النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ ٠ لُحُ (٢) - الْبَقَة: ١٩٦/٢-١٩٧ ﴿فَمَا أُسْتَيْسََ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ تيسر عليه من الهدي وهو شاة يذبحها بعد الإحرام بالحج بمكة، والأفضل يوم النحر . ﴿فَ لَّمْ يَجِدْ﴾ الهدي، لفقده أو فقد ثمنه، فعليه صيام ثلاثة أيام في حال الإحرام بالحج، فيجب حينئذ أن يحرم قبل السابع من ذي الحجة، والأفضل قبل السادس، لكراهة صوم يوم عرفة، ولا يجوز صومها أيام التشريق في الأصح عند الشافعي. وسبعة أيام بعد الرجوع إلى الوطن: مكة أو غيرها. وحاضرو المسجد الحرام: هم أهل مكة وما دونها إلى المواقيت في رأي الحنفية، وإلى ما دون مرحلتين من الحرم عند الشافعي. ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وقته شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، في رأي الشافعي، وقال الجمهور: يجوز الإحرام بالحج فيما عدا هذه الأشهر مع الكراهة. ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي ألزمه نفسه بالشروع فيه بالنية قصداً باطناً، وبالإحرام فعلاً ظاهراً، وبالتلبية نطقاً مسموعاً. وليست التلبية عند الشافعي من أركان الحج، وأوجبها الظاهرية. ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما أمر تعالى بإتمام الحج والعمرة، وكانت العمرة لا وقت لها معلوماً، بيّن أن الحج له وقت معلوم. ﴿فَلَاَ رَفَثَ﴾ جماع فيه، ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ عصيان ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ خصام ومجادلة(١) والمراد بالنفي في الثلاثة: النهي عنها. ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ كصدقة ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ فيجازيكم به، ونزل في أهل اليمن، وكانوا يحجون بلا (١) قال ابن مسعود وابن عباس وعطاء: الجدال هنا: أن تماري مسلماً حتى تغضبه، فينتهي إلى السباب، فأما مذاكرة العلم فلا نهي عنها. وقال قتادة: الجدال: السباب. ورجح القرطبي قول من قال: لا جدال في وقت الحج ولا في موضعه. ٥٦٢ لُ (٢) - الْبَقَرَّة: ١٩٦/٢ -١٩٧ زاد، فيكونون كَلاَّ على الناس. ﴿وَتَزَّوَّدُواْ﴾ ما يبلغكم لسفركم ﴿فَإِّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ ما يتقى به سؤال الناس وغيره، واتقوا الله يا أولي العقول. والألباب: جمع لُبّ، ولُبُّ كل شيء: خالصه، ولذلك قيل للعقل: لبّ. سبب النزول: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَأَنِّقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن صفوان بن أمية قال: جاء رجل إلى النبي ◌ّ متضمخ بالزعفران، عليه جبة، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ فأنزل الله: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ فقال: أين السائل عن العمرة، قال: ها أنذا، فقال له: ألق عنك ثيابك، ثم اغتسل واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت صانعاً في حجك، فاصنعه في عمرتك. وقوله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا﴾: روى البخاري عن كعب بن عجرة أنه سُئل عن قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَاءٍ﴾ قال: حملت إلى النبي ◌َّرَ، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ قال: قلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك، فنزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة. وروى مسلم عن كعب بن مُجْرة قال: ((فيَّ أنزلت هذه الآية، أتيت رسول الله ◌َله فقال: أدنه، فدنوت مرتين أو ثلاثاً، فقال: أيؤذيك هوامك؟ قال ابن عون، وأحسبه قال: نعم، فأمرني بصيام، أو صدقة، أو نسك ما تيسر)). وروى أحمد عن كعب قال: كنا مع النبي ◌َّه بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حصر المشركون، وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تسَّاقط على وجهي، فمرّ بي النبي وَلَّ، فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ فأمره أن يحلق، قال: ونزلت هذه الآية: ﴿فَنْ كَانَ مِنَكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهَِ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نٍُ﴾. ٥٦٣ الُ (٢) - البَقَرة: ١٩٦/٢ -١٩٧ وقوله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ﴾: روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون، ولا يتزودون، ويقولون: نحن متوكلون، فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىّ المناسبة: ذكرت أحكام الصيام، ثم ذكرت أحكام الأشهر الحرم والمسجد الحرام والقتال فيها وفیه، ثم ذكرت هنا أحكام الحج؛ لأن شهوره بعد شهر الصيام، فأوضح تعالى فيها حكم المحصر الذي منعه العدو من إتمام الحج، وحكم المتمتع