النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
الُعُ (٢) - الْبَغَرَة: ١٨٣/٢-١٨٥
والحكمة في إيراد ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ اُلْهُدَى وَاُلْفُرْقَانِ﴾ بعد قوله ﴿هُدِّى
لِّلِنَّاسِ﴾: هي الدلالة على أن الهدى نوعان: هدى بيِّن واضح تفهمه العقول
العادية لأول وهلة، وهدى لا يدركه إلا خواص الناس، والأول أكثر فائدة.
فمن شهد أو حضر منكم الشهر، وهو سلیم معافى، لا عذر له من سفر أو
مرض، فيجب عليه الصيام، لأنه أحد أركان الإسلام الخمسة. ومن لم يشهد
الشهر، كسكان البلاد القطبية - التي يتساوى فيها الليل والنهار كل نصف
عام، أي يكون الليل فيها نصف سنة في القطب الشمالي، بينما يكون نهاراً في
القطب الجنوبي، فعليهم أن يقدروا مدة تساوي شهر رمضان بحسب أقرب
البلاد المعتدلة إليهم، أو بحسب مكة والمدينة اللتين وقع فيهما التشريع.
ثم أعاد الله تأكيد الرخصة في الإفطار مرة ثانية، حتى لا يظن تعميم
وجوب الصوم بعد قوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ وبعد بيان مزايا الصوم وأهميته؛ لأن
الله يريد في كل ماشرع من أحكام، ومنها رخصة الإفطار لذوي الأعذار، أن
يحقق اليسر للناس ويدفع عنهم العسر.
وأمر أصحاب الأعذار في حالي المرض والسفر ونحوهما بالقضاء أو
الفدية، لأنه يريد إكمال عدّة الشهر، ولنكبّر الله ونعظمه ونشكره على نعمه
كلها، ومنها إعطاء كل من العزيمة والرخصة حقها.
فقه الحياة أو الأحكام:
اشتملت هذه الآيات على أحكام كثيرة، أبينها بإيجاز:
اً - للصوم فضل عظيم وثواب جسيم، ويكفي في فضله أن الله خصه
بالإضافة إليه، كما جاء في الحديث القدسي الذي يخبر به النَّبي ◌َِّ عن ربِّه:
:((يقول الله تبارك وتعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي
به))، وتخصيص الصوم بأنه له، مع أن العبادات كلها له، لأمرين ذكرهما
القرطبي :

٥٠٢
الُزُعُ (٢) - البَفَرَة: ١٨٣/٢ -١٨٥
أحدهما - أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها، ما لا يمنع منه سائر
العبادات.
الثاني - أن الصوم سرّ بين العبد وبين ربّه، لا يظهر إلا له، فصار مختصاً
به، وما سواه من العبادات ظاهر قد يدخله الرياء.
٣ - الصوم يعدُّ النفس للتقوى، لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَّقُونَ﴾ فهو سبب
تقوى الله؛ لأنه يميت الشهوات، ولأنه كما قال عليه الصلاة والسلام:
((الصيام جُنَّة ووجاء))(١).
٣ - يجوز للمريض والمسافر الإفطار في رمضان، ويجب عليهما القضاء في
وقت آخر. والمرض المبيح للفطر في رأي أكثر الفقهاء: هو الذي يؤدي إلى
ضرر في النفس، أو زيادة في العلة. والعبرة في ذلك بما يغلب على الظنّ. وهذا
الضابط هو الذي يتفق مع حكمة الرخصة في الآية: وهي إرادة اليسر ودفع
العسر. وظاهر اللفظ: اعتبار مطلق المرض، بحيث يطلق عليه اسم المرض،
وإلى ذلك ذهب ابن سيرين وعطاء والبخاري.
وأما السفر المبيح للفطر: فهو الذي يبيح قصر الصلاة الرباعية، وقدره في
رأي الجمهور ستة عشر فرسخاً أو ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية، أو مسيرة
يومين معتدلين أو مرحلتين بسير الأثقال ودبيب الأقدام، والبحر كالبر.
ودليلهم ما رواه الشافعي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((يا أهل مكة،
لا تقصروا في أدنى من أربعة بُرُد من مكة إلى عُسْفان)) وقدروها بحوالي ٨٩ كم.
وقدر السفر الذي يبيح الترخيص عند الحنفية: هو قدر ثلاث مراحل أو
أربع وعشرين فرسخاً، أو مسيرة ثلاثة أيام سيراً وسطاً، وهو سير الإبل،
والأقدام في البر، وسير السفن الشراعية في البحر، ويكتفون بسير معظم
اليوم، وقدروه بـ ٩٦ كم. واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: (يمسح المقيم
(١) أي أن الصوم يضعف شهوة الجماع، كما أن الوجاء (الخصاء) يقطعها.

