النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
لُ (٣) - البَقَرّة: ٢٥٦/٢-٢٥٧
﴿مِّنَ اُلُظُلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾ استعارة تصريحية، حيث شبه الكفر بالظلمات،
والإيمان بالنور.
المفردات اللغوية:
﴿لَّ إِكْرَاهَ فِىِ الدِّينِّ﴾ لا جبر ولا إلجاء على الدخول في الدين، والدين
هنا: المعتقد والملة بقرينة قوله: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيَّ﴾ أي ظهر بالآيات
البينات الواضحات أن الإيمان رشد، والكفر غي، والرشد والرشاد: الهدى
وكل خير، وضده الغي أي الضلال في الاعتقاد أو الرأي. أما الجهل فهو
كالغي إلا أنه في الأفعال لا في الاعتقاد.
﴿ الطَّاغُوتُ﴾ الشيطان أو الأصنام، مأخوذ من الطغيان: وهو مجاوزة الحد
في الشيء. ويجوز تذكيره وتأنيثه وإفراده وجمعه، ويتحدد المراد بحسب المعنى.
﴿أَسْتَمْسَكَ﴾ تمسك ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ بالعقد المحكم. والعروة: من الدلو
والكوز ونحوهما: المقْبَض الذي يُمسِك به من يأخذهما. والوثقى: مؤنث
الأوثق: وهو الحبل الوثيق المحكم. ويجوز أن يراد بالعروة الوثقى: الشجر
الملتف ﴿لَا أُنْفِصَامَ لَا﴾ لا انقطاع لها.
﴿ اللَّهُ وَلِىُّ﴾ الولي: الناصر والمعين، أي أن الله يتولى أمور المؤمنين بالرعاية
والعناية والهداية ﴿مِّنَ الظُّلُمَتِ﴾ الكفر والضلالات ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإيمان.
وأفرد النور وجمع الظلمات؛ لأن الحق واحد لا يتعدد، وأما أنواع
الضلال والكفر فكثيرة، كما قال ابن كثير.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٥٦):
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِىِ الدِّينِّ

٢٢
لُرُ (٣) - البقرة: ٢٥٦/٢-٢٥٧
في رجل من الأنصار من بني سالم يقال له: الحُصَين(١)، كان له ابنان
نصرانيان، وكان هو مسلماً، فقال للنبي وَ له: ألا أستكرههما، فإنهما قد أبيا
إلا النصرانية؟ فأنزل الله الآية. وفي رواية: أنه حاول إكراههما، فاختصموا
إلى النبي ◌َّ، فقال: يارسول الله: أيدخل بعضي النار، وأنا أنظر؟ فنزلت،
فخلاهما.
وروى أبو داود والنسائي وابن حبان عن ابن عباس قال: كانت المرأة من
نساء الأنصار تكون مِقْلاة (٢)، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّده،
فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع
أبناءنا، فأنزل الله تعالى: ﴿لَاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
نزول الآية (٢٥٧):
أخرج ابن جرير الطبري عن عبدة بن أبي لبابة في قوله: ﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ قال: هم الذين كانوا آمنوا بعيسى فلما جاءهم محمد بَطل آمنوا به
وأنزلت فيهم هذه الآية.
المناسبة:
حددت آية الكرسي مايتصف به الله عز وجل من تفرد بالألوهية والملك
والسلطان في السماوات والأرض، والحياة، والقيام بأمر الخلائق دون عناء
ولا مشقة، وإحاطة العلم بكل شيء، فلا يصح بعدئذ أن يكون هناك إكراه
على الدخول في الدين؛ لأن الفطرة، والمشاهدات الكونية، والفكر السليم
تهدي إلى الإيمان بوجود الله ووحدانيته والاقتناع بالإسلام ديناً ومنهج حياة.
(١) وفي قول السدي: يقال له أبو الحصين.
(٢) المقلاة: هي المرأة التي لا يعيش لها ولد.

٢٣
لالُرعُ (٣) - البقرة: ٢٥٦/٢-٢٥٧
التفسير والبيان:
لا تكرهوا أحداً على الدخول في الإسلام، فإن دلائل صحته لا تحتاج
بعدها إلى إكراه، ولأن الإيمان يقوم على الاقتناع والحجة والبرهان، فلا يفيد
فيه الإلجاء أو القسر أو الإلزام والإكراه، كقوله تعالى: ﴿أَفَأَنَتَ تُكْرِهُ النَّاسَ
حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩/١٠].
وقد بان طريق الحق من الباطل، وعرف سبيل الرشد والفلاح، وظهر
الغي والضلال، وأن الإسلام هو منهج الرشد، وغيره طريق الضلال، فمن
شاء فليؤمن به ومن شاء فليكفر.
وهذه الآية أوضح دليل على بطلان زعم أن الإسلام قام بالسيف، فلم
يكن المسلمون قبل الهجرة قادرين على مجابهة الكفار أو إكراههم، وبعد أن
تقوَّوْا في المدينة وعلى مدى القرون الماضية لم يكرهوا أحداً على الإسلام، كما
يفعل أتباع الملل الأخرى كالنصارى، وقد نزلت هذه الآية في بداية السنة
الرابعة من الهجرة، حيث كان المسلمون أعزاء وأقوياء.
ولم يلجأ المسلمون إلى الحرب أو الجهاد إلا لرد العدوان، والتمكين من
حرية التدين، ومنع تعسف السلطة الظالمة الحاكمة من استعمال المسلمين
حقهم في الدعوة إلى الله، ونشر الإسلام في أنحاء الأرض، بدليل قبول
المعاهدات والصلح على دفع الجزية وتخيير العدو بين ذلك وبين الاحتكام إلى
القتال.
ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره ونور بصيرته، دخل فيه على بينة،
ومن أعمی الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، بسبب عدم استخدامه وسائل
النظر والمعرفة الصحيحة، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً.

