النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
الجزء (٢) - البقرة: ٢٠٨/٢-٢١٢
٦
الإعراب:
كَافَّةٌ﴾ منصوب على الحال من ضمير ﴿أَدْخُلُواْ﴾.
﴿سَلْ﴾ فعل أمر، وأصله ((اسأل)) إلا أنه حذفت الهمزة تخفيفاً، ونقلت
منصوب على
حركتها إلى السين قبلها، فاستغني عن همزة الوصل.
الظرف، وتقديره: كم مرة، وعامله: ﴿وَتَيْنَهُمْ﴾. وجملة ﴿ءَاتَّيْنَهُمْ﴾ مع
( كَمْ﴾ في موضع نصب مفعول ثانٍ لفعل ﴿سَلْ﴾. ولا يجوز أن يكون العامل
في ﴿كَمْ﴾ هو ﴿سَلْ﴾؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
﴿زُِّنَ﴾ لم يقل ((زينت)) وإن كانت ﴿اٌلْحَيَوَةُ﴾ مؤنثة لسببين، لوجود
الفاصل بينهما، ولأن تأنيث الحياة ليس بحقيقي، فيجوز ترك علامة التأنيث،
مثل: حسن الدار، واضطرم النار.
البلاغة:
هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ استفهام إنكاري في معنى النفي، بدليل مجيء ﴿إِلَّ﴾
بعدها، أي ما ينتظرون . ﴿فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ التنكير للتهويل. ﴿وَقُضِىَ
اُلْأَمْرُ﴾ عطف على المضارع: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ للدلالة على تحققه، فكأنه قد
كان. ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أظهر لفظ الجلالة لتربية المهابة والروعة.
﴿زُيِّنَ﴾ أورد بصيغة الماضي لكونه مفروغاً منه، مستقراً في طبعهم.
﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ عطف بالمضارع لإفادة استمرار السخرية منهم.
المفردات اللغوية:
﴿السِّلْمِ﴾: التسليم والانقياد، ويطلق على الصلح والسلام وعلى دين
الإسلام، والمراد هنا الإسلام.﴿كَافَةٌ﴾ في اختيار السيوطي: حال من
السلم، أي في جميع شرائعه، وقال أهل اللغة: حال من ﴿أَدْخُلُواْ﴾ أي جميعاً ..
﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِّ﴾ أي طرق، جمع خطوة، والمراد تزيينه ووساوسه

٦٠٢
الْفُرُ (٢) - البقرة: ٢٠٨/٢-٢١٢
بالتفريق. ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن العداوة. ﴿زَلَلْتُمْ﴾ ملتم عن الدخول في
الإسلام جميعه، والزلل في الأصل: عثرة القدم، ثم استعمل في الانحراف عن
الحق. ﴿اُلْبَيِّنَتُ﴾ الحجج الظاهرة والأدلة التي ترشد إلى أن الإسلام الذي
دعيتم إليه هو الحق . ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب لا يعجزه شيء عن الانتقام منكم.
﴿حَكِيمُ﴾ في صنعه، يعاقب المسيء، ويكافئ المحسن. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ما
ينتظرون أي تاركو الدخول فيه. ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أي يأتيهم عذابه أو أمره
كقوله: ﴿أَوْ بَأَتِىَ أَمْرُ رَيِّكَ﴾ أي عذابه. ﴿فِ ظُلَلٍ﴾ جمع ظلة، وهي ما
أظلك. ﴿مِّنَ الْغَمَامِ﴾ السحاب الأبيض الرقيق. ﴿وَقُضِىَ الْأَمْرُ﴾ أي تم أمر
إهلاكهم وفرغ منه. ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُجَعُ اَلْأُمُورُ﴾ أي في الآخرة فيجازي الناس.
وقال أهل السلف: الإتيان في ظلل من الغمام كالمجيء في آيات أخرى:
مما وصف به الله تعالى نفسه، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا
تمثيل، والقول في صفاته كالقول في ذاته، ليس كمثله شيء في ذاته ولا في
صفاته ولا في أفعاله.
﴿ءَايَتِ بَيِّنَةٌ﴾ معجزة ظاهرة لا يخفى أنها من عند الله، کالعصا والید
البيضاء وفلق البحر وإنزال المن والسلوى، فبدلوها كفراً. ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةً
اللَّهِ﴾ التبديل: تغيير الشيء من حال إلى حال، ونعمة الله: آياته الباهرة التي
آتاها أنبياءه، وجعلها مصدر الهداية والنجاة ﴿اَلْعِقَابِ﴾ العذاب.
﴿ُيِنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ حُسِّن لأهل مكة ﴿اُلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ بالتمويه، فأحبوها.
﴿ وَيَسْخَرُونَ﴾ يستهزئون من الذين آمنوا لفقرهم، كبلال وعمار وصهيب،
ويتعالون عليهم بالمال. ﴿ وَاُلَّذِيِنَ أَتَّقَوْاْ﴾ الشرك وهم هؤلاء. ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن
يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي بغير تقدير ولا حصر ولا تعداد على حسب الإيمان
والتقوى والكفر والفجور، أو أنه كناية عن السعة، فيرزقهم رزقاً واسعاً في
الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فبالتسلط على أولئك الساخرين، وأما في
٠٠

