليباً لهما على
غيرهما، ثم أردفهما ذكر كل الثمرات. ويجوز أن يريد بالثمرات: المنافع التي
کانت تحصل له فيها.
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ استعارة تمثيلية، وهي تشبيه حال
بحال، لم يذكر المشبه ولا أداة التشبيه، وإنما ذكر المشبه به فقط، ودلت القرائن
على إرادة التشبيه. وهمزة ﴿أَيَّوَدُّ﴾ للاستفهام الإنكاري أي ما يود أحد ذلك.
٠
المفردات اللغوية:
﴿ وَمَثَلُ﴾ صفة نفقات المنفقين ﴿أَبْتِغَآَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي طلباً لرضوانه
{وَتَتْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ تحقيقاً للثواب أو تصديقاً ويقيناً بثواب الإنفاق من
عند أنفسهم، ومن: ابتدائية، أي مبتدأ من أنفسهم، أو تمكين أنفسهم في
مرتبة الإيمان والإحسان، بخلاف المنافقين المترددين في إيمانهم ولا يرجون
الثواب، وقال ابن كثير: أي وهم متحققون ومتثبتون أن الله سيجزيهم على
ذلك أوفر الجزاء، ونظير هذا الحديث المتفق على صحته: ((من صام رمضان
إيماناً واحتساباً)) أي يؤمن أن الله شرعه ويحتسب عند الله ثوابه ﴿كَمَثَلٍ
٥٨
الجُرُ (٣) - البقرة: ٢٦٥/٢-٢٦٦
جَنَّةٍ﴾ بستان ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ مكان مرتفع من الأرض ﴿وَابِلٌ﴾ مطر غزير
﴿فَكَانَتْ﴾ أعطت ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ مثلي ما يثمر غيرها
﴿فَطَلٌ﴾ مطر خفيف يصيبها ويكفيها لارتفاعها، والمعنى: تثمر وتزكو، كثر
المطر أم قل، فكذلك نفقات من ذكر، تزكو عند الله، كثرت أم قلت ﴿وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم به.
﴿أَيَوَدُ﴾ أيحب، والهمزة للاستفهام الإنكاري والنفي، أي ما يود أحد
ذلك.
﴿ وَأَعْنَابٍ﴾ ثمر الكرم ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ﴾ أولاد صغار لا يقدرون على
شيء.
﴿إِعْصَارٌ﴾ ربح شديدة، تستدير في الأرض بشدة، ثم ترتفع إلى الجو
حاملة الغبار، كهيئة العمود وهي الزوبعة ﴿نَارٌ﴾ سموم شديدة، المراد: ريح
فيها برد شديد وسموم يحرق الشجر(١) ﴿كَذَلِكَ﴾ كما بين ما ذكر ﴿يُبَيِّنُ
اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ فتعتبروا. وهذا تمثيل لنفقة المرائي
والمانّ، في ذهابها وعدم نفعها، مع أنه أحوج ما يكون لثوابها في الآخرة.
التفسير والبيان:
صفة نفقات المنفقين أموالهم طلباً لرضوان الله ومغفرته، وهم متحققون
ومتثبتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء، أو تثبيتاً لأنفسهم على الإيمان
واليقين(٢) بترويض أنفسهم على إنفاق المال الذي هو شقيق الروح، وبذل
(١) قال الحسن البصري: الإعصار: ريح فيها برد شديد. وقال ابن عباس: ريح فيها سموم
شديدة، وكذا قال السدي: الإعصار: الريح والنار السموم، قال ابن عطية: ويكون ذلك في
شدة الحر، ويكون في شدة البرد، وكل ذلك من فيح جهنم ونَفَسِها.
(٢) قال ابن عباس: معناه: تصديقاً ويقيناً، وقال قتادة: معناه: احتساباً من أنفسهم، وقال
الشعبي والسدي وغيرهما: معناه: وتيقناً، أي أن نفوسهم لها بصائر، فهي تثبتهم على=
٥٩
لُعُ (٣) - البقرة: ٢٦٥/٢-٢٦٦
أشق شيء على النفس من سائر العبادات ومن الإيمان، صفة نفقاتهم الكثيرة
والقليلة كبستان جيد التربة، ملتف الشجر، خصب النبات، وهو بمكان
مرتفع متمتع بالشمس والهواء، ينزل عليه المطر الغزير، فيثمر ضعفي غلته،
وإذا نزل عليه مطر خفيف أثمر أيضاً لجودة تربته وكرم منبته، وحسن موقعه.