٢٤
الجُزءُ (٣) - البقرة: ٢٥٦/٢-٢٥٧
وبناء عليه، من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة غير
الله، وكفر بعبادة أي مخلوق من الناس أو الجن أو الشيطان أو الكواكب أو
الأوثان والأصنام، وعبد الله وحده وشهد أن لا إله إلا هو، فقد تمسك
بالحق، وثبت على الهدى، واستقام على الطريق المستقيم، وكان مثله مثل
الممسك بعروة حبل محكم مأمون الانقطاع، أي أن الله تعالى شبه من
استمسك من الدين بأقوى سبب بمن استمسك بالعروة القوية التي لا
تنفصم، فصارت محكمة مبرمة قوية، لا يُحَلُّ ربطها القوي الشديد. والعروة
الوثقى فسرت بعبارات ترجع إلى معنى واحد: وهي الإيمان، أو الإسلام، أو
لا إله إلا الله.
والله يرصد بدقة أقوال الناس وأفعالهم وتصوراتهم وأفكارهم، فهو سميع
لقول من يدعي الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، عليم بما يضمره قلبه من
تصديق أو تكذيب؛ لأن الإيمان: مانطق به اللسان واعتقده القلب، والله
سميع عليم بكل شيء ظاهر وباطن، يعلم حقائق الأشياء والأقوال والمعتقدات
والأفعال. قال القرطبي: ولما كان الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله مما ينطق
به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات: ﴿سَمِيعٌ﴾ من أجل النطق،
﴿عَلِيمٌ﴾ من أجل المعتقد.
والله يتولى أمور المؤمنين بالرعاية والعناية والهداية لأرشد الأمور، وهو
يخرجهم بهداية الحواس والعقل والدين من ظلمات الشك والشبهة، والجهل
والضلالة، والكفر والانحراف، إلى نور العلم والمعرفة واليقين والإيمان
الصحيح، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَثَّقَوْ إِذَا مَسَهُمْ طَهِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ
[الأعراف: ٢٠١/٧] قال مجاهد وعبدة بن أبي
◌َذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ
لبابة: نزلت في قوم آمنوا بعيسى، فلما جاء محمد عليه السلام كفروا به،
فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات(١).
(١) البحر المحيط: ٢٨٣/٢

٢٥
الُرعُ (٣) - البقرة: ٢٥٦/٢-٢٥٧
وأما الكافرون بالله ورسوله فلا سلطان على نفوسهم إلا لمعبوداتهم الباطلة
التي تقودهم إلى الضلال، فإن لاح لهم نور الحق والإيمان، بادر الشيطان
ومايلقيه من وساوس إلى إطفاء هذا النور، وإبقاء الكفار في ظلمات الشك
والضلال، والكفر والعصيان، أو النفاق والتردد.
وكان جزاؤهم الحق المنتظر هو الخلود في النار والملازمة لها بسبب بعدهم
عن الهدى، وتماديهم في الضلال، وعدم استنارة قلوبهم بنور الحق.
وبما أن الحق واحد وحَّد الله تعالى لفظ النور، وجمع الظلمات؛ لأن الكفر
أجناس مختلفة كثيرة، وكلها باطلة، كما قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا
فَأَتَبِعُوهُ وَلَا تَنَبِعُواْ السُبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ. لَعَلَّكُمْ
تَثَّقُونَ (®َ﴾ [الأنعام: ١٥٣/٦] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:
١/٦] ونحو ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق وانتشار الباطل
و تشعبه.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية قاعدة من قواعد الإسلام الكبرى، وركن عظيم من أركان
سياسته ومنهجه، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحد
أن يكره أحداً من أهله على الخروج منه.
وهذا يكون إذا كنا أصحاب قوة ومنعة نحمي بها ديننا وأنفسنا ممن يحاول
فتنتنا في ديننا، ويكون الجهاد ضد السلطة الباغية أمراً اضطرارياً لتأمين حرية
الدعوة، وأمن الفتنة، وتترك قضية التدين أو اعتناق الإسلام في المجال الفردي
أو الجماعي أو الشعبي للمجادلة بالتي هي أحسن، وللإقناع بالحجة والبرهان.
وأما ادعاء كون هذه الآية منسوخة بآية ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ
وَاُلْمُنَفِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣/٩] كما روي عن ابن مسعود، فهو يتنافى مع كون هذه