٦٠٣
الزرعُ (٢) - البقرة: ٢٠٨/٢-٢١٢
الآخرة فبالفوز بالجنة والرضوان الإلهي، وهذا كما يقال: ((هو ينفق بغير
حساب)) على معنى أنه ينفق كثيراً.
سبب النزول:
نزلت الآية (٢٠٨) في عبد الله بن سَلام وأصحابه من اليهود لما عظموا
السبت وكرهوا الإبل بعد قبول الإسلام، قالوا: يا رسول الله، يوم السبت
يوم نعظمه، فدعنا فلنسبت فيه، وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها
بالليل، فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُدْخُلُواْ فِى السِّلْمِ كَافَةٌ﴾ الآية.
هذا ما رواه ابن جرير عن عكرمة.
وروى عطاء عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن سَلام
وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي ◌َّي، فآمنوا بشرائعه وشرائع موسى،
فعظموا السبت، وكرهوا لحمان الإبل وألبانها بعدما أسلموا، فأنكر ذلك
عليهم المسلمون، فقالوا: إنا نقوى على هذا وهذا، وقالوا للنبي رَله: إن
التوراة كتاب الله، فدعنا فلنعمل بها، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
المناسبة:
أوضح الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أن الناس في الصلاح
والفساد فريقان: فريق يفسد في الأرض ويخرب العامر، وفريق يبغي بعمله
رضوان الله وطاعته، وأتبع ذلك هنا بأن شأن المؤمنين الاتفاق والاتحاد، لا
التفرق والانقسام، فأمرهم بقوله: كونوا على ملة واحدة، واجتمعوا على
الإسلام واثبتوا عليه.
التفسير والبيان:
يا أيها الذين آمنوا من أهل الكتاب انقادوا إلى الله تعالى في كل شيء،
وادخلوا في الإسلام كله، وخذوا الإسلام بجملته، ولا تخلطوا به غيره،

٦٠٤
الزرع (٢) - البقرة: ٢٠٨/٢-٢١٢
وافعلوا كل ما أمركم به الإسلام من أصول وفروع وأحكام دون تجزئة أو
اختيار(١)، كالعمل بالصلاة والصيام مثلاً، وترك الزكاة والحدود، وتناول
الخمر، وأخذ الربا، وفعل الزنى، ونحوه مما نراه الآن.
وحافظوا على وحدة الإسلام وجمع كلمة المسلمين، كما قال الله تعالى:
﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣/٣] واحذروا
التنازع والاختلاف، كما قال عز وجل: ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ
ريحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦/٨] وقال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع: ((لا
ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)).
ولا تتبعوا طرق الشيطان في التفرق في الدين أو في الخلاف والتنازع، فهذه
وسائله ووساوسه التي يزخرفها أو يزينها للناس، يسوّل لهم المنافع والمصالح،
ويصرف الشخص عن الحق والهداية، ويفرق بين الجماعة، كما حدث من
أهل الكتاب الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وحرفوا
وبدلوا، ونقصوا وزادوا، فتمزقت وحدتهم، وسلّط الله عليهم الأعداء.
والسبب في تحذيرنا من اتباع خطوات الشيطان: أنه العدو اللدود الظاهر
العداوة، فإن جميع ما يدعو إليه هو الضلال والباطل بعينه.
ثم توعد الله من حاد عن جادة الاستقامة، فأعلمهم أنكم إن ملتم عن
الحق، وابتعدتم عن صراط الله وهو الإسلام، بعدما جاءتكم الآيات
الواضحات والحجج البينات القاطعات، وسرتم في طريق الشيطان، طريق
الخلاف والنزاع والتفريق، فإن الله عزيز لا يُغلب، أو غالب على أمره، لا
(١) قال أبو حيان: إن كان الخطاب لابن سلام وأصحابه، فقد أمروا بالدخول في شرائع
الإسلام وألا يبقوا على شيء من شرائع أهل الكتاب التي لا توافق شرائع الإسلام، وإن كان
الخطاب لأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالرسول، فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بأنبيائهم ادخلوا
في هذه الشريعة (البحر المحيط: ١٢٠/٢).

٦٠٥
الجزء (٢) - البقرة: ٢٠٨/٢-٢١٢
يعجزه الانتقام منكم، حكيم في صنعه، لا يهمل المذنب، وإنما يعاقبه
ويؤاخذه في الدنيا والآخرة.
وهكذا الحكم في كل الأفراد، إذا لم يلتزموا طريق الاستقامة، ولم يتحصنوا
بدرع متين من الأخلاق، وأهملوا شرع الله كله أو بعضه، فلن يوفقوا في الدنيا
ولا في الآخرة.
ثم زاد في التهديد والوعيد، فأورد هذا الاستفهام: ما ينتظر هؤلاء.
المكذبون دعوةَ محمد وَّله بعد إثباتها بالأدلة والبراهين الساطعة، وأولئك
الخارجون عن أمر الله إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم به من العذاب في ظلل من
الغمام (السحاب) حيث ينتظرون الخير، تنكيلاً بهم، وتأتيهم الملائكة وتنفذ
ما قدره الله وأراده لهم، وهو أمر قضاه الله وأبرمه، فلا مفرّ منه، والمرجع في
كل الأمور في النهاية إلى الله يوم القيامة، فيضع كل شيء في موضعه الذي
قضاه، فهو الأول مبدئ الخلائق، وهو الآخر تصير إليه الأمور.
وحكمة إنزال العذاب في الغمام الذي هو مظنة الرحمة والأمل في الخير،
هو إنزاله فجأة من غير سابق إنذار، كما في آية أخرى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ
بِالْغَمَِ وَنُزْلَ الْكَبِكَةُ تَنزِيلًا
﴾ [الفرقان: ٢٥/٢٥].
٢٥
وهذا يومئ للمؤمن بأن يبادر إلى التوبة وإصلاح الحال، حتى لا يفاجئه
العذاب، ويأتيه بغتة وهو لا يشعر، فإذا لم تفاجئه القيامة، فاجأه الموت، أو
المرض الذي يعجزه عن العمل الصالح، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَأَنِيبُواْ إِلَى
رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوْ لَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا نُصَرُونَ ﴿﴿ وَأَتَّبِعُواْ
أَحْسَنَ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْنِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ
[الزمر: ٥٤/٣٩-٥٥].
لَا تَشْعُرُونَ
ثم فتح الله سبيل الحوار والمناقشة مع بني إسرائيل عن الآيات العديدة التي
حدثت على يد رسلهم، كي يكون ذلك باعثاً لهم على الإيمان برسالة النبي وَلّه
التي قامت على مثل تلك الآيات أو المعجزات. فقال:

٦٠٦
لُزُ (٢) - الْبَقَرة: ٢٠٨/٢-٢١٢
سل يا محمد بني إسرائيل سؤال تقريع وتبكيت وتوبيخ لهم عن الآيات
الكثيرة التي جاءت على أيدي رسلهم الكرام، مثل موسى وعيسى عليهما
السلام، فهي تدل دلالة قاطعة على صدقهم، ومثلها المعجزات الدالة على
صدقك، فهي متنوعة وكثيرة تؤدي إلى الاقتناع والتصديق بالنبوات. فهل لهم
أن يتعظوا ويتدبروا، ويقلعوا عن جحودهم بالحق وطغيانهم؟ وإلا حلّ بهم
من النكال مثل ما حلّ بأسلافهم.
ثم هدد كل من يغيِّر سنن الله، فقال: ومن يغير نعمة الله وهي الأدلة
والبراهين الدالة على الحق والخير والهداية، من بعد ما وصلت إليه وعرفها،
ويجعلها من أسباب ضلاله وكفره وعصيانه، فله العذاب الشديد، والعقاب
الصارم، والجزاء المحتم؛ لأنه من سنن الله العامة القائمة على العدل
والإنصاف، تمييزاً بين المحسن والمسيء، والله شديد العقاب لمن خالف وأساء،
رؤوف رحيم بمن أطاع وأحسن.
ولكن طبيعة الكافرين الجاحدين قائمة على حب الدنيا حباً شديداً،
وتحسينها في أعينهم، وتمكّن محبتها في قلوبهم، حتى تهالكوا عليها، وفتنوا
بمباهجها وزخارفها، وآثروها على كل شيء، حتى ما عند الله من نعيم مقيم؛
لأنهم لم يؤمنوا إيماناً صادقاً بالآخرة، ثم يتبعون التأويلات والأوهام والآمال
الكاذبة التي علقت في خواطرهم.
وتراهم يسخرون من المؤمنين، ويستهزئون بالفقراء منهم، كابن مسعود
وعمار وصهيب، ويعجبون: كيف ترك هؤلاء لذات الدنيا وعذبوا أنفسهم
بالعبادات؟ كما يعجبون من الأغنياء، كيف لا يتقلبون في النعيم، ويستعدون
لما بعد الموت، بتصحيح الاعتقاد، وإصلاح الأعمال، والتخلق بفضائل
الأخلاق؟ ويتلخص موقفهم أو نظرتهم بأنه موقف مادي، لا أثر فيه
للروحانية.
ثم ردّ الله على هؤلاء الساخرين الذين يظنون أنهم في لذاتهم ودنياهم خير
من أهل اليقين والإيمان، ومفاد الرد:

٦٠٧
الزرعُ (٢) - البقرة: ٢٠٨/٢-٢١٢
إذا استعلى بعض الكافرين على بعض المؤمنين فترة من الدهر، بالمال أو
المنصب والجاه، أو العزة والسلطان وكثرة الأنصار والأتباع، فإن المتقين
سيكونون أعلى رتبة منهم في الآخرة، وأعلى مقاماً عند ربهم، فهم في أعلى
عليين، والكفار في أسفل سافلين، كما قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُرِثُ
[مريم: ٦٣/١٩].
٦٣)
مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ يَقِيًّاً
وقد تساءل الزمخشري عن السبب في قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ ثم
قال: ﴿ وَالَّذِينَ أَتَّقَوْا﴾؟ ثم أجاب: ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن
التقي، وليكون بعثاً للمؤمنين على التقوى إذا سمعوا ذلك(١).
هذا هو الجزاء المفضل الخالد في الآخرة، أما الدنيا فليس الارتفاع فيها
خالداً، وإنما هو موقوت، بل هو في الحقيقة شيء حقير، يغتر بها سذاج
الناس، أو السطحيون العاديون، فلو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة
ما سقى كافراً منها جرعة ماء.
والله سبحانه يرزق من فضله من يشاء، ولو كان كافراً فاسقاً، ويقدر
الرزق أو يقلله على من يشاء، ولو كان مؤمناً طائعاً، ويعطي الرزق عطاء
كثيراً جزيلاً، بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث:
((ابن آدم، أَنفقْ أُنفق عليك)(٢) وقال النبي ◌َّر: ((أنفق بلالاً، ولا تخش من
الله ذي العرش إقلالاً))(٣) وقال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ
وَهُوَ خَبْرُ الزَّزِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩/٣٤] فيكون لكلمة الحساب في الآية (٢١٢)
وجهان: التقدير أي من غير تقدير له، أو كناية عن السعة وعدم التقتير
والتضييق، كما يقال: فلان ينفق بغير حساب، أي ينفق كثيراً.
(١) الكشاف: ٢٦٩/١
(٢) حديث قدسي متفق عليه عن أبي هريرة بلفظ ((أَنفق أُنفق عليك)).
(٣) رواه الطبراني في الكبير والقضاعي في مسنده عن ابن مسعود، وكذا البزاز.

