النص المفهرس
صفحات 761-780
٧٦١
الزُعُ (٢) - الجَفَرة: ٢٣٦/٢-٢٣٧
خلاف أن من دخل بزوجته ثم مات عنها، وقد سمى لها مهراً: أن لها ذلك
المسمَّى كاملاً، والميراث، وعليها العدة.
٩ - لكل امرأة تملك أمر نفسها وكانت بالغة عاقلة راشدة أن تترك النصف
الذي وجب لها عند الزوج؛ لأن معنى ﴿يَعْفُونَ﴾: يتركن ويصفحن،
وقوله ﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ استثناء منقطع؛ لأن عفوهنَّ عن النصف ليس من
جنس أخذهنَّ.
وأما التي في حِجْر أب أو وصي: فلا يجوز وضعها لنصف صداقها بلا
خلاف.
ولولي المرأة في مذهب مالك العفو عن نصف الصداق؛ لأن الذي بيده
عقدة النكاح: هو الولي، لأوجه أربعة:
الأول - لأن الزوج قد طلق، فليس بيده عقدة.
الثاني - أنه لو أراد الأزواج لقال: إلا أن تعفون، فلما عدل عن مخاطبة
الحاضر المبدوء به في أول الكلام: وهو الزوج، إلى لفظ الغائب دل على أن
المراد به غيره.
الثالث - أنه تعالى قال: ﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني يسقطن، ولا يتصور
الإسقاط عن شيء من المهر إلا من الولي، أما الزوج فيعطي.
الرابع - أنه تعالى قال: ﴿إِلَّ أَن يَعْفُونَ﴾ يعني يسقطن ﴿أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى
بِيَدِهِ، عُقْدَةُ التِكَاجْ﴾ يعني يسقط، وكل هذا يرجع إلى النصف الواجب
بالطلاق الذي تُسْقطُه المرأة، فأما النصف الذي لم يجب، فلم يَجْرِ له ذكر.
ورجح ابن العربي هذا القول قائلاً: والذي تحقق عندي بعد البحث والسَّبْر
أن الأظهر هو الولي لثلاثة أوجه(١).
(١) راجع أحكام القرآن: ٢٢١/١
٧٦٢
الُرُ (٢) - البَقَة: ٢٣٦/٢-٢٣٧
وللزوج في رأي الشافعي وأبي حنيفة: أن يترك ما يعود إليه من نصف المهر
الذي سماه للزوجة، لما رواه الدارقطني عن ابن عمرو أن رسول الله وَ لاه قال:
((ولي عُقْدة النكاح: الزوج)). وروى الدارقطني عن جبير بن مطعم: أنه تزوج
امرأة من بني نصر (بطن من هوازن) فطلقها قبل أن يدخل بها، فأرسل إليها
بالصداق كاملاً، وقال: أنا أحق بالعفو منها، قال الله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ
يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَأْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحُ﴾ وأنا أحق بالعفو منها.
١٠ - أقرب الزوجين للتقوى: الذي يعفو. وعلى الزوج ألا ينسى مودة
أهل البيت الذين تزوج منهم ثم طلق، وألا يهجرهم أو يسبهم ويلعنهم ويحقد
عليهم، كما هو حال الناس اليوم مع الأسف بعد حدوث الطلاق بين
زوجين، فصارت رابطة المصاهرة بعد انفصالها مرتعاً للمخاصمات
والمنازعات والمهاترات والمكائد، وهذا كله مناقض لكتاب الله تعالى:
﴿ وَلَا تَنسَوَأْ اُلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
قال مجاهد: الفضل: إتمام الرجل الصداق كله، أو ترك المرأة النصف
الذي لها. بل إن الآية تذكِّر بالإحسان واستعمال الفضل في المعاملات؛ لأن
المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه ولا يستغل حاجته ويعطيه إذا كان
محتاجاً، ولا يبخل ولو بالدعاء له.
١١ - دلت آية ﴿إِلَّّ أَن يَعْفُونَ﴾ على صحة هبة المشاع؛ لأن الله تعالى
أوجب للمرأة بالطلاق نصف الصداق، فعفوها للرجل عن جميعه كعفو
الرجل، ولم يفصل بين مشاع ومقسوم.
وقال أبو حنيفة: لا تصح هبة المشاع إلا بعد القسمة؛ لأن القبض شرط
صحة الهبة، وقبض المشاع أمر متعذر.
٧٦٣
الُرُ (٢) - البقرة: ٢٣٨/٢-٢٣٩
الحفاظ على الصلاة
فَإِنْ
﴿حَفِظُواْ عَلَى الْضَلَوَتِ وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ
خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ
تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ
الإعراب:
﴿قَنِتِينَ﴾ حال أي ذاكرين الله في قيامكم، والقنوت: أن تذكر الله قائماً.
﴿فَرِجَالًا﴾ حال منصوب، وعامله محذوف تقديره: فصلوا راجلين، وهو جمع
راجل كقائم وقيام. ﴿كَمَا عَلَّمَكُم﴾ الكاف بمعنى مثل، وما: المصدرية أو
موصولة مفعول لفعل ((علمكم)).