٥٠٣
الُ (٢) - البَفَرَة: ١٨٣/٢-١٨٥
يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن)) ولا يكون كذلك حتى تكون مدة
السفر ثلاثة أيام؛ لأن الشرع جعل علة امتداد مدة المسح إلى الثلاثة: السفر،
والرخص لا تعلم إلا من الشرع. وأيضاً ورد عن الرسول وَله اعتبار الثلاثة
الأيام سفراً، وذلك في حديث ابن عمر عن النَّبي ◌ٍَّ: ((أنه نهى عن أن تسافر
المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم)) وهو حديث متفق عليه، فيرجح على أخبار
رواها أبو سعيد وأبو هريرة مفادها منع المرأة من السفر يومين.
وذهب أكثر الفقهاء إلى أن الإفطار رخصة، فإن شاء صام، وإن شاء
أفطر، لأن في الآية إضماراً تقديره: فمن كان منكم مريضاً أو على سفر،
فأفطر، فعليه عدة من أيام أخر. وروى أبو داود في سننه عن عائشة: أن حمزة
الأسلمي سأل النَّبِي وَّ، فقال: يا رسول الله، هل أصوم على السفر؟ فقال:
((صم إن شئت، وأفطر إن شئت)). وقد ثبت عن جماعة من الصحابة (ابن
عباس، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبي
الدرداء، وسلمة) عن النَّبِي وَلِّ أنه صام في السفر، وصام الصحابة مع النَّبي
وي عام الفتح في رمضان، ثم إنه قال لهم: ((إنكم قد دنوتم من عدوكم،
والفطر أقوى لكم، فأفطروا)).
وقال بعض الصحابة (ابن عباس وابن عمر): الواجب على المسافر
والمريض الفطر، وصيام عدة من أيام أخر، لظاهر قوله عليه الصلاة
والسلام: ((ليس من البر الصيام في السفر))، وردّ الجمهور بأن هذا كلام خرج
على حال مخصوصة، وذلك ما رواه شعبة من طريق جابر بن عبد الله عن النَّبي
والر أنه رأى رجلاً يظلل عليه، والزحام عليه شديد، فقال: ((ليس من البر
الصيام في السفر))، فمن سمع وذكر الحديث، ذكره مع سببه، وبعضهم اقتصر
على ذكر الحديث.
وقرر أكثر الأئمة: أن الصوم للمسافر أفضل لمن قوي عليه، لقوله تعالى:
﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي أن صومكم أيها المرضى والمسافرون والذين

٥٠٤
لالجزءُ (٢) - الْبَقَرة: ١٨٣/٢ -١٨٥
يطيقونه خير لكم من الفدية؛ لما فيه من مجاهدة النفس وقوة الإيمان ومراقبة
الله. وذهب أحمد والأوزاعي وجماعة إلى أن الفطر أفضل، لقول الله تعالى:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾.
واتفق العلماء على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيت الفطر؛ لأن
المسافر لا يكون مسافراً بالنية، بخلاف المقيم، وإنما يكون مسافراً بالعمل
والنهوض، والمقيم لا يفتقر إلى عمل؛ لأنه إذا نوى الإقامة كان مقيماً في
الحين.
ولا خلاف بينهم أيضاً في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر قبل أن
يخرج.
واتفقوا على أن المسافر سفر الطاعة كالحج والجهاد وصلة الرحم وطلب
المعاش الضروري وسفر التجارات والمباحات: له الإفطار. وأما سفر العاصي
فيجوز له الإفطار عند الحنفية؛ لأن السفر نفسه ليس بمعصية، وإنما المعصية
ما يكون بعده أو يجاوره، فلا يؤثر على رخصة القصر، ولأنه قد يتوب إذا
تذكر نعمة الله عليه بالسماح له بالفطر والقصر وغيرهما.
وقال الجمهور غير الحنفية: لا تباح الرخص المختصة بالسفر من القصر
والجمع والفطر ونحوها، لما في الرخصة من الإعانة على المحرم، والشرع نهى
عن ذلك.
٤ - دل قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ على أن المريض أو المسافر
واجبه الأصلي الصوم، ويرخص له في الفطر، فإذا أفطر فليقض أياماً مكان
الأيام التي أفطر فيها، وهذا رأي الجمهور؛ لأن معنى الآية: من كان منكم
مريضاً أو مسافراً، فأفطر، فعليه صيام أيام أخر، بعدما أفطر. وإذا صام أهل
البلد تسعة وعشرين، وفي البلد رجل مريض لم يصح، فإنه يقضي تسعة
وعشرين يوماً.