٢٦
الجُزءُ (٣) - البقرة: ٢٥٦/٢-٢٥٧
الآية نزلت في السنة الثالثة أو الرابعة من الهجرة، بعد تشريع الجهاد والإذن
بالقتال، ويتناقض مع سبب النزول كما بينا، فضلاً عن الاختلاف في النسخ
على ستة أقوال أوردها القرطبي(١).
فقال الشعبي وقتادة والحسن البصري والضحاك: ليست بمنسوخة، وإنما
نزلت في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا
الجزية، والذين يُكرَهون: أهل الأوثان من العرب، فلا يقبل منهم إلا
الإسلام، فهم الذين نزل فيهم: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾
وحجتهم: مارواه زيد بن أسلم عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول
لعجوز نصرانية: أسلمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمداً بالحق،
فقالت: أنا عجوز كبيرة والموت إلي قريب! فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا:
﴿لَّ إِكْرَاهَ فِىِ الدِّينِّ﴾.
وضعَّف ابن العربي القول بنسخ الآية، وقال: ﴿لَآ إِكْرَاهَ﴾ عموم في نفي
إكراه الباطل، فأما الإكراه بحق فإنه من الدين، ورأى أن قتل الكافر في
الحرب قتل على الدين(٢)، لقوله وَلير في الحديث المتواتر الذي رواه الأثمة عن
أبي هريرة: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) وهو مأخوذ
من قوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣/٢]
لكن فاته أن المراد بالناس بإجماع العلماء هم مشركو العرب. وهذا راجع
لسبب خاص بالعرب؛ لأنهم حملة رسالة الإسلام، وبلادهم منطلق الإسلام،
فجاز إكراههم بحق لهذين السببين.
ودلت آية ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِ الْدِينِ﴾ على ظهور أدلة الرشد والإيمان وتميز الدين
الحق عن الغي والضلال والجهالة، وأن الإسلام هو دين الحق، وأن أنواع
الكفر كلها باطلة.
(١) تفسير القرطبي: ٢٨٠/٣
(٢) أحكام القرآن: ٢٣٣/١

٢٧
للجزءُ (٣) - البقرة: ٢٥٦/٢-٢٥٧
ودلت آية ﴿اَللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ على أن من آمن من الناس، فالله متولي
أموره، يخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ومن كفر بعد وجود النبي وَل
الداعي المرسَل، فشيطانه مغويه، كأنه أخرجه من الإيمان، إذ هو معه. ودلت
أيضاً على أن الحكم على الكفار بالدخول في النار، لكفرهم هو عدل منه
تعالی، ولا يسأل عما يفعل.
وهذه الآية بمثابة الدليل على منع الإكراه في الدين؛ لأن الولاية على
العقول والقلوب هي الله تعالى وحده، والهداية إلى الإيمان تكون بتوفيق الله
تعالى من شاء، وإعداده للنظر في الآيات والخروج من الشبهات، بما ينقدح
لنظره من نور الدليل، لا بالإجبار والإكراه.
والخلاصة: أن المؤمن لا ولي له ولا سلطان لأحد على اعتقاده إلا الله
تعالى، وتكوين الإيمان يكون باستعمال الهدايات التي وهبها الله للإنسان وهي
الحواس والعقل والدين.
أما الكفار فلا سلطان على نفوسهم إلا لتلك المعبودات الباطلة المؤدية إلى
الطغيان، فهي التي تقوده إلى إخلاء قلبه من الإيمان، والانصراف إلى التمتع
بالشهوات الحسية أو المعنوية كالسلطة أو الجاه، والاسترسال في الفواحش
والمنكرات أو الظلم والطغيان. وعرف ابن القيم الطاغوت: بأنه ما تجاوز به
العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، وقال: الطواغيت كثيرة، ورؤوسهم
خمسة: إبليس لعنه الله، من عُبد وهو راض، من دعا الناس إلى عبادة نفسه،
من ادعى شيئاً من علم الغيب، من حكم بغير ما أنزل الله.

٢٨
الُ (٣) - البقرة: ٢٥٨/٢
قصة النُّمْروذ الملك
﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِنَّهِمَ فِ رَبِّهِةٍ أَنْ ءَاتَنُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ
إِنَّهِمُ رَبِىَ الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحِى وَأُمِيثٌ قَالَ إِنْرَهِمُ فَإِنَّ اللَّهَ
يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرِّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى
١٢٥٨)
الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
القراءات:
﴿رَبِىَ الَّذِى﴾: قرئ:
١- بإسكان ياء (ربي) وهي قراءة حمزة.
٢- بفتح ياء (ربي) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿ أَنَا أُحِىءٌ﴾: قرئ:
١- بإثبات ألف (أنا) ما دام بعدها همزة مفتوحة أو مضمومة، وهي قراءة
نافع، وهي لغة بني تميم. لأنه من إجراء الوصل مجرى الوقف.
٢- بحذف الألف، وهي قراءة الباقين، وقد أجمعوا على إثباتها في الوقف.
الإعراب:
﴿رَبِّهِ﴾ الهاء تعود على الذي وهو نمروذُ ﴿ءَاتَنَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ في موضع
نصب لأنه مفعول لأجله، وتقديره: لأن آتاه الله، فحذف اللام فاتصل الفعل
به. والهاء في ﴿ءَاتَنُهُ﴾ فيها وجهان: إما أن تكون عائدة على إبراهيم، أي:
أن آتى الله إبراهيم النبوة، وإما أن تعود على ﴿الَّذِى حَتَجَّ إِبْرَهِْمَ﴾ وهو نمروذ
الذي خاصم إبراهيم لأن آتاه الله الملك . ﴿إِذْ قَالَ﴾ إذ: ظرف زمان والعامل

