النص المفهرس
صفحات 721-740
٧٢١ الُ (٢) - البَفَرَة: ٢٣١/٢-٢٣٢ يخاطب جماعة، وإنما قال: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ لكثرة تردده على ألسنة العرب في كلامها. ﴿أَزْكَى لَكُمْ وَأَلْهَرٌ﴾ أفضل وأطيب، من الزكاء: وهو النماء والبركة والخير، ومن الطّهر: وهو الطيب والنقاء. ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما في ذلك من المصلحة والزكاء والطّهر . ﴿ وَأَنْتُمْ لَا نَعْلَمُونَ﴾ ذلك، فاتبعوا أمره. سبب النزول: نزول الآية (٢٣١): أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: كان الرجل يطلق امرأته، ثم يراجعها قبل انقضاء عدّتها، ثم يطلقها، يفعل ذلك، يضارّها ويعضلها، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج الطبري عن السُّدِّي قال: نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت ابن يسار، طلَّق امرأته، حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة، راجعها، ثم طلَّقها مضارَّة، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِيَعْنَدُواْ﴾(١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكَّخِذُوْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أخرج ابن أبي عمر في مسنده وابن مردويه عن أبي الدرداء، قال: كان الرجل يطلِّق، ثم يقول: لعبت؛ ويعتق، ثم يقول: لعبت؛ فأنزل الله: ﴿وَلَا نَتَّخِذُوَاْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فقرأها رسول الله وَل﴿ وقال: («ثلاث جِدَّهن جِدّ وهزلهن جدّ: الطلاق والنكاح والرَّجعة)). وقال أيضاً: ((من طلَّق لاعباً، أو أعتق لاعباً، فقد جاز عليه)). نزول الآية (٢٣٢): روى البخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم عن معقل بن يسار: أنه زوَّج أخته رجلاً من المسلمين، فكانت عنده، ثم طلّقها تطليقة، ولم يراجعها، حتى (١) البحر المحيط: ٢٠٧/٢ ٧٢٢ لُرُ (٢) - البَقَرة: ٢٣١/٢-٢٣٢ انقضت العدّة، فهويها وهويته، فخطبها مع الْخُطَّاب، فقال له: يا لُكَع(١)، أكرمتك بها، وزوجتكها، فطلقتها؟! والله لا ترجع إليك أبداً، فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إليه، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾، فلما سمعها معقل، قال: سمعاً لربِّ وطاعة، ثم دعاه، وقال: أزوجك، وأكرمك، فزوجها إياه. التفسير والبيان: إذا طلقتم النساء، وقاربن إتمام العدّة، فعليكم أحد أمرين: إما إمساك المرأة بالمعروف (أي بالمراجعة دون إيذاء)، أو إخلاء سبيلها بالمعروف (أي الخلو من إلحاق ضرر بها). وفتر بلوغ الأجل بقرب إتمام العدّة؛ لأن العدّة إذا انقضت لا تجوز مراجعتها، فهذا المعنى مضطر إليه، أما بلوغ الأجل في الآية التالية فهو الانتهاء؛ لأن المعنى يقتضي ذلك، فهو حقيقة في الثانية، مجاز في الأولى. ثم أكّد منع الضرر، فقال: ولا تراجعوهنّ بقصد إلحاق الضرر بهنّ وإيذائهنّ بالحبس وتطويل العدّة، حتى يضطرِرْنَ إلى الفدية ودفع المال لكم، فهذا اعتداء عليهن، ومن يفعل هذا الفعل الممنوع وهو الإمساك على سبيل الضرار والعدوان، فقد ظلم نفسه في الدنيا بإقلاق ضميره وفتح باب الشّر والعداء مع أسرة المرأة، وفي الآخرة بتعريض نفسه لعذاب الله وغضبه، بسبب تسلطه على الضعفاء، واستغلاله حاجة المرأة إلى الخلاص منه. ولا تتهاونوا في امتثال أوامر الله تعالى، والتزام حدوده التي شرعها لكم، فإن تهاونتم وقصرتم کنتم کمن يستهزئ بالله وأمره. وفي هذا وعيد شديد لمن يتجاوز الحدود الشرعية، وفيه حثّ للمؤمن على احترام صلة الزوجية، والبعد عن أفعال الجاهلية. (١) أي يالئيم. ٧٢٣ لالُرُ (٢) - البقرة: ٢٣١/٢-٢٣٢ واذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام وسائر نعمه، ومنها جعل الرحمة والمودة بين الزوجين، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُوَاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَّوَدَّةٌ وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١/٣٠]. واذكروا ما أنزل الله عليكم في القرآن والسّنة النَّبوية من أحكام وحِكَم تشريعيّة، لتوفير استقرار الحياة الزوجية، وتحقيق السعادة والهناءة وغير ذلك، مما فيه مصلحة ومنفعة، إذ أن الأحكام تضع أصول النظام، وأسرار الحكمة التشريعية تساعد على الامتثال والانِّعاظ والاقتناع. ثم وثَّق الحقّ سبحانه وتعالى الأحكام التشريعية في الزواج بما يبعث على احترامها، وهو التقوى أي خوف الله، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، وترك احتقار المرأة وعدم المبالاة برابطة الزوجية المقدسة، خلافاً لما كان عليه العرب في الجاهلية من الاستهانة بالمرأة، واتّخاذها مجرد متاع، وتطليقها لأتفه الأسباب، ومضارّتها