٥٠٥
الُ (٢) - البَفَرَة: ١٨٣/٢-١٨٥
ويستحب في رأي الجمهور ولا يجب تتابع أيام القضاء؛ لأن آية ﴿فَعِدَةٌ
مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ مطلقة، لم تخص متفرقة من متتابعة، وإذا أتى بها متفرقة فقد
صام عدة من أيام أخر. وروى الدار قطني بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله
عنها، قالت: نزلت ((فعدة من أيام أخر متتابعات)) فسقطت: ((متتابعات)).
ودلت هذه الآية أيضاً على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان؛ لأن
اللفظ إذا شمل الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض.
فإن جاء رمضان آخر ولم يقض، لزمه في رأي الجمهور كفارة: وهي أن
يطعم لكل يوم مسكيناً. وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه، عملاً بظاهر الآية:
﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾. ودليل الجمهور ما رواه الدار قطني بإسناد صحيح
عن أبي هريرة فيمن فرَّط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر، قال:
(يصوم هذا مع الناس، ويصوم الذي فرّط فيه، ويطعم لكل يوم مسكيناً)).
٥ - من أفطر متعمداً أو جامع في نهار رمضان وجب عليه عند الحنفية
والمالكية خلافاً لغيرهم الكفارة: وهي عتق رقبة مؤمنة عند الجمهور، ولو غير
مؤمنة عند الحنفية، فإن عجز صام شهرين متتابعين، فإن عجز أطعم ستين
مسكيناً. ولا كفارة بالإفطار أو الجماع في قضاء رمضان.
والجمهور على أن من أفطر في رمضان لعلة، فمات من علته تلك، أو
سافر، فمات في سفره ذلك: أنه لا شيء عليه.
ومن مات وعليه صوم من رمضان لم يقضه عنه أحمد: قال مالك والشافعي
وأبو حنيفة: لا يصوم أحد عن أحد، لقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤/٦] ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى
١٣٩
[النجم: ٣٩/٥٣]
﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيَّهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤/٦]، ولما خرّجه النسائي عن
ابن عباس عن النبي وَلّ أنه قال: ((لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد
عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مداً من حنطة)».

٥٠٦
الُعُ (٢) - البقرة: ١٨٣/٢ -١٨٥
وقال أحمد: يستحب للولي أن يصوم عن الميت إذا مات بعد إمكان
القضاء؛ لأنه أحوط لبراءة ذمة الميت، ويصوم عنه أيضاً إذا كان الصوم
نذراً؛ لما رواه مسلم عن عائشة أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((من مات، وعليه
صيام، صام عنه وليه)) وهذا عام في الصوم، يخصصه ما رواه مسلم أيضاً عن
ابن عباس، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله وَله، فقالت: يا رسول الله، إن
أمي قد ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: ((أرأيت لو كان على
أمك دين فقضيتيه، أكان يؤدي ذلك عنها؟)) قالت: نعم، قال: ((فصومي عن
أمك)».
٩ - ثبت بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس أن آية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ليست بمنسوخة، وأنها محكمة في حق من لا يقدر على
الصيام، وفيه ضرر، كالشيخ الفاني والشيخة الفانية، وعليهم الفدية: طعام
مسکین.
فالناس على ثلاث أحوال: الأصحاء المقيمون، ويلزمهم الصوم عيناً في
رمضان، والمرضى والمسافرون، ولهم الفطر إن أرادوا، وعليهم إن أفطروا
أيام أخر، وقوم لا يقدرون على الصوم، وفيه ضرر، فهؤلاء يفدون.
والراجح أن هذه الآية تتناول الحامل والمرضع، سئل الحسن البصري عن
الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسهما أو ولدهما، فقال: أي مرض أشد من
الحمل؟ تفطر وتقضي.
وأجمع العلماء على أن الواجب على الشيخ الهرم الفدية ومثله المريض الذي
لا يرجى برؤه، أما الحامل والمرضع، فعليهما القضاء دون الفدية عند
الحنفية، والفدية والقضاء عند الشافعية والحنابلة إن خافتا على ولدهما فقط،
والفدية والقضاء على المرضع فقط، لا الحامل عند المالكية.
ومقدار الفدية عند أبي حنيفة: نصف صاع (مدان) من بُرّ، أو صاع من
غيره كالتمر أو الشعير، ومد من الطعام من غالب قوت البلد عن كل يوم عند