البلاغة:
{ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ عطف خاص على عام، تنويهاً بفضلها وتنبيهاً على
شرفها في جنسها. هناك طباق بين ﴿خِفْتُمْ﴾ و﴿أَمِنْتُمْ﴾. وعبر بكلمة الشرط
﴿فَإِنْ﴾ لعدم تحقق وقوع الخوف، وأورد الثانية بكلمة ﴿فَإِذَا﴾ لتحقق وقوع
الأمن وكثرته، وأوجز في جواب الأولى مراعاة لظرف الخوف، وأطنب في
جواب الثانية لمناسبته ظرف الأمن والاستقرار.
المفردات اللغوية:
﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ﴾ داوموا على الصلوات الخمس بإتقان وأداء في
أوقاتها وإتمام أركانها وشروطها مع خشوع القلب، دون تضييع ولا عجلة ولا
تأجيل. ﴿وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ من الوسط: وهو العدل والخيار، والوسطى:
الفضلى، ويحتمل أنها وسط أو متوسطة في العدد؛ لأنها متوسطة بين صلاتين
٧٦٤
لُرُ (٢) - البقرة: ٢٣٨/٢-٢٣٩
قبلها وصلاتين بعدها، وقيل: إنها وسط من الوقت. والراجح من الأقوال:
أنها صلاة العصر؛ لما رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن علي مرفوعاً يوم
الأحزاب: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى - صلاة العصر))، وروى أحمد
والشيخان: أن النبي ◌َّ قال في هذا اليوم: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً،
كما شغلونا عن الصلاة الوسطى، حتى غابت الشمس)) ولم يذكر العصر.
وفي رواية عن علي عن عبد الله بن أحمد في سند أبيه: ((كنا نعدّها الفجر،
فقال رسول الله وَير: هي العصر)) وأخرج الشيخان: ((الذي تفوته صلاة
العصر، فكأنما وُتر أهله وماله)).
﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ﴾ في الصلاة ﴿قَنِتِينَ﴾ ذاكرين الله تعالى في القيام، مداومين
على الضراعة والخشوع، وقيل: مطيعين، لما رواه أحمد: ((كل قنوت في القرآن
فهو طاعة)) وقيل: ساكتين، لما رواه الشيخان عن زيد بن أرقم: ((كنا نتكلم في
الصلاة حتى نزلت، فأمرنا بالسكوت)).
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من عدو أو سيل أو سبع ﴿فَرِجَالًا﴾ جمع راجل، أي مشاة
صلوا ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ جمع راكب، أي كيف أمكن، مستقبلي القبلة أو غيرها،
ويومئ بالركوع والسجود، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله. وعن أبي حنيفة
رحمه الله: لا يصلون في حال المشي والمسابقة، ما لم يمكن الوقوف.
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ من الخوف ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ أي صلوا على النحو الذي
علمكم إياه من الإتيان بالفرائض وحقوق الصلاة كاملة.
سبب النزول:
أخرج أحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والبيهقي وابن جرير الطبري عن
زيد بن ثابت أن النبي وق يمه كان يصلي الظهر بالهاجرة، وكانت أثقل الصلوات
على أصحابه، فنزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ وهذا
يدل على أن الصلاة الوسطى صلاة الظهر، وبه قال جماعة.
٧٦٥
الجُعُ (٢) - البََرة: ٢٣٨/٢-٢٣٩
وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير الطبري عن زيد بن ثابت أن النبي وقَالّ
كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في
قايلتهم وتجارتهم، فأنزل الله: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾.
وأخرج الأئمة الستة وغيرهم عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم على عهد
رسول الله 18 في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه، وهو إلى جنبه في
الصلاة، حتى نزلت: ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن
الكلام.
المناسبة:
ختمت آيات الأحكام السابقة في العبادات والمعاملات ومعاملة الزوجات
بالأمر بتقوى الله والتذكير بعلمه بحال عباده وما أعد لهم من جزاء على
العمل، لتقوية الوازع الديني في النفوس، كما هي سنة القرآن.
ثم توسطت آيات المحافظة على الصلاة آيات أحكام الأسرة لحكمة(١):
وهي الحاجة إلى مذكّر عملي يصل الإنسان بالله، للترفع عن البغي والعدوان،
والميل إلى العدل والإحسان في معاملة الأسر، ولا سيما بعد الطلاق الذي
يولد الشحناء والبغضاء، وذلك المذكّر هو الصلاة التي تنهى عن الفحشاء
والمنكر، وتدعو إلى الإحسان والتسامح، وتنفي الجزع وتنسي هموم الدنيا،
فتتربى النفس الإنسانية على أفضل سلوك، وأقوم طريق، وإشارة إلى أنه يجب
ألا تشغلنا البيوت وأوضاعها ولا أنفسنا عن الصلاة.
التفسير والبيان:
داوموا على الصلوات جميعها؛ لما فيها من مناجاة الله ودعائه والثناء عليه،
(١) قال المفسرون: هذه الآية معترضة بين آيات المتوفى عنها زوجها والمطلقات، وهي متقدِّمة
عليهن في النزول متأخرة في التلاوة ورسم المصحف (البحر المحيط: ٢٣٩/٢).
٧٦٦
الجُ (٢) - البقرة: ٢٣٨/٢ -٢٣٩
ولأنها عماد الدين، ولما لها من الأثر الفعال في تطهير النفس، إذا كانت على
النحو المقرر في الحديث: ((اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه
يراك))(١).
