النص المفهرس

صفحات 1-20

يا أيها الذين آمنوا استوانت والرسول إذا عَكمالملكيسيكم
الأنفال ٨ / ٢٤
النَّفَيَُّ المُهُ
في العقيدة والشريعة والمنهج
الأستاذ الدكتور وحب الأصلي
المجلد الثاني
الجزءان ٣ - ٤
فكره
أفاق معرفة متجددة
٦

؟ !!
(القدس)
دار الفكر - دمشق - البرامكة
٣٠٠١ ٩٧ ٩٤٧ ٠٠٩٦٣
٣٠٠١ ١١ ٠٠٩٦٣
http://www.fikr.com/
e-mail:fikr@fikr.net
التفسير المنير
في العقيدة والشريعة والمنهج
أ.د. وهبة الزحيلي
المجلد الثاني
الرقم الاصطلاحي: ٢ - ١٦٩٠٫٠١١
الرقم الدولي: 5-160-59239-1 :ISBN
الرقم الموضوعي: ٢١١ (القرآن وعلومه)
٦٦٤ ص، ١٧ × ٢٥ سم
الطبعة العاشرة: ١٤٣٠ هـ= ٢٠٠٩م
ط٢ / ٢٠٠٣م
جميع الحقوق محفوظة لدار الفكر دمشق
٠

بِشْرِ الله الرحمن الرحيم
النَّفِيَةُ المُرَُّ
في العقيدة والشريعة والنج
المجلد الثاني
الجزءان ٣ - ٤

.

٥
الُعُ (٣) - البَقَرَة: ٢٥٣/٢
درجات الرسل وأحوال الناس في اتباعهم
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اَللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
دَرَجَاتٍّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيِّدْنَهُ بُوجِ الْقُدُسُِ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ
مَا أُقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ وَلَكِنِ أُخْتَلَغُواْ فَمِنْهُم
مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم ◌َنْ كَفَرَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ
(٢٥٣)
القراءات:
{الْقُدُسُِ﴾: قرئ:
١- (القدْس) بسكون الدال، وهي قراءة ابن كثير.
٢- (القدس) بضم الدال، وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا﴾: تلك: مبتدأ، والرسل: صفة له أو عطف بيان،
وفضلنا: جملة فعلية في موضع رفع خبر المبتدأ. ولم يقل: ذلك، وقال: تلك،
مراعاة لتأنيث لفظ الجماعة .﴿مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اَللَّهُ﴾ من: اسم موصول يفتقر
إلى صلة وعائد، فصلته: ﴿كَلَّمَ اللَّهُ﴾ والعائد محذوف تقديره: كلمه الله، وهو
وصلته: في موضع رفع مبتدأ، وخبره: منهم.
البلاغة:
{تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ أشار بالبعيد لعلو مرتبتهم في الكمال وسمو درجتهم.
﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اَللَّهُ﴾ يسمى في البلاغة: التقسيم، وهو تفصيل ذلك
التفضيل. ويوجد طباق بين قوله: ﴿ءَامَنَ﴾ و﴿كَفَرَ﴾.

٦
لُ (٣) - البطَقَرة: ٢٥٣/٢
كرر جملة ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ﴾ في الآية، ويسمى ذلك إطناباً، لتأكيد المقصود.
المفردات اللغوية:
﴿فَضَّلْنَا﴾ بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره ﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اَللَّهُ﴾ كموسى
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾ أي محمداً وَِّ ﴿دَرَجَاتٍ﴾ على غيره بعموم الدعوة، وأنه رحمة
للعالمين، وختم النبوة، وتفضيل أمته على سائر الأمم، والمعجزات المتكاثرة
والخصائص العديدة ﴿الْبَيِّنَتِ﴾ الآيات الواضحات الدالات على رسالته
﴿ وَأَيَّدْنَهُ﴾ قويناه ﴿بُوجِ الْقُدُسُِ﴾ جبريل يسير معه حيث سار. ﴿وَلَوْ شَآءَ
اللَّهُ﴾ مشيئة إلجاء وقسر. ﴿مِنْ بَعْدِهِم﴾ أي الأمم التي أتت بعد الرسل
﴿ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ﴾ ثبت على إيمانه ﴿وَمِنْهُم مَن كَفَرَ﴾ كالنصارى بعد المسيح
واليهود بعد موسى، والكفر: ضد الإيمان، وهو أيضاً جحود النعمة، وهو ضد
الشكر ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ من توفيق من شاء وخذلان من شاء.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة طالوت وجالوت وداود، وأعقبها بقوله: ﴿تِلْكَ
لیقیم
ءَايَكُ اُللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
الدليل بمعرفة تلك القصص على أن محمداً وَله من المرسلين الذين أوحي إليهم
الوحي المبين لأحوال الماضين.
ذكر تعالى هنا أن الرسل درجات، ميَّز الله بعضهم على بعض، بمزايا
ومناقب ليست لغيره، وأن أحوال الناس عموماً في اتباع الرسل: إما مؤمنون
وإما كفار، وإما مسالمون وإما متقاتلون، لحكمة ربانية مردها إلى قضاء الله
وقدره.
التفسير والبيان:
هؤلاء الرسل المشار إليهم في الآية السابقة: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ على