٥٠٧
الُّعُ (٢) - المَقَرة: ١٨٣/٢-١٨٥
الجمهور. ومن تطوع بالزيادة على مسكين أو في مقدار الفدية على المسكين، أو
بالصيام مع الفدية، فهو خير له. والمد ٦٧٥ غم، والصاع ٢٧٥١ غم.
لاً - دل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ على أن الصيام في السفر
والمرض غير الشاق وغير ذلك خير، والأولى حمله على العموم، لعموم اللفظ
كما قال الفخر الرازي، وهو يقتضي الحض على الصوم مطلقاً، كما قال
القرطبي.
٨ - امتاز رمضان باختصاصه بالصوم فيه من بين الشهور؛ لأنه أنزل فيه
القرآن، أي ابتدأ إنزاله في رمضان، ولا منافاة بين إنزاله في رمضان، وإنزاله
في ليلة القدر والليلة المباركة؛ لأن هذه الليلة في رمضان.
والقرآن: اسم لكلام الله المنزل على محمد ◌َّله. وهو مشتق من القراءة،
وهو بمعنى المقروء، فهو مصدر: قرأ قراءة وقرآناً، فأطلق المصدر وأريد به
اسم المفعول، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَحْرِّ إِنَّ قُرْءَنَ اٌلْفَجْرِ كَانَ
مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨/١٧] أو مشتق من القران؛ لأن آياته قد قرن بعضها
ببعض.
١ - ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾: هناك قولان في مفعول ﴿شَهِدَ﴾.
أحدهما - أن مفعول ﴿شَهِدَ﴾ محذوف، والمعنى: فمن شهد البلد في
الشهر، أي لم يكن مسافراً، ويكون الشهر منصوباً على الظرفية.
والثاني - أن مفعول ﴿شَهِدَ﴾ هو الشهر، والتقدير: فمن شهد الشهر
وشاهده بعقله وبمعرفته، فليصمه، هذا .. مع ملاحظة أن خطابات الله جميعاً
تتوجه إلى المكلفين، فتكون الآية مخصوصة بمن يتأتى تكليفهم. أما الوجه
الأول فيعتمد على تقدير محذوف أي إضمار، والمقرر في الأصول: إذا تعارض
التخصيص والإضمار، تعين المصير إلى التخصيص.