٦٠٨
الجزءُ (٢) - البقرة: ٢٠٨/٢-٢١٢
وتكرر معنى هذه الآية في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ
الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنْهَا مَذْهُومًا
وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ
مَّدُحُورًا
.﴿ كُلَّا تُمِدُّ هَتَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ
سَعْيُهُم مَشْكُورًا
رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ
وَأَكْبَرُ نَفْضِيلًا
٢٢
[الإسراء: ١٨/١٧-٢١]. ويلاحظ أنه لم يشترط السعي
لرزق الدنيا؛ لأنه قد يأتي بلا سعي كإرث وهبة ووصية وكنز أو ارتفاع أثمان
ما يملك من عقار وعروض، واشترط للآخرة السعي مع الإيمان، كما خصّها
هنا بالذين اتقوا من المؤمنين(١).
5
والرزق بلا حساب في الدنيا يكون بالنسبة إلى الأفراد، فإنا نرى كثيراً من
الأبرار، وكثيراً من الفجار أغنياء أو فقراء، لكن المتقي يكون دائماً أحسن
حالاً وأكثر احتمالاً، فلا يؤلمه الفقر، كما يؤلم الفاجر، إذ هو بالتقوى يجد
المخلّص من كل ضيق، ويرى من عناية الله به رزقاً غير محتسب.
أما الأمم فأمرها على خلاف ذلك، وسنته فيها أن يرزقها بعملها،
ويسلبها بزللها، إذ ليس من سنن الله أن يرزق الأمة العزة والثروة والقوة
والسلطة من حيث لا تحتسب ولا تقدر، ولا تعمل ولا تتدبر (٢).
فقه الحياة أو الأحكام:
الإسلام كلٌّ لا يتجزأ، فمن آمن به وجب عليه الأخذ به كله، فلا يختار
منه ما يرضيه، ويترك ما لا يرضيه، أو يجمع بينه وبين غيره من الأديان؛ لأن
الله تعالى أمر باتباع جميع تعاليمه وتطبيق كل فرائضه، واحترام مجموع نظامه،
بالحل أو الإباحة، وبالحظر أو الحرمة، فهو دليل الإيمان الحق به، فضلاً عن
(١) تفسير المنار: ٢١٩/٢
(٢) تفسير المنار، المرجع والمكان السابق.
١

٦٠٩
الُ (٢) - البَفَرَة: ٢٠٨/٢-٢١٢
القول بأن شرائعه نسخت كل الشرائع السماوية السابقة حال تعارضها معه.
واختيار غير هذا المنهاج أو الخطة يكون اتباعاً لخطوات الشيطان ووساوسه
وأباطيله.
وقد دلت آية ﴿فَإِنِ زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَتُ﴾ على أن
عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام
لا يكون كافراً بترك الشرائع.
وأرشدت آية ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ إلى أن مصير المخالفين أو
العصاة هو الهلاك والعذاب، وهو أمر محتم نافذ لا مردّ له، وهذه النتيجة
يقدرها كل عاقل، وهي التي قررها القرآن، فذكر تعالى: هل ينظرون إلا أن
يُظهر الله تعالى فعلاً من الأفعال مع خلقٍ من خلقه، يقصد إلى مجازاتهم ويقضي
في أمرهم ما هو قاضٍ. وكما أنه سبحانه أحدث فعلاً سماه نزولاً واستواء،
كذلك يحدث فعلاً يسميه إتياناً، وأفعاله بلا آلة ولا علة، سبحانه!
وما أكثر الأدلة التي ترشد الناس إلى اتباع الحق والإسلام، لذا سئل بنو
إسرائيل سؤال تقريع وتوبيخ: كم جاءهم من الآيات التي أيد الله بها موسى
عليه السلام من فَلْق البحر والظُّلل من الغمام والعصا واليد وغير ذلك؟ كما
قال مجاهد والحسن البصري وغيرهما، وقال غيرهم: كم جاءهم في أمر محمد
عليه الصلاة والسلام من آية مُعَرِّفة عليه دالة عليه؟ ولا مانع من الجمع بين
التفسيرين، كما فعلت. فإن بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد وَ لآله
ومثلهم كل مبدّل نعمة الله، فلهم العقاب الشديد.
وأما الماديون الكفار الذين فتنوا بالدنيا، وهم رؤساء قريش وأمثالهم،
وصنفوا الناس على حسب الغنى والترف، وسخروا من المؤمنين الفقراء،
وأقبلوا على الدنيا، وكانت موازينهم مادية محضة، وأعرضوا عن الآخرة
بسبب الدنيا، فإنهم قصيرو النظر؛ لأن الله جعل ما على الأرض زينة لها،
ليبلو الخلق أيهم أحسن عملاً، ولأنهم لا يعتقدون غير الدنيا، وأما المؤمنون

٦١٠
المُزُ (٢) - البقرة: ٢٠٨/٢-٢١٢
الذين هم على سنن الشرع، فلم تفتنهم زينة الدنيا، وسيكونون أرفع درجة من
الكفار؛ لأنهم في الجنة، والكفار في النار، وسيلقون جزاء سخريتهم
بالمؤمنين، كما قال الله تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَارِ يَضْحَكُونَ
عَلَى
٣٤٦
[المطففين: ٣٤/٨٣-
٣٦
هَلْ تُوِّبَ الْكُفَارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
اُلْأَرَابِكِ يَنْظُرُونَ فَّ
٣٦].
وروى علي رضي الله عنه أن النبي وَ لّ قال: ((من استَذَلَّ مؤمناً أو مؤمنة،
أو حقَّره لفقره وقلة ذات يده، شهره الله يوم القيامة، ثم فضحه، ومن بهت
مؤمناً أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه، أقامه الله تعالى على تَلّ من نار يوم
القيامة، حتى يخرج مما قال فيه. وإن عِظَم المؤمن أعظم عند الله وأكرم عليه
من مَلَك مقرَّب، وليس شيء أحبَّ إلى الله من مؤمن تائب، أو مؤمنة تائبة.
وإن الرجل المؤمن يعرف في السماء، كما يعرف الرجل أهله وولده)».
ومع جدارة الكافر لاستحقاق العقاب في الآخرة، فإن الله تعالى من باب
العدالة والرحمة لا يحجب عنه الرزق والعطاء الذي يستمتع به في الدنيا،
ويضمن له معيشته وكرامته، والله يرزقه ويرزق كل دابة في الأرض، ويعطي
الإنسان عطاء بغير حساب أي بغير تقدير له على حسب الإيمان والتقوى،
والكفر والفجور، أو أن عطاءه واسع خصب كثير، لا حدود له، فهو جلت
قدرته لا ينفق بعَدّ، وفضله كله بغير حساب، أما الذي بحساب فهو ما كان
على عمل قدمه العبد، قال الله تعالى: ﴿جَزَآءُ مِّن رَّيِّكَ عَطَآءَ حِسَابًا (®﴾ [النبأ:
٣٦/٧٨] لذا كان رزق المؤمن التقي في الآخرة أوسع من رزقه في الدنيا،
وحينئذ يتميز المؤمن عن الكافر في زيادة الرزق واستمراره في الآخرة، وأما
الكافر فلا رزق له هناك، وإنما جزاؤه العذاب في جهنم. قال الله تعالى عن
كُواْ وَأُشْرَبُواْ
٤٣
وَفَوَّكِهَ مِمَا يَشْتَهُونَ
المؤمنين: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَلٍ وَعُونٍ
[المرسلات: ٧٧ /
٤٤
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
هَنِيَّا بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ أَّ
وَلَا طَعَام.
٣٥
ـو
﴿ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ
٤١ - ٤٤] وقال الله سبحانه عن الكافرين :
﴾ [الحاقة: ٣٥/٦٩-٣٧].
الَّا يَأْكُلُهُ: إِلَّ الْخَطِئُونَ
إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ
١

