النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ لُعُ (٢) - الْبَقَرة: ١٨٦/٢-١٨٧ ومنها أكل الحرام وما في معناه، لقوله وَّيه في الصحيح: ((الرجل يطيل السفر أشعثَ أغبر، يمدّ يديه إلى السماء، يا ربّ، يا ربّ، ومَطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، فأنى يستجاب له؟)) وهذا استفهام على جهة الاستبعاد من قبول دعاء من هذه صفته. وإجابة الدعاء لا بدلها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشيء المدعو به. فمن شرط الداعي: أن يكون عالماً بأن لا قادر إلا الله، وأن الوسائط في قبضته ومسخَّرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب، فإن الله لا یستجيب دعاء مِنْ قلب غافل لاهٍ. وأن يكون مجتنباً لأكل الحرام، وألا يملّ من الدعاء. ومن شرط المدعو فيه: أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعاً؛ كما جاء في الحديث السابق: ((ما لم يَدْعُ بإثم أو قطيعة رحم)). ويدخل في الإثم جميع الذنوب، ويدخل في الرحم: جميع حقوق المسلمين ومظالمهم. وقال سهل بن عبد الله التُّسْتَري: شروط الدعاء سبعة: أولها التضرع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال. ومن شرائط الدعاء كما ذكر ابن عطاء: أربع: أولها - حفظ القلب عند الوحدة. ثانيها - وحفظ اللسان مع الخلق. ثالثها - وحفظ العين عن النظر إلى ما لا يَحِلّ. رابعها - وحفظ البطن من الحرام. ومواقيت الدعاء: وقت الأسحار، والفطر، وما بين الأذان والإقامة، ومابين الظهر والعصر في يوم الأربعاء، وأوقات الاضطرار، وحالة السفر والمرض، وعند نزول المطر، والصَّف في سبيل الله. كل هذا جاءت به الآثار. ٥٢٢ لُحُ (٢) - البَقَرَة: ١٨٦/٢ -١٨٧ فإذا تحققت شروط الدعاء وقيوده استجيب، قال ابن عباس: ((كل عبد دعا استجيب له، فإن كان الذي يدعو به رزقاً له في الدنيا أعطيه، وإن لم يكن رزقاً له في الدنيا، ذُخِر له)). أما آية الصيام (١٨٧) فأرشدت إلى ما يأتي: اً - إباحة الجماع في أثناء الليل، وحرمته كالأكل والشرب أثناء النهار: وقد كان الجماع حراماً بعد الإفطار والنوم، ثم نسخ، كما بينا في أسباب النزول. ومحظورات الصيام في الآية هي الأكل والشرب والجماع، أما القبلة والجسَّة ونحوها فلا تفطر، لكن ذلك في رأي المالكية والشافعية: يكره لمن لا يأمن على نفسه ولا يملكها، لئلا يكون سبباً إلى ما يفسد الصوم. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن البصري والشافعي: إن قبَّل فأمنى، فعليه القضاء ولا كفارة. ولو قبل فأمذى، لم يكن عليه شيء. وقال أحمد: من قبَّل فأمذى أو أمنى، فعليه القضاء، ولا كفارة عليه، إلا من جامع فأولج عامداً أو ناسياً. وأوجب مالك عليه القضاء والكفارة، ولا كفارة على من أنزل بالنظر عند الجمهور، وعليه الكفارة عند الحنابلة، ولا يفسد صومه أيضاً عند الحنفية. ٢ - وجوب الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، بشرط النية قبل الفجر في رأي الجمهور غير الحنفية؛ لأن الصيام من جملة العبادات، فلا يصح إلا بنية (١). ومن تمام الصوم استصحاب النية دون رفعها، لكن لا يخرج من الصوم إلا الإفطار بالفعل وليس بالنية. وقال الحنفية: تبييت النية غير لازم؛ لأن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾ يدل على ذلك؛ لأن ((ثم)) يفيد التراخي. (١) وقال الزمخشري: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِّقُواْ أَلْضِيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، وعلى نفي صوم الوصال (الكشاف: ٢٥٨/١). ٥٢٣ اِلُ (٢) - الْبَثُقَرّة: ١٨٦/٢ -١٨٧ ٣ - قرر جمهور العلماء صحة صوم من طلع عليه الفجر، وهو جنب، قال ابن العربي: ((وذلك جائز إجماعاً، وقد كان وقع فيه بين الصحابة كلام، ثم استقر الأمر على أن من أصبح جنباً، فإن صومه صحيح))(١)؛ لأن الجنابة لا تؤثر في صحة الصوم؛ للزومها الصوم للضرورة، لأنه يجوز له الوطء قبل الفجر، ولأن آية ﴿وَكُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَقَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْظُ اُلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ترشد إلى احتمال بقاء الشخص جنباً حتى مطلع الفجر، فيصاحب جزءاً من الصوم، وهو جنب؛ لأن ﴿حَقّ﴾ غاية للتبيين، ولا يصح أن يقع التبيين