٥٠٨
لُ (٢) - البَقَرَة: ١٨٣/٢ -١٨٥
ويرى الجمهور أن الآية عامة في المكلفين، وهي تشمل المسافر والمقيم، غير
أن المسافر يترخص بالفطر كالمريض، وعليهما عدة من أيام أخر.
ويرى الجمهور أيضاً أن شهود أي جزء من أجزاء الشهر يكفي في وجوب
الصوم، إلا أن الحنفية رأوا أن صوم جميع الشهر يجب بشهود أي جزء منه،
ويرى الشافعية أن شهود أي جزء موجب لصوم ذلك الجزء.
أما من ◌ُنَّ في رمضان، فقال المالكية: إنه يقضي ما مضى، ولو جن سنين.
وقال غيرهم: إنه لا قضاء عليه لما مضى، كالصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم.
ومن أفاق في بعض الشهر يصوم في الأصح لدى الشافعية والحنابلة ما شهد
فقط، ولا قضاء عليه لغيره.
وأما الصبي يبلغ، والكافر يسلم في بعض رمضان، فقال الجمهور غير
الحنابلة: إنهما يصومان ما بقي، وليس عليهما قضاء ما مضى، ولا اليوم
الذي حصل فيه البلوغ والإسلام. وقال الحنابلة في الأصح: يلزمهما قضاء
اليوم الذي حدث فيه البلوغ والإسلام. وبه يعلم أن فرض الصوم مستحق
بالإسلام والبلوغ والعلم بالشهر.
وشهود الشهر: يكون برؤية الهلال أو بالعلم أنه قد رئي، ولا عبرة
بالحساب وعلم النجوم في رأي الجمهور (منهم أئمة المذاهب الأربعة)؛ لما رواه
ابن عمر أنه قال: قال رسول الله وَله: ((الشهر تسع وعشرون، ولا تصوموا
حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له))، أي فأكملوا
المقدار، بدليل حديث أبي هريرة عند النسائي: ((فأكملوا العدة)). وهذا موافق
لظاهر قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ﴾
[البقرة: ١٨٩/٢].
وأجاز بعضهم الاعتماد على المراصد والحساب عند ثبوت إفادتها العلم
القطعي بهذه المواقيت، ولو مع المحافظة على رؤية الهلال في حال عدم المانع من
رؤيته، للجمع بين ظاهر النص والمراد منه، تحقيقاً لاتفاق الأمة في عبادتها،

٥٠٩
اِلُعُ (٢) - البَقَرّة: ١٨٣/٢-١٨٥
وإبعادها عن الخلاف، ما أمكن الاتفاق وسيلة ومقصداً؛ لأن العلم مقدم
على الظن، فلا يعمل بالظن مع إمكان العلم، فمن أمكنه رؤية الكعبة لا يجوز
له أن يجتهد في التوجه إليها، ويعمل بظنه الذي يؤديه إليه الاجتهاد(١).
م
وأفتى علماء السعودية في صفر ١٤٠٩ هـ بجواز الاعتماد على مكبرات
الرؤية في المراصد.
· اً - هل يثبت هلال رمضان بشهادة واحد أو شاهدين؟ للعلماء رأيان:
قال مالك: لا يقبل فيه شهادة الواحد؛ لأنها شهادة على هلالٍ، فلا يقبل فيها
أقل من اثنين، كالشهادة على هلال شوال وذي الحجة.
وقال الجمهور: يقبل قول الواحد العدل، لما روى أبو داود عن ابن عمر
قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت به رسول الله وَ له أني رأيته؛ فصام وأمر
الناس بصيامه. وتقبل شهادة المرأة عند الحنفية والحنابلة، ولا تقبل عند
المالكية والشافعية.
١اً - من رأى هلال رمضان وحده أو هلال شوال: قال الشافعي: من
رأى هلال رمضان وحده فليصمه، ومن رأى هلال شوال وحده فليفطر،
ولُيُخْفِ ذلك. وقال مالك وأحمد: الذي يرى هلال رمضان وحده يصوم؛
لأنه لا ينبغي له أن يفطر وهو يعلم أن ذلك اليوم من شهر رمضان. ومن رأى
هلال شوال وحده فلا يفطر؛ لأن الناس يتَّهمون من يفطر منهم بأنه ليس
مأموناً، ثم يقول أولئك إذا ظهر أمرهم: قد رأينا الهلال. وإذا لم ير الهلال
بسبب كسوف الشمس مثلاً، كما حدث في رمضان عام ١٤٠٤ هـ، وصام
بعض الناس ثمانية وعشرين يوماً، بسبب رؤية هلال شوال، وجب قضاء
يوم، إكمالاً لعدة الشهر، وهو ٢٩ يوماً على الأقل.
١٢ - اختلاف المطالع: قال الجمهور: إذا رئي الهلال في بلد وجب على
(١) تفسير المنار: ١٥٠/٢، ط ١٩٧٢ بمصر.