٦١١
الجزء (٢) - البَفَقَة: ٢١٣/٢-٢١٤
الحاجة إلى الرسل وما يلاقونه مع المؤمنين في دعوتهم
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ
اَلْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِهِ وَمَا آَخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ
أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيَا بَيْنَهُمِّ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا
اُخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( أَمْ
حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ
مستهم
الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّهُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَّ إِنَّ
٢١٤
نَصْرَ اْللَّهِ قَرِيبٌ
القراءات:
﴿ النَّبِنَ﴾.
وقرأ نافع: (النبيئين).
﴿صِرَاطٍ﴾.
وقرأ قنبل: (سراط).
ـّةٌ﴾:
﴿اَلْبَ
وقرأ السوسي (الباساء).
﴿ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ﴾: قرئ:
١- ﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ﴾، وهي قراءة الجمهور؛ والفعل بعدها منصوب
إما على الغاية، وإما على التعليل.
٢ - (وزلزلوا حتى)، برفع (يقول) وهي قراءة نافع، والمضارع بعد (حتى)

٦١٢
الزرعُ (٢) - البقرة: ٢١٣/٢-٢١٤
إذا كان للحال فلا يخلو أن يكون حالاً في حين الإخبار، أو حالاً قد مضت،
فتحكى على ما وقعت، فيرفع الفعل على أحد هذين الوجهين.
الإعراب:
مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ نصب على الحال.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾: ﴿أَمْ﴾ تكون متصلة ومنقطعة، فالمتصلة: لا تكون إلا بعد
الاستفهام بالهمزة، والمراد بها تعيين المسؤول عنه بمنزلة (أي) نحو: أزيد
عندك أم عمرو؟ أي أيهما عندك. والمنقطعة: بمنزلة ((بل)) والهمزة، وهي تقع
بعد الاستفهام والخبر، وأم ههنا منقطعة. و﴿أَن تَدْخُلُواْ﴾ في موضع المفعولين.
﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ الفعل منصوب بأن مضمرة بعد حتى، وتقديره: حتى أن
يقول، وحتى: ههنا غاية، بمعنى: ((إلى أن)) فجعل قول الرسول غاية الخوف
أصحابه. و﴿حَتَّى﴾ لا ينتصب الفعل بعدها إلا إذا كان بمعنى الاستقبال. فأما
إذا كان بمعنى الماضي أو الحال، فلا ينتصب بعدها بتقدير (أن) لأن (أن)
تخلصه للاستقبال.
البلاغة:
( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فيه إيجاز بالحذف أي كانوا على ملة واحدة وهي
الإيمان والتمسك بالحق، فاختلفوا، بأن آمن بعض وكفر بعض.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ استفهام إنكاري، وأم هنا منقطعة بمعنى: بل أحسبتم.
﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾: لما: تدل على النفي مع توقع وقوع المنفي.
﴿أَلَاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ فيها أربعة تأكيدات، وهي ((ألا)) أداة
الاستفتاح، وإنَّ، والجملة الاسمية، وإضافة النصر إلى الله القادر على كل
شيء.

٦١٣
الجزءُ (٢) - البقرة: ٢١٣/٢-٢١٤
المفردات اللغوية:
﴿أُمَّةً﴾ ورد لفظ الأمة في القرآن بعدة معانٍ:
اً - الجماعة: الذين يرتبطون برابطة واحدة، مثل قوله تعالى﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَاً
٠
كَنْتَمّ
﴾ [الأعراف: ١٨١/٧] وقوله:
أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ
خَيْرَ أُمَّتٍ﴾ [آل عمران: ١١٠/٣].
◌َّ - الملة: أي العقائد وأصول التشريع، مثل قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِة أُمَّتُكُمْ
أَمَّةً وَحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٩٢]، ﴿وَإِنَّ هَذِهِةٍ أُمَّتَّكُمْ أَمَّةً وَحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٢٣/
٥٢].
◌َّ- الزمن: مثل قوله: ﴿وَلَيِنْ أَخَرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود:
٨/١١] وقوله: ﴿وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥/١٢].
٤ - الإمام: مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أَمَّةٌ﴾ [النحل: ١٢٠/١٦]
أي رجلاً جامعاً للخير.
والمراد بها هنا في رأي كثير من المفسرين: الملة: أي أن جميع الأنبياء
والرسل على دين واحد. وقال آخرون: إن الأمة في هذه الآية بمعنى الجماعة.
﴿مُبَشِرِينَ﴾ المؤمنين بالجنة. ﴿وَمُنذِرِينَ﴾ الكافرين بالنار. ﴿اُلْكِنَبَ﴾
أي الكتب. ﴿اٌلْبَيِّنَتُ﴾ الحجج الظاهرة على التوحيد. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلقة
باختلف، وهي وما بعدها مقدم على الاستثناء في المعنى. ﴿بَغْيَاً﴾ حسداً. ﴿مِنَ
اَلْحَقِّ﴾ من بيانية .﴿بِإِذْنِهِ﴾ بإرادته.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ بمعنى بل أحسبتم، وبل: تفيد افتتاح كلام جديد . ﴿ وَلَمَّا﴾
لم ﴿مَّثَلُ﴾ وصف عظيم وحال ذات شأن.
﴿مَّسَُّهُمُ﴾ جملة مستأنفة مبينة ما قبلها ﴿الْبَأْسَآءُ﴾: شدة الفقر، وكل