لأحد، ويحرم عليه الأكل، إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدر. لكن الغسل فرض للصلاة، لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطّهَرُواْ﴾ [المائدة: ٦/٥]. ٤ - الحائض إذا طهرت: قال الجمهور: إذا طهرت الحائض قبل الفجر، وتركت التطهر حتى تصبح، وجب الصوم عليها وأجزأ، سواء تركت التطهر عمداً أو سهواً كالجنب. وقال الأوزاعي: تقضي لأنها فرَّطت في الاغتسال. وإذا طهرت المرأة ليلاً في رمضان، فلم تدرٍ أكان ذلك قبل الفجر أم بعده، صامت وقضت ذلك اليوم احتياطاً، ولا كفارة عليها. ٥ - الحجامة لا تفطر الصائم؛ لأنه وَ إ احتجم عام حجة الوداع وهو محرم صائم، فيكون ذلك ناسخاً لحديث شداد بن أوس عام فتح مكة: ((أفطر الحاجم والمحجوم)). أَ - إن ظن أن الشمس قد غربت لغيم أو غيره، فأفطر، ثم ظهرت الشمس، فعليه القضاء في رأي أكثر العلماء. ومثله لو أذَّن المؤذن خطأ قبل (١) أحكام القرآن: ٩٤/١ وما بعدها. ٠ ٥٢٤ لُعُ (٢) - الْبَغَة: ١٨٦/٢-١٨٧ الغروب، أو ضرب مدفع الإفطار قبل الغروب ولو بدقيقة، فأفطر بناء عليهما، وجب القضاء. وإن أفطر وهو شاك في غروب الشمس، كفَّر مع القضاء في رأي مالك، إلا أن يكون الأغلب عليه غروبها. ومن شك في طلوع الفجر، لزمه الكف عن الأكل؛ فإن أکل مع شكه، فعليه القضاء كالناسي، في مذهب مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: لاشيء عليه حتى يتبين له طلوع الفجر. فإن تبين طلوع الفجر وجب عليه القضاء باتفاق أئمة المذاهب إذ ((لا عبرة بالظن البين خطؤه)). ولا خلاف في وجوب القضاء إذا غُمّ عليه الهلال في أول ليلة من رمضان، ثم بان أنه من رمضان. وكذلك الأسير في دار الحرب إذا أكل ظناً أنه من شعبان، ثم بان خلافه. قال ابن كثير: وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور؛ لأنه من باب الرخصة؛ والأخذ بها محبوب، ولهذا وردت السنة الثابتة عن رسول الله وَيه بالحث على السحور، ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله وَ لجر: (تسحروا فإن في السَّحور بركة)). والمقصود بالفجر: الفجر الصادق، لا الفجر الكاذب، بدليل حديث عائشة في الصحیحین: «لا يمنعکم أذان بلال عن سحورکم، فإنه ينادي بلیل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر)) - لفظ البخاري، وحديث قيس بن طلق عن أبيه ((ليس الفجر المستطيل في الأفق، ولكن المعترض الأحمر)). وفي حديث مرسل جيد: ((الفجر فجران: فالذي كأنه ذنب السّرحان - أي الذئب - لا يحرم شيئاً، وإنما هو المستطير الذي يأخذ الأفق، فإنه يحل الصلاة، ويحرم الطعام)). ٥٢٥ إِلُ (٢) - الْبَغَرَةَ: ١٨٦/٢ -١٨٧ لاً - دل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧/٢] على النهي عن صوم الوصال؛ إذ الليل غاية الصيام. ويؤكد المنع منه ما رواه البخاري أنه مَلير قال: ((إياكم والوصال، إياكم والوصال)) فيكره الوصال في رأي جمهور العلماء. وحرمه بعضهم لما فيه من مخالفة ظاهر القرآن والتشبه بأهل الكتاب. أخرج مسلم وأبو داود: ((إن فَصْل(١) ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكْلَة السَّحَر)). وأخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله اله يقول: ((لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السَّحَر، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: لست كهيئتكم، إني أبيت، لي مُظْعِمٌ يطعمني وساقٍ يسقيني)) وهذا يدل على إباحة تأخير الفطر إلى السحر، وهو الغاية في الوصال لمن أراده، ومنعٌ من اتصال يوم بيوم، وبه قال أحمد وإسحاق وابن وهب صاحب مالك. قال القرطبي: ترك الوصال مع ظهور الإسلام وقهر الأعداء أولى، وذلك أرفع الدرجات وأعلى المنازل والمقامات(٢). ٠ ودلت هذه الآية أيضاً على أن وقت الإفطار عند غروب الشمس، بدليل ما جاء في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَ لقال: ((إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، فقد أفطر الصائم)). وقد فهم الحنفية من هذه الآية لزوم إتمام ماشرع فيه من صوم التطوع؛ لأن لفظ الصيام عام يتناول كل صوم، فكل صوم شرع فيه، لزمه إتمامه؛ لأن الله سبحانه أمر بإتمام الصوم إلى الليل، والأمر للوجوب، فإن لم يتم لزمه قضاؤه. وهكذا الحكم في جميع النوافل من صلاة وحج وصيام، يجب إتمامها