إلى زمن الحج من غير أهل الحرم، ووقت الحج في أشهر معلومات. التفسير والبيان والأحكام: كان الحج معروفاً بين عرب الجاهلية، من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وأقره الإسلام بعد أن أبطل ما فيه من أنواع الشرك والمنكرات، وزاد فيه بعض المناسك. وقد فرضه الله تعالى على المسلمين سنة ست من الهجرة بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧/٣] وكانت أول حجة حجها المسلمون سنة تسع بإمرة أبي بكر رضي الله عنه، ثم حج النبي ◌َلو سنة عشر، وفيها أذَّن أبو بكر بالمشركين الذين حجوا: ألا يطوف بعد هذا العام مشرك، ونزلت الآية ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨/٩]. واستمر المسلمون منذ ذلك التاريخ يهرعون بقلوب ملؤها الشوق والحنين والتعظيم إلى بيت الله الحرام كل عام، من مختلف الأقطار في المشارق والمغارب، تظللهم راية الإيمان بالله تعالى، وترتفع أصواتهم بتلبية أوامر الله، وتخشع نفوسهم لتلك المواقف المهيبة، قاصدين تطهير أنفسهم من شوائب العصيان ومخالفة الأوامر الإلهية، وهم في صفوفهم وتحركاتهم الجماعية ٥٦٤ لُعُ (٢) - الْبَقَرَة: ١٩٦/٢-١٩٧ منصهرون مادياً وفعلياً بمعنى المساواة، دون تفرقة بين سيد ومسود وحاكم ومحكوم وغني وفقير، ومتجردون من مظاهر الدنيا وزينتها، فلا تكاد تجد في أنحاء العالم تجمعاً كثيفاً ومؤتمراً عالمياً، مثل مؤتمر الحج كل عام، حيث تجد فيه مختلف الجنسيات والألوان والألسنة من كل أنحاء العالم. ويبين الله تعالى في هذه الآيات بعض أحكام الحج وهي: ١- إتمام الحج والعمرة: أي أداؤهما تامين كاملين لا ينقصهما شيء من شروطهما وأفعالهما من غير أن يفعل أثناءهما شيء من المحظورات، ظاهراً بأداء المناسك على وجهها المطلوب شرعاً، وباطناً بالإخلاص لله تعالى دون قصد شيء دنيوي. والتعبير بالإتمام مشعر بأن المسلمين قد شرعوا فيهما، وبدؤوا في العمرة سنة ست وصدوا عنها، ولذلك تسمى العمرة التي وقعت في سنة سبع عمرة القضاء. ودل قوله تعالى: ﴿ وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ على وجوب القضاء على من أحصر بمرض أو عدو إذا حل منهما بالهدي، في رأي الحنفية؛ لأن الأمر في الآية يقتضي الإيجاب بالشروع في العبادة، والمراد بقوله ﴿ وَأَنِمُواْ﴾ تمامهما بعد الشروع فيهما. وقال مالك والشافعي: إن أحصر المحرم بعدو، فحلَّ فلا قضاء عليه في الحج ولا العمرة، والمراد بالآية: أداؤهما والإتيان بهما، كقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ أَنِقُواْ الْصِيَامَ إِلَى الَّيْلَّ﴾. ٢- اتفق العلماء على فرضية الحج، واختلفوا في العمرة، بالرغم من الأمر بإتمامهما في هذه الآية. فقال الشافعية والحنابلة: العمرة واجبة كالحج، لقوله تعالى: ﴿ وَأَنِقُواْ الْحَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ وقوله: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْئَّ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَاِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨/٢]. ولما روي في الصحيح أن النبي رَّ قال لأصحابه: ((من كان معه هدي، فليُهلَّ بحج وعمرة)) وقوله أيضاً: ((دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)) وروى الدارقطني والحاكم من حديث زيد بن ٥٦٥ الُعُ (٢) - البَقَة: ١٩٦/٢-١٩٧ ثابت عن النبي ◌َّ قال: ((إن الحج والعمرة فريضتان، لا يضرك بأيهما بدأت)». وذهب المالكية والحنفية: إلى أن العمرة سنة؛ لأن كل الآيات التي فرض فيها الحج، جاءت مجردة عن ذكر العمرة: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧/٣] ﴿وَأَذِّنْ فِىِ النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا ﴾ [الحج: ٢٧/٢٢]، ولأن ٢٧ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ أحاديث أركان الإسلام لم يذكر فيها العمرة، ولقوله وَله - فيما أخرجه الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن ماجه وعبد بن مُميد عن أبي صالح الحنفي - ((الحج جهاد، والعمرة تطوع)) وأخرج الترمذي وصححه عن جابر: أن رجلاً سأل رسول الله عن العمرة، أواجبة هي؟ قال: لا، وأن تعتمروا خير لكم))، وتأولوا أحاديث فريضة العمرة بأنها بعد الشروع فيها، وهي واجبة حينئذ بلا خلاف. والظاهر هو الرأي الأول؛ لأن هذه الآية ﴿وَأَنِقُواْ اٌلْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ دليل على وجوب العمرة؛ لأنه تعالى أمر بإتمامها، كما أمر بإتمام الحج. ٣- الإحصار: إن منعتم وأنتم محرمون من إتمام النسك بسبب عدو أو مرض أو نحوهما، وجب عليكم إن أردتم التحلل أن تذبحوا ما تيسر من الهدي: وهو ناقة (بدنة) أو بقرة أو شاة، فإن لم يجدها المحصر قوِّم الحيوان، واشترى بقيمته طعاماً، وتصدق به، فإن لم يجد، صام عن كل مُدّ من الطعام يوماً. والإحصار يكون عن الحج، وعن العمرة؛ لأن المنع قد يحصل منهما على سواء. واختلف الفقهاء في أسباب الإحصار: فذهب الحنفية: إلى أنه يشمل كل حالات المنع من دخول مكة بعد الإحرام، بمرض أو عدو، أو سجن أو غيره؛ لأن الله تعالى علَّق الحكم على مطلق الإحصار: وهو الحبس، وهو عام، يتناول الكل. ٥٦٦ الُ (٢) - البَفَرَّة: ١٩٦/٢ -١٩٧ وذهب الشافعية والمالكية: إلى أن معنى الإحصار: المنع بالعدو، أخذاً بما روي عن ابن عباس وابن عمر، ولأن الحصر هو المنع، والمنع لابد له من مانع قادر على المنع، وذلك يتصور في العدو لا في المرض، ولأن الأمن في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ إنما يستعمل في الخوف من العدو، لا في المرض. وأما من أحصره المرض فلا يحلّه إلا الطواف بالبيت، وإن أقام سنين، حتى يُفيق. والظاهر هو الرأي الأول؛ لأن الأمن عام ليس مقصوراً على الأمن من العدو، ولأن المانع هو كل حاجز عن الشيء، والمرض حاجز عن متابعة السير وإتمام الأعمال المطلوبة في المناسك، وتخصيص بعض أفراد العام بحكم في آية: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ لا يخصص العام المفهوم في آية: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾. وأما اشتراط المحرِم: بأن يقول: لبيك اللهم لبيك، وتَحلِي حيث حبستني من الأرض، فلا ينفعه عند الجمهور، وعليه دم. وأجاز أحمد وأبو ثور وإسحاق بن راهَوْيه الاشتراط، ولا دم ولا هدي عليه؛ لأن النبي ◌ُّ أذن بذلك لضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فيما رواه أبو داود والدار قطني وغيرهما. ٤- حلق الرأس أو التقصير: يعبر عن الدخول بالحج أو العمرة بالإحرام، وذلك بالنية من الميقات، وتجرد الرجال من لبس المخيط والحذاء، ولبس النعل، والامتناع عن الطيب والنساء والصيد البري ونحوها، ويكون الخروج من الإحرام بما يسمى بالتحلل: وهو حلق الرأس أو التقصير، وقد نهى الله تعالى عن الحلق قبل بلوغ الهدي مكان ذبحه، وهو مكان الإحصار في رأي مالك والشافعي، عملاً بفعل النبي ◌ّر وأصحابه في عام الحديبية، وفي الحرم المكي في رأي الحنفية، لقوله تعالى في جزاء الصيد: ﴿هَدَيَا بَلِغَ اُلْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥/٥] فبين أن شرط الهدي أن يكون على صفة بلوغ الكعبة، فلا يصح أن تغير هذه الصفة، وكان الذبح من النبي ◌َّ في طرف الحرم من جهة الحديبية. والظاهر الرأي الأول لأن منع العدو أو المرض لا يتحدد بمكان معين، ويحول بين المحرم وبين تقدمه أو تجاوزه المكان الممنوع، فكيف ٥٦٧ اِلُعُ (٢) - البَقَة: ١٩٦/٢ -١٩٧ يتصور وصوله إلى الحرم، وهو ممنوع منه؟! قال الله تعالى: ﴿وَاَلْهَدْىَ مَعُْوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥/٤٨] قيل: محبوساً إذا كان محصراً ممنوعاً من الوصول إلى البيت العتيق. وهل لذبح الهدي وقت معين؟ لا خلاف في أن هدي العمرة غير مؤقت بزمان مخصوص، بل له أن يذبح متى شاء، ويحل من إحرامه. وأما هدي الإحصار في الحج: فيذبح عند الجمهور متى شاء ويحل من إحرامه؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ عام في كل الأوقات متى حصل الإحصار، ولأن حكم الإحصار بالعمرة لا توقيت فيه، فلا يفرق بين دم إحصار الحج ودم إحصار العمرة، ولأن تأخير الذبح حتى يجيء يوم النحر فيه ضرر واضح. وقال الثوري وأبو يوسف ومحمد: لا يذبح الهدي قبل يوم النحر. وهل على المحصَر حلق؟ قال أبو حنيفة ومحمد: ليس على المحصر تقصير ولاحِلاق. وقال الجمهور: يحلق المحصر أو يقصر؛ لأن ذلك قادر عليه، ولقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَخْلِّقُواْ رُءُوسَكُمْ خَّى بَلْغَ اَلْهَدْىُ مَحِلَّهْ﴾ [البقرة: ١٩٦/٢] ولا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه؛ لأن سنة الذبح الحلاق، وللآية المذكورة: ﴿ وَلَا تَحْلِقُواْ﴾ ٥ - جزاء الحلق وقتل الهوام: إذا خالف المحرم شروط الإحرام، فحلق رأسه أو قصر بسبب المرض، أو الأذى في رأسه من قمل أو جرح أو صداع وغيره، أو قلم ثلاثة أظافر، أو قبَّل زوجته مثلاً، أو تطيب أو اذَّهن في جسمه مثلاً، فعليه فدية مخير فيها بين صيام ثلاثة أيام أو صدقة وهي إطعام ستة مساكين، أو نُسُك(١) وهو ذبح شاة، والتخيير بين هذه الخصال مستفاد من (أو) التي تقتضي التخيير. وتجب الفدية المذكورة عند مالك وأبي حنيفة، سواء فعل المخالفة عامداً أو ناسياً، ولا تجب عند الشافعي وأحمد إن خالف ناسياً. (١) النسك: جمع نسيكة، وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى، ويجمع أيضاً على نسائك، والنسك: العبادة في الأصل. ٥٦٨ الُ (٢) - الْبَقَرَة: ١٩٦/٢-١٩٧ وتقدير الطعام: إما بستة صيعان لكل مسكين صاع(١)، كما في رواية، وإما بثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع، في رواية أخرى، فجمع الجمهور بينهما، بحمل رواية الستة الآصع على التمر، والثلاثة الآصع على طعام القمح؛ لأنه المعهود في سائر الصدقات. ودليل التقدير: ما أخرجه البخاري من حديث كعب بن عُجْرة، قال: ((وقف عليَّ رسول الله وَله بالحديبية، ورأسي يتهافت قملاً، فقال: يؤذيك هوامّك؟ قلت: نعم، قال: فاحلق رأسك)) قال: فنزلت هذه الآية، وذكرها، فقال النبي ◌َّ: ((صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرَق(٢) بين ستة، أو انسك بما تيسر)). قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن: لا يجزي أن يغذّي المساكين ويعشّيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل مسكين مُدَّين بمد النبي وَّ. وقال أبو يوسف: يجزيه أن يغديهم ويعشيهم. ١ وأما موضع الفدية: فقال الحنفية: ماكان من دم فبمكة، وماكان من طعام أو صيام فحيث شاء. وقال مالك: يفعل ذلك أين شاء، والذبح هنا نُسك وليس بهدي، والنسك يكون حيث شاء، والهدي لا يكون إلا بمكة. وقال الشافعي: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء؛ لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم. وقال أحمد: فدية الحلق في الموضع الذي حلق فيه، وماعدا فدية الشعر من الدماء يكون بمكة. وأما الإطعام فهو بمكة، وأما الصوم فحيث شاء. ٦- فدية المتمتع: من أمن العدو والحصار وتمتع بسبب فراغه من المناسك والتحلل من الإحرام بالعمرة، وبقي متمتعاً إلى زمن الحج، ليحرم من مكة به، فعليه دم أي ذبح هدي (شاة) شكراً لله تعالى، يذبحه يوم النحر بمنى ويأكل منه كالأضحية، أو يذبحه في مكة في رأي الشافعي، وهذا يحقق اليوم (١) الصاع البغدادي: (٢٧٥١ غم) (٢) الفرق: مكيال ستة عشر رطلاً أي بغدادياً، والرطل البغدادي (٤٠٨ غم) والرطل المصري (٤٥٠ غم) ٥٦٩ الجُزءُ (٢) - البَقَرّة: ١٩٦/٢-١٩٧ فائدة أكثر، لإيصاله إلى الفقراء. والقارن بالحج والعمرة مثل المتمتع في وجوب الفدية، لأن التمتع يشمل معنيين: استباحة التمتع بالنساء والترفه بترك محظورات الإحرام، وجمع الحج مع العمرة في أشهر الحج بأعمال واحدة. فمن لم يجد الهدي، لعدم وجوده، أو لم يجد المال الذي يشتري به، فعليه صيام ثلاثة أيام بعد الإحرام بالحج قبل السادس من ذي الحجة قبل يوم التروية(١) ويوم عرفة، وسبعة أيام إذا رجع إلى بلده، أو شرع في الرجوع، فله أن يصوم في الطريق. هذه الأيام الثلاثة والسبعة الأيام عشرة كاملة، لتأكيد المراد بالسبعة وهو العدد، دون الكثرة في الآحاد، ووصفت بالكمال للتنبيه إلى رعاية العدد فلا ينقص منها شيء، وللإشارة إلى أن البدل قائم تماماً مقام المبدل منه، وهما في الفضيلة سواء. ذلك التمتع بإنهاء أعمال العمرة ثم الإحرام بالحج، وإيجاب الفدية، تخفيف ورخصة للآفاقيين الذين حضروا من البلاد البعيدة، دون أهل الحرم؛ لأن الغريب يتحمل مشاق السفر أكثر من المقيم بمكة، فالغرباء هم الذين يحتاجون إلى هذه الرخصة، حتى لا يؤدوا كلاً من الحج والعمرة على انفراد، أما أهل الحرم فليسوا في حاجة إلى ذلك، فلا تمتع ولا قران لحاضري المسجد الحرام. واتقوا الله واخشوه بالمحافظة على امتثال أمره، والانتهاء عن نواهيه، واحذروا أن تعتدوا في ذلك، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن تجاوز حدود الله تعالى. ومن المعلوم أن كيفيات أداء الحج والعمرة الجائزة إجماعاً ثلاث: (١) شمي يوم التروية: لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعد، وهو اليوم الثامن الذي يسن الخروج فيه إلى منى. ٥٧٠ الُ (٢) - الََرة: ١٩٦/٢-١٩٧ الأولى - الإفراد: الإحرام بالحج وحده، ثم بالعمرة بعد إنهائه. الثانية - التمتع(١): الإحرام بالعمرة في أشهر الحج من الميقات وكان من أهل الآفاق، ثم الإحرام بالحج من مكة. الثالثة - القران: أن يحرم الشخص بالحج وبالعمرة معاً، أو يحرم بأحدهما ثم يدخل الآخر عليه في عام واحد وفي أشهر الحج. وأيها هو الأفضل؟ للعلماء آراء ثلاثة : قال الحنفية: القران أفضل، ثم التمتع، ثم الإفراد، لقوله وَلّم فيما أخرجه الطحاوي عن أم سَلَمة: ((أهِلَّوا يا آل محمد بعمرة في حجة))، وقال أنس فيما أخرجه البخاري ومسلم: ((سمعت رسول الله رَليل يلبي بالحج والعمرة يقول: لبيك عمرة وحجة)). وقال المالكية والشافعية: الإفراد بالحج أفضل، ثم التمتع، ثم القران؛ لأن النبي ◌َّ حج مفرداً على الأصح، قالت عائشة فيما أخرجه البخاري ومسلم: ((خرجنا مع رسول الله وَّل عام حجة الوداع، فمنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، وأهلَّ رسول الله وَّه بالحج)) وروي حديث آخر: ((القران رخصة)) ولأن في الإفراد زيادة التلبية، والسفر، والحلق، والثواب على قدر المشقة وهذا أصح الآراء. وقال الحنابلة: التمتع أفضل، فالإفراد، فالقران؛ لأن التمتع جاء ذكره في القرآن، ولما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر: ((تمتع رسول الله وَّر في عام حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى وساق الهدي معه من ذي الحليفة)) (١) سمي المتمتع متمتعاً؛ لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حِلّه في العمرة إلى وقت إنشائه الحج، أو لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين، إذ من حق العمرة والحج أن يقصد كل منهما بسفر. ٥٧١ لُزُ (٢) - البَقَة: ١٩٦/٢ -١٩٧ وقال النبي ◌َّ: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ماسقت الهدي، ولجعلتها عمرة)) (١). ؟ وعلى كل حال، فإن الآية لا تدل لأحد المذاهب السابقة، إذ ليس فيها إلا الأمر بالإتمام، وهو لا يقتضي شيئاً منها، وإنما المعول على ما في السنة، والترجيح بين الروايات. ويلاحظ أن من اعتمر في أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده ومنزله، ثم حج من عامه، فليس بمتمتع في رأي الجمهور. وقد جمع المحدثون بين روايات حجه له بوجوه: أقواها أنه أهل بالحج مفرداً، ثم أدخل عليه العمرة فصار قراناً، فيحمل قول القائلين بالإفراد على ماأهل به، وقول القائلين بالقران على ما انتهى إليه عمله من إدخال العمرة على الحج. ٧- وقت الحج: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فيه حذف، تقديره: وقت أعمال الحج أشهر معلومات، أو الحج في أشهر معلومات، وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فلا تصح نية الحج في مذهب الشافعي إلا في هذا الوقت، وتنتهي أعماله في أيام التشريق الثلاث. والأشهر المعلومات هي ماذكر في رأي الجمهور غير المالكية. وقوله ﴿مَّعْلُومَاتٌ﴾: إقرار لما كان عليه العرب في الجاهلية من اعتبار هذه الأشهر أشهراً للحج، وذلك من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وقال مالك: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة كله. وفائدة الخلاف: تظهر فيمن أوقع شيئاً من أعمال الحج بعد يوم النحر، فمن قال: إن ذا الحجة كله من أشهر الحج، قال: تم حجه، ولا يلزمه دم بالتأخير. ومن قال: إلى عشر ذي الحجة، قال: يلزمه دم بالتأخير، كما ذكر الشوكاني. (١) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله ٥٧٢ ◌ِلُغُرُ (٢) - الْبَقَرَة: ١٩٦/٢ -١٩٧ وذكر الجصاص الرازي توفيقاً بين القولين، فقال: وقال قائلون: وجائز أن لا يكون ذلك اختلافاً في الحقيقة، وأن يكون مراد من قال: وذو الحجة: أنه بعضه؛ لأن الحج لا محالة، إنما هو في بعض الأشهر، لا في جميعها؛ لأنه لاخلاف أنه ليس يبقى بعد أيام (منى) شيء من مناسك الحج. وقالوا: ويحتمل أن يكون من تأوله على ذي الحجة كله: مراده أنها لما كانت هذه أشهر الحج، كان الاختيار عنده فعل العمرة في غيرها، كما روي عن عمر وغيره من الصحابة استحبابهم لفعل العمرة في غير أشهر الحج(١). وأضاف الجصاص قائلاً: ولا تنازع بين أهل اللغة في تجويز إرادة الشهرين وبعض الثالث بقوله: ﴿ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ كما قال النبي ◌َِّ: ((أيام منى ثلاثة)) وإنما هي يومان وبعض الثالث. ويقولون: حججت عام كذا، وإنما الحج في بعضه، ولقيت فلاناً سنة كذا، وإنما كان لقاؤه في بعضها، وكلمته يوم الجمعة، والمراد البعض، وذلك من مفهوم الخطاب إذا تعذر استغراق الفعل للوقت، كان المعقول منه البعض. ثم قال: ولقول من يقول: إنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة وجه آخر، وهو ينتظم القولين جميعاً، وهو أن الآية سيقت لبيان أن هذه هي الأشهر التي يكون فيها الحج، بدون تبديل ولا تغيير، على نحو ما كان يفعله أهل الجاهلية من التغيير والتبديل، فكانوا ينسئون الشهور، فيجعلون صفراً المحرم، ويستحلون المحرم، على حسب ما يتفق لهم من الأمور التى يريدون فيها القتال، وكانوا يغيرون في أشهر الحج، فمعنى قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾: أن أعمال الحج تقع في هذه الأشهر، على مقتضى بيان السنة، دون ماكان يفعله أهل الجاهلية من تبديل الشهور، وتأخير الحج وتقديمه. (١) أحكام القرآن: ٢٩٩/١ ٥٧٣ لالُ (٢) - الْبَقَرّة: ١٩٦/٢-١٩٧ وهل يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج؟ اختلف السلف وأئمة المذاهب في ذلك، فقال الجمهور غير الشافعية(١): يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وينعقد حجاً، ولا ينقلب عمرة، ولكنه مكروه، لما أخرجه البخاري عن ابن عباس: ((من السنة ألا يُحرَم بالحج إلا في أشهر الحج)) وتكون فائدة توقيت الحج بهذه الأشهر لبيان أن أفعال الحج لا تصح إلا فيها، وأما صحة الإحرام في غيرها، فلأنه شرط للحج، فيجوز تقديمه على أدائه، كتقديم الطهارة على أداء الصلاة. وقال الشافعي: لا يجوز لأحد أن يهلّ بالحج قبل أشهر الحج، وينعقد إحرامه بالعمرة، وظاهر الآية يشهد له؛ لأنها قد جعلت وقت الحج هذه الأشهر المعلومات، والإحرام بالعبادة قبل وقتها لا يجوز، كما لا تجوز نية الظهر قبل الظهر. ونية الإحرام بالحج: تجب فرضاً، لقوله تعالى: ﴿ وَأَنِقُواْ الْحَجَّ﴾ ومن تمام العبادة: حضور النية، وهي فرض عند الإحرام، لقوله عليه الصلاة والسلام لما ركب راحلته: ((لبيك بحجة وعمرة معاً))، فمن شهد مناسك الحج، وهو لا ينوي حجاً ولا عمرة، وهو بالغ عاقل، لم يسقط عنه الفرض. وأما المواقيت: فروى الأئمة أن رسول الله وَل﴿ وَقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجُحْفة، ولأهل نجد قَرْن، ولأهل اليمن يلَمْلَم(٢)، هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة. ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة يُهلّون منها. وأجمع أهل (١) المبدع في شرح المقنع، لابن مفلح المؤرخ الحنبلي: ١١٣/٣ (٢) ذو الحليفة: قرية خربة بينها وبين مكة مئتا ميل. والجحفة: قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل، ويقرب منها القرية المعروفة برابغ، يصح الإحرام منها. وقرن: جبل مشرف على عرفات، وهو على مرحلتين من مكة، ويلملم: مكان على مرحلتين من مكة. ٥٧٤ الُ (٢) - الْبَفَرَة: ١٩٦/٢-١٩٧ العلم على القول بظاهر هذا الحديث واستعماله، لا يخالفون شيئاً منه. وأما ميقات أهل العراق فهو ذات عِرْق(١)، جاء في كتاب أبي داود عن عائشة أن رسول الله وَّهُ وَقَّت لأهل العراق ذات عِرْق. وأجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه مُحْرِم، ولكنه مكروه، لأنه ضيَّق على نفسه ما قد وسَّع الله عليه. ٨ - من هم حاضرو المسجد الحرام؟ اختلف العلماء في حاضري المسجد الحرام بعد إجماعهم على أهل الحرم (مكة وحاضريها) فقال الحنفية: هم أهل المواقيت ومن دونها من كل ناحية، وقال المالكية: هم أهل مكة وما اتصل بها خاصة، وقال الشافعية والحنابلة: هم أهل الحرم ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر (٨٩ كم). ٩ - ما يحظر في الإحرام: ﴿فَمَن فَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِىِ الْحَجْ﴾ أي فمن أوجبه على نفسه بالإحرام فيهن، وجب أن يبتعد عن الجماع ومقدماته وهو المعبر عنه بالرفث، وعن أنواع المعاصي والمخالفات مثل صيد البر والطيب والزينة ولبس المخيط، وعن كل ما يؤدي إلى التنازع والتباغض والاختلاف، كالجدال والمراء والخصام والتنابز بالألقاب؛ لأن الشرع يريد من الحاج أن يتجرد عن كل مظاهر الدنيا ومغرياتها ومفاسدها، ويتطهر من الذنوب والسيئات، فيتحقق الغرض المنشود من الحج وهو تهذيب النفس وإشعارها بالعبودية لله الواحد الأحد، جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أنه وَ لي قال: ((من حج، ولم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) وقد جمعت الآية والحديث أصول الأخلاق الفاضلة، ونهت عن كل ما يعكر صفوها، فالآية خبر لفظاً، نهي معنى، ويراد من الرفث الوِقاع ومقدماته وقول الفحش، والفسوق: (وهو الخروج عن طاعة الله إلى المعصية) جميع أنواع المعاصي، والجدال جميع أنواع الخصام. (١). ذات عرق: قرية على مرحلتين من مكة. ٠ ٥٧٥ اِلُرُ (٢) - البلاُفَرَّة: ١٩٦/٢ -١٩٧ :٠ ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ أي لا ترفئوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا لتصفو نفوسكم، وتتخلى عن الرذائل، وتتحلى بالفضائل؛ لأن الله يعلم ما تفعلون، فيجازيكم على كل خير تقدمونه لأنفسكم، فالآية شرط وجوابه، والمعنى: أن الله يجازيكم على أعمالكم؛ لأن المجازاة إنما تقع من العالم بالشيء. وتزودوا بالأعمال الصالحة التي تنفعكم، واتخذوا التقوى زاداً لمعادكم، فإن خير الزاد اتقاء المنهيات، وأخلصوا لي يا أهل العقول أعمالكم، بأداء ما أوجبته عليكم من الفرائض، واجتناب ما حرمته عليكم، فإن فعلتم ذلك نجوتم من العقاب، وأدركتم الفوز بالرضا والرحمة الإلهية. وخص أولي الألباب بالخطاب - وإن كان الأمر يعم الكل - لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله، وهم قابلو أوامره والناهضون بها. ١٠ - حكمة محرمات الإحرام: السر في محرمات الإحرام: هو أن يتمثل الحاج أنه بزيارته لبيت الله تعالى مقبل على الله تعالى قاصد له، فيتجرد من عاداته ونعيمه، وينسلخ من مفاخره ومميزاته على غيره، بحيث يساوي الغني الفقير، ويماثل الصعلوك الأمير، فيكون الناس من جميع الطبقات في زي كزي الأموات، وفي ذلك من تصفية النفس وتهذيبها وإشعارها من حقيقة العبودية لله والأخوة للناس مالا يقدر قدره، وإن كان لا يخفى أمره، وفي الحديث الصحيح المتقدم: «من حج ولم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) لأن الإقبال على الله تعالى بتلك الهيئة، والتقلب