٦١٤
الزرعُ (٢) - البَقَرة: ٢١٣/٢-٢١٤
ما يصيب الإنسان في غير ذاته، كأخذ المال، والطرد من الديار، وتهديد
الأمن، ومقاومة نشاط الدعوة إلى الله ﴿وَالضَّرَّآءُ﴾ المرض، وكل ما يصيب
الإنسان في نفسه، كالجرح والقتل ﴿ وَزُلْزِلُواْ﴾ أزعجوا بأنواع البلايا،
والزلزال: الاضطراب في الأمر .﴿ مَتَّى نَصْرُ اللَّهُ﴾ أي متى يقع نصر الله،
و﴿قَرِبِبٌ﴾ خبر إن، وقريب: لا تثّه العرب ولا تجمعه ولا تؤنئه في هذا
المعنى، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[الأعراف: ٥٦/٧].
سبب النزول:
نزول الآية (٢١٤):
قال قتادة والسُّدِّي: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق (الأحزاب) حين
أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة، والحر والبرد، وسوء العيش،
وأنواع الأذى، وكان كما قال الله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ اٌلْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾
[الأحزاب: ١٠/٣٣] ﴿وَزُلْزِلُوْ زِلْزَالَا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١/٣٣]. أما المنافقون
فقالوا: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢/٣٣] وقال صادقو
الإِيمان: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولٌ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا
وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢/٣٣].
وقال عطاء: لما دخل رسول الله وَله وأصحابه المدينة، اشتد الضر عليهم،
بأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا
الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله وَ له، وأسرّ قوم من الأغنياء
النفاق، فأنزل الله تعالى تطبيباً لقلوبهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾.
المناسبة:
أمر الله تعالى في الآية السابقة المؤمنين أن يدخلوا في السلم كافة ويأخذوا

٦١٥
الجزء (٢) - البقرة: ٢١٣/٢-٢١٤
الإسلام بجملته، دون تجزئة أو خلط بينه وبين غيره، وأبان في هاتين الآيتين
مدى الحاجة إلى الرسل، وأن الاهتداء بهديهم ضروري للبشر، وأن من آمن
بدعوة الأنبياء قد يتعرض للمحنة والشدة والبلاء، فعليه بالصبر حتى يأذن الله
بالفرج أو النصر، وأن إصرار هؤلاء على كفرهم هو بسبب حب الدنيا.
التفسير والبيان:
كان الناس (أي بنو آدم) في وضع يحتاجون فيه إلى الهداية الإلهية، فأنعم الله
عليهم بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين يخرجونهم من الظلمات إلى النور، لئلا
يكون للناس على الله حجة بعد إرسال الرسل، وأنزل مع بعضهم كتاباً
یرشدهم إلى الحق.
وما ذلك الوضع الذي كانت عليه البشرية قبل الرسل والأنبياء؟
قال الجمهور: كانت أمة هداية على ملة واحدة، ودين قويم واحد، وعقيدة
واحدة وتشريع واحد وهو دين الإسلام، فاختلفوا فيما بينهم، فأرسل الله
النبيين مبشرين ومنذرين. روى أبو داود عن ابن عباس قال: ((كان بين نوح
وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين
مبشرين ومنذرين) قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود: (كان
الناس أمة واحدة فاختلفوا)). واستدلوا أيضاً على صحة قولهم: بأن آدم عليه
السلام كان نبياً، وكان أولاده على ملته هادين مهتدين إلى أن وقع التحاسد
بين ولديه، وكان من قتل أحدهما للآخر ما هو معروف.
وذهبت طائفة أخرى (ابن عباس وعطاء والحسن البصري): إلى أن الأمة
أمة الضلال التي لا تهتدي بحق، ولا تقف في أعمالها عند حد شريعة،
ودليلهم: ما اقتضاه وضعهم من إرسال الرسل، لتظهر مهمتهم بنحو معقول،
وليحكموا بينهم في الاختلافات الناشئة عن فساد العقيدة، واتباع الأهواء
الضالة في الأعمال، وإلا لم يكن هناك معنى أو حاجة للرسل.