٢٩
الجُرُ (٣) - البقرة: ٢٥٨/٢
فيه ﴿تَرَ﴾. والياء في ﴿رَبَِّ﴾ يجوز فيها التحريك والإسكان، فمن حركها
شبهها بالكاف في (رأيتك)، ومن سكَّنها استثقل الحركة عليها؛ لأن الحركات
تستثقل على حرف العلة.
البلاغة:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الاستفهام للتعجب، والرؤية قلبية.
﴿يُحْىِ، وَيُمِيتُ﴾ عبر بالمضارع لأنه يفيد التجدد والاستمرار. وصيغة
﴿رَبَِّ اَلَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ﴾ تفيد القصر لورود المبتدأ والخبر معرفتين، أي
أنه تعالى وحده هو الذي يحيي ويميت. ويوجد طباق بين يحيي ويميت أو بين
المشرق والمغرب.
﴿فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرْ﴾ يشعر التعبير بأن العلة وسبب الحيرة هو كفره، ولو
قال: فبهت الكافر لما أدى ذلك المعنى.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الاستفهام للتعجب والإنكار ﴿حَجَّ﴾ جادل ﴿أَنْ ءَاتَنُهُ اُللَّهُ
اُلْمُلْكَ﴾ أي حمله بطره بنعمة الله على ذلك وهو نمروذ.
﴿فَبِهِتَ﴾ تحير ودهش، وفي الحديث: ((إن اليهود قوم بهت))،
﴿اُلِّلِمِينَ﴾ المعرضين عن قبول الهداية بالنظر فيما يؤدي إلى الحق.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى فيما سبق أن الله ولي الذين آمنوا، وأن الطاغوت ولي
الكافرين، أعقبه بذكر نموذج للإيمان ونموذج للطغيان، ليبين تلك القضية
ويشهد على صدقها وصحتها، وهو أن إبراهيم وفقه الله للأدلة التي تدحض
الشبهات، وأن الملك عمي عن نور الحق، فكانت حججه متهافتة ساقطة،

٣٠
لُرُ (٣) - البَغَرَة: ٢٥٨/٢
تتردد في ظلمات الشكوك والأوهام، فصارت هذه القصة مثلاً للمؤمن
والكافر اللذين تقدم ذكرهما(١).
التفسير والبيان:
:
ألم تعلم قصة النمروذ الملك الذي تجبر وادعى الربوبية وهو النُّمرْوذ بن
كوش بن كنعان بن سام بن نوح عليه السلام ملك زمانه، وعارض إبراهيم في
ربوبية الله(٢).
والذي حمله على المجادلة: هو الملك وما يعقبه من كبر وبطر وغرور، وهو
ملك بابل، وقيل: إنه ملك زمانه، ملك الدنيا بأجمعها، قال مجاهد: وملك
الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران: فالمؤمنان: سليمان بن داود
وذو القرنين، والكافران: نمروذ وتُخْتَنَصَّر(٣). فالنمروذ الملك لم يشكر النعمة؛
بل أبطرته، وجعلته يطغى، مع أن النعمة مدعاة الشكر، فجعل ماكان سبباً في
الطاعة سبباً في المعصية.
وهو في رأي ابن عباس ومجاهد وجماعة آخرين: صاحب النار والبعوضة،
فهو الذي أضرم النار لإحراق إبراهيم عليه السلام، وكان إهلاكه لما قصد
المحاربة مع الله تعالى: بأن فتح الله تعالى عليه باباً من البَعُوض، وبعثها على
عسكره، فأكلت لحومهم، وشربت دماءهم، ودخلت واحدة منها في دماغه،
فأكلته حتى صارت مثل الفأرة؛ فكان أعز الناس عنده بعد ذلك من يضرب
دماغه بمطرقة عَتِيدَة لذلك، فبقي في البلاء أربعين يوماً (٤).
(١) البحر المحيط: ٢٨٦/٢
(٢) تفسير ابن كثير: ٣١٣/١
(٣) تفسير ابن كثير: ٣١٣/١
(٤) تفسير القرطبي: ٢٨٤/٣