والصلاة الوسطى داخلة في الصلوات، وإنما خصها الله بالذكر تنبيهاً على
شرفها في جنسها، وتذكيراً بها، سواء أكانت صلاة الظهر بسبب شدة الحر في
الأقاليم الحارة، ولأنها في وسط النهار، كما رجح القرطبي، أم صلاة العصر
حيث يشغل الناس عنها لإنهاء أعمالهم اليومية، وشكراً لله تعالى على التوفيق
في إنجاز العمل اليومي الذي يعود بالثمرة الطيبة على النفس والأهل والوطن،
أم صلاة الصبح، كما قال ابن عباس وابن عمر وأبو أمامة وعلي، بسبب
الحرص على النوم والتكاسل عن أدائها، ولأنها أثقل صلاة على المنافقين، أم
غير ذلك وهي المغرب أو العشاء أو الجمعة، وفي ذلك سبعة أقوال للعلماء،
رجح ابن العربي أن تعيينها متعذر (٢).
وقوموا خاشعين الله في صلاتكم، متفرغين من كل مشاغل الدنيا التي
تصرف القلب عن الخشوع، ذاكرين الله دون سواه، ساكتين لا تتكلمون بغير
آي القرآن والدعاء والمناجاة بحسب تنظيم الشرع أحوال الصلاة. والقنوت في
رأي مجاهد: هو السكوت، ويدل عليه حديث زيد بن أرقم في سبب النزول
المتقدم.
والمحافظة على الصلاة في وقتها مع الخشوع وحضور القلب دليل الإيمان
وصحة الإسلام، وأخوة الدين، وحفظ الحقوق، والمحافظ عليها هو الذي
يرجى خيره، ويؤمن شره، روى أحمد وأصحاب السنن من حديث بريدة
قال: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((العهد الذي بيننا وبينكم: الصلاة، فمن
تركها فقد كفر)) وروى أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َّ، أنه
(١) أخرجه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(٢) أحكام القرآن: ٢٢٤/١، وانظر أيضاً البحر المحيط: ٢٤٠/٢ وما بعدها.
٧٦٧
الُ (٢) - البَفَرَة: ٢٣٨/٢ -٢٣٩
ذكر الصلاة يوماً، فقال: ((من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم
القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة، وكان يوم
القيامة مع قارونَ وفرعونَ وهامان وأُبَيّ بن خلَف».
وكان من أثر ترك الصلاة على الوجه الشرعي فشو المنكرات والفواحش،
وظهور الخيانة، وزعزعة الأمن على النفس والمال، وكثرة الاعتداءات،
وانقباض الأيدي عن فعل الخير، وقلة التراحم والتعاطف، وسوء الظن،
وضعف الثقة بين الناس.
ونظراً لأهمية الصلاة وخطورتها لم يجز الإسلام تركها في أي حال من
الأحوال، لذا قال الله تعالى ما معناه: لا عذر لأحد في ترك الصلاة، حتى في
حال الخوف على النفس أو المال أو العرض من العدو، فإن خفتم أي ضرر
من القيام، فصلوا كيفما كان راجلين (مشاة) أو ركباناً. فإذا أمنتم أي زال
الخوف عنكم، فاذكروا الله واعبدوه، واشكروه على نعمة الأمن، كما علمكم
من الشرائع، وكيفية صلاة الأمن، ما لم تكونوا تعلمون.
والمراد: ما لم تكونوا تعلمون من صلاة الأمن، أو: فإذا أمنتم فاشكروا
الله على الأمن، واذكروه بالعبادة، كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع،
وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن(١). وقال القرطبي: المعنى:
ارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الأركان، واشكروا الله على هذه النعمة في
تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء، ولم تفتكم صلاة من الصلوات،
وهو الذي لم تكونوا تعلمونه(٢).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ما يأتي:
(١) الكشاف: ٢٨٥/١-٢٨٦
(٢) تفسير القرطبي: ٢٢٥/٣
٧٦٨
الُرَءُ (٢) - البقرة: ٢٣٨/٢-٢٣٩
اً - وجوب المحافظة على الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها، لفضلهن،
وتخصيص الفضلى منهن بزيادة محافظة، أي الزائدة الفضل(١)، تشريفاً لها،
كما قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكُتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ
فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَفِرِينَ
﴾ [البقرة: ٩٨/٢] وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِئِنَ
مِيثَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نَوْحٍ﴾ [الأحزاب: ٧/٣٣] وقال: ﴿فِيهِمَا فَكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرَُّانٌ
﴾ [الرحمن: ٦٨/٥٥].
أَ - لا تسقط الصلاة بحال، ولا يجوز تركها لأي عذر، ولو في حال اللقاء
مع العدو، أو في وسط المعارك الحربية، أو في شدة المرض، إذ شرع الإسلام
أداءها بكيفية تتناسب مع كل الأحوال، ففي أثناء الخوف تؤدى إما حال
الركوب أو حال المشي، أو حال الوقوف إبماء على أي وضع كان. وفي حالة
المرض تصلى قياماً أو قعوداً أو اضطجاعاً، أو على جنب، أو بالإشارة إلى
الأركان بجفن العين، أو بإجراء الأركان على القلب، كما أبان الشافعية
والمالكية وغيرهم، قال النبي وق له لعمران بن حصين - فيما رواه الجماعة -:
((صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)).