٦١٦
الجُرُ (٢) - البقرة: ٢١٣/٢-٢١٤
وقال أبو مسلم الأصفهاني والقاضي أبو بكر الباقلاني: المعنى: كان الناس
على سنة الفطرة، تأخذ بما يرشد إليه العقل في الاعتقاد والعمل، ولكن
استسلام الناس إلى عقولهم بلا هدي إلهي، مما يدعو إلى الاختلاف، فكثيراً
ما حالت الأوهام دون الوصول إلى المراد من العقائد والأحكام.
واختار صاحب تفسير المنار معنى آخر: وهو أن الإنسان اجتماعي
بالخلقة، أي أن الله خلق الإنسان أمة واحدة، أي مرتبطاً بعضه ببعض في
المعاش، لا يسهل على أفراده أن يعيشوا في هذه الحياة الدنيا إلى الأجل الذي
قدره الله إلا مجتمعين، يعاون بعضهم بعضاً، ولا يمكن أن يستغني بعضهم عن
بعض، فلا بدّ من انضمام قوى الآخرين إلى قوته، وهذا ما يعبر عنه بقولهم:
((الإنسان مدني بالطبع))(١). ويكون المعنى أن الناس خلقوا ولهم صفة الجماعية
والتجمع، وذلك يؤدي إلى التنافس والتنازع والاختلاف، فكان إرسال
الرسل لفض النزاع بين البشر، والإرشاد إلى الحق والخير، وبيان الباطل
والضلال.
وكان عدد النبيين مائة وأربعة وعشرين ألفاً (١٢٤٠٠٠) والرسل منهم
ثلاث مئة وثلاثة عشر (٣١٣)، والمذكورون في القرآن بالاسم ثمانية عشر،
وأول الرسل آدم؛ على ما جاء في حديث أبي ذرّ (٢)، وقيل: نوح، لحديث
الشفاعة الذي قال له الناس فيه: أنت أول الرسل، وقيل: إدريس.
ثم أبان الله تعالى أنه أنزل مع النبيين الكتاب: وهو اسم جنس بمعنى
الكتب، وقال الطبري: الألف واللام في الكتاب للعهد، والمراد التوراة.
ومهمة الكتاب أن يكون مصدراً للتشريع والحكم والفصل بين الناس في
الخلافات، وهداية الناس إلى العقيدة الحقة، والآداب الفاضلة، والأعمال
(١) تفسير المنار: ٢٢٥/٢
(٢) أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي.

٦١٧
الُ (٢) - البَفَرة: ٢١٣/٢-٢١٤
الصالحة، وتحذيرهم من عاقبة الشّرّ والفساد، والبعد عن الأهواء والتأويلات
الباطلة، فهو ملتبس بالحق دائماً. وهذا موافق لما عبرت عنه آية أخرى وهو
النطق بالحق ﴿هَذَا كِنَبُنَا يَنَطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩/٤٥] وآية الهدى
والتبشير في القرآن: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الإسراء: ٩/١٧]، فكل كتاب سماوي هو الحق والحكم الفصل في أمور الدنيا
والدين. وعبر بالكتاب عن كتب النبيين وإن تعددت للإشارة إلى أنها في
جوهرها كتاب واحد، ومشتملة على شرع واحد في الأصول.
ثم ذكر الله تعالى أن بعض أهل الكتاب جعلوا كتابهم مصدر الاختلاف
عدواناً وتجاوزاً للحق، فقال: لقد اختلف الرؤساء والأحبار وعلماء الدين في
الكتاب الذي أنزله الله للحق، بعدما جاءتهم البينات الواضحة والأدلة على
سلامة الكتاب وعصمته من إثارة الخلاف، وأنه لإسعاد الناس، لا لإشقائهم
والتفريق بينهم، ولم يكن ذلك الاختلاف من أولي العلم القائمين على الدين
الحافظين له بعد الرسل، والمطالبين بتقرير ما فيه إلا حسداً وبغياً (جوراً)
منهم، وتعدياً لحدود الشريعة التي أقامها حواجز للناس. ولكن هذه الجناية
من هؤلاء الرؤساء على أنفسهم وعلى الناس لا تقدح في هداية الكتاب إلى
الحق، فليس العيب فيه، وإنما في القائمين عليه.
غير أن الإيمان الصحيح مع سلامة القصد يهدي إلى الحق ويمنع
الاختلاف، وإن المؤمنين هم الذين يهتدون لما اختلف الناس فيه من الحق،
ويصلون إلى ما يرضي ربهم، بتوفيقه وإنعامه، والله يهدي دائماً إلى الطريق
المستقيم. أما الذين يؤوِّلون الدين بحسب أهوائهم فهم في ضلال وفساد وشرّ،
ولهم العذاب الأليم عند الله، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا
أَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
١٥٩
[الأنعام: ١٥٩/٦].
وبعد إيراد هذه الصورة القبيحة لفعل العلماء بكتاب الله، حثّ الله رسوله

٦١٨
الجزءُ (٢) - البقرة: ٢١٣/٢-٢١٤
والمؤمنين على الثبات والصبر وتحمل المشاق في أثناء مواجهة الكفار، فإنهم
متعرضون لأنواع من البلاء والمحن، كما تعرض الأنبياء السابقون لمختلف
أنواع الشدائد ومقاساة الهموم، فصبروا وثبتوا، حتى تحقق لهم الفرج
والنصر؛ لأن دخول الجنان والفوز برضوان الله يتطلب الجهاد، وتحمل
الشدائد، والصبر على الأذى، واجتياز محنة الفتنة والاختبار بنجاح وثبات،
دون تسخط ولا تبرم ولا ضجر، ولا انحراف عن خط الهداية، والقيام بأعباء
التكاليف الإلهية. وليس للمؤمن الحق أن يستبطئ النصر، فإن نصر الله
لأوليائه وأحبائه قریب.
هذا مثل صادق للعبرة والعظة بما تعرض له الأنبياء السابقون وأتباعهم
المؤمنون، فأنتم أيها المسلمون في صدر الإسلام، لم تبتلوا مثل ابتلائهم،
مسّتهم الشدة والخوف والفقر والآلام والأمراض، وأزعجوا إزعاجاً شديداً،
حتى اضطر الألم والقسوة إلى أن يقول الرسول وهو أعلم الناس بالله تعالى
وأوثق بنصره: متى نصر الله؟ حيث كاد أن ينفد صبرهم من هول ما لاقوا،
فأجيبوا: ألا إن نصر الله قريب التحقق والحصول، وكما قال تعالى في آية
أخرى: ﴿حَتَّىَ إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَ هُمْ نَصْرُنَا
[يوسف: ١٢ /١١٠].
فَنُجِّىَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأَسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
وفي هذا كله (موقف الأنبياء وموقف المسلمين الأوائل) عبرة لمن يأتي
بعدهم، ويظنون أن الإسلام عبادة فقط، دون أن يمروا بشيء من الاختبار،
أو يتعرضوا لنوع من الإيذاء، والمصائب والشدائد، جهلاً منهم بسنة الله في
ابتلاء أهل الهداية، من أجل التعرف على مدى قدرتهم في الثبات على الحق
والإيمان، وما تتطلبه الدعوة إلى الله من عناء ومقاساة، قال الله تعالى:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ اُلْأَمْوَلِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ
[البقرة: ١٥٥/٢] وقال عز وجل: ﴿الَّ ﴿﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ
١٥٥
الصَّبِينَ
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمٌّ فَعْلَمَنَّ
يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (®
[العنكبوت: ١/٢٩-٣] وقال
اَللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اُلْكَذِبِينَ