بالمراجعة، وجعلها كالمعلّقة، وهذا ما يفعله الجهّال والطّائشون اليوم. واعلموا أن الله يعلم بكل شيء وبما عملتم من تعدي حدوده وتضييع أوامره، فيجازيكم على ما عملتم، فهو تعالى لا يرضى إلا باتباع أحكامه، مع الإخلاص له في الشّر والعلن. وإذا طلقتم النساء معشر المؤمنين، وانقضت عدّتهن تماماً، فلا يجوز لكم أيها الأولياء أن تمنعوهنّ من العودة إلى الزواج بالزوج السابق بعد الطلقتين الأولى والثانية، ولا يجوز لكم أيها الأزواج أيضاً أن تمنعوهنّ بما لكم من النفوذ من الزواج بزوج آخر بعد الطَّلقة الثالثة وانقضاء العدّة، إذا حصل التَّراضي بين المرأة والخاطب لها، وكان الخاطب كفؤاً، وبمهر المثل، ولم يكن هناك محظور شرعي. وعلى الأمة أيضاً ممثلة بوجهائها وعلمائها وحكامها وعقلائها أن تكون متكافلة متضامنة في تحقيق المصلحة العامة، فلا تمنع المعروف، ولا تقرّ المنكر، فتهلك وتتضرّر. ب۔ ٧٢٤ للُعُ (٢) - البقرة: ٢٣١/٢-٢٣٢ ذلك الذي تقدّم من نهي الأولياء عن عضل النساء وأحكام التشريع، يوعظ به أهل الإيمان بالله واليوم الآخر، فهم الذين يتقبلونه، وتخشع له قلوبهم، امتثالاً لأمر ربهم، فشأن المؤمن الطاعة والعظة، وذلك النهي عن ترك العضل أزكى لكم، وأطهر من أدناس الآثام، أي أن فيه بركة وصلاحاً المتّبعيه، وفيه الظُهر بحفظ العرض والشّرف وعدم التَّسبُّب في الفسوق والفساد وانحراف المطلقات، والنّجاة من التّورُّط في الآثام والمحرَّمات والذُّنوب والسَّيِّئات. والله يعلم ما في ذلك من النّفع والصّلاح لكم، والزّكاة والطّهر وصون السمعة، فامتثلوا أوامره، وأنتم لا تعلمون الحقائق وأبعاد المستقبل، ومخاطر ترك المرأة الأيم أو الثَّيب من غير زواج، إرضاءً للأهواء وحظوظ النّفس المريضة غير المتعقّلة، وإنما التي تتّبع الأوهام أو تنساق مع الأنفة والكبرياء. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيتان على أحكام كثيرة هي ما يأتي: ١ - الإمساك بالمعروف: وهو القيام بما يجب للمرأة من حقّ على زوجها، كالنّفقة، فإذا لم يجد ما ينفق على الزوجة، خرج عن حدّ المعروف، ويطلِّقها، فإن لم يفعل طلّق عليه الحاكم من أجل الضَّرر اللاحق بها من بقائها عند من لا يقدر على نفقتها، والجوع لا صبر عليه، وهو رأي الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) لقوله وَ الر في صحيح البخاري: ((تقول المرأة: إما أن تطعمني، وإما أن تطلِّقني». وقال الحنفية: لا يفرّق بينهما، ويلزمها الصبر عليه، وتتعلَّق النفقة بذمته بحكم الحاكم، لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢ /٢٨٠]. ٢ - التَّسريح بإحسان: أي الطّلاق بدون إضرار لقوله تعالى: ﴿وَلَا ٧٢٥ الجزءُ (٢) - البقرة: ٢٣١/٢-٢٣٢ ◌ُمْسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِيَعْنَدُواْ﴾ [البقرة: ٢٣١/٢]، والتَّسريح يحتمل لفظه معنيين: أحدهما: تركها حتى تتم العدّة من الطلقة الثانية، وتكون أملك لنفسها. وهذا قول السّدِّي والضّحاك. والمعنى الآخر: أن يطلِّقها ثالثة فيسرحها، وهذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما، وهو أصحّ لوجوه ثلاثة ذكرها القرطبي(١): أحدها - ما رواه الدارقطني عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله، قال الله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ فِلِمَ صار ثلاثاً؟ قال: ((إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)) وفي رواية هي الثالثة. الثاني - أن التَّسريح من ألفاظ الطَّلاق. الثالث - أن فعّل تفعيلاً يعطي أنه أحدث فعلاً مكرراً على الطلقة الثانية، وليس في الترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل. قال ابن عبد البر: وأجمع العلماء على أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾ هي الطَّلقة الثالثة بعد الطَّلقتين؛ وإياها عنى بقوله تعالى: ﴿فَإِنِ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجَا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠/٢]. ٣ - يحرم الاستهزاء بالأحكام الشرعية: لأنه تعالى قال: لا تأخذوا أحكام الله تعالى في طريق الهزو، فإنها جدّ كلها، فمن هزل فيها لزمته. ومن الهزء: الاستغفار من الذَّنب قولاً مع الإصرار فعلاً. ٤ - من طلَّق هازلاً يلزمه الطَّلاق بالإجماع، لما روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ ليه قال: ((ثلاث جدّهن جدّ، وهزلهن جدّ: النكاح، والطلاق، والرّجعة)). وقال علي وابن مسعود وأبو الدرداء: ((ثلاث لا لعب فيهنّ، واللاعب فيهنَّ جادّ: النِّكاح، والطّلاق، والعتاق)). ٥ - شكر النعمة: أمر الله تعالى بتذكر نعمه علينا من الإسلام وبيان (١) تفسير القرطبي: ١٢٧/٣ ٧٢٦ لُ (٢) - البَفَرَة: ٢٣١/٢-٢٣٢ الأحكام، وتشريع الأنظمة، وتبيان القرآن بالحكمة أي الأسرار التشريعية والسّنة النَّبوية. كل ذلك للتخويف وإعداد النفس للتقوى؛ لأن الله عليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. ٦ - نهي أولياء المرأة عن أن يعضلوها: أي يمنعوها حقّ الزواج إذا خطبها الكفء، وتراضت المرأة والخاطب لها. ٧- لا يجوز النكاح بغير ولي: دلّت الآية على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي، بدليل سبب النزول في أخت معقل، فقد كانت ثيِّاً، ولو كان الأمر إليها دون وليّها لزوَّجت نفسها، ولم تحتج إلى وليَّها: معقل، فالخطاب إذن في قوله تعالى: ﴿فَلَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ للأولياء، وأن الأمر إليهم في التزويج مع رضاهنّ، ولأنه لو كان للمرأة أن تتزوج بدون رضا وليّها، ولم يكن للولي شأن لما كان معنى لنهي الأولياء عن أن يعضلوا النساء. وهذا رأي الجمهور (مالك والشافعي وأحمد). وقال الحنفية: للمرأة أن تزوِّج نفسها؛ لأن الله تعالى أضاف ذلك إليها، كما قال: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَةٍ﴾ ولم يذكر الولي، ولأن الخطاب في آية ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ للأزواج، وذلك بأن يكون الارتجاع مضارَّة عضلاً عن نكاح الغير، بتطويل العدّة عليها، ولأن قوله: ﴿إِذَا تَرَضَوْ بَيْنَهُمْ﴾ دليل على أنه لا مانع أن يخطب الرجل المرأة إلى نفسها، ويتَّفق معها على التزوُّج بها. والعضل يكون بعد انتهاء الأجل أي بعد انتهاء العدّة. ودلّ قوله ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ على أن العضل من غير الكفء غير محرم. وأجاز بعضهم العضل إذا كان المهر دون مهر المثل. والمدار في الكفاءة على العرف الشرعي السائد، لا على التقاليد المصطنعة. ٨ - الإيمان مدعاة الاتِّعاظ: دلّت الآية: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرُ﴾ على أن المؤمن حقّاً لا بدّ له أن يتَّعظ، فالذين لا ٧٢٧ الُ (٢) - البَفَرة: ٢٣٣/٢ يَتَّعظون ولا يعملون بأوامر الله ليسوا بمؤمنين، وإنما آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم. ٩ - التشريع الإلهي يحمي المصالح الاجتماعية العامة البعيدة الأمد التي لا يتنبه لها الناس أحياناً، بسبب قصور العقل البشري وعدم قدرته على الاستيعاب، والاطلاع على المستقبل. الاسترضاع بأجر ومذة الرضاع ونفقة الأولاد وأحكام أخرى وَأُوَإِذَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُثِمَّ الرَّضَاعَةُ وَعَلَى الْؤُلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِّ لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَاً لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَ جُنَاحَ عَلَيِمَا وَإِنْ أَرَدِتُمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَانَيْتُ بِالْغَرُوفِّ وَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ القراءات: ﴿لَا تُضَآرَ﴾: قرئ: ١- برفع الراء المشددة، وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو. ٢- بفتح الراء، على النهي - فسكنت الراء الأخيرة للجزم، وسكنت الراء الأولى للإدغام، فالتقى ساكنان، فحرك الأخير منهما بالفتح، لموافقة الألف التي قبل الراء، لتجانس الألف والفتحة - وهي قراءة باقي السبعة. ﴿مَّآ ءَانَيْتُ﴾ : وقرأ ابن كثير: (ما أتيتم). الإعراب: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ خبر بمعنى الأمر، أي ليرضعن، مثل ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ ٧٢٨ لُزُعُ (٢) - التَفَرَّة: ٢٣٣/٢ يَتَرَبَّصْنَ﴾، ومجيء الخبر بمعنى الأمر كثير في العربية. ﴿لِمَنْ أَرَادَ﴾ اللام إما متعلّق بيرضعن، فهو منصوب، وإما متعلق بمحذوف على أنه مرفوع خبر مبتدأ تقديره: هذا الذي ذكرنا لمن أراد أن يتم الرّضاعة. ﴿ وَعَلَى الْمَوَلُودِ لَهُ﴾ تقديره: وعلى المولود له الولد، والولد نائب فاعل للمولود . ﴿لَا تُضَآرَ﴾ قراءة الفتح على أن يكون ﴿لَا﴾ نهياً، وتضارّ مجزوم بها، وحرِّكت بالفتح لأن الفتحة أخف الحركات، وقراءة الرفع على أن يكون ﴿لَا﴾ نفياً يراد به النهي مثل قوله تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُوقَ﴾ ويصحّ كون الفعل مبنيّاً للمعلوم أو للمجهول . ﴿ وَلِدَةٌ﴾ فاعل تضارّ، على أن أصله: تضارِر بكسر الراء الأولى، ويقدر مفعول محذوف، تقديره: لا تضارِر والدة بولدها أباه، ولا يضارِر مولود له بولده أمَّه. ﴿ أَوْلَدَكُمْ﴾ أي لأولادكم، فحذف حرف الجرّ، فاتَّصل الفعل بالاسم، فنصبه. ﴿مَّآ ءَيْتُ بِالْغَرُوفِّ﴾ آتى: يتعدى إلى مفعولين؛ لأنه بمنزلة أعطى، وتقديره: آتيتموه المرأة، أي أعطيتموه المرأة. البلاغة: ﴿ وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ خبر بمعنى الأمر للمبالغة في الحمل على تحقيقه، أي لیرضعن، كما بيَّنا. ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي تسترضعوا المراضع لأولادكم، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، والغيبة في قوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ والالتفات لتحريك مشاعر الآباء نحو الأبناء. المفردات اللغوية: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ أي ليرضعن. ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ الحول: العام أو السنة. وكاملين: صفة مؤكّدة. ﴿الْوَلُودِ لَهُ﴾ هو الأب الوالد. ﴿رِزْقُهُنَّ﴾ إطعام ٧٢٩ الجُرعُ (٢) - البقرة: ٢٣٣/٢ الوالدات .﴿ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ على الإرضاع إذا كنّ مطلَّقات. ﴿بِالْعْرُوفِّ﴾ بقدر طاقته . ﴿وُسْعَهَا﴾ طاقتها، وهي آخر درجات القدرة، وما بعدها العجز. والتكليف: الإلزام . ﴿لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ بسببه بأن تكره على إرضاعه إذا امتنعت .﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهٍِ﴾ أي بسببه بأن يكلف فوق طاقته. وإضافة الولد إلى كلٍّ منهما في الموضعين للاستعطاف. والمضارّة: تقتضي المشاركة أي مشاركة كل من الوالدين للآخر في الضَّرر. وهذا يدلّ على أن الإضرار بالآخر إضرار بنفسه، وينعكس أثر المضارّة على الولد. ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ وارث الأب وهو الصَّبي مثل ذلك، أي على الولد في ماله للوالدة من الرزق (النفقة) والكسوة وعدم الإضرار بها مثل الذي على الأب للوالدة، إن كان له مال، أي إن نفقة إرضاعه تكون من ماله إن كان له مال، وإلا فهي على عصبته. وقال بعضهم: إن المراد بالوارث: هو وارث الصبي الذي لو مات الصبي ورثه، وهو قريبه إذا مات، فتؤخذ النفقة ممن يرث الطفل إذا لم يكن له مال، لو مات. واللفظ يحتمل المعنيين، والأول: اختيار الطبري والزمخشري وغيرهما، وهو معطوف على قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِمَعْرُوفِّ﴾ وما بينهما تفسير للمعروف، معترض بين المعطوف والمعطوف عليه، ويكون المعنى: وعلى وارث المولود له مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة، أي إن مات المولود له، لزم من يرثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بشرط المعروف وتجنُّب الضِّرار. ﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ أي الوالدان. ﴿فِصَالًا﴾ فطاماً له قبل الحولين، وسمي بذلك؛ لأنه يفصل الولد من أمه، ويفصلها منه، فيكون مستقلاً في غذائه دونها .﴿عَن تَرَاضٍ﴾ اتّفاق بينهما. ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾ بينهما فيما يحقق مصلحة الصبي. والتشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرأي من المستشارين . ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَهِمَا﴾ أي لا حرج . ﴿أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ﴾ تتخذوا مراضع غير الوالدات. ﴿مَّآ ءَانَيْتُم﴾ سلمتم إليهن ما أردتم إيتاءه لهنّ من الأجرة .. ﴿بِلْغُرُوفِ﴾ بالجميل كطيب النفس. ٧٣٠ الجُزُ (٢) - البَقَرَة: ٢٣٣/٢ المناسبة: لما ذكر الله أحكام النكاح والطلاق الذي يحصل به الفراق، ذكر حكم ما كان من نتيجة النكاح؛ لأن المطلَّقات قد يكون لهنّ أولاد رضّع، وربَّما ضاعوا بين كراهة الأزواج وعَنَت المطلَّقات، فربما حرمتهم الرضاع انتقاماً من الأب، فأوصى الوالدات بالأولاد، فجعل مدّة الرّضاع حولين كاملين إذا شاء الوالدان إتمام الرضاعة، وألزم الآباء بكسوة الوالدات ونفقتهن مدّة الرّضاع بقدر سعتهم أو طاقتهم، ونهى عن مضارّة أحد الوالدين بالآخر بسبب الولد، فترفض الأمّ إرضاعه لتضرّ أباه بتربيته، أو تبالغ في طلب النفقة والكسوة، وينتزع الأب الولد منها إضراراً بها وهي تريد إرضاعه، أو يكرهها على الإرضاع، أو يمنعها حقّها في النفقة والكسوة، كما أنه تعالى نهى الوالدين عن إلحاق الضرر بالولد، فيحدث تقصير فيما ينبغي له، وكل ذلك رعاية من الله للصبي؛ لأنه عاجز عن نفع نفسه ودفع الضرر عنها. وعلى هذا تكون الآية في المطلَّقات اللاتي لهنّ أولاد من أزواجهنّ، فهنّ أحقّ برضاع أولادهنّ من الأجنبيّات؛ لأنهنّ أحنى وأرقّ، وانتزاع الولد الصغير إضرار به وبها. وسبب كون المراد بالوالدات المطلَّقات: أن الله تعالى قال: ﴿وَعَلَى الْمَوَلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ﴾ ولو كانت الزوجية قائمة باقية لوجب على الزوج ذلك بالزوجية لا بالولادة، وأيضاً ذكرت هذه الآية عقب آيات الطَّلاق. ورأى