٧
الجُرُ (٣) - البقرة: ٢٥٣/٢
مراتب في الكمال، وقد فضل الله بعضهم على بعض بتخصيصه بمآثر أو
خصائص أو مفاخر جليلة ليست لغيره، مع استوائهم جميعاً في اختيارهم
لتبليغ الرسالة الإلهية وهداية الناس إلى سعادة الدنيا والآخرة.
وجاءت عبارة التفضيل في آية أخرى هي: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْعَنَ عَلَى
بَعْضِّ وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥/١٧] وهنا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى
بَعْضُِّ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾.
من هؤلاء الرسل: من فضله الله بأنه كلمه مشافهة من غير واسطة وهو
موسى عليه السلام: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤/٤]، ﴿وَلَمَّا
جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣/٧]، فسمي ((كليم الله)).
ومنهم من رفعه الله على غيره درجات ومراتب في الفضل والشرف، والمراد
به محمد ثر، كما رواه الطبري عن مجاهد، ويؤيده السياق أيضاً.
وتفضيله بأوجه ذكرناها، وبأوجه أخرى منها رؤيته الأنبياء في السماوات
ليلة الإسراء والمعراج بحسب تفاوت منازلهم عند الله عز وجل، ومنها سمو
أخلاقه الشريفة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: ٦٨/
٤]، ومنها تأييده بالقرآن الخالد إلى يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ
﴿إِنَّ
[الحجر: ٩/١٥] وقال في فضل القرآن:
نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
هَذَا أَلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩/١٧] ومنها تفضيل أمته:
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ
وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠/٣] وجعل أمته وسطاً بين الأمم عدولاً وشهداء
على الأمم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾
[البقرة: ١٤٣/٢].
ولو لم يؤت من المعجزات والخصائص إلا القرآن وحده، لكفى به فضلاً
على سائر الأنبياء؛ لأنه المعجزة الباقية أبد الدهر، روى البخاري أنه وَلـ

٨
الُعُ (٣) - البَفَرّة: ٢٥٣/٢
قال: ((ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله
البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم
تابعاً يوم القيامة)). وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة أنه والتر قال:
((فُضِّلتُ على الأنبياءِ بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب،
وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق
کافة، وختم بي النبیون)).
وآتى الله عيسى بن مريم عليه السلام البينات: وهي الآيات الواضحات
التي يتبين بها الحق من الباطل، كتكلمه في المهد، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه
والأبرص بإذن الله ومشيئته، وتأييده بروح القدس: جبريل عليه السلام، رداً
على اليهود الذين أنكروا نبوته والطعن به، وحفظاً له من أذاهم، وتبياناً
لحقيقته أنه بشر مؤيد من عند الله بالآيات الواضحات، لا إله، كما زعمت
النصارى في عيسى، فكان الناس في شأنه بين مفرِّط ومُفْرِط.
ولو شاء الله ما اقتتلت الأمم التي جاءت بعد الرسل، من بعد ماجاءهم
الرسل بالبينات والمعجزات الدالة على الحق الموجبة لاتباعهم، ولو شاء الله
عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بأن جعلهم متفقين على اتباع الرسل وقبول الحق من
ربهم، وإنما ترك لهم حرية التفكير والنظر والإدراك بالعقل الذي أودعه فيهم،
ليختاروا طريق الخير والسعادة بأنفسهم، ولكنهم لم يفكروا تفكيراً سليماً
واختلفوا اختلافاً بيناً كبيراً في قبول الدين، فمنهم من آمن بما جاء به الرسل،
ومنهم من كفر برسالاتهم، وقد اختلف اليهود في دينهم واقتتلوا، وكذلك
النصارى اختلفوا وانقسموا، وتعددت الفرق والانقسامات في كل من
اليهودية والنصرانية، واتهم كل فريق الآخر بالخروج عن أصل الدين، ووجد
هذا الاختلاف أيضاً بين المسلمين، حيث عصفت بهم الأهواء، وفرقتهم
المصالح، واحتدم القتال فيما بينهم.