وسبب عدم سقوطها في كل حال: أنها تذكر بسلطان الله على كل شيء،
وبأنه وحده الغاية والهدف، وإليه المرجع والمآل، فإن الأعمال الظاهرة تساعد
القلب على استحضار الذات الإلهية، والإقبال على الله في كل شيء صعب أو
سهل، وفي حال الصحة أو حال المرض، وفي حال الأمن أو الخوف،
فسبحانه وتعالى هو المهيمن على كل شيء، وهو صاحب الجلال والعظمة،
وهو وحده الفعال لما يريد، وهو الذي ينجز مطلب عبده إذا أخلص الدعاء
له، وكل ذلك أمر مجرب يحتاج إلى الإيمان الصحيح، والعمل الصالح،
وصدق الطلب.
(١) قال صاحب تفسير المنار (٣٤٧/٢): إن المراد بالصلاة: الفعل، وبالوسطى: الفضلى، أي
حافظوا على أفضل أنواع الصلاة: وهي الصلاة التي يحضر فيها القلب، وتتوجه بها النفس
إلى الله تعالى، ويخشع لذكره وتدبر كلامه، لا صلاة المرائين ولا الغافلين.
٧٦٩
الُزُ (٢) - البَفَرة: ٢٣٨/٢ -٢٣٩
◌َّ - دل قوله تعالى: ﴿وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ على أن الوتر ليس بواجب؛
لأن المسلمين اتفقوا على أعداد الصلوات المفروضات أنها تنقص عن سبعة
وتزيد عن ثلاثة؛ وليس بين الثلاثة والسبعة فرد إلا الخمسة، والأزواج لا
وسط لها فثبت أنها خمسة، وفي حديث الإسراء: ((هي خمس وهن خمسون لا
يبدل القول لدي)).
- إذا كان المراد من قوله تعالى: ﴿قَانِتِينَ﴾ ساكتين وأن القنوت هنا:
السكوت كما صحح القرطبي، كانت الآية آمرة بالسكوت في الصلاة، ناهية
عن الكلام فيها. قال ابن عبد البر: أجمع المسلمون طراً أن الكلام عامداً في
الصلاة، إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته :
أنه يفسد الصلاة، إلا ماروي عن الأوزاعي أنه قال: ((من تكلم لإحياء نفس
أو مثل ذلك من الأمور الجسام، لم تفسد صلاته بذلك)) وهو قول ضعيف في
النظر، لقول الله عز وجل: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَلِتِينَ﴾.
وقال مالك: لا يُفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها
وإصلاحها، فلو صلى الإمام ركعتين، وسلم ساهياً، فسبَّحوا للتنبيه، فلم
يَفْقَه، فقال له رجل من خلفه ممن هو معه في الصلاة: إنك لم تُتم، فأتم
صلاتك. فالتفت إلى القوم، فقال: أحقٌ ما يقول هذا؟ فقالوا: نعم، صحت
صلاة الجميع. ودليله قصة ذي اليدين: وهي أن رسول الله وَ لجر، سلَّم من
ركعتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يارسول الله؟ فقال:
كل ذلك لم يكن، فقال: بعض ذلك قد كان، فقال النبي ◌ُلّ: أصحيح
مايقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم(١).
وأما إذا تكلم عابئاً فتبطل صلاته.
ووافق الشافعية والحنابلة مالكاً في أن الصلاة لا تبطل بكلام لمصلحتها إن
(١) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
٧٧٠
لُزُ (٢) - البَفَرة: ٢٣٨/٢ -٢٣٩
صدر ذلك سهواً، فمن تكلم بعد أن سلَّم قبل إتمام صلاته سهواً بكلام يسير
عرفاً لمصلحة الصلاة، بأنه سبق لسانه إليه أو نسي الصلاة، لا تبطل صلاته
عملاً بقصة ذي اليدين، وأضاف الشافعية القول بأن الصلاة لا تبطل بكلام
من جهل تحريم الكلام في الصلاة إن قرب عهده بالإسلام.
وذهب الحنفية: إلى أن الصلاة تفسد بالكلام عمداً أو سهواً، أو جاهلاً،
أو مخطئاً، أو مكرهاً، على المختار، بالنطق بحرفين أو بحرف مفهم مثل: (ع) و
(قِ)، لتحريم الكلام في الصلاة، ولقول النبي ◌َّيقول: ((إن هذه الصلاة لا يصلح
فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن))(١).
وقالوا: إن حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود
وزيد بن أرقم(٢).
- ذكر أبو بكر الأنباري أن القيام أحد أقسام القنوت، وأجمعت الأمة
على أن القيام في صلاة الفرض واجب على كل صحيح قادر عليه، منفرداً كان
أو إماماً. وقال النبي ◌َ ◌ّ - فيما أخرجه الأئمة -: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به،
فإذا صلى قائماً، فصلوا قياماً)) وهو بيان لقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ فَانِتِينَ﴾.
وأجاز جمهور العلماء للمأموم الصحيح أن يصلي قائماً خلف إمام مريض
لا يستطيع القيام؛ لأن كلاً يؤدي فرضه على قدر طاقته، تأسّياً برسول الله
وَلّ، إذا صلى في مرضه الذي توفي فيه قاعداً، وأبو بكر إلى جنبه قائماً، يصلي
بصلاته، والناس قيام خلفه.
والمشهور عن مالك: أنه لا يَؤْمُّ القُيَّام أحد جالساً، فإن أمَّهم قاعداً بطلت
صلاته وصلاتهم؛ لأن رسول الله وَ له قال: ((لا يؤمّنَّ أحد بعدي قاعداً)).