٣١
الجُرُ (٣) - البَقَرَة: ٢٥٨/٢
وكان قوم الملك يعبدون ملوكهم مع آلهتهم، فأحب الملك أن يرجع إبراهيم
عن نحلته الجديدة المخالفة لنحلة قومه، وأن يعبده وآلهته.
وهذه قصة المجادلة(١):
حينما كثَر إبراهيم عليه السلام الأصنام التي تعبد من دون الله، وسفَّه
عقول عابديها، سأله نمروذ عن ربه الذي يدعو إلى عبادته، فأجابه: ربي الذي
يحيي ويميت فهو مصدر الحياة وسبب الممات، أي ينشئ الحياة والموت، فأنكر
الملك الطاغية الذي كان أول من تجبر وقال: أنا أحيي بعض البشر بالعفو
عمن حكم عليه بالإعدام، وأميت البعض الآخر بالقتل وتنفيذ الحكم المقرر
عليه، وأحضر رجلين عفا عن أحدهما، وقتل الآخر، وأخذ أربعة نفر
فأدخلهم بيتاً وتركهم بدون طعام وشراب، ثم أطعم اثنين فحييا، وترك اثنين
فماتا.
وهذا أول السقوط والضعف في حجة النمروذ؛ لأن المراد في قول
إبراهيم: إنشاء الحياة وتكوينها بعد العدم، وإزالة الحياة القائمة لجميع
الكائنات الحية من نبات وحيوان وغيرهما، لا مجرد التسبب في بقاء الحياة،
وإعدامها لفئة من الناس حكم عليهم بالإعدام، فجواب النمروذ بمعنى أنه
يكون سبباً في الإحياء والإماتة.
ولما رأى إبراهيم مغالطة الطاغية وتجاهله المقصود من معنى الإحياء
والإماتة، انتقل إلى حجة أخرى لا مجال فيها للمكابرة أو المغالطة، فقال: إن
ربي الذي يمنح الحياة ويسلبها بقدرته وإرادته المطلقة هو الذي يطلع الشمس
من المشرق، فإن كنت تدعي الربوبية، فغيِّر نظام طلوع الشمس وغروبها،
وائت بها من جهة المغرب.
(١) قصص الأنبياء للأستاذ عبد الوهاب النجار: ص ٨١

٣٢
الُرعُ (٣) - البَقَرة: ٢٥٨/٢
فلم يجد من تولى كبره جواباً، ودَهِش وتحير، وأعجزته الحجة، وأفحمه
إبراهيم، وغلبه وأسكته، وقطع حجته، ولم يمكنه أن يقول: آنا الآتي بها من
المشرق؛ لأن الواقع يكذبه.
والله لا يهدي الظالمين أنفسهم المعرضين عن قبول هداية الله إلى طريق الخير
والفلاح أبداً، بل يطمس الله على قلوبهم وبصائرهم، ويفضح شأنهم في
أحلك أوقات الشدة والأزمة أمام الملأ من الناس. وهذا يدل على أن عدم
الهداية ليس للطائعين، وإنما للظالمين، والمراد: هداية خاصة، أو ظالمون
مخصوصون(١).
وقد ذكر السُّدِّي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمروذ بعد خروج
إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك، إلا في ذلك اليوم، فجرت بينهما
هذه المناظرة، وكان ذلك نصراً لخليل الله إبراهيم بعد نصر، وهكذا تتوالى
الانتصارات لأولياء الله وأصفيائه، وتتعاقب الهزائم لأعداء الله، وتبدو
مواقف الخذلان لهم لكل ناظر عاقٍ متأمل، كما قال تعالى: ﴿بَّ نَفْذِفُ بِالْتَّ
عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨/٢١].
فقه الحياة أو الأحكام:
تدل هذه الآية على جواز تسمية الكافر مَلِكاً إذا آتاه الله الملك والعِزّ
والرِّفْعة في الدنيا، وتدل أيضاً على جواز أن ينعم الله على الكافر في الدنيا، ثم
يحرم منها في الآخرة، ولا يجد إلا النار. وتدل على إثبات المناظرة وصحة
المجادلة في الدين وإقامة الحجة، وفي القرآن والسنة مواقف كثيرة من هذا
الجدال، كما في قصة نوح عليه السلام مثلاً: ﴿قَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا
فَأَكْثَرَّتَ جِدَلَنَا﴾ [هود: ٣٢/١١] إلى قوله: ﴿وَأَنَا بَرِىّءٌ مِّمَّا تُرِمُونَ﴾؛ لأن
(١) البحر المحيط: ٢٨٩/٢
٠