٩
الْجُرُ (٣) - البقرة : ٢٥٣/٢
ولو شاء الله - بالرغم من اختلاف ميولهم ونزعاتهم وأهوائهم - ما اقتتلوا
على ما يختلفون فيه، ولكن الله يفعل مايشاء ويحكم مايريد، وكل ذلك من
قضاء الله وقدره، فصارت ردود الفعل متفاوتة، إما بخصومة الكلام والطعن
والنقد والسب، وإما بالاحتكام إلى حد السيف وإراقة الدماء. وقد كرر تعالى
قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أُقْتَتَلُواْ﴾ للتأكيد.
والله قادر على كل شيء، فإن أراد التوفيق لبعض عباده آمن به وأطاعه،
وإن أراد الخذلان لبعض آخر كفر به وعصاه، فالخذلان والعصمة من فعل الله
وإرادته.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على التفضيل بين الأنبياء في زيادة الأحوال والخصوصيات
والكرامات والألطاف الإلهية والمعجزات المتباينات. أما النبوة في نفسها فلا
تتفاضل، فكلهم في النبوة والتبليغ ووحدة الهدف والغاية سواء، وإنما تتفاضل
بأمور أُخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل وأولو عزم، ومنهم من المُّخذ خليل
الله، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات. والرسل أفضل من الأنبياء،
فمن أرسل بشرع وأمر بتبليغه أفضل ممن لم يؤمر بالتبليغ، وأولو العزم من
الرسل وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام
أفضل من بقية الرسل. ومحمد ويلهو أفضل الأنبياء والمرسلين على الإطلاق؛
لأن رسالته عامة للناس جميعاً، وللإنس والجن أيضاً، قال تعالى: ﴿وَمَآ
أَرَّسَلْنَكَ إِلَّا كَافَّةٌ لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨/٣٤] ولأن رسالته توجت بالقرآن المجيد
الذي هو شرع الله الدائم والذي ختمت به الشرائع، والمتكفل بحفظه إلى يوم
القيامة، ولغير ذلك من الأسباب التي ذكرناها سابقاً، لذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ
أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْئِنَ مِثَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوَجِ﴾ [الأحزاب: ٧/٣٣] فعمَّ ثم خص
وبدأ بمحمد وَلغيره، وقال النبي ◌َّ - فيما رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة

١٠
الُ (٣) - الْبَقَة: ٢٥٤/٢
-: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)). وأما قوله عليه السلام: ((لا تخيروني على
موسى)) أو ((لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متى)) فهو على معنى التواضع.
وهذا القول ينطبق على الصحابة رضوان الله عليهم، اشتركوا في الصحبة،
ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والخصائص، فهم متفاضلون
بالمآثر، مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم، ويشير القرآن إلى
ذلك بقوله تعالى: ﴿ تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاهُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
[الفتح: ٢٩/٤٨] وقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقَ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾
[الفتح: ٢٦/٤٨] وقوله: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ اٌلْفَتْحِ وَقَتَلَ.
[الحديد: ١٠/٥٧] وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨/٤٨] فعمَّ وخص، ونفى عنهم الشين والنقص، ووعد
كلاً منهم الحسنى.
وأما النزاع والاقتتال بين الناس بعد الرسل فكله بقضاء وقدر وإرادة من
الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان، ولكنه المستأثر بسرّ الحكمة في ذلك
الفعل لما يريد.
الأمر بالإنفاق في سبيل الخير
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْتَكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا
٢٥٤
خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
القراءات:
﴿لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ﴾: قرئ:
قے
١- بفتح الثلاثة من غير تنوين، وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو.
٢- بالرفع والتنوين، وهي قراءة الباقين.

١١
الجُرُ (٣) - البقرة: ٢٥٤/٢
الإعراب:
﴿لَّا بَيْعُ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ﴾ قرئ بالرفع بالابتداء، أو على أن
يجعل: (لَا) بمعنى ليس، و﴿فِيهِ﴾ الخبر، وقرئ بالبناء على الفتح؛ لأنه معه
بمنزلة ((خمسة عشر)).
البلاغة:
﴿ وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ محصور في خبره أي قصر صفة على
موصوف، وقد أكدت بالجملة الاسمية وبضمير الفصل، أي: ولا ظالم أظلم
ممن وافى الله يومئذ وهو كافر و﴿هُمُ﴾: مبتدأ ثانٍ، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ خبر
الثاني، أو أن: ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، و﴿ اُلَّلِمُونَ﴾: خبر. وقد روى ابن أبي
حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكَفِرُونَ هُمُ
اُلَّلِمُونَ﴾ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون. أي يصبح كل ظالم كافراً، وما
أكثر الظلم بين الناس.
المفردات اللغوية:
﴿يَوْمٌ﴾ المراد به هنا يوم الحساب ﴿لَّ بَيْعٌ فِيهِ﴾ البيع في الأصل:
الكسب بأي نوع من أنواع المبادلة أو المعاوضة، والمراد به هنا: لا فداء،
فيتدارك المقصِّر تقصيره . ﴿ وَلَا خُلَّةٌ﴾ أي ولا صداقة ولا مودة تنفع ﴿وَلَا
شَفَعَةٌ﴾ بغير إذنه يوم القيامة ﴿ وَاُلْكَفِرُونَ﴾ بالله أو بما فرض عليهم، والمراد
به في رأي الحسن البصري: تاركو الزكاة؛ لأن الأمر بالإنفاق هو الإنفاق
الواجب، لاتصال الوعيد به وهو أن تاركي الزكاة هم الظالمون، كما قال
الزمخشري. والظالمون: هم الذين جحدوا أمر الله أو أنفقوا المال في غير محله
المشروع.
المناسبة:
حثت الآيات السابقة على الجهاد بالنفس، وهذه الآية حث على الجهاد

١٢
الُ (٣) - الْبَقَرة: ٢٥٤/٢
بالمال وإنفاقه في سبيل الخير، ليدخر الناس ثواب ذلك عند ربهم، وليبادروا
إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا.
التفسير والبيان:
يأمر الله المؤمنين الذين اتصفوا بصفة الإيمان الصادق بالإنفاق في سبيل
الله، وذلك يشمل - في رأي ابن جريج وسعيد بن جبير - الزكاة المفروضة
والتطوع أو المستحبة، قال ابن عطية: وهذا صحيح، ولكن ما تقدم من
الآيات في ذكر القتال، وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه
أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوي ذلك في آخر الآية قوله:
﴿ وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال.
وقوله: ﴿مِمَّا رَزَقْنَكُمْ﴾ يؤكد الحث على الإنفاق؛ لأنه يدل على أنه لا
يطلب إلا بعض مارزقه الله لعباده.
ويتأكد الأمر أيضاً بأنه سيأتي يوم يندم فيه الإنسان ولا يفيده الندم، وهو
يوم الجزاء والحساب والثواب والعقاب الذي لا ينفع فيه البديل أو الفداء،
ولا الصداقة أو المودة، ولا الشفاعة أو الوساطة أو النسب، يوم تختلف فيه
مقاييس الآخرة عن مقاييس الدنيا، وذلك مثل آية أخرى هي: ﴿ وَأَثَّقُواْ يَوْمًا لَّا
تَجْرِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ
﴾ [البقرة: ٤٨/٢].
٤٨١
يُنصَرُونَ
والكافرون وهم كل من كفر بالله أو التاركون للزكاة هم الذين ظلموا
أنفسهم، أي فإنهم يقاتلون بالنفس والمال، وإن المنفقين وضعوا المال في غير
موضعه، وقد سماهم الله كافرين تهديداً وتغليظاً، كما قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ
اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ اُلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧/٣] وإشعاراً بأن ترك الزكاة من صفات
الكفار، كما قال تعالى: ﴿وَيٌِّ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾
[فصلت: ٦/٤١-٧] قال عطاء بن دينار: والحمد لله الذي قال: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ
الظَّالِمُونَ﴾ ولم يقل: ((والظالمون هم الكافرون)).