(١) أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود عن معاوية بن الحكم السُّلَمي.
(٢) قال ابن مسعود: سمعت رسول الله وَل يقول: ((إن الله أحدث من أمره ألا تكلموا في
الصلاة)) وقال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه، وهو إلى جنبه في
الصلاة حتى نزلت: ((وقوموا لله قانتين)).
٧٧١
الُرُ (٢) - البَقَة: ٢٣٨/٢-٢٣٩
٩ - دلت آية ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ على جواز الصلاة حالة القتال، أو الخوف
الطارئة أحياناً، رجالاً (مشاة) على الأقدام، ورُكباناً على الخيل والإبل
ونحوها، إيماء وإشارة بالرأس حيثما توجه، ولا تبطل بالقتال، ويسقط
استقبال القبلة. وهو مذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد)، بدليل ظاهر
الآية، ويؤيده ماروي في الصحيح عن ابن عمر في حال الخوف: ((فإن كان
خوف أكثر من ذلك، صلوا قياماً وركباناً، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها)).
وذهب أبو حنيفة: إلى أن الصلاة تبطل بالقتال. لكن ظاهر الآية حجة
عليه، وحديث ابن عمر يرد عليه.
واختلف العلماء في تحديد صفة الخوف الذي تجوز فيه الصلاة رجالاً
وركباناً، فقال الشافعي: هو إطلال العدو عليهم، فيتراءون معاً، والمسلمون
في غير حِصْن، حتى ينالهم السلاح من الرمي أو أكثر من أن يقرب العدو فيه
منهم من الطعن والضرب، أو يأتي من يصدق خبره، فيخبر بأن العدو قريب
منهم ويصف مسيرهم، جادّين فيه، فإن لم يكن واحد من هذين المعنيين،
فلا يجوز له أن يصلي صلاة الخوف.
فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف، ثم ذهب العدو، لم يعيدوا، وقال أبو
حنيفة: يعيدون.
أما صلاة الخوف مع الإمام وقسمة الناس قسمين فليس حكمها في هذه
الآية، وإنما في سورة النساء.
ولا نقصان في عدد الركعات في الخوف عن صلاة المسافر عند مالك
والشافعي وجماهير العلماء.
وتشريع صلاة الخوف دليل على أن الصلاة لا تسقط بحال ولا بعذر، فإذا
لم تسقط الصلاة بالخوف، فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه، والله
سبحانه وتعالى أمر بالمحافظة على الصلوات في كل حال من صحة أو مرض،
٧٧٢
لُهُ (٢) - النقرة: ٢٤٠/٢-٢٤٢
وحضر أو سفر، وقدرة أو عجز، وخوف أو أمن، لا تسقط عن المكلف
بحال، ولا يتطرّق إلى فرضيتها اختلال.
والمقصود من هذا أن تُفعل الصلاةُ كيفما أمكن، ولا تسقط بحال حتى لو لم
يتّفق فعلها إلا بالإشارة بالعين، لزم فعلها.
وبهذا تميزت الصلاة عن سائر العبادات، كلها تسقطُ بالأعذار، ويترخَّص
فيها بالرَّخص.
قال ابن العربي: ولذلك قال علماؤنا - وهي مسألة عظمى - إن تارك
الصلاة يُقْتَلُ؛ لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحال، وقالوا فيها: إحدى
دعائم الإسلام، لا تجوز النيابةُ فيها ببدن ولا مال، فيقتل تاركها، وأصله
الشهادتان(١).
وصية الحول للمتوفى عنها زوجها ومتعة كل مطلّقة
﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَجِهِمِ مَّتَدْعًا إِلَى
اُلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَّ أَنْفُسِهِرَ
مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِزُ حَكِيمٌ ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى
﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
الْمُتَّقِينَ
القراءات:
﴿وَصِيَّةٌ﴾: قرئ:
١- بالرفع، على الابتداء، أو بفعل محذوف، وهي قراءة ابن كثير، ونافع،
والكسائي، وأبي بكر.
(١) أحكام القرآن: ٢٢٨/١
٧٧٣
لُحُ (٢) - البقرة: ٢٤٠/٢-٢٤٢
٢- بالنصب، وارتفاع (والذين) على الابتداء، وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿ وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، وتقديره: يوصون وصية، والوصية
ههنا: قائمة مقام المصدر وهو الإيصاء، واللام في ﴿لِأَزْوَجِهِم﴾ تتعلّق
بالمصدر، أو بالفعل المقدر.
﴿مَّتَعًا﴾ منصوب على المصدر، ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾: صفة له، أي: متاعاً
لا يخرجهن، أو منصوب على الحال من الموصين الْمُتُوفين، وتقديره: متاعاً إلى
الحول غير ذوي إخراج، أي مُخْرِجين لهن. وهذه الآية منسوخة بما تقدّمها
وهي آية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤/٢].