٥١٠
الجُمُ (٢) - الَقَرة: ١٨٣/٢-١٨٥
أهل البلاد الأخرى الصيام، سواء قربت البلاد أو بعدت، توحيداً للصوم
بين المسلمين، ولا عبرة باختلاف المطالع.
وقال الشافعية: إن قرب البلد فالحكم واحد، وإن بعد فلأهل كل بلد
رؤيتهم، والمسافة بين القريب والبعيد في الأصح لديهم بحسب مسافة القصر
(٨٩ كم). ومثل هذا الرأي لم يعد مقبولاً.
١٣ - لا اعتبار برؤية هلال شوال يوم الثلاثين من رمضان نهاراً، بل هو
الليلة التي تأتي، وهو الصحيح.
١٤ - دل قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ﴾ على الحض على التكبير في آخر
رمضان في قول جمهور أهل التأويل، فهذه الآية دليل على مشروعية التكبير في
عيد الفطر. ولفظ التكبير عند مالك وجماعة من العلماء: الله أكبر، الله أكبر،
الله أكبر، ثلاثاً. ومن العلماء: من يكبّر ويهلِّل ويسبح أثناء التكبير، ومنهم
من يقول: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.
وأما وقت التكبير ومدته: فقال أبو حنيفة ومالك: يندب التكبير في عيد
الفطر بالخروج من داره إلى المصلى، فإذا انقضت الصلاة، انقضى العيد. وقال
الشافعي وأحمد: يندب التكبير في أي وقت عقب الصلاة وفي أي زمن من
غروب شمس ليلة العيد إلى أداء صلاة العيد، أي من رؤية الهلال إلى خروج
الإمام للصلاة.
١٥ - ما يفطّر الصائم ومالا يفطره: يفطر الصائم بالأكل والشرب
والجماع عمداً بالنص والإجماع، ويفطر أيضاً بالدواء، والقيء عمداً،
والاستمناء (إخراج المني بغير جماع)، وإنزال الماء إلى الجوف أثناء المبالغة في
المضمضة والاستنشاق، وتناول الدخان المعروف ((التبغ))، وابتلاع النُّخامة في
رأي الشافعية، وتناول أي شيء مادي يصل إلى الجوف عمداً، سواء أكان
مغذياً أم غير مغذٍ.

٥١١
المُعُ (٢) - الْبَقَرَّة: ١٨٣/٢-١٨٥
ولا يفطر الصائم بالفصد اتفاقاً، كما لا يفطر عند الجمهور بالأكل ونحوه
ناسياً، ويفطر عند المالكية.
ولا يفسد الصوم بالقطرة أو بالحجامة، أو بالحقنة، أو بالاكتحال في العين
في رأي الحنفية والشافعية، ويفطّر الاكتحال بكحل يتحقق معه وصوله إلى
الحلق في رأي الحنابلة والمالكية، وكذا تفطر الحجامة عندهم إذا ظهر دم. ولا
يفسد الصوم بالسواك والمضمضة والاستنشاق من غير مبالغة، ولا بالاغتسال
والسباحة. ويفطر عند المالكية بوصول ماء المضمضة والاستنشاق والسواك
ولو سهواً أو خطأً ولو من غير مبالغة.
ولا يفطر إذا غلبه القيء ولم يبتلع منه شيئاً، ولا بخلع الضرس ما لم يبتلع
شيئاً من الدم أو الدواء. ولا بحقنة في إحليل الرجل في رأي الحنفية والمالكية،
وأما في إحليل المرأة فيفطر عند الحنفية، وتفطر الحقنة مطلقاً عند الشافعية.
ولا يفطر بإنزال المذي عند الحنفية والشافعية، ويفطر به عند المالكية والحنابلة .
في حال التقبيل أو المباشرة فيما دون الفرج.
وأما المجامع ناسياً ففيه أقوال ثلاثة:
أحدها - لاقضاء عليه ولاكفارة، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة
والأکثرین.
والثاني - عليه القضاء بلاكفارة، وهو قول مالك.
والثالث - عليه الأمران وهو المشهور عن أحمد.
وتجب الكفارة بالجماع عمداً في نهار رمضان باتفاق الفقهاء، وكذا بالأكل
والشرب عمداً عند الحنفية والمالكية، ويجب الإمساك بقية النهار. ولا تجب
الكفارة بالفطر في غير رمضان في رأي أكثر العلماء.
وتتداخل الكفارة، فلا تجب إلا واحدة بتكرر الإفطار في أيام عند الحنفية،
وتتعدد الكفارة بتعدد الإفطار في أيام مختلفة في رأي الجمهور.