بعضهم: أن المراد بالوالدات: كل والدة مطلّقة أو زوجة، أخذاً بعموم اللفظ. التفسير والبيان: على الوالدات المطلقات، أو على جميع الوالدات مطلقات أو غير مطلقات أن يرضعن أولادهن مدة سنتين كاملتين دون زيادة عليهما، إذا أريد إتمام المدة، ولا مانع من نقص ذلك إذا رئيت المصلحة فيه، والأمر متروك للاجتهاد والتقدير. ٧٣١ لُعُ (٢) - البَكُفَرة: ٢٣٣/٢ والرضاع مندوب للأم بصفة عامة؛ لأن لبنها أفضل لبن باتفاق الأطباء، وقد يجب إذا امتنع الطفل من الرضاع من غيرها، أو لم يجد الوالد مرضعة لفقر أو غيره. ورغبة بعض النسوة عن الإرضاع ترفعاً أو محافظة على الجمال والصحة منافٍ لمقتضى الفطرة، مسيء لمصلحة الولد. وهل الرضاع حق للوالدة أو واجب عليها؟ فيه اختلاف. فقال مالك: الرضاع حق على الوالدة إذا كانت زوجة أو لم يقبل الولد ثدي غيرها، واستثنى من ذلك الشريفة فلم يجعل حقاً عليها، عملاً بالعرف الذي كان عليه العرب وقت نزول الآية(١)، فكان نساء قريش يلتمسن المراضع بأجر أنفة واعتزازاً. وقال الجمهور: إن ذلك مندوب، إلا عند الضرورة كأن لم يقبل ثدي غير الأم، لقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ: أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦/٦٥]. ومدة الرضاع التام: سنتان، لاحتياج الطفل إلى اللبن فيهما، ولا مانع من جعله أقل من ذلك حسبما يرى الوالدان المصلحة، ويعوّد الولد الآن بتناول شيء من الغذاء مع اللبن في أواخر الحول الأول، ثم يفطم إذا استغنى عن اللبن بالطعام المعتاد. وإنما قال الله ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ لئلا يتوهم أنه أراد حولاً وبعض الثاني. والمقصود من تحديد مدة الرضاع بحولين كاملين ليس وجوب ذلك؛ لأنه قال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فهو يدل على أن الإرضاع في الحولين ليس بحد أدنى لا يتعدى، وإنما ذلك لمن أراد الإتمام، أما من لا يريده فله فطم الولد دون بلوغ الحولين إذا لم يكن فيه ضرر للولد، ويؤيده قوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَإِنْ أَرَدَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣/٢] (١) تفسير القرطبي: ١٦١/٣ ٧٣٢ اِلُ (٢) - البَفَرَّة: ٢٣٣/٢. فالمقصود بيان المدة التي يرجع إليها عند الاختلاف، أو بيان المدة القصوى قضاءً. وعلى الوالد كفاية المرضع من طعام وكسوة، للقيام بحق الولد، وأجرة لها على الإرضاع، واستئجار الأم غير جائز مادامت في الزواج أو العدة، ويجوز عند الشافعي رضي الله عنه مطلقاً. وتقدير الأجرة على قدر حال الأب من اليسار والإعسار والتوسط، كما قال الله تعالى: ﴿لِيُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّنْ سَعَنْةِ. وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَائَنُهُ اللَّهُ لَ يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنَهَا﴾ [الطلاق: ٧/٦٥] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦/٢] والآية هنا ﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾ أي لا تلزم نفس إلا بقدر سعتها. وأخذ من الآية أيضاً وجوب نفقة الولد على الوالد؛ لأن الله أوجب نفقة المطلقة على الوالد في زمن الرضاع، لأجل الولد، وإنما وجبت لضعف الولد واحتياجه، والوالد أقرب الناس إليه. وعلة تشريع الأحكام السابقة منع الضرار من جانبي الرجل والمرأة، بإعطاء كل ذي حق حقه، فيحرم إضرار أحدهما الآخر بسبب الولد، فلا تمتنع الأم من إرضاعه تعجيزاً للأب بالتماس الظئر (المرضع)، أو تكلفه من النفقة فوق طاقته، أو تقصّر في تربية الولد، كذلك لا يجوز أن يمنعها من إرضاع ولدها وهي ترغب به؛ لأنها أرأف الناس به، وأحناهم عليه، وأنفعهم له، أو يضيِّق عليها في النفقة، أو يمنعها من رؤيته ولو بعد مدة الرضاع والحضانة. وعلى وارث الأب مثل ذلك من النفقة والكسوة وترك الضرار للمرضع، وقيل: على وارث الصبي الذي لو مات ورثه، فدل هذا القول على وجوب النفقة على أقارب الصبي عند عدم الوالد. وهذا أصل في وجوب نفقة الأقارب، وهو مذهب أبي حنفية، وأحمد، إلا أن الحنفية أوجبوا النفقة لكل ذي رحم محرم كالعمة والخال، ولا تجب لغير ر ٧٣٣ لُعُ (٢) - البَفَرَة: ٢٣٣/٢ ذي الرحم المحرم كابن العم وبنت العم، وأوجبها الحنابلة لكل قريب وارث بفرض أو تعصيب كالأخ والعم وابن العم، ولا تجب لذوي الأرحام كبنت العم والخال والخالة والعمة ونحوهم ممن لا يرث بفرض ولا تعصيب؛ لأن قرابتهم ضعيفة. ورأى مالك والشافعي أن النفقة لا تجب إلا على الوالدين، فنفقة الولد على أبيه، فإن مات ففي مال الصبي إن كان له مال، وإلا فعلى الأم. والآية تؤيد الرأي الأول، إلا أن يراد بالآية: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ ترك الإضرار فقط، أو يراد من الوارث الولد نفسه. وتحديد مدة الرضاع بحولين كاملين إنما كان لبيان المدة القصوى التي يرجع إليها عند الاختلاف كما بينها الله، فإن أراد الوالدان فطام الولد قبل الحولين أو بعدهما، برضاهما وتشاورهما في مصلحة الطفل، فلا إثم عليهما فيه، حيث اقتضت المصلحة ذلك، ولم يلحق ضرر بالولد. ولا مانع من استئجار المراضع، وهو ما أبانته الآية التي أفصحت عن أنه: إذا أردتم أن تسترضعوا المراضع أولادكم أو لأولادكم بسبب حمل أو مرض أو عدم اتفاق، فلا حرج فيه، بشرط إعطاء المرضعة أجرها بالمعروف أي بحسب أجرة أمثالهن في كل عصر ومكان، لما في الأجر من تحقيق مصلحة الولد والوالدين أيضاً. وهذا خطاب للأب والأم على سبيل التغليب، للإشارة إلى أنه من الأدب والمصلحة تشاور الأبوين في الاسترضاع؛ لأنه ولدهما. والقول بجواز استرضاع المراضع الأجنبيات هو مذهب أبي حنيفة. وقوله تعالى: ﴿إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَانَيْتُم بِلْغُرُوفِّ﴾ ليس شرطاً لجواز الاسترضاع، وإنما هو ندب إلى الأولى، تطيباً لنفس المرضع. ثم ضرب الله نطاقاً محكماً لتنفيذ الأحكام السابقة: وهو أن يتم في ظل تقوى الله، فعلى المؤمن أن يخشى الله، فلا يفرط في شيء من الأحكام المذكورة؛ لأن الله تعالى خبير وبصير بكل شيء، فيجازيكم على أعمالكم، ٧٣٤ الجُزءُ (٢) - البَفَرَّة: ٢٣٣/٢ فإن أنتم أديتم حقوق النساء والأطفال، واجتنب الوالدان المضارَّة، كان الأولاد مثلاً صالحاً في الدنيا وسبب مثوبة في الآخرة، وإن سرتم على وفق الأهواء، كان الأولاد نذير سوء، وعنوان بلاء وفتنة في الدنيا، وسبب عذاب في الآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على أن المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن أحق برضاع أولادهن من الأجنبيات؛ لأنهن أحنى وأرقّ، وانتزاع الولد الصغير من والدته إضرار به وبها. وهذا يدل على أن الولد، وإن فُطِم، فالأم أحق بحضانته لفضل حنوها وشفقتها، مالم تتزوج بزوج آخر باتفاق العلماء لقوله وَلخير لا مرأة - فيما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو -: ((أنت أحق به مالم تنکحي». وإذا كانت المطلقة أولى بالرضاع والحضانة فإن الزوجات حال الزوجية أولى بهما أيضاً، بل إن الزوجة تستحق النفقة والكسوة، أرضعت أو لم ترضع، في مقابلة التمكين من الاستمتاع. وأما إيجاب النفقة في حال الرضاع بعد الطلاق فبسبب اشتغال المرأة في مصالح الزوج، لذا قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَّهُ﴾ أي الزوج ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ دفعاً لتوهم سقوط النفقة إذا اشتغلت المرأة بالإرضاع ولم يحدث التمكين. ودل قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُثِّ الرَّضَاعَةَ﴾ على أن إرضاع الحولين ليس حتماً، فإنه يجوز الفطام قبل الحولين، ولكن التحديد بالحولين لقطع التنازع بين الزوجين في مدة الرضاع، فلا يجب على الزوج إعطاء الأجرة لأكثر من حولين. وإن أراد الأب الفَظْم قبل الحولين، ولم ترض الأم، لم يكن له ذلك. والزيادة على الحولين أو النقصان إنما يكون عند عدم الإضرار بالمولود، وعند رضا الوالدين. ٧٣٥ لُعُ (٢) - البَفَة: ٢٣٣/٢ وقد أخذ مالك في موطئه والشافعي وأحمد من آية: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ أن مدة الرضاع المحرِّم أي التي يحرِّم الرضاع فيها المصاهرة كما يحرَّم بالنسب: هي حولان فقط، فإذا لم يقع الرضاع فيهما لا يحرم. ولم يعتبر الحنفية، والمالكية أخذاً بما روى ابن القاسم عن مالك(١): أن الآية جاءت لتحديد مدة الرضاع المحرِّم، فذهب أبو حنيفة إلى أن مدة الرضاع ثلاثون شهراً، وقال زفر: ثلاث سنين، وذهب المالكية في الصحيح إلى أن ماقرب من زمان الفطام عرفاً لحق به، وما بعد عنه خرج عنه، من غير تقدير. قال القرطبي(٢): والصحيح الأول، لقوله تعالى: ﴿وَاُلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وهذا يدل على ألا حكم لما ارتضع المولود بعد الحولين. وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: قال رسول الله وقال: ((لا رضاع إلا ماكان في الحولين))(٣) فهذا الخبر مع الآية والمعنى ينفي رضاعة الكبير، وأنه لا حرمة له. واستنبط العلماء من هذه الآية ومن قوله تعالى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ تَثُونَ ـهْرَأَ﴾ أقل مدة الحمل، فإنه إذا أسقطت مدة الرضاع من ثلاثين شهراً، يكون الباقي ستة أشهر، وهي أقل المدة. وأرشدت الآية: ﴿وَعَلَى الْمُؤَلُودِ لَّهُ﴾ إلى وجوب نفقة الولد على الوالد لضعفه وعجزه. والمراد بالمولود له: الذي ولد له، والذي يعبر به عن الواحد