المفردات اللغوية:
﴿وَيَذَرُونَ﴾ يتركون زوجات بعد وفاتهم. ﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم﴾ أي فليوصوا
وصية، أو يوصي الله وصية لأزواجهم. ومن قرأ: وصية بالرفع: كان مرفوعاً
على أنه مبتدأ، وخبره مقدر، وتقديره: فعليهم وصية لأزواجهم، والجملة من
المبتدأ والخبر: خبر ﴿ وَلَّذِينَ﴾ أو مرفوع بفعل محذوف تقديره: كتبت.﴿مَّتَعًا
إِلَى الْحَوْلِ﴾ أي ليعطوهن ما يتمتعن به من النفقة والكسوة إلى تمام الحول من
موتهم، أو جعل الله لهن ذلك متاعاً مدّة الحول. ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٌ﴾ حال أي غير
مخرجات من مسكنهن، أي لهنّ ذلك المتاع، وهنّ مقيمات في البيت غير
مخرجات منه، ولا ممنوعات من السكنى فيه. ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ بأنفسهن . ﴿فَلاَ
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا إثم عليكم يا أولياء الميت. ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِىَ أَنْفُسِهِرَ
مِن مَّعْرُوفٍ﴾ شرعاً كالتزين وترك الإحداد وقطع النفقة عنها. ﴿وَاَللَّهُ
عَزِيزٌ﴾ في ملكه . ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه.
٧٧٤
الُرُ (٢) - البقرة: ٢٤٠/٢-٢٤٢
سبب النزول:
نزول الآية (٢٤٠):
أخرج إسحاق بن راهويه في تفسيره عن مقاتل بن حيان: أنّ رجلاً من
أهل الطائف قدم المدينة، وله أولاد ورجال ونساء، ومعه أبواه وامرأته،
فمات بالمدينة، فرفع ذلك إلى النَّبِي وَلَّ، فأعطى الوالدين، وأعطى أولاده
بالمعروف، ولم يعطِ امرأته شيئاً، غير أنهم أمروا أن ينفقوا عليها من تركة
زوجها إلى الحول، وفيه نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾
الآية(١).
نزول الآية (٢٤١):
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن زيد قال: لما نزلت: ﴿وَمَتِعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ
قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِ قَدَرُهُ مَتَعًا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦/٢] قال
رجل: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله: ﴿وَلِلْمُطَلّقَتِ
[البقرة: ٢٤١/٢].
٣٤٣)
مَتَعُ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
المناسبة:
هذه الآيات تتمة ما في السورة من أحكام الزواج، وتوسطت بينها آية
الأمر بالمحافظة على الصلاة؛ لأنها عماد الدين، للعناية بها، فمن حافظ على
الصلوات، كان جديراً بالوقوف عند حدود الله تعالى والعمل بشريعته، كما
قال الله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [البقرة: ٤٥/٢] وقد سبق بيان
ذلك.
قال الإمام محمد عبده: وقد خطر لي وجه آخر: هو الذي يطرد في أسلوب
القرآن الخاص في مزج مقاصد القرآن بعضها ببعض، من عقائد وحكم
(١) أسباب النزول للنيسابوري: ص ٤٤-٤٥
٧٧٥
لُ (٢) - البقرة: ٢٤٠/٢-٢٤٢
ومواعظ وأحكام تعبديّة ومدنيّة وغيرها، وهو نفي السآمة عن القارئ
والسامع من طول النوع الواحد منها، وتجديد نشاطهما وفهمهما واعتبارهما
في الصلاة وغيرها (١).
التفسير والبيان:
على الذين يشرفون منكم على الموت، ويتركون زوجات بعدهم أن يوصوا
لهنّ بوصية التّمتع المستمر في البيت إلى نهاية الحول، بدون إخراج منه أو منع
السكنى فيه. فيكون للزوجة الأرملة النفقة من مال زوجها المتوفى مدّة سنة
كاملة، ويجب على الورثة ألا يخرجوا المتوفى عنها زوجها ولا يمنعوا النفقة عنها
قبل مضي السنة. وهل هذا الأمر أمر وجوب وإلزام أو أمر ندب واستحباب؟
قولان(٢):
اً - قول الجمهور: كانت عدّة الوفاة في أول الإسلام سنة كاملة، مجاراة
لعادة العرب، ثم نسخت هذه الآية بآية المواريث في سورة النساء والآية
المتقدمة المتأخرة في النزول: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا يَتَرَبَّصْنَ
بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤/٢]، فصارت عدّة الوفاة أربعة
أشهر وعشرة أيام، بدل السّنة، وتأخذ حقّها المقرر في الميراث. أخرج ابن
جرير الطبري عن همام بن يحيى قال: سألت قتادة عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ
يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ
إِخْرَاجْ﴾ فقال: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، كان لها السكنى والنفقة،
حولاً في مال زوجها، ما لم تخرج، ثم نسخ ذلك بعد في سورة النساء، فجعل
لها فريضة معلومة: الثُّمُن إن كان له ولد، والرُّبُع إن لم يكن له ولد، وعدّتها :
أربعة أشهر وعشراً، فقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ
(١) تفسير المنار: ٣٥٣/٢
(٢) البحر المحيط: ٢٤٤/٢
٧٧٦
الجُرُ (٢) - البقرة: ٢٤٠/٢-٢٤٢
أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ الآية، فنسخت هذه
الآية ما كان قبلها من أمر الحول.
اً - قول مجاهد وأبي مسلم الأصفهاني من قدماء المفسّرين: هذه الآية ثابتة
الحكم، لم ينسخ منها شيء. ورجح الرازي في تفسيره هذا القول.