١٣
الُعُ (٣) - البقرة: ٢٥٥/٢
فقه الحياة أو الأحكام:
تأمر الآية بإنفاق المال في وجوه الخير، سواء أكان بطريق الزكاة المفروضة
أم بالصدقات والتطوعات المندوبة، فلكل ثوابه العظيم يوم الآخرة، وفيه
تحقيق التضامن والتكافل بين أبناء الأمة الواحدة، بل إنه السبيل الواجب
للحفاظ على عزة الأمة ومكانتها وهيبتها واسترداد حقوقها المغتصبة، وصون.
كرامتها وحرماتها وديارها، فمن يقصر في ذلك وهو من الأغنياء القادرين على
الإنفاق، كان سبباً في تدمير أمته وإذلالها؛ إذ لابقاء ولا حياة ولا سعادة
للأغنياء أنفسهم إذا فتك الثالوث المخيف (وهو المرض والفقر والجهل) في بقية
أفراد الأمة. قال ابن عطية: وظاهر هذه الآية: أنها مراد بها جميع وجوه البر
من سبيل خير وصلة رحم، ولكن ماتقدم من الآيات في ذكر القتال، وأن الله
يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين، يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل
الله، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ اٌلظَّالِمُونَ﴾ أي
فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال(١).
آية الكرسي
﴿اللّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّوُّ لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ
وَمَا فِي الْأَرْضِّ مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ: إِلَّا بِإِذْنِّ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا
خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ، إِلَّا بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضَّ وَلَا يَتُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ اُلْعَلِىُّ الْعَظِيمُ
٢٥٥)
القراءات:
﴿وَهُوَ﴾ : قرئ:
(١) البحر المحيط: ٢٧٥/٢، طبعة الرياض.

١٤
الجُرُ (٣) - البَقَرة: ٢٥٥/٢
١- بإسكان الهاء، وهي قراءة قالون، وأبي عمرو، والكسائي.
٢- بضم الهاء، وهي قراءة الباقين.
الإعراب
﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾: ﴿اَللّهُ﴾ مبتدأ أول، و﴿لَا﴾: نافية
للجنس، و﴿إِلَهَ﴾: اسمها، وخبرها محذوف تقديره: لا إله معبود إلا هو،
والجملة مبتدأ ثان، و﴿هُوَ﴾: ضمير فصل مرفوع على البدل من موضع:
﴿لَاَ إِلَهَ﴾، ويجوز رفعه خبراً لكلمة: ﴿لَا﴾. و﴿الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾: مرفوعان
إما صفة لله تعالى، أو بدل من ﴿هُوَ﴾ أو على تقدير مبتدأ. والأصح عند
العكبري وغيره أن ﴿اَللَّهُ﴾ مبتدأ وجملة ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبره وليس بمبتدأِ
ثانٍ.
البلاغة
في الآية حسن افتتاح بأجل أسماء الله تعالى، وفيها تكرار اسمه ظاهراً
ومضمراً في ثمانية عشر موضعاً، وفيها إطناب بتكرير الصفات، وقطع الجمل
حيث لم يصلها بحرف العطف؛ لأنها كلها في حكم البيان، وطباق في ﴿مَا بَيْنَ
أَيَدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. هذا ماقاله أبو حيان في البحر المحيط (٢٨١/٢) وعدَّ
أحمد رحمه الله سبعة عشر موضعاً فيها اسم الله تعالى ظاهراً وخفياً، فالظاهر
ستة عشر وهي: الله، هو، الحي، القيوم، ضمير لا تأخذه، وضمير له،
وضمیر عنده، وضمیر إلا بإذنه، وضمیر یعلم، وضمير علمه، وضمير شاء،
وضمير كرسيه، وضمير ولايؤده، وهو، العلي، العظيم. وأما الخفي:
فالضمير الذي اشتمل عليه مصدر: حفظهما، فإنه مصدر مضاف إلى
المفعول، ولابد له من فاعل وهو الله (حاشية الكشاف: ٢٩٢/١).
المفردات اللغوية
﴿اللَّهُ﴾ هو المعبود بحق، والعبادة: استعباد الروح وإخضاعها لسلطة