وإنما وصف البستان بكونه في ربوة: مكان مرتفع، فلأن الشجر في الربوة
أزكى وأحسن ثمراً. وإنما قال من أنفسهم أي مبتدأ منها دون عامل خارجي
ليدل على أن إنفاقه نابع من ذاته ویقینه، وقناعته بجدوی فعله، ومجاهدته بخل
النفس، كما قال تعالى: ﴿وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[الأنفال: ٨ / ٧٢].
والمعنى في هذا التشبيه: أن المنفق لله وفي سبيله ويقصد تثبيت نفسه على بذل
المال وفعل الخير أو التأكد من نيل الثواب يجود بقدر سعته، فإن أصابه خیر
كثير أنفق كثيراً، وإن أصابه قليل أنفق بقدر طاقته، فخيره دائم وبره لا
ينقطع، فهو محسن في كلا الحالين، ويجد ثمرة بذله على كل حال، فهو
كالأرض الجيدة التربة الخصبة النبات تثمر مطلقاً وتغل الخير، ونتاجها وفير
دائماً، سواء أصابها مطر كثير أو قليل.
والله لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده، ويجازي كلاً من المخلص والمرائي
بما يستحق.
= الإنفاق في طاعة الله تعالى تثبيتاً. قال القرطبى: وهذه الأقوال الثلاث أصوب من قول غيرهم.
والخلاصة: أن لهذه الكلمة معنيين: إما التيقن من ثواب الله، وإما تثبيت النفس على الإيمان
ومجاهدتها من أجل البذل في سبيل الله، أي تزكية النفس وتطهيرها من مرض البخل وحب
المال، والمعنى الثاني أولى؛ لأنه قال: من أنفسهم، ولم يقل: لأنفسهم، قال أبو حيان: (في
البحر المحيط: ٣١١/٢) معناه أن من بذل ماله لوجه الله، فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل
ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها.
٦٠
الزرعُ (٣) - البقرة: ٢٦٥/٢-٢٦٦
هذا هو المثال الأول لمن ينفق ماله ابتغاء وجه الرحمن وطلب رضوانه،
والمثال الثاني لمن ينفق على عكس الأول في سبيل الشيطان والهوى أو لغير وجه
الله. وبدأه تعالى بالإنكار والنفي؛ لأن شأن المؤمن المخلص ألا يقصد ذلك،
فهو مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي وجه الله، فإذا كان يوم القيامة،
وجدها محبطة مبددة متلاشية، فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من
أبهى الجنات وأجمعها للثمار، فبلغ الكبر، وله أولاد ضعاف، والجنة معاشهم
ومنتعشهم، فهلكت بالصاعقة.
قال البخاري عند تفسير هذه الآية: قال عمر بن الخطاب يوماً لأصحاب
النبيِ وَّ: فيمن ترون هذه الآية نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ قالوا: الله أعلم،
فغضب عمر وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس رضي الله
عنهما: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي، قل،
ولا تحقر نفسك، فقال: ضربت مثلاً بعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال:
لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي، حتى
أغرق أعماله(١).
وقال الحسن البصري: هذا مَثَل، قلَّ والله من يعقله من الناس: شيخ
كبير، ضعف جسمه، وكثر صبيانه، أفقر ما كان إلى جنته، فجاءها الإعصار
فأحرقها، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله، إذا انقطعت عنه
الدنيا(٢).
وتوضيح هذا المثل: أتحب أيها المنفق لغير الله أن تكون لك جنة فيها
النخيل والأعناب ومختلف الأثمار، وتجري فيها الأنهار، فتسقيها، وقد علقت
الآمال عليها، ورجوت أن تنتفع بها مع صغارك، وأنت في حال الكبر لا
(١) تفسير ابن كثير: ٣١٩/١
(٢) تفسير الكشاف: ٢٩٩/١