أما مجاهد: فروى عنه ابن جرير أنه يقول: نزل في عدّة المتوفى عنها زوجها
آيتان: قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ
أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وقد تقدمت، وهذه الآية، أما الآية الأولى: فكانت هذه
للمعتدة تعتدّ عند أهل زوجها واجباً ذلك، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ
يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَزِزُ حَكِيمٌ﴾، قال: جعل الله تمام السنة
سبعة أشهر وعشرين ليلة، وصية: إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت
خرجت، وهو قول الله تعالى ذكره: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ﴾ والعدّة كما هي.
أي أنه يجب حمل الآيتين على حالتين: فإن اختارت الإقامة في دار زوجها
المتوفى، والنفقة من ماله، فعدّتها سنة، وإلا فعدّتها أربعة أشهر وعشر، فيكون
للعدّة على قوله أجل محتم وهو الأقل، وأجل مخيّر فيه، وهو الأكثر.
وأمّا أبو مسلم: فيقول: إن معنى الآية: من يتوفون منكم، ويذرون
أزواجاً، وقد وصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول، فإن خرجن
قبل ذلك، وخالفن وصية الأزواج، بعد أن يقمن المدّة التي ضربها الله تعالى
لهنّ، فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف أي نكاح صحيح؛ لأن
إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة، قال: والسبب أنهم كانوا في زمان الجاهلية
يوصون بالنفقة والسكنى حولاً كاملاً، وكان يجب على المرأة الاعتداد
بالحول، فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب، على هذا التقدير،
فالنسخ زائل.
٧٧٧
لُرُ (٢) - البقرة: ٢٤٠/٢-٢٤٢
أما الفقهاء: فذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد: إلى أنه لا يجب لها السكنى
مدة الأربعة الأشهر والعشر في تركة زوجها، وتعتدّ حيث شاءت. وذهب
مالك: إلى أن لها السكنى مدّة العدّة إذا كان المسكن مملوكاً للزوج، أو
مستأجراً ودفع أجرته قبل الوفاة وإلا فلا، لحديث الفُرَيعة وهو: ما رواه
مالك في موطئه عن زينب بنت كعب بن عُجرة: أن الفُرَيْعة بنت مالك بن
سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أخبرتها: أنها جاءت إلى
رسول الله وَلي تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خَدرة، فإن زوجها خرج في
طلب أعبد له أَبَقُوا، حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم، فقتلوه، قالت:
فسألت رسول الله وَم أن أرجع إلى أهلي في بني خَدْرة، فإن زوجي لم يتركني في
مسكن يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله وَله: (نعم))، قالت:
فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة، ناداني رسول الله وَلاير، أو أمر بي،
فنوديت له، فقال: ((كيف قلت؟)) فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن
زوجي، فقال: ((امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله)). قالت: فاعتددت فيه
أربعة أشهر وعشراً، قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي، فسألني عن
ذلك، فأخبرته، فاتبعه وقضی به(١).
وأما بقية تفسير الآية فهو: فإن خرجن من تلقاء أنفسهن بعد مضي العدّة،
فلا إثم عليكم أيها الورثة المخاطبون بتنفيذ الوصية، فيما فعلن في أنفسهن من
المعروف شرعاً وعادةً كالخروج والتعرّض للخطّاب والزينة والتّزوج، ما دام
ذلك لا يتنافى مع الشرع، إذ لا ولاية لكم عليهن، والله عزيز لا يغالب
ويعاقب من خالفه، حكيم في كل أمر يراعي مصالح عباده.
ثم بَيَّن تعالى حكم متعة المطلّقات عموماً، فذكر أنه شرعت المتعة (وهي ما
يتّفق عليه الزوجان أو يقدرها القاضي) لكل مطلّقة مدخول بها أو غير مدخول
(١) رواه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك به، ورواه النسائي أيضاً وابن ماجه
من طرق عن سعد بن إسحاق به، وقال الترمذي: حسن صحيح.
٧٧٨
الجُرءُ (٢) - البقرة: ٢٤٠/٢-٢٤٢
بها، وهذا حقّ على المتّقين الذين يخافون الله ويرهبون عقابه، ومثل ذلك البيان
السابق لحقوق الأزواج يبيِّن الله لكم سائر الأحكام بآياته المحكمة مع توضيح
فائدتها، لتدفعنا إلى الخير في الدنيا والآخرة، ولنتدبر الأشياء ونتعقل ما فيها
من الحكمة والموعظة الحسنة والمصلحة الحقيقية.
وهل الأمر بالمتعة على سبيل الوجوب أو الندب؟
بيَّنا سابقاً آراء الفقهاء، وموجزها أن الأمر بالمتعة هنا مستحب عند
الجمهور، واجب عند الشافعية، وهو رأي ابن عباس وابن عمر وسعيد بن
جبير والحسن البصري وآخرين من التابعين، أما المالكية فقالوا: إن المتعة
مستحبة لكل مطلقة، ما عدا المطلقة قبل الدخول التي سمي لها مهر، وقال
الشافعية: المتعة واجبة لكل مطلقة قبل الدخول أو بعده، إلا المطلقة قبل
الدخول المسمى لها المهر، وقال الحنفية والحنابلة برأي متوسط: المتعة واجبة
للمطلقة قبل الدخول التي لم يسمَّ لها مهر، مستحبة لغيرها من المطلقات. ولا
متعة للمتوفى عنها زوجها لورود النص في المطلقات.