٦١٩
الجُزُعُ (٢) - البقرة: ٢١٣/٢-٢١٤
سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِيْنَ جَهَدُواْ مِنَكُمْ
(٤٢)﴾ [آل عمران: ١٤٢/٣].
وَيَعْلَمَ الصَّبِرِينَ
بل ولم يصل المسلمون في الماضي أو الحاضر إلى ما تعرض له الرسل
السابقون، فقد قتل بعضهم، ونشر بعضهم بالمنشار وهو حيّ(١)، وأحرق
بعض المؤمنين بالنار، كما فعل بأصحاب الأخدود باليمن بإخبار الله: ﴿قُئِلَ
أَضْحَبُ اَلْأُخْدُودِ ﴿٣َ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴿ إِذْ هُرْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴾
وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ
بِلْمُؤْمِنِينَ شُهُورٌ ﴿ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلََّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
٨
[البروج: ٤/٨٥-٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
إن الحاجة إلى الرسل والأنبياء والكتب السماوية قائمة ومؤكدة في كل زمان
ومكان؛ لأنهم يرشدون الناس إلى الدين الحق، والاعتقاد الصحيح، ويبينون
للناس طريق الحياة الصحيحة، ومنهج السعادة في الدنيا والآخرة، ويضعون
الحدود الواضحة بين الحق والباطل، ويفصلون بالعدل في منازعات الناس.
ولا تصلح الفطرة أو الطبيعة بمجردها سبيلاً للهداية والرشد؛ لأنها
مجهولة وغائمة وغير منضبطة، كما لا تصلح العقول البشرية لتسيير شؤون
الحياة، فهي متفاوتة، مضطربة أحياناً، عاجزة وقاصرة عن إدراك الحقائق،
وإذا أدركت بعض عقول الحكماء سبيل الحق ونطقت بالحكمة، فذلك محصور
في فئة قليلة من الناس، ولا يستقيم القول أو يظهر صدق النظرية التي يقررها
(١) روى البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: ((شكونا إلى رسول الله اص له وهو
متوسد بردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم
يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل
نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ
الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لايخاف إلا الله، والذئب على
غنمه، ولکنکم تستعجلون».

٦٢٠
لُزُرُ (٢) - البقرة: ٢١٣/٢-٢١٤
العالم إلا بعد أن تمرّ بتجارب طويلة، وحلقات متواصلة من البحث والدراسة
والتأمل والفكر، فيتضرر الناس الذين ينتظرون نتائج مصداقية القول أو
الحكمة إلى زمن قد يطول وقد يقصر، وربما تأثر الإنسان بالأهواء
والشهوات، أو بالمنافع والمصالح الخاصة، فلا يكتب لرأيه القبول أو النجاح.
فكان من حكمة الله تعالى وفضله ورحمته إرسال الرسل والأنبياء ليقودوا
الفطرة والعقل البشري إلى ما هو خير للدنيا والآخرة، قبل فوات الأوان،
والوقوع في العثرات، وانتظار ما تسفر عنه التجارب والنظريات، ولإقرار
الحق والعدل، دون التأثر برعاية مصلحة خاصة.
وقد صحح الله أخطاء الأفهام وبيَّن وجه الخطأ في ظن الصواب، من بعد
ما جاءهم العلم، وسطعت البينات (الدلائل على عصمة الكتاب من وصمة
إثارة الخلاف) وهو ما استدركته الآية: ﴿وَمَا أُخْتَلَفَ فِيهِ﴾ ومفاد
الاستدراك: أن غرائز البشر وحدها ليست كافية في توجيه أعمالهم إلى ما فيه
صلاحهم، فلا بدّ لهم من هداية أخرى تعليمية تتفق مع القوة المميزة لنوعهم،
وهي قوة الفكر والنظر، تلك الهداية التعليمية هي هداية الرسل منهم،
والكتب التي ينزلها الله عليهم، مع الأدلة القائمة على عصمة الرسل من
الكذب، وعصمة الكتب من الخطأ، فعلى الناس أن يستعملوا عقولهم في فهم
الأدلة على الرسالة والعصمة أولاً، وإذا فهموها استعدوا حتماً للتصديق
بدعوة الرسل. وإذا آمنوا بتلك الدعوة، وعقلوا ما جاءت به الرسل، وجب
عليهم أن يلازموه ولا يعدلوا عنه(١).
وأرشدت آية ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ إلى أن للإيمان حقوقاً وواجبات تؤدي إلى
سعادة الدارين، فمن أهملها أو فرط بها حرم النعمة الجليلة التي أنعم الله بها
على سلف هذه الأمة، من السيادة والعزة. وإن الجنة لا تنال بغير ثمن، ولا
(١) تفسير المنار: ٢٢٨/١ وما بعدها.