٥١٢
لُعُ (٢) - البقرة: ١٨٦/٢-١٨٧
واختلف العلماء فيما يجب على المرأة التي يطؤها زوجها في شهر رمضان:
فقال المالكية والحنفية والحنابلة: عليها مثل ما على الزوج إن مكنته طائعة،
ولا كفارة عليها إن كانت مكرهة. وقال الشافعي: ليس عليها كفارة، وعليها
القضاء فقط، سواء طاوعته أو أكرهها.
ولا كفارة على من أمنى بالنظر أو التفكير عند الجمهور، وعليه الكفارة عند
الحنابلة، ولا يفسد صومه أيضاً عند الحنفية.
أحكام الصيام
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ
فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴿٨َ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ
الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنُّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ
تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ
اللَّهُ لَكُمَّ وَكُواْ وَأَشْرَبُواْ حَّى يَتَبَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِّ
ثُمَّ أَنِقُواْ الْصِيَامَ إِلَى الَّيْلِّ وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِ الْمَسَجِدُ تِلْكَ حُدُودُ
اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
القراءات:
﴿الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾
وقرأ ورش وصلاً، وأبو عمرو (الداعي إذا دعاني).
﴿ وَلْيُؤْمِنُواْ بِ﴾:
وقرأ ورش وصلاً: (وليومنوا بي).
﴿ فَلْعَنَ﴾ :

٥١٣
لُرُ (٢) - الْبَقَرَّة: ١٨٦/٢-١٨٧
وقرأ ورش (فالآن).
الإعراب:
﴿أُجِيبُ﴾ إما صفة لقريب، أو خبر بعد خبر، وروعي الضمير في
﴿فَإِنِ﴾.
﴿أُحِلَ لَكُمْ لَيْلَةَ اُلْصِيَاءِ﴾ ليلة: منصوب على الظرف بـ ﴿أُحِلّ﴾.
﴿ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير
تُبَشِرُوهُنَ﴾.
البلاغة :
﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ كناية عن الجماع، وعُدِّي بـ ﴿إِلَى﴾ لتضمنه معنى
الإفضاء.
﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ﴾: استعارة، شبّه كل واحد من
الزوجين، لاشتماله على صاحبه في الاقتراب والعناق والضم، باللباس
المشتمل على لا بسه.
﴿اَلْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اُلْأَسْوَرِ﴾: استعارة، يراد بها تشبيه بياض
الصبح بالخيط الأبيض، وسواد الليل بالخيط الأسود، والخيطان مجاز،
والتشبيه بالخيطين؛ لأنهما ضعيفان عند الطلوع. وقال الزمخشري: إنه تشبيه
بليغ؛ لأن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ أخرجه من باب الاستعارة، كما أن قولك:
((رأيت أسداً)) مجاز، فإذا زدت: ((من فلان)) رجع تشبيهاً. وقوله: ﴿مِنَ
اٌلْفَجْرِ﴾ بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بیان
أحدهما بيان للثاني. ويجوز أن تكون ﴿مِنَ﴾ للتبعيض؛ لأنه بعض الفجر وأوله
(الكشاف: ٢٥٨/١).

٥١٤
الجُزْءُ (٢) - الَرَة: ١٨٦/٢ -١٨٧
المفردات اللغوية:
﴿فَإِ قَرِيبٌ﴾ منهم بعلمي، فأخبرهم بذلك ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِ﴾ فليلبوا
دعوتي إياهم بالإيمان والطاعة ﴿ وَلْيُؤْمِنُواْ بِ﴾ يداوموا على الإيمان بي.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ يهتدون. ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ ليالي الصوم.
﴿الرَّفَثُ﴾ الأصل فيه: الفحش من الكلام أو الإفصاح بما يجب أن يكنى
عنه، ثم أطلق على الجماع أو كل مايريده الرجل من المرأة؛ لأنه لا يخلو مما
ذكر غالباً.
﴿هُنَّ لِبَاسُ﴾ كل من الزوجين بمثابة لباس للآخر؛ لأنه يستر صاحبه، كما
يستر اللباس ويمنعه من الفجور، والتعبير القرآني كناية عن تعانقهما أو احتياج
كل منهما إلى صاحبه ﴿تَخْتَاثُونَ﴾ تخونون أنفسكم بالجماع ليلة الصيام.
﴿اَلْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾: أول ما يبدو من بياض النهار