والراجح لدي ما ذهب إليه الشافعية وموافقوهم؛ لأن هذه الآية أثبتت
المتعة لكل مطلقة، سواء أكانت مدخولاً بها أم لم تكن مدخولاً بها، فيكون
تعالى قد ذكر أولاً المتعة، وأثبتها أو أوجبها لمن طلقت قبل الدخول (المسيس)
وعم هنا المتعة لكل مطلَّقة، فهو تعميم بعد تخصيص. وروى ابن جرير عن ابن
زيد قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ
مَتَهَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦/٢]، قال رجل: إن أحسنت
فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ
حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
وعلى هذا فإن من طلّق ظلماً، أو مللاً وسآمة، أو تعسُّفاً، يحكم عليه
بالمتعة، أخذاً برأي سعيد بن جبير والشافعية، أو ما يسمى بالتعويض عن
الطلاق التعسُّفي، ويكون ذلك بقدر حال الزوج من عسر ويسر، وهذا الرأي
٧٧٩
المُعُ (٢) - البقرة: ٢٤٠/٢-٢٤٢
يحقق المصلحة ويدفع الضرر عما أصاب المرأة من طلاق جائر، ويقلل
حالات الطلاق.
وتكون أحوال المطلّقات أربعة:
اً - مطلَّقة مدخول بها قد فرض لها مهر، فلها كل المفروض، لقوله تعالى:
﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمََّ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩/٢]، وقوله:
﴿ وَإِنْ أَرَدَّثُمُ اُسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَّوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا
تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠/٤]، وعدتها ثلاثة قروء.
أَ - ومطلّقة غير مدخول بها ولا مفروض لها: فيجب لها المتعة بحسب
إيسار المطلّق، ولا مهر لها، لقوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُنْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا
لَمْ تَمَسُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦/٢] ولا عدة عليها.
٣ - ومطلّقة مفروض لها غير مدخول بها: لها نصف المهر المفروض، لقوله
تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧/٢] ولا عدّة عليها.
٤ - ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها: لها مهر مثلها من قريباتها
وأسرتها العصبات بلا خلاف، لقوله تعالى: ﴿فَمَا أُسْتَمْتَعْثُم بِهِ، مِنْهُنَّ
ج
فَنَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٌ﴾ [النساء: ٢٤/٤]، ومعناه في رأي بعضهم: فأعطوهنّ
مهورهنّ بالفرض والتقدير إذا كان غير مسمى.
هذا مع ملاحظة أن الله تعالى لم يأمرنا بالتمتيع عند ذكر نوع من المطلَّقات
إلا غير المدخول بهنّ (غير الممسوسات) مطلقاً أي سواء سميّ لهنّ مهر أو لم
يسم كما في آية الأحزاب: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ
طَلَّقْتُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَذُّونَهَا فَمَتِعُوهُنَّ
﴾ [الأحزاب: ٤٩/٣٣]، أو مقيّداً بحالة عدم تسمية
وَسَرِّجُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾
المهر بقوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦/٢]، أي مدّة
عدم مسّكم إياهنّ وتسمية المهر لهنّ، أي فحينئذٍ يجب عليكم شيء وهو المتعة
بقوله: ﴿وَمَتِعُوهُنَّ﴾ أي أعطوهنّ شيئاً يتمتَّعن به، كما بيَّنا سابقاً.
٧٨٠
للزُعُ (٢) - البَقَة: ٢٤٠/٢-٢٤٢
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآية على أمرين:
الأول - عدّة المتوفى عنها زوجها: وهي حول كامل تسكن فيه في بيت
المتوفى عنها، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت، لم يكن
على الورثة جُناح في قطع النفقة عنها. ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر،
ونسخت النفقة بالرُّبُع والثُّمن في سورة النساء، كما قال ابن عباس وقتادة
والضّحاك وابن زيد والرَّبيع.
وقال الطبري عن مجاهد: إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، والعدّة كانت
قد ثبتت أربعة أشهر وعشراً، ثم جعل الله لهنّ وصيةً منه سكنى سبعة أشهر
وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت،
وهو قول الله عزّ وجلّ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
الثاني - متعة المطلَّقات: واختلف الناس في الآية، فقال أبو ثور: هي
محكمة، والمتعة لكل مطلّقة، وكذلك قال الزُّهري، وسعيد بن جبير،
والشافعي في الأصحّ، لكنه استثنى المطلّقة قبل الدخول المسمّى لها المهر. وقال
مالك: تستحب المتعة لكل مطلّقة إلا المطلّقة قبل الدُّخول، وقد سَّى لها
صداقاً، فحسبها نصفه، ولو لم يكن تَّى لها، كان لها المتعة أقل من صداق
المثل أو أكثر، وليس لهذه المتعة حدّ.
وزعم ابن زيد أن هذه الآية نسختها الآية المتقدمة: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن
قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧/٢]، وهي المطلّقة التي شُّيَ لها المهر ولم يُدْخَل
بها، لها نصف المسمّى، فأخرجت من المتعة.
وأوجب الشافعية المتعة للمختلعة والمبارِئة. وقال أصحاب مالك: كيف
يكون للمفتدية متعة وهي تعطي، فكيف تأخذ متاعاً؟! لا متعة لمختارة الفراق
من مختلعة أو مفتدِية أو مبارِئة أو مصالحة، أو ملاعِنة، أو معتَقة تختار
الفراق، دخل بها أم لا، سمى لها صداقاً أم لا.