٣٣
الجزءُ (٣) - البقرة: ٢٥٨/٢
الجدال في الدِّين لا يظهر فيه الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق
ودحض حجة الباطل. وجادل رسول الله وَ ر أهل الكتاب، وباهلهم(١) بعد
بيان الحجة. وتجادل أصحاب رسول الله وي ليه يوم السقيفة وتدافعوا وتناظروا
حتى صدر الحق في أهله، ثم تناظروا أيضاً بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردة،
إلى غير ذلك مما يكثر إيراده.
وفي قول الله عز وجل: ﴿فَلِمَ تُحَاجُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِ عِلٌّ﴾ [آل عمران:
ج
٦٦/٣] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر.
وأدب المجادلة محدد مرسوم في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿آدْعُ إِلَى سَبِيلِ
ج
رَّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥/١٦].
وذكر الأصوليون في هذه الآية: أن إبراهيم عليه السلام، لما وصف ربه
تعالى بالإحياء والإماتة، قصد إلى الحقيقة، وأما النمروذ فلجأ إلى المجاز ومؤَّه
على قومه، فسلّم له إبراهيم تسليم الجدل، وانتقل معه إلى أمر لا مجاز فيه،
وعارضه بالشمس، فبهت الذي كفر.
ويستفاد من الآية أيضاً أن الله تعالى لا يشبهه شيء من خلقه، وأن طريق
معرفته: ما في الكون من الدلائل القاطعة على توحيده؛ لأن أنبياء الله عليهم
السلام إنما حاجوا الكفار بمثل ذلك، ولم يصفوا الله تعالى بصفة توجب
التشبيه، وإنما وصفوه بأفعاله واستدلوا بها وبآثاره عليه.
(١) المباهلة: الملاعنة، ومعنى المباهلة: أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء، فيقولوا: لعنة الله
على الظالم منا.

٣٤
لُرُءُ (٣) - الْبَقَرة: ٢٥٩/٢
قصة العزير وحماره
﴿أَوْ كَلَّذِى مَزَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَّةُ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَ يُحْيِ هَذِهِ اللَّهُ
بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتُ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ
يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَأَنْظُرُ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّةً
وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِّ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ
نُنِشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ
القراءات:
﴿وَهِىَ﴾: قرئ:
١- بإسكان الهاء، وهي قراءة قالون، وأبي عمرو، والكسائي.
٢- بكسر الهاء، وهي قراءة الباقين.
﴿لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾: قرئ:
١- بحذف الهاء في الوصل، على أنها هاء السكت، وهي قراءة حمزة،
والكسائي.
٢- بإثبات الهاء في الوصل والوقف، وهي قراءة الباقين.
﴿ نُنْشِرُهَا﴾: قرئ:
١- (ننشرها) بضم النون والراء المهملة، وهي قراءة نافع، وابن كثير.
٢- (ننشزها) بضم النون والزاي المعجمة، وهي قراءة باقي السبعة.

٣٥
الُعُ (٣) - البَفَرة: ٢٥٩/٢
﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾: قرئ:
١- (قال أعلمْ) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
٢- (قال أعلمُ) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿أَوْ كَأَلَّذِى﴾: الكاف إما زائدة، وتقديره: أو الذي مر على قرية على
عروشها، وهي خاوية. والذي: في موضع جر، معطوف على قوله: ﴿إِلَىَ
الَّذِى حَجَّ﴾، وإما للتشبيه، معطوفاً على معنى ما تقدمه من الكلام؛ لأن
معنى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ﴾، وألم تر كالذي حاج: واحد. ﴿على
عُرُوشِهَا﴾ في موضع نصب؛ لأنه بدل من قوله: ﴿ عَلَى قَرْيَةٍ﴾، ويكون ﴿وَهِىَ
خَاوِيَةَ﴾ جملة اعتراضية. وفسر قوم: ﴿وَهِىَ خَاوِيَةَ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي ساقطة
سقوفها، فلا يكون هناك اعتراض.
كَمْ لَبِئْتَ﴾: كين: في موضع نصب على الظرفية الزمانية، وتقديره: كم
لبثت يوماً . ﴿لَمْ يَتَسَنَّهُ﴾ إما أصله: يَتَسَّنْ، من قوله: ﴿حٍَ مَّسْنُونٍ﴾ أي
متغير، قلبت النون الثالثة ياء كراهية اجتماع ثلاث نونات، ثم قلبت الياء ألفاً
لتحركها وانفتاح ماقبلها، فصار ((يتسَّى)) ثم حذفت الألف للجزم، فصار:
يتسن، وأدخلت عليه هاء السكت؛ وإما مأخوذ من ((تسنَّه وسانهت)) تفعل من
السنة، فيكون المعنى: لم يتغير بمرّ السنين، وأصل سنة: سنهة. ﴿ وَلَنَجْعَلَكَ﴾
الواو عطف على فعل مقدر، تقديره: انظر إلى جمارك لتتيقن ماتعجبت منه،
حين قلت: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، ولنجعلك آية للناس.
البلاغة:
﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي موت سكان القرية، مجاز مرسل من قبيل إطلاق المحل
وإرادة الحال.