١٥
الُ (٣) - البَقرة: ٢٥٥/٢
غيبية لاتحيط بها علماً، ولا تدرك حقيقتها ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لا معبود بحق في
الوجود سوى الله ﴿الْحَىُّه دائم البقاء أو ذو الحياة، والحياة صفة الله تعالى
تستلزم اتصافه بالعلم والإرادة والقدرة ﴿اُلْقَيُمُ﴾ دائم القيام أو القائم بتدبير
خلقه في آجالهم وأعمالهم وأرزاقهم، وحفظهم ورعايتهم، كما قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَابِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣/١٣]. ﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾
الأخذ: الغلبة والاستيلاء ﴿سِنَةٌ﴾ نعاس وهو فتور قبل النوم. والنوم: حال
تعرض للحي، بها تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس والشعور.
﴿كُرْسِيُّهُ﴾ علمه الإلهي بدليل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ
رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧/٤٠]، ولأن أصل الكرسي: العلم، ومنه يقال
للعلماء: كراسي، للاعتماد عليهم، وقيل: المراد بها عظمته ولا كرسي ثمة ولا
قعود ولا قاعد، كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا
قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧/٣٩] ، وقيل:
ملكه، وقال الحسن البصري: الكرسي هو العرش. قال ابن كثير في تفسيره
(٣١٠/١): والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلت
على ذلك الآثار والأخبار.
﴿ وَلَا يُودُهُ﴾: ولا يثقله ولا يشق عليه حفظ السماوات والأرض ومن
فيهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت،
الرقيب على جميع الأشياء، وهو الغني الحميد، الفعال لما يريد، وهو القاهر
لكل شيء، العلي العظيم لا إله غيره ولا رب سواه. ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾
العلي: المتعالي عن الأشباه والأنداد وهو فوق خلقه بالقهر، والعظيم: هو
الكبير الذي لاشيء أعظم منه ﴿وَهُوَ اُلْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ مثل قوله: ﴿اُلْكَبِيرُ
الْمُتَعَالِ﴾.
فضل آية الكرسي: آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية، وقد صح
الحديث عن رسول الله ﴿ بأنها أفضل آية في كتاب الله، وفيها اسم الله

١٦
لُ (٣) - البَقَة: ٢٥٥/٢
الأعظم، قال أبو بكر بن مردويه بسنده عن أبى أمامة مرفوعاً إلى النبي وَلّ
ثلاث: سورة البقرة، وآل
قال: ((اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب
عمران، وطه)) قال هشام بن عمار خطيب دمشق: أما البقرة فقوله: ﴿اَللَّهُ لَآّ
إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي آل عمران: ﴿الَّ جَ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ
اَلْقَيُّومُ (٣)) وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيّ اُلْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١/٢٠].
ووردت أحاديث كثيرة أخرى في فضلها، منها ((سيد الكلام: القرآن،
وسيد القرآن: البقرة، وسيد البقرة: آية الكرسي))، ومنها ((من قرأ آية
الكرسي دُبُر كل صلاة، كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام،
وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى يستشهد)) ومنها: ((من قرأ دبر كل صلاة
مكتوبة آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت))(١). وعن علي رضي
الله عنه قال: سمعت نبيكم ◌ّي يقول وهو على أعواد المنبر: ((من قرأ آية
الكرسي دبر كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها
إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه، آمنه الله على نفسه وجاره
وجار جاره، والأبيات حوله)».
وقال ابن كثير: هذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة، متعلقة بالذات
الإلهية، وفيها تمجيد الواحد الأحد(٢).
المناسبة
ذكر تعالى في الآيات السابقة أن العمل الصالح الفردي هو أساس النجاة،
فلا ينفع المال والشفاعة والصداقة والمودة، وأن الرسل صلوات الله عليهم -
وإن تفاوتوا في الفضل - إلا أن دعوتهم واحدة ورسالتهم واحدة ودينهم واحد
(١) رواه النسائي وابن حبان في صحيحه عن أبي أمامة.
(٢) تفسير ابن كثير: ٣٠٨/١