بالشروع فيها، وعليه إعادتها مطلقاً، سواء أكان معذوراً أم غير معذور. ودليلهم قوله (١) بمعنى الفاصل. (٢) تفسير القرطبي: ٣٣٠/٢ ٥٢٦ لُ (٢) - الْبَقَة: ١٨٦/٢-١٨٧ تعالى: ﴿وَلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣/٤٧] والنفل الذي شرع فيه عمل من الأعمال، فوجب عليه عدم إبطاله، فإذا بطل أو أبطله، فقد ترك واجباً، ولا تبرأ ذمته إلا بإعادته. وفصل المالكية فقالوا: إن أبطله، فعليه القضاء، وإن كان طرأ عليه ما يفسده، فلا قضاء عليه. وقال الشافعية والحنابلة: إن أفسد ما دخل فيه من تطوع، فلا قضاء عليه إلا في الحج النفل عند الحنابلة، فيجب إتمامه. ودليلهم قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١/٩] وقوله عليه الصلاة والسلام: ((الصائم المتطوع أمير نفسه)). ٨ - ويستحب للصائم إذا أفطر أن يفطر على رُطبَات أو تمرات أو حَسوات من الماء، لما رواه أبو داود والدار قطني عن أنس قال: ((كان رسول الله وَله يُفطر على رُطبات قبل أن يصلّي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات حَسَا حَسَوات من ماء)). ويستحب الدعاء بعد الإفطار، لما روى الدار قطني عن ابن عباس قال: كان النبي ◌ُّه إذا أفطر قال: ((اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا، إنك أنت السميع العليم)) وروى أبو داود عن ابن عمر قال: كان رسول الله ◌َيّ يقول إذا أفطر: ((ذهب الظمأ، وابتلَّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله)). ويندب إفطار المسلم، لما رواه ابن ماجه عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله وَّه: ((من فطر صائماً، كان له مثل أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً». ـة - ويستحب صيام ستة أيام من شوال، لما رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله وعليه : ٥٢٧ الُءُ (٢) - البَقَرة: ١٨٦/٢ -١٨٧ ((من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال، كان له كصيام الدهر)). وكره المالكية اتصالها برمضان. ١٠ - الجماع يفسد الاعتكاف، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾. أما مباشرة الزوجة من غير جماع: فإن قصد بها التلذُّذ فهي مكروهة، وإن لم يقصد لم يكره؛ لأن عائشة كانت تُرَجِّل (تمشط) رأس رسول الله ﴾، وهو معتکف، وکانت لا محالة تمسّ بدنه بيدها. فدل ذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة. وهو قول عطاء والشافعي وابن المنذر. أما دواعي الجماع كالقبلة والمباشرة وإن لم ينزل فهي حرام وتفسد الاعتكاف عند المالكية، ولا تفسده عند الجمهور، لكن قال الشافعية: يفسد إن أنزل المني بحسب المعتاد له، وقال غيرهم: يفسد الاعتكاف مطلقاً بالإنزال في حال المباشرة بشهوة كالقبلة واللمس والتفخيذ. ١١ - يسن الاعتكاف في المسجد، وهو في اللغة: الملازمة، وفي الشرع: ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في موضع مخصوص. وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب، وإنما هو قربة من القُرَب، ونافلة من النوافل، عمل بها رسول الله وَلتر وأصحابه وأزواجه. ويلزم بالنذر. وأجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، لقوله تعالى: ﴿فِى الْمَسَجِدِ﴾. وأقل الاعتكاف عند مالك يوم وليلة. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: أقله لحظة، ولا حدّ لأكثره. ولا يشترط له عندهم الصوم، وجعل المالكية الصوم شرطاً مطلقاً، وشرطه الحنفية في الصوم المنذور فقط دون غيره من التطوع، ودليل المشترطين حديث ضعيف رواه الدار قطني والبيهقي وهو: ((لا اعتكاف إلا بصوم)). وليس للمعتكف أن يخرج من معتكفه إلا لما لا بدّ له منه، لما روى الأثمة عن ٥٢٨ لِلُعُ (٢) - البَفَرَة: ١٨٨/٢ عائشة قالت: ((كان رسول الله 9﴿ إذا اعتكف يُدْني إلي رأسه فأرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)) تريد الغائط والبول. واستحب مالك وأحمد لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، حتى يغدو منه إلى المصلى. وقال الشافعي والأوزاعي: يخرج إذا غربت الشمس. ١٢ - يجب التزام أحكام الله من أوامر ونواهٍ، ومنها المباشرة في الاعتكاف، فهي حدود الله، وسميت بذلك لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها، وأن يخرج منها ما هو منها، ومنها