٣٦
الجُزءُ (٣) - البقرة: ٢٥٩/٢
﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ فيها استعارة الكسوة للحم الذي غطى العظم،
كما يستر الجسد باللباس، ثم حذف المشبه به وهو الثوب، وأتى بشيء من
لوازمه وهو الكسوة على سبيل الاستعارة المكنية.
المفردات اللغوية:
﴿أَوْ كَأَلَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ أي عزير الذي مر على ضيعة هي بيت
المقدس، راكباً ومعه سلة تين وقدح عصير ﴿خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة، أو خالية من
السكان، والعروش: السقوف، لما خربها بختنصر. ﴿أَنّ يُحِيء﴾ كيف، وهو
استبعاد منه للإحياء بعد الموت، والمراد بالإحياء هنا: العمارة بالبناء
والسكان ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ خرابها ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ﴾ أي جعله فاقداً للحس والحركة
والإِدارك بدون أن تفارق الروح البدن بتاتاً، كما حدث لأهل الكهف ﴿ثُمَّ
بَعَثَهُ﴾ أرسله من بعثت الناقة: إذا أطلقتها من مكانها، وعبر بالبعث دون
الإحياء إيذاناً بأنه عاد كما كان أولاً حياً عاقلاً كامل المدارك. ويرى الأطباء
أن من الناس من يبقى حياً زمناً طويلاً، لكنه يكون فاقد الحس والشعور،
وهو المسمى لديهم بالسبات: وهو النوم المستغرق، ومرد كل ذلك إلى قدرة
الله بالحفظ مئة سنة أو ثلاث مئة سنة أو أكثر أو أقل، وقال القرطبي: وظاهر
هذه الإماته أنها بإخراج الروح من الجسد. ﴿طَعَامِكَ﴾ التين ﴿وَشَرَابِكَ﴾
العصير ﴿لَمْ يَتَسَنَّهُ﴾ لم يتغير مع طول الزمان، والهاء إما للسكت من
سانيت، وإما من أصل الكلمة وهي سانهت ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ كيف
هو، فرآه ميتاً وعظامه باقية ﴿وَلِنَجْعَلَكَ﴾ فعلنا ذلك لتعلم ولنجعلك آية على
البعث، أي علامة على قدرة الله ﴿نُنِشِرُهَا﴾ نرفعها من الأرض ثم نِردها إلى
أماكنها من الجسد وقرئ ((ننشرها)) أي نحييها ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًّا﴾ فنظر
إليها وقد تركبت وكسيت لحماً، ونفخ في الجسد الروح، وظهرت عليه علائم
الحياة ﴿أَعْلَمُ﴾ علم مشاهدة.

٣٧
لُرعُ (٣) - الْبَغَة: ٢٥٩/٢
المناسبة:
القصة السابقة لإثبات وجود الله، وهذه القصّة والتي تليها في قوله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ﴾ لإثبات الحشر والبعث بعد الفناء.
التفسير والبيان:
أرأيت مثل هذا الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، أي ساقطة
جدرانها على سقوفها (١)، وهيَ معطوفة على قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِى
حَتَّ ◌ِبْرَهِكَمَ فِ رَبِّهِةِ﴾ وهي بمعنى قوله: هل رأيت مثل الذي حاجّ في ربِّه.
وما هي القرية؟ ومن هو المارّ؟ قيل: إنّها بيت المقدس، والمارّ: هو عُزير بن
شرخيا، وهو القول المشهور، وقيل: هي دير هرقل على شطّ الدّجلة، والمارّ:
هو أرميا من سبط هارون عليه السلام. وقيل: إنه الخضر عليه السلام،
وقيل: اسمه حزقيل بن بوار، وقال مجاهد: هو رجل من بني إسرائيل.
فقال: كيف يعمّر الله هذه القرية بعد خرابها، والمراد استبعاد عمرانها
بالبناء والسُّكان، بعد أن خربت وتفرَّق أهلها، ولكنّه في الوقت نفسه يستعظم
قدرة الله تعالى لما رأى شدّة خرابها، فقوله: اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة
الإحياء، واستعظام لقدرة المحبي.
فجعله الله فاقد الحسّ والحركة مئة عام، مع بقائه حيّاً، ثم أطلق فيه الحركة
وبعثه بسرعة وسهولة، كأنّه كان نائماً ثم استيقظ، فوجد القرية قد عمرت بعد
سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، ورجع إليها بنو إسرائيل. فقيل له
بواسطة الملك: كم وقتاً لبثت؟ وسئل هذا السؤال ليظهر عجزه عن الإحاطة
(١) قال السُّدي: يقول: هي ساقطة على سُقُفها، أي سقطت السُّقُف، ثم سقطت الحيطان عليها.
واختاره الطَّبري. وقال غير السُّدِّي: معناه خاوية من الناس، والبيوت قائمة، وخاوية معناها
خالية.
.