١٧
لُرعُ (٣) - البَفقرة: ٢٥٥/٢
قائم على دعوة التوحيد وصون الفضائل والأخلاق وعبودية الله تعالى، ثم
جاءت آية الكرسي لتقرر أصل التوحيد وأساس العبادة، ولتحصر الاتجاه بأي
عمل نحو الله تعالى، وليستشعر العبد عظمة الله وسلطانه، ويطيع أوامره،
ویذعن لأحكامه.
التفسير والبيان
الله هو المتفرد بالألوهية لجميع الخلائق، فلا معبود بحق في الوجود إلا هو،
وهو الواحد الأحد الفرد الصمد، الواجب الوجود، ذو الملك والملكوت،
الحي الباقي الدائم الذي لايموت، القائم بذاته على تدبير خلقه، كقوله: ﴿وَمِنْ
ءَئِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهٍ،﴾ [الروم: ٢٥/٣٠] ، الذي لا يشبهه أحد
من خلقه في الذات ولا في الصفات، ولا في الأفعال، كما قال: ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١/٤٢] ..
لا يعتريه نوم ولا يغلبه نعاس؛ لأنه قائم بتدبير أمور خلقه آناء الليل
وأطراف النهار. وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها، مقررة لمعنى الحياة والقيومية
الدائمة الكاملة، جاء في الصحيح عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله وَله
بأربع كلمات فقال: ((إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط
ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار،
حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره
من خلقه)».
وجميع ما في السماوات ومافي الأرض عبيده وفي ملكه، خاضعون لمشيئته،
وتحت قهره وسلطانه، كقوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلََّ
وَكُلُهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ
ءَاِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴿﴿ لَّقَدْ أَحْصَنْهُمْ وَعَذَّهُمْ عَدَّا (@)
فَرْدًا (٥﴾ [مريم: ٩٣/١٩-٩٥]. وهذه الجملة مؤكدة أيضاً لقيوميته وتفرده
بالألوهية.

١٨
الُ (٣) - البَفَرَة: ٢٥٥/٢
ومن عظمة الله وجلاله وكبريائه أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد
﴿ وَكَم مِّن مَّلَكِ فِ السَّمَوَاتِ لَا
عنده إلا بإذنه له في الشفاعة، كقوله تعالى:
[النجم: ٥٣/
تُغْنِى شَفَعَهُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اَللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى (®َ﴾
٢٦] وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨/٢١] وقوله: ﴿يَوْمَ
يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥/١١] وفي حديث الشفاعة: ((آتي
تحت العرش، فأخر ساجداً، فيدعني ماشاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع
رأسك، وقل تُسْمَع، واشفع تُشَفّع، قال: فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة)).
وهذا دليل على انفراد الله بالملك والسلطان.
والله محيط علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ويعلم
أمور الدنيا وأمور الآخرة، كقوله إخباراً عن الملائكة: ﴿وَمَا نَثَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ
رَبِّكَّ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
٦٤
[مريم: ٦٤/١٩] قال الخضر لموسى عليه السلام حين نقر العصفور في البحر:
(مانقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا .
البحر)).
٢
ولا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل، وأطلعه
عليه، ومن تلك الأشياء: الشفاعة، فهي متوقفة على إذنه تعالى، وإذنه لا
یعلم إلا بوحي منه.
والله تعالى واسع الملك والقدرة، والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة،
والسماوات مطويات بيمينه، يحيط علمه بجميع ما في السماوات والأرض،
ويعلم صغار الأمور وكبارها، دقيقها وعظيمها، لا يشغله سمع عن سمع،
ولاشأن عن شأن، ولا يشق عليه أمر.
وقد أورد الزمخشري أربعة أوجه في تفسير قوله ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾(١):
(١) الكشاف: ٢٩١/١-٢٩٢.