سميت الحدود في المعاصي؛ لأنها تمنع أصحابها من العَوْد إلى أمثالها. ومنه سمي الإحداد في العدة؛ لأن المعتدة تمتنع من الزينة. أكل الأموال بالباطل ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُواْ (١٨٨) فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الإعراب: ﴿ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَامِ﴾: ﴿وَتُدْلُوا﴾ إما مجزوم عطفاً على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ﴾ فكأنه قال: ((ولا تدلوا))، وإما منصوب على تقدير: ((أن)) بعد الواو التي وقعت جواباً للنهي وهي بمعنى الجمع، فكأنه يقول: لا تجمعوا بين أن تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وأن تدلوا بها إلى الحكام. ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في ﴿لِتَأْكُلُواْ﴾. ٥٢٩ الُ (٢) - البَفَرَة: ١٨٨/٢ المفردات اللغوية: ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ أي يأكل بعضكم مال بعض بغير وجه مشروع، والمراد بالأكل: الأخذ والاستيلاء، وعبر به؛ لأن المقصود الأعظم من المال هو الأكل. وأكل المال بالباطل له وجهان: الأول - أخذه على وجه الظلم والسرقة والغصب ونحو ذلك. والثاني - أخذه من جهة محظورة كالقمار، وأجرة الغناء، ونحو ذلك من سائر الوجوه التي حرمها الشرع. وقد انتظمت الآية تحريم كل هذه الوجوه. والباطل: في اللغة: الذاهب أو الزائل، والمراد به هنا الحرام شرعاً كالسرقة والغصب. ويشمل كل ما أخذ دون مقابل، أو دون رضا من صاحبه، أو أنفق في غير وجه حقيقي نافع. ﴿ وَتُدْلُواْ﴾ تلقوا بالأموال إلى الحكام رشوة للوصول إلى الحكم القضائي لصالحكم. ﴿فَرِيقًا﴾ الفريق من الشيء: الجملة والطائفة منه. ﴿ بِآلْإِثْمِ﴾ أي متلبسين بالإثم، أي الظلم والتعدي: وهو شهادة الزور أو اليمين الكاذبة الفاجرة أو نحوها، وسمي ذلك إثماً؛ لأن الإثم يتعلق بفاعله. ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنكم مبطلون آثمون، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية. سبب النزول: قال مقاتل بن حيان: نزلت هذه الآية في امرئ القيس بن عابس الكندي، وفي عبدان بن أَشْوَع الحضرمي، وذلك أنهما اختصما إلى النَّبِي ◌َّه في أرض، وكان امرؤ القيس هو المطلوب (المدعى عليه)، وعبدان هو الطالب (المدعي)، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فحكم عبدان في أرضه، ولم يخاصمه(١). وقال سعيد بن جبير: إن امرأ القيس بن عابس وعبدان بن أشوع (١) البحر المحيط: ٢ / ٥٥ ٥٣٠ لُرُ (٢) - الَفَرَة: ١٨٨/٢ الحضرمي، اختصما في أرض، وأراده امرؤ القيس أن يحلف، ففيه نزلت: ﴿ وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ﴾. المناسبة: مناسبة الآية لما قبلها ظاهرة، وذلك أن من يعبد الله تعالى بالصيام، فحبس نفسه عما تعوَّده من الأكل والشرب والمباشرة للمرأة في النهار، ثم حبس نفسه عن الممنوعات في الصيام، جدير به ألا يكون مطعمه ومشربه إلا من الحلال الخالص الذي ينور القلب، ويزيده بصيرة، ويفضي به إلى الاجتهاد في العبادة، فنهي عن أكل الحرام المؤدي إلى عدم قبول صيامه. التفسير والبيان: أبان الله تعالى في آيات الصيام حِلَّ أكل الإنسان من ماله، وناسب هنا أن يذكر حكم أكل مال الغير. نهانا الله تعالى أن يأكل بعضنا أموال بعض بغير وجه مشروع، وأضاف كلمة (أَمْوَال) إلى الجماعة إشعاراً بأن المال في الحقيقة مال الأمة أو الجماعة، فهي أمة واحدة متكافلة، وتنبيهاً إلى أن احترام وحفظ مال غيرك احترام وحفظ لمالك. فيكون التعدي على مال الآخرين جناية على الأمة التي هو فرد منها وعضو فيها. وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي؛ لأن كل واحد منهي ومنهي عنه. والأكل بالباطل: يشمل كل ما أخذ بغير وجه الحق، كالرِّبا والقمار؛ لأنه أخذ بدون مقابل، والرشوة والدفاع بالباطل؛ لأنهما إعانة على الظلم، والصدقة على القادر على الكسب؛ لأنها إذلال له، ولا تحل للآخذ إذا كان غير مضطر إليه، والسرقة والغصب؛ لأنهما اعتداء على مال الغير، سواء أكان غصب مال عيني أم غصب المنافع، أم التعدي على منفعة الآخرين، كالتسخير بدون مقابل أو الإنقاص من الأجر، وأكل مال اليتيم ظلماً، ٥٣١ الُُ (٢) - الْبَقَة: ١٨٨/٢ وأجور الرقص والغناء، ومهور البغايا، ومقابل