في تلك المناسك على الوجه المشروع يمحو من النفوس آثار الذنوب وظلمتها ويدخلها في حياة جديدة، لها فيها ما كسبت وعليها ما اكتسبت(١). (١) تفسير المنار: ١٨٣/٢ ٥٧٦ الجزءُ (٢) - البقرة: ١٩٨/٢ -٢٠٣ تتمة أحكام الحج ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ اُلْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنَكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ، لَمِنَ الضَّالِينَ ﴿َ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ فَإِذَا قَضَيْتُمْ أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ الْفَقَّـ مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِّكْرِكُمْ ءَبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرَأْ فَمِنَ النَّاسِ وَمِنْهُم مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِىِ الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ (١) مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَائِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْأَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ النَّارِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيَّ أَيَامِ مَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ أَنَّقَىَّ وَأَثَقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ مُشَّرُونَ الإعراب: ﴿عَرَفَاتٍ﴾ التنوين في عرفات بمنزلة النون من زيدون، وليست للصرف؛ لأنها لو كانت للصرف، لكان ينبغي أن يحذف للتعريف والتأنيث؛ لأنها اسم لبقعة مخصوصة. ﴿ كَذِّكْرِكُمْ ءَبَآءَكُمْ﴾ الكاف في موضع نصب إما لكونه صفة المصدر محذوف وتقديره: ذكراً كذكركم آباءكم، أو لكونه في موضع نصب على الحال من ضمير ((فاذكروا)) أي فاذكروه مُشْبهين ذكركم آباءكم. ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرَا﴾ إما مجرور عطفاً على ((ذكركم)) أو منصوب على تقدير فعل، والتقدير: واذكروه ذكراً أشدّ من ذكركم آباءكم. ٥٧٧ لُ (٢) - البقرة: ١٩٨/٢-٢٠٣ البلاغة: ﴿ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَبَآءَكُمْ﴾ تشبيه تمثيلي يسمى ((مرسلاً مجملاً)). ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى الذُّنْيَا﴾ وقوله: ﴿مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ فيهما مقابلة. المفردات اللغوية: ﴿ُنَامُ﴾ أي حرج وإثم. ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ﴾ تطلبوا. ﴿فَضْلًا﴾ عطاءً ورزقاً منه بالربح في التجارة أيام الحج. ﴿أَفَضْتُم﴾ أصله: أفضتم أنفسكم ودفعتموها، والمراد: الدفع منه بكثرة. ﴿عَرَفَاتٍ﴾ موقف الحاج لأداء النسك، وسمي بذلك لأن الناس يتعارفون فيه، وعرفة: اسم لليوم الذي يقف فيه الحاج بعرفات، وهو التاسع من ذي الحجة. ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ بعد المبيت بمزدلفة بالتلبية والتهليل والدعاء. والذكر: الدعاء والتلبية والتكبير والتحميد. ﴿ اَلْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾ هو جبل في آخر المزدلفة يقال له: قزح، وسمي بالمشعر؛ لأنه مَعْلم للعبادة، والشعائر: العلامات، ووصف بالحرام لحرمته، فلا يفعل فيه ما نهي عنه. روى مسلم: أنه ◌َّ وقف به يذكر الله ويدعو حتى أسفر جداً ﴿ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَدُكُمْ﴾ لمعالم دينه ومناسك حجه، والكاف للتعليل، ﴿وَإِن﴾ مخففة من الثقيلة. ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾ يا قريش ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أي من عرفة، بأن تقفوا بها معهم، وكانوا يقفون بالمزدلفة، ترفعاً عن الوقوف معهم، وثم للترتيب في الذكر.﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّهُّ﴾ من ذنوبكم. ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم﴾ أديتم. ﴿مِّنَاسِكَكُمْ﴾ عبادات حجكم، بأن رميتم جمرة العقبة وطفتم واستقررتم بمنى؛ أي إذا فرغتم من مناسك الحج فأكثروا من ذكر الله بالتكبير والثناء، كما كنتم تفعلون بذکر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم. ٥٧٨ لُزُعُ (٢) - البَفَرَة: ١٩٨/٢-٢٠٣ (خَلَقٍ﴾ نصيب. ﴿حَسَنَةُ﴾ توفيقاً وصحة ونعمة (أو رزقاً). ﴿وَقِّنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ بعدم دخولها، القصد منه: الحثّ على طلب خير الدارين. ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ ثواب. ﴿مِّمَا كَسَبُواْ﴾ من أجل ما عملوا من الحج ج والدعاء. ﴿ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، لحديث بذلك. ﴿ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ أي بالتكبير عند رمي الجمرات في أيام التشريق الثلاثة. ﴿فَمَنْ تَّعَجَّلَ﴾ أي استعجل بالنفر من منى ﴿فِى يَوْمَيْنِ﴾ في ثاني أيام التشريق (العيد) بعد رمي جماره ﴿فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بالتعجيل. ﴿وَمَن تَأَخَّرَ﴾ بها حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره، أي هم مخيرون في ذلك . ﴿لِمَنِ اتَّقَىَّ﴾ الله في حجه؛ لأنه الحاج في الحقيقة. ﴿تُحْشَرُونَ﴾ إليه في الآخرة، فيجازيكم على أعمالكم. سبب النزول: نزول الآية (١٩٨): روى البخاري عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومِنَّة وذوالمجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثَموا أن يتّجروا في المواسم، فسألوا رسول الله وَّر عن ذلك، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ في موسم الحج. وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير الطبري والحاكم وغيرهم من طرق عن أبي أمامة التيمي قال: ((قلت لابن عمر: إنا نَكْرِي (أي الدواب للحجاج)، فهل لنا من حج؟ فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النَّبِي وَّ، فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يجبه، حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ﴾ فدعاه النَّبي ◌َّ فقال: أنتم حجاج)). ٥٧٩ لُعُ (٢) - البَقَرة: ١٩٨/٢-٢٠٣ نزول الآية (١٩٩): أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: كانت العرب تقف بعرفة، وكانت قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة، فأنزل الله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. نزول الآية (٢٠٠): أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، يقول الرجل منهم: كان أبي يُطعِم، ويحمل الْحَمَالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير أفعال آبائهم، فأنزل الله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ﴾ الآية. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كانوا إذا قضوا مناسكهم، وقفوا عند الجمرة، وذكروا آباءهم في الجاهلية، وفعال آبائهم، فنزلت هذه الآية، حتى إن الواحد منهم ليقول: اللهم إن أبي كان عظيم القُبَّة، عظيم الْجَفْنة(١)، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته، فلا يذكر غير أبيه، فنزلت الآية، ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام الجاهلية. نزول آخر الآية (٢٠٠) والآيتين (٢٠٠ - ٢٠١): أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاء وحسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئاً، فأنزل الله فيهم: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَائِنَا فِى الذُّنْيَا وَمَا لَهُ فِ اُلْأَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾ ويجيء آخرون من المؤمنين، فيقولون: ﴿ءَائِنَا فِ الذُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. (١) الجفنة: أعظم ما يكون من القِصَاع. ٥٨٠ لُعُ (٢) - البقرة: ١٩٨/٢ -٢٠٣ المناسبة: بعد أن حضّ الله تعالى على التقوى والتزوّد ليوم الحساب ومخافة الله، وبعد أن منع الله تعالى الجدال في الحج، وكانت المعاملات التجارية تفضي عادة إلى الجدال والمخاصمة، جاءت آية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ للاستدراك مما قد يفهم أن التجارة مظنة المنع، أي ممنوعة في الحج، وأيضاً لما حظر الله لبس المخيط، والإنسان قد يكون شديد الحاجة، وكانت التجارة مظنة الحظر، فدفعاً. لذلك التوهم أباح الله تعالى الاتِّجار في أثناء الحج؛ لأن ذلك سعي من أجل الرزق، والرزق أو الكسب فضل من الله غير محظور؛ لأنه لا ينافي الإخلاص في هذه العبادة، فلا مانع من انضمام قصد الاتَّجار إلى الحج، وإنما الممنوع هو قصد التجارة فحسب. وقد تحرج المسلمون من التجارة في بادئ الأمر، خشية التأثير على العبادة، كما بيَّنا في سبب النزول، فكانوا يقفلون حوانيتهم، فأعلمهم الله أن الكسب فضل من الله لا إثم فيه مع إخلاص العبادة. التفسير والبيان: لا إثم عليكم في طلب الرزق الحلال أثناء الحج من طريق البيع والشراء والكراء إذا لم يكن هو المقصود الأساسي بالذات، وإنما يجوز أن يكون تبعاً للعبادة، إذ هو مع حسن المقصد عبادة أيضاً، ولكن التفرغ لأداء المناسك أفضل وأكمل، لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلِينَ﴾ [البينة: ٥/٩٨]. ويشترط أيضاً لإباحة التجارة في الحج: ألا يترتب عليها نقصان في الطاعة، ولا تشغله عن أعمال الحج، لذا أمر الله تعالى بذكره بعد الوقوف بعرفات الذي هو أهم أركان الحج للحديث النّبوي: ((الحج عرفة))(١)، وبعد الإفاضة من عرفات: أي الاندفاع في السير بكثرة، فعلى الحاج إذا دفع إلى (١) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحاكم والبيهقي عن عبد الرحمن بن يعمر.