١٩
اِلُعُ (٣) - البَقَرَة: ٢٥٥/٢
أحدها - أن كرسيه لم يضق عن السماوات والأرض لبسطته وسعته، وما
هو إلا تصوير لعظمته، وتخييل فقط، ولا كرسي ثمة، ولاقعود ولا قاعد،
كقوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ
وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَاتٌ بَِمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧/٣٩] من غير تصوّر قبضة، وطي،
ويمين، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسي، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمَا
قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
والثاني - وسع علمه: وسمي العلم كرسياً تسمية بمكانه الذي هو كرسي
العالم.
والثالث - وسع ملكه: تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك.
والرابع - ماروي أنه خلق كرسياً هو بين يدي العرش، دونه السماوات
والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء. وعلى كل حال أرى أنه يجب الإيمان
بوجود العرشن والكرسي، كما ورد في القرآن، ولا يجوز إنكار وجودهما؛ إذ
في قدرة الله متسع لكل شيء. ولا يُثقله تعالى حفظ السماوات والأرض ومن
فيهما ومن بینهما، بل ذلك سهل علیه، یسیر لدیه.
وهو المتعالي عن الأنداد والأشباه، وأعظم من كل شيء، لا تحيط به
العقول والمدارك، ولا يعرف حقيقته إلا هو سبحانه وتعالى. وهذا كقوله:
﴿اَلْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ والمقصود بالعلو: علو القدر والمنزلة، لاعلو المكان؛
لأن الله منزه عن التحيُّر في المكان. وفسر بعضهم العلي: بأنه القاهر الغالب
للأشياء.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية تملأ القلب مهابة من الله وعظمته وجلاله وكماله، فهي تدل على
أن الله تعالى متفرد بالألوهية والسلطان والقدرة، قائم على تدبير الكائنات في

٢٠
الزعُ (٣) - البَقَرة: ٢٥٦/٢-٢٥٧
كل لحظة، لا يغفل عن شيء من أمور خلقه، وهو مالك كل شيء في
السماوات والأرض، لا يجرؤ أحد على شفاعة بأحد إلا بإذنه، ويعلم كل
شيء في الوجود، ويحيط علمه بكل الأمور وأوضاع الخلائق دقيقها وعظيمها،
ويظل بالرغم من التدبير للخلائق والعلم المحيط بالأشياء هو العلي الشأن،
القاهر الذي لا يغلب، العظيم الملك والقدرة على كل شيء سواه، فلا موضع
للغرور، ولا محل لعظمة أمام عظمة الله تعالى.
منع الإكراه على الدين والله هو الهادي إلى الإيمان
﴿لَّ إِكْرَاهَ فِى الْدِيْنِّ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْفَيَّ فَمَن يَكْفُرْ بِالَّغُوتِ وَيُؤْمِنْ
بِاللَّهِ فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا أَنْفِصَامَ لَهَاْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيُ ﴿َ اللَّهُ وَلِىُّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ
الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِّ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا
٢٥٧
خَلِدُونَ
الإعراب:
﴿لَا أُنْفِصَامَ لَمَا﴾: هذه الجملة في موضع نصب على الحال من ﴿بِلْعُرْوَةِ
الْوُثْقَى﴾ التي هي ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ أولياء: مبتدأ، والطاغوت خبره، وبما أن خبر
المبتدأ يكون على وفق المبتدأ، فيجب أن يكون الطاغوت جمعاً؛ لأن أولياء
جمع، والطاغوت: تصلح للواحد والجمع. وأصل طاغوت: طَغَيوت، إلا
أنهم قلبوا الياء التي هي لام إلى موضع العين، فصار طَيْغُوتاً، ثم قلبت الياء
ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار طاغوتاً.
البلاغة:
﴿ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: استعارة تمثيلية، حيث شبه المتمسك بدين
الإسلام بالمتمسك بالحبل المحكم. وعدم الانفصام ترشيح.