التمائم والعزائم وختمات القرآن، والمأخوذ غشاً واحتيالاً وزوراً وبهتاناً، ونحو ذلك من أموال السحت والحرام، التي تؤدي إلى النار؛ لأن كل جسم نبت من حرام فالنار أولى به. وقد جاء النهي عن أكل الأموال بالباطل في آيات أخرى، منها: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩/٤]، ومنها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى ﴾ [النساء: ٤ /١٠]. ظَلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَبَصْلَوْنَ سَعِيرًا ومعنى ﴿ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَامِ﴾: ألا تلقوا بالأموال إلى الحكام رشوة لهم، لأخذ شيء من أموال الناس بالإثم كاليمين الكاذبة الفاجرة أو شهادة الزور، أو نحو ذلك من وسائط الوصول إلى الحرام. وتشمل هذه الآية و جھین: الأول - تقديم الأموال رشوة للحكام، ليقضوا لهم بالباطل وأخذ حق الغير. الثاني - رفع القضايا للمحاكم، اعتماداً على الحجة الباطلة، وتزييف الحقائق، وشهادة الزور، واليمين الغموس. وهذا ما حذر منه النَّبِي وَلّ في حديث أم سلمة الذي رواه مالك وأحمد وأصحاب الكتب الستة، قالت: (كنت عند رسول الله وص له، فجاء رجلان يختصمان في مواريث وأشياء أخرى))، فقال رسول الله وَله: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحوٍ مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار))، فبكى الخصمان، وقال كل واحد منهما: أنا حِلّ لصاحبي، فقال ◌َّ: ((اذهبا فتوخّيا، ثم استهِما، ثم ليُخْلل كل واحد منكما صاحبه))(١). (١) ألحن: أفطن وأعرف وأقدر عليها من صاحبه. والتوخي: قصد الحق، والاستهام: الاقتراع، أي اقصدا الحق في القسمة، وليأخذ كل منكما ما تخرجه القرعة من النصيب أو السهم. ٥٣٢ لُ (٢) - الْبَغَرَة: ١٨٨/٢ فقه الحياة أو الأحكام: منعت هذه الآية جميع أفراد الأمة المحمدية من أن يأكل بعضهم مال بعض بغير حق، ويشمل ذلك القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس المالك، أو حرَّمته الشريعة وإن أداه الإنسان برضاه، كمهر البغي (الزانية) وحُلْوان الكاهن(١) وأثمان الخمور والخنازير وغيرها من وجوه اللهو الحرام. ومن الأكل بالباطل: أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل، فالآية صريحة في أن الإثم على من أكل، وهو يعلم أنه ظالم في الأكل، وأما غيره فلا إثم عليه. والحرام لا يصير حلالاً بقضاء القاضي؛ لأنه إنما يقضي بالظاهر، كما دلّ حديث أم سلمة المتقدم، وهو الموافق للواقع. لكن مع ذلك ظهر خلاف في الموضوع بين الفقهاء: فقال أبو حنيفة: ينفذ حكم القاضي في العقود والفسوخ، ظاهراً وباطناً؛ لأن مهمته القضاء بالحق، فإذا حكم الحاكم ببينة بعقد أو فسخ عقد، فحكمه نافذ، ويكون كعقد عقداه ابتداء، وإن كان الشهود شهود زور. مثل أن يدعي رجل على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فأقام على ادعائه شاهدي زور، فقضى القاضي بعقد الزواج بينهما، حلّ للرجل الاستمتاع بها، ولو قضى القاضي بالطلاق، فرَّق بينهما، وإن كان الرجل منكراً. ونفاذ حكم القاضي على هذا النحو مقيد بشرطين: اً - ألا يعلم بكون الشهود زوراً. ٢ - وأن يكون من الأمور التي له فيها صلاحية الإنشاء. (١) الكهانة: ادعاء معرفة الغيب أو التنجيم، والعرافة: ادعاء معرفة الماضي والمستقبل، والمقصود النهي عن الأمرين، لأنهما ادعاء العلم بالغيب. ٠ ٥٣٣ الُعُ (٢) - الْبَقَرَة: ١٨٨/٢ وقد قضى علي كرّم الله وجهه بما يؤيد هذا الرأي، حيث جاءه رجل ادعى زواجاً على امرأة وهي تنكر، وجاء بشاهدين، فقالت: إني لم أتزوجه، فقال لها: زوجك الشاهدان. وكذلك قصة لعان هلال بن أمية مع امرأته، وقضى النَّبِي وَلّ بالفرقة بينهما، وكان ذلك بعد أن قال: ((إن جاء الولد على صفة كذا فهو لهلال. وإن جاءت به على صفة كذا، فهو لشريك بن سَخْماء)» فجاءت به على الصفة المكروهة، فقال النَّبِي وَّ: ((لولا ما مضى من الأيمان، لكان لي ولها شأن)) فقصة اللعان تدل على أن الزوجة إنما وصلت إلى فراق زوجها باللعان الكاذب، الذي لو علم الحاكم كذِبها فيه، لحدَّها وما فرَّق بينهما؛ فلم يدخل هذا في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: ((فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه)). وقال جمهور العلماء: ينفذ حكم القاضي ظاهراً