٣٨
لُرُ (٣) - البَقَرّة: ٢٥٩/٢
بشؤون الله تعالى. وأكثر المفسّرين على أن ظاهر هذه الإماتة: أنها بإخراج
الرُّوح من الجسد، والأظهر أن القائل: هو الله تعالى، من طريق ملك أو
هاتف من السماء يقول له ذلك.
فقال: لبثت يوماً أو بعض يوم، على التَّقريب والظنّ والتَّخمين؛ لأنّه مات
أوّل النهار، ثم بعثه الله في آخر النهار، فلما رأى الشمس باقية ظنّ أنها شمس
ذلك اليوم، فقوله هذا على ما عنده وفي ظنّه، فلا يكون كاذباً فيما أخبر به،
ومثله قول أصحاب الكهف: ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:
١٩]، وإنّما لبثوا ثلاث مئة سنة وتسع سنين.
فأجيب: بل لبثت مئة عام، فانظر لترى دلائل قدرتنا إلى طعامك وشرابك
طوال هذه المدّة، لم يتغيَّر ولم يفسد، مع أنّ العادة جرت بفساد مثله بمضي مدّة
قليلة.
وانظر أيضاً لترى الدَّليل على قدرتنا إلى حمارك كيف نخرت عظامه وتقطّعت
أوصاله، لتتبيَّن تطاوُّل مرور الزَّمان عليه وعليك وأنت راقد أو نائم، فعلنا
بك ما فعلنا لتعاين ما استبعدته، ولتتيقّن ما تعجبت منه، ولنجعلك دليلاً على
المعاد، وآية دالّة على تمام قدرتنا على البعث يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿مّا
خَلْفُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨/٣١]، فقوله:
﴿وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلِنَّاسِ﴾ دليل على البعث بعد الموت.
وانظر كيف نرفع عظام حمارك المتناثرة يميناً وشمالاً، فيركب بعضها على
بعض، ونردها إلى أماكنها من الجسد، ثم نكسوها لحماً وعصباً وعروقاً
وجلداً، كما يستر الثوب الجسد، ثم بعث الله ملكاً فنفخ الرّوح في هذا
الجسم، فَنَهَق كله بإذن الله عزّ وجلّ، وذلك كله بمرأى من العزير. فالقادر
على هذا الإحياء بعد موت مئة سنة قادر على الإحياء بعد آلاف السنين؛ لأن
الأفعال الإلهية تشبه بعضها.

٣٩
الجُزءُ (٣) - البَفَرَة: ٢٥٩/٢
فلما تبيَّن له هذا كله قال: أنا عالم بهذا، وقد رأيته عياناً، وأعلم علماً
يقينياً أن الله على كل شيء من الأشياء قدير لا يستعصي عليه أمر.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه القصة دليل واضح على إمكان البعث بعد الفناء، والحشر بعد النشر
من القبور، والدليل الثابت الذي يمكن أن يحتجّ به على البعث في كل زمان
ومكان: هو سنته تعالى في تكوين الحيوان وإنشاء لحمه وعظمه، والإنشاء
معناه: التقوية، والإنشاز معناه: التنمية. وهذه حالة خاصة، وأما الآية
الكبرى العامة وهي كيفية التكوين الدّالة على قدرة الله على البعث، فهي قوله
تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩/٧]، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأَنَا أَوَّلَ
خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤/٢١].
والرَّاجح أن الذي مرّ على القرية كان من الصدِّيقين أو الأنبياء، وقيل: إنه
كان من الكافرين، وهو ضعيف، لأن الكافر لا يؤيَّد بآيات الله. والكلام على
الوجه الأوّل الصَّحيح مثل لهداية الله تعالى للمؤمنين، وإخراجهم من
الظلمات إلى النُّور، كما كان شأن إبراهيم مع ذلك الكافر.
والإخبار أو اليمين على الظنّ لا يكون كذباً، ولا يوجب كفارة اليمين،
وهذا هو المراد عند الحنفية والمالكية والحنابلة (الجمهور) بِلَغْوِ اليمين الذي عفا
الله عنه، أخذاً بقوله تعالى: ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وقوله في سورة
الكهف: ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍّ﴾ [الكهف: ١٩/١٨]، ونظيره قول النَّبي
رَله في قصة ذي اليدين (الخرباق بن عمرو) في حديث متفق عليه عن أبي
هريرة: ((لم أَقْصِر ولم أَنْسَ)).
وعلى هذا يجوز أن يقال: إن الأنبياء لا يُعصمون عن الإخبار عن الشيء
على خلاف ما هو عليه، إذا لم يكن عن قصد، كما لا يعصمون عن السّهو
والنسيان.
وجعل عزير آية للناس: كان في إماتته مدة مئة عام، ثم إحيائه بعدها.

٤٠
اِلُعُ (٣) - البَفَرَة: ٢٦٠/٢
حب الاستطلاع عند إبراهيم عليه السلام
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْقَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَّ
وَلَكِن لِيَظْمَيِنَّ قَلِىّ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ
جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ أَدْعُهُنَ يَأْتِينَكَ سَعْيَاً وَأَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٦٠)
القراءات:
﴿اَرِنِ﴾: قرئ:
١- بإسكان الراء، وهي قراءة ابن كثير، والسوسي.
٢- باختلاس الراء، وهي قراءة الدوري عن أبي عمرو.
٣- بكسر الراء، وهي قراءة الباقين.
فَصُرْهُنَّ﴾: قرئ:
١- بكسر الصاد، وهي قراءة حمزة، وخلف.
٢- بضمها، وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
(كَيْفَ تُحِى﴾ كيف: في موضع نصب بفعل (يحيي) وهو سؤال عن
الحال، وتقديره: بأي حال تحيي؟ ولا يجوز أن يكون العامل فيه ﴿أَرِنِ﴾ لأن
كيف للاستفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
﴿أَوَلَمْ﴾ دخلت همزة الاستفهام على واو العطف، ولا يدخل شيء من
حروف الاستفهام على حروف العطف إلا الهمزة؛ لأنها الأصل في حروف
الاستفهام.