والجمع. ويجوز في العربية القول: ((وعلى المولود لهم)) كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢/١٠]. (١) قال مالك: الرضاع: الحولين والشهرين بعد الحولين. (٢) تفسير القرطبي: ١٦٢/٣ (٣) قال الدارقطني: لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ. ٧٣٦ الُرُ (٢) - البَقَرة: ٢٣٣/٢ والنفقة الواجبة من الطعام والكسوة (اللباس) هي بالمعروف أي بالمتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا إفراط. والإنفاق يكون على قدر غنى الزوج وحال الزوجة في رأي المالكية. ودلت الآية على أن الحضانة للأم، وهو حق لها، وبه أخذ مالك وأبو حنيفة، ومدة الحضانة عند مالك في الغلام إلى البلوغ، وفي الفتاة إلى الزواج. وقال الشافعي وأحمد: إذا بلغ الولد ثمان سنين، وهو سن التمييز، خيِّرٌ بين أبويه، فإنه في تلك الحالة تتحرك همته لتعلم العلوم ووظائف العبادات، وذلك يستوي فيه الغلام والفتاة، بدليل تخيير النبي # # ولداً حينئذ، فلحق بأمه، كما روى النسائي وغيره عن أبي هريرة. ويظل الحق للأم بالحضانة مالم تتزوج اتفاقاً كما سبق بيانه، قال ابن المنذر: ((وقد أجمع كل من يُحفظ عنه من أهل العلم على ألا حقَّ للأم في الولد إذا تزوجت)) وينقطع حقها بمجرد عقد الزواج عند الشافعي، وقال مالك: إذا تزوجت الأم لم ينزع منها ولدها، حتى يدخل بها زوجها. ولا فرق في رأي الحنفية بين الذمية والمسلمة في أحقية الأم بالحضانة إذا افترق الزوجان بطلاق. وقال مالك والشافعي: الولد مع المسلم من الزوجين. وإن تركت المرأة حضانة ولدها ولم ترد أخذه وهي فارغة غير مشغولة بزوج، ثم أرادت بعد ذلك أخذه نُظِر لها؛ فإن كان تركها له من عذر كان لها أخذه، وإن كانت تركته رفضاً له ومقتاً، لم يكن لها بعدئذ أخذه. وتحرم المضارّة بين الزوجين وغيرهما؛ إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، ولقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ﴾ أي لا تأبى الأم أن ترضعه إضراراً بأبيه أو تطلب أكثر من أجر مثلها، ولا يحل للأب أن يمنع الأم من ذلك مع رغبتها في الإرضاع، كما بينا. ودل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ على وجوب نفقة الأقارب، ٧٣٧ لِلُعُ (٢) - البَفَرَة: ٢٣٣/٢ كما بينا، كما أنه يدل على وجوب النفقة على الصبي نفسه من ماله إن كان له مال. ومدة الرضاع الكاملة حولان كاملان عند اختلاف الزوجين في تحديد المدة القصوى التى تجب فيها أجرة الرضاع. ويجوز اتفاقهما على أقل من ذلك من غير مضارّة الولد. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام بإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي إلى صلاح الصغير، وذلك موقوف على غالب ظنونهما، لا على الحقيقة واليقين. وإذ أرشد القرآن إلى التشاور في أدنى الأعمال لتربية الولد، فهو مطلوب بالأولى في أجلّ الأعمال خطراً وأعظمها فائدة، وهي مشورة الحكام في مصالح الأمة، لذا أمر الله رسوله بمشاورة أصحابه قائلاً: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأمّيِ﴾ [آل عمران: ١٥٩/٣] ومدح المؤمنين بقوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨/٤٢]. ودل قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدَتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ﴾ على جواز اتخاذ الظئر (أي استئجار المرضع) إذا اتفق الآباء والأمهات على ذلك، ويجب حينئذ تسليم الأجرة إلى المرضعة الظئر لقوله تعالى: ﴿إِذَا سَلَّمْتُم ◌َّآ ءَانَيْتُمْ﴾. والأصل أن كل أم يلزمها رضاع ولدها، كما أخبر الله عز وجل، فأمر الزوجات بإرضاع أولادهن، وأوجب لهن على الأزواج النفقة والكسوة والزوجيةُ قائمة، فلو كان الرضاع على الأب لذكره مع ماذكر من رزقهن وكسوتهن؛ إلا أن مالكاً رحمه الله دون فقهاء الأمصار استثنى الحسيبة كما بينا، فقال: لا يلزمها رضاعه؛ فأخرجها من الآية، وخصصها بأصل من أصول الفقه، وهو العمل بالعادة: وهو ماكان عليه عرب الجاهلية، فجاء الإسلام ولم يغيره، واستمر ذوو الثروة والأحساب على تفريغ الأمَّهات للمتْعة، بدفع الرُّضَعاء للمراضع إلى زمن مالك فقال به، وكذا إلى زماننا(١). (١) تفسير القرطبي: ١٧٢/٣ ٧٣٨ الُ (٢) - البَقَة: ٢٣٤/٢ وجاء الأمر الإلهي بإرضاع الأمهات أولادهن على مقتضى الفطرة، فأفضل اللبن للولد لبن أمه باتفاق الأطباء، ولبن المرضع يؤثر في جسم الطفل وفي أخلاقه وسجاياه، ولذلك يحتاط في انتقاء المراضع، ويجتنب استرضاع المريضة، والفاسدة الأخلاق والآداب(١). عدة المتوفى عنها زوجها ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًاً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىّ أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِّ وَاللَّهُ بِمَا ٢٣٤ تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ الإعراب: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ الذين: مبتدأ، وفي الخبر أربعة أوجه: الأول - أن يكون خبره مقدراً، وتقديره: فيما يتلى عليكم الذين، مثل ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ أي فيما يتلى عليكم. الثاني - أن يكون خبره: ﴿ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ﴾ على تقدير: يتربصن بعدهم بأنفسهن، فحذف ((بعدهم)) للعلم به؛ لأن الجملة إذا وقعت خبراً للمبتدأ، فلا بد من أن يعود منها عائد إليه. الثالث - أن يكون التقدير: فأزواجهن يتربصن، والجملة من المبتدأ والخبر: خبر ﴿ وَاُلَّذِينَ﴾. الرابع - أن يكون الخبر: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، على أن يكون التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن. (١) تفسير المنار: ٣٢٩/٢-٣٣٠ ٧٣٩ لُزُ (٢) - البَفَرَة: ٢٣٤/٢ المفردات اللغوية: ﴿ يُتَوَفَّوْنَ﴾ يموتون بأن يتوفاهم الله ويقبض أرواحهم، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢/٣٩] فإذا حذف الفاعل أسند الفعل إلى المفعول ﴿وَيَذَرُونَ﴾: ويتركون ﴿أَزْوَجًا﴾ يطلق الزوج على الذكر والأنثى، كما قال تعالى: ﴿ وَأَزْوَجُ: أُمَّهَُهُمْ﴾ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ أي ليتربصن أي لينتظرن ﴿بِأَنْفُسِهِنَ﴾ بعدهم عن الزواج ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ من الليالي، وهذا في غير الحوامل، أما الحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن بآية الطلاق [٤]. ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي أتممن عدتهن وانتهت مدة تربصهن وانتظارهن. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها الأولياء ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِىّ أَنْفُسِهِنَّ﴾ من التزين والتعرض للخطاب. ﴿ِلْمَعْرُوفِ﴾ شرعاً (خَبِيرٌ﴾ عالم بباطن العمل وظاهره. المناسبة: هذا بيان متصل في أنواع العدة، فقد ذكر أولاً عدة الطلاق بالحيض، وذكر هنا عدة الوفاة المخالفة لها. التفسير والبيان: ذكر الله في هذه الآية حكم الحداد على الأزواج ووجوب العدة على النساء، عقب بيان أحكام الطلاق والرجعة والإرضاع وواجبات الوالد نحو ولده وزوجته، وكان بيان عدة الوفاة لئلا يتوهم أنها مثل عدة الطلاق. والعدة: هي المدة التي تمكث فيها المرأة في بيت الزوجية دون زواج ولا خروج من المنزل إلا لعذر شرعي للتعرف على براءة الرحم أو للحداد على الزوج. وعدة المطلقة: ثلاثة قروء، وعدة المتوفى عنها زوجها غير الحامل أربعة أشهر وعشرة أيام، أما الحامل فعدتها بوضع الحمل، ولو بعد الوفاة بساعة. ولا حداد على غير الزوج من أخ أو أب أو قريب أكثر من ثلاثة أيام. ٧٤٠ الُزُ (٢) - البَفَرّة: ٢٣٤/٢ ولا فرق في حال الوفاة بين الصغيرة والكبيرة، والمدخول بها وغير المدخول بها؛ لأن العدة في الأصل للحداد، وبراءة الرحم تبعاً. وقد بدأ الله تعالى بذكر الرجال الذين يتوفون، وترك الخبر عنهم إلى الإخبار عن أزواجهم، ليبين صلة العدة بالرجل، ومعنى الآية: إن زوجات الذين يموتون: عدتهن أربعة أشهر وعشرة أيام، قال الزمخشري: وقيل: عشراً، ذهاباً إلى الليالي، والأيام داخلة معها. فلا يحل لهن فيها الخطبة والزواج والخروج من المنزل إلا لعذر شرعي. وهذا الحكم لغير الحوامل، أما الحامل التي يموت زوجها فتنقضي عدتها بوضع الحمل، ولو بعد الموت بساعة، عملاً بآية الطلاق السابق الإشارة إليها، وبما روى أبو داود من حديث سُبَيْعة الأسلمية أن النبي ◌َّ أفتاها بأنها حلت حين وضعت حملها، وكانت ولدت بعد موت زوجها بنصف شهر. ما تمتنع منه المعتدة: اختلف العلماء في الذي يتربص عنه هذه المدة، فقال بعضهم: يتربصن عن النكاح والطيب والزينة والنقلة من المسكن الذي يسكنَّه في حياة أزواجهن، وأدلتهم من السنة الصحيحة كثيرة، منها: ما رواه الشيخان عن زينب بنت أم سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة حين توفي أبو سفيان (والدها) فدعت بطيب فيه صفرةٌ - خَلُوق وغيره، فدَهَنتْ منه جارية، ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله وَ لل على المنبر يقول: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً)). وقالت زينب: سمعت أمّي أمَّ سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله وَّ، فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكْحُلها؟ فقال رسول الله وَله: لا، مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول: ((لا، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر)).