لا باطناً، في المال وغيره من أحكام الزواج والطلاق والجنايات، فلا يحل الحرام، ولا يحرم الحلال، ولا ينشئ الحقوق، وإنما يظهرها، ويكشف عنها في الوقائع، بدليل حديث أم سلمة المتقدم، الذي أخذت منه القاعدة التالية: ((نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر)). وهذا هو الحق بنحو عام، إلا ما خص منه بنص كاللعان. وعلى أي حال، لا يجوز لمؤمن أن يلجأ إلى المحاكم، معتمداً على مهارة وكلاء الدعاوى (المحامين)، وهو يعلم أنه مبطل في ادعائه. ولا يحل لمؤمن أن يأخذ مال أخيه أو غير حقه، وإن قضى له به القاضي؛ لأن القاضي بشر معذور يقضي بالظاهر، وحكمه لا يغير الواقع، وإنما الذي يجب أن ينظر إليه هو الحساب الحق العدل أمام الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، ويجزي كل إنسان بما عمل، فهو الذي تجب مراقبته في السرّ والعلن، وهو الذي يجب أن يخشاه المسلم في الظاهر والباطن. ٥٣٤ الُ (٢) - الْبَقَرَة: ١٨٩/٢ وإن تقديم المال رشوة إلى الحكام، تضييع للأموال وإهدار لها وإتلاف. فلا يصح لمؤمن أن يصانع بأمواله الحكام ويرشوهم ليقضوا له على أكثر من حقه أو غير حقه. واتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم ((مالٍ)) قل أو كثر: أنه يُفَسَّق بذلك، وأنه محرم عليه أخذه. التوقيت بالشهر القمري وحقيقة البر يَسْشَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجُّ وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىُّ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهِأَ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٢١٨٩ القراءات: ﴿عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾: قرئ: ١- بكسر النون وإسكان لام (الأهلة) بعدها همزة، وهي قراءة الجمهور. ٢- نقل حركة الهمزة، وحذف الهمزة، وهي قراءة ورش. ﴿ اَلْبُيُوتَ﴾: قرئ: ١- (البيوت) وهي قراءة ورش، وأبي عمرو، وحفص. ٢- (البيوت) وهي قراءة الباقين. ﴿ وَلَكِنَّ﴾: قرئ: ١- بتخفيفها، ورفع (البر) وهي قراءة نافع، وابن عامر. ٢- بتشديدها، ونصب (البر) وهي قراءة الباقين. ٥٣٥ الُعُ (٢) - البَوَرَة: ١٨٩/٢ ﴿الْبِرَّ﴾: وقرأ نافع، وابن عامر: (البرُّ). الإعراب: ﴿هِىَ مَوَقِيتُ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿اَلْبِرُّ﴾ اسم ﴿وَلَيْسَ﴾ مرفوع، وجملة: ﴿بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ﴾ خبرها. ﴿اَلْبِرُّ﴾ اسم ﴿وَلَكِنَّ﴾ منصوب، وخبرها محذوف وتقديره: برّ من اتقى. البلاغة: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيْثُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ﴾ هذا يسمى في البلاغة ((الأسلوب الحكيم)) فقد سألوا الرّسول وَل عن الهلال، لم يبدو صغيراً ثم يزداد حتى يتكامل نوره؟ فصرفهم إلى بيان الحكمة من الأهلة، فهي الأولى بالسؤال عنها. إذ من المعلوم أن كل ما يفعله الله عزّ وجلّ لا يكون إلا عن حكمة بالغة ومصلحة لعباده، فدعوا السؤال عن أشكال القمر نقصاً وتماماً، وانظروا في أمر ليس من البر، وأنتم تحسبونه برّاً. المفردات اللغوية: ﴿اَلْأَهِلَّةِ﴾ جمع هلال، وهو القمر، لَم يبدو دقيقاً في ليلتين أو ثلاث من أول كل شهر، ثم يزيد حتى يمتلئ نوراً، ثم يعود كما بدأ، ولا يكون على حالة واحدة كالشمس .﴿مَوَقِيتُ﴾ جمع ميقات، وهو ما يعرف به الوقت أي الزمن المقدر المعين. فبالأهلة يعرف الناس أوقات زرعهم ومتاجرهم وعِدَدَ نسائهم وصيامهم وإفطارهم، وأوقات صلواتهم، وزمان الحج، فيعلم بالأهلة وقته أيضاً، وهو من عطف الخاص على العام. وإنما سمي هلالاً، لظهوره بعد خفائه، ومنه الإهلال بالحج، لظهور الصوت بالتلبية، أو لأن الناس عند ظهور الهلال يرفعون أصواتهم بذكره عند رؤيته. ويسمى هلالاً لليلتين أو لثلاث من الشهر، ثم يسمى قمراً. ٥٣٦ الُ (٢) - الْبَقَرّة: ١٨٩/٢ ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ في الإحرام، بأن تنقبوا فيها نقباً تدخلون منه وتخرجون، وتتركوا باب البيت، وكانوا يفعلون ذلك، ويزعمونه برّاً . ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ ذا البر. ﴿مَنِ اتَّقَىُ﴾ الله بترك مخالفته، والبر: التقوى ﴿ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبَوَبِهَا﴾ في الإحرام كغيره. ﴿نُفْلِحُونَ﴾ تفوزون. سبب النزول: قال ابن عباس: إن معاذ بن جبل وثعلبة بن غَنَم (١) - وكانا من الأنصار - قالا : يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط، ثم یزید حتى يمتلئ ويستوي ویعظم، ثم لا یزال ینقص وبدِقّ، حتى يعود كما كان، لا يكون على حالة واحدة كالشمس، فنزلت هذه الآية. ويروى أيضاً أن اليهود سألت عن الأهلة. وقال البراء في سبب نزول: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ﴾: كانت الأنصار إذا حجّوا، فجاؤوا، لا يدخلون من أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل، فدخل من قبل الباب، فكأنه عُيِّر بذلك، فنزلت هذه الآية. رواه البخاري ومسلم. وقال المفسرون: كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة، لم يدخل حائطاً (بستاناً) ولا بيتاً ولا داراً من بابه، فإن كان من أهل المدن نقب نقباً في ظهر بيته، منه يدخل ومنه يخرج، أو يتخذ سلماً فيصعد فيه، وإن كان من أهل الوبر، خرج من خلف الخيمة والفسطاط، ولا يدخل من الباب، حتى يحلّ من إحرامه، ويرون ذلك ذمّاً، إلا أن يكون من الْخُمْس(٢): وهم قريش، وكنانة، وخزاعة، وثقيف، (١) كتبها بعضهم: غُنَيمة. (٢) الحَمْس: جمع أحمس، من الحماسة: وهي الشدة، والصلابة، لتشددهم في دينهم. ٥٣٧ لُ (٢) - الْبَقَرَة: ١٨٩/٢ وخثعم، وبنو عامر بن صعصعة، وبنو النضير بن معاوية، سموا حمساً لشدتهم في دينهم. قالوا: فدخل رسول الله وَ ل﴿ ذات يوم بيتاً لبعض الأنصار، فدخل رجل من الأنصار وهو قُطْبة بن عامر الأنصاري على إثره من الباب وهو محرم، فأنكروا عليه، فقال له رسول الله وَله: ((لم دخلت من الباب وأنت محرم؟)) فقال: رأيتك دخلت من الباب، فدخلت على إثرك. فقال رسول الله وَ له: ((إني أحمسيّ))، قال الرجل: إن كنت أحمسيّاً فإني أحمسيّ، ديننا واحد، رضيت بهديك وسمتك ودينك، فأنزل الله هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم والحاكم عن جابر، وهذا القول هو أصح الأقوال. المناسبة: هذه الآية تكملة لأحكام الصيام؛ لأن الصوم والإفطار مقرونان برؤية الهلال، كما جاء في الحديث الثابت: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته))(١). ولم يذكر في الآية تحديد المسؤول عنه في الأهلة، أهي حقائقها أم أحوالها؟ لكن الجواب ووروده بقوله تعالى: ﴿قُلّ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجْ﴾ مشعر بأن السؤال عن الحكمة في تغيرها، وأيده الخبر في سبب النزول. التفسير والبيان: يسألونك يا محمد عن سبب اختلاف حجم الأهلة نقصاً وإتماماً، وهذا لا فائدة بالسؤال عنه؛ لأن النَّبِي وَلّهِ لم يبعث معلماً لعلوم الفلك وأحوال النجوم، وإنما الأولى أن يوجه السؤال عن الحكمة أو الغاية من الأهلة، فأجبهم عن ذلك، بأن الأهلة معالم للتوقيت والحساب في شؤون الزراعة والتجارة وآجال العقود والديون، ومعالم أيضاً لتوقيت العبادات من صوم وإفطار وصلاة وحج وعدة وغير ذلك. (١) البحر المحيط: ٦١/٢ ٥٣٨ لُعُ (٢) - الْبَقَرَة: ١٨٩/٢ والتوقيت بالشهر القمري والسنة القمرية سهل في الحساب ومناسب للعرب. والمواقيت جمع ميقات بمعنى الوقت، كالميعاد بمعنى الوعد، وقال بعضهم: الميقات: منتهى الوقت، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ، أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ﴾ [الأعراف: ١٤٢/٧]، والهلال ميقات الشهر، ومواضع الإحرام: مواقيت؛ لأنها التي ينتهي عندها الحل. ولما ذكر مواقيت الحج ذكر ما كان من أفعالهم فيه، لإبطال عادة الجاهلية: وهي الامتناع بعد الإحرام بالحج أو بالعمرة من دخول البيوت من أبوابها، وإنما كانوا يدخلونها من ظهورها إذا كانوا من أهل الوبر، أو من نقب في ظهر البيت إذا كانوا من أهل المدر، زاعمين أنه من البر، فقيل لهم: ليس البر هذا، وليس بقربة إلى الله تعالى، وذلك خطأ، وإنما البر الحقيقي هو تقوى الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه، والتّحلي بالفضائل، والتّخلي عن المعاصي والرذائل، والخوف من الله ومن عقابه. فأتوا البيوت من أبوابها، واتقوا الله في كل شيء، رجاء أن تكونوا من المفلحين في أعمالكم، فالمتقي في رشاد، والعاصي في ضلال، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤/٦٥]، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ فَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢/١٠]. ويلاحظ أن أبا بكر الجصاص الرازي قال: وفي هذه الآية دلالة على جواز الإحرام بالحج في سائر السنة، لعموم اللفظ في سائر الأهلّة، أنها مواقيت للحجّ، ومعلوم أنه لم يردبه أفعال الحج، فوجب أن يكون المراد الإحرام(١). وهو استدلال غير ظاهر؛ لأن الآية في بيان الحكمة في تغيير الأهلّة بالزيادة والنّقص: وهي أن يوقّت الناس بها في معاملاتهم، وعباداتهم، وحجّهم، (١) أحكام القرآن: ١/ ٢٥٤ ٥٣٩ الُعُ (٢) - الْبَفَرّة: ١٨٩/٢ وليس الكلام في بيان ما يكون في الشهر من العبادات وغيرها. وجاءت السنّة القولية مبينة وقت الإحرام بالحج والعمرة، ودلّ قوله تعالى: ﴿اٌلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ على أن وقت الحج شهران وبعض الثالث. فقه الحياة أو الأحكام: الإسلام دين الموضوعية والحياة والواقع النافع، فهو ينبذ الشكليات والمظاهر والأوضاع التي لا نفع فيها، ويوجه الناس إلى الاعتناء بما ينفعهم ويعود عليهم بالخير والمصلحة. لذا أبان الله تعالى في آية سابقة بمناسبة تحويل القبلة أن البر ليس هو بالاتجاه نحو المشارق والمغارب، وإنما البر هو الإحسان والتقوى والعمل الصالح. ونبّه في هذه الآية إلى الحكمة من زيادة القمر ونقصانه، وهي الاستفادة من الهلال في ضبط الحساب وتوقيت الزمان ومعرفة الآجال والمعاملات والأيمان، والحج، وأنواع عدة المرأة (العِدَد)، والصوم والفطر، ومدّة الحمل، والإجارات والأكرية، إلى غير ذلك من مصالح العباد. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَرَ ءَايَنَيْنِ فَحَوْنَآ ءَايَةَ أَلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢/١٧]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ اُلْسِنِينَ وَالْحِسَابَّ﴾ [يونس: ٥/١٠]، وإحصاء الأهلّة شهرياً أيسر من إحصاء الأيام. وسمي الشهر شهراً؛ لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية، ويدلون عليه. ويؤيد الآيات أحاديث، منها ما رواه عبد الرزاق والحاكم عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: ((جعل الله الأهلّة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم، فعدوا ثلاثين يوماً)). والعلم بالآجال أو المدد أمر مشروط في كل العقود كالإجارة والبيع بثمن إلى أجل معلوم، والسَّلَم والمساقاة والمزارعة ونحوها. وبهذا يرد على الظاهرية ٥٤٠ لُعُ (٢) - الَفَرَة: ١٨٩/٢ الذين قالوا: تجوز المساقاة إلى الأجل المجهول سنين غير معلومة؛ لأن رسول الله ◌َو عامل اليهود على شطر الزرع والنخل ما بدا لرسول الله وَله من غير توقيت. ويجاب عنه: بأن هذا لا دليل فيه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال لليهود: ((أقركم فيها ما أقركم الله))، وهذه خصوصية له، لا يقاس عليه غيره، فكان ينتظر في ذلك القضاء من ربه. وأجاز الجمهور البيع إلى الحصاد أو إلى الدياس أو إلى العطاء ونحوه؛ لأن الأجل معروف، وتأخره يسيراً متسامح فيه، ولم يجزِ الشافعي ذلك للجهل بالأجل. وقد أفرد الله الحج بالذكر؛ لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، وأنه لا يجوز فيه التأجيل أو النسيء عن وقته، بخلاف ما كان عليه العرب، فإنها كانت تحج بالعدد وتبدّل الشهور، فأبطل الله قولهم وفعلهم. واستدل مالك وأبو حنيفة رحمهما الله بهذه الآية على أن الإحرام بالحج يصح في غير أشهر الحج؛ لأن الله تعالى جعل الأهلة كلها ظرفاً لذلك، فصحّ أن يحرم في جميعها بالحج. وخالف الشافعي في ذلك لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧/٢]، ولأن معنى هذه الآية أن بعضها مواقيت للناس، وبعضها مواقيت للحج؛ وهذا كما تقول: هذه السلعة لخالد وعمر، أي بعضها لخالد وبعضها لعمر، ولا يجوز أن يقال: جميعها للأول وجميعها للثاني. وفي هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قُرْبَة، ولا ندب إليه، لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب، فدخول الدار من ظهرها لا من بابها ليس قربة يثاب عليها الشخص. وقد نهى الرسول وَله رجلاً اسمه أبو إسرائيل عن القيام في الشمس، وقال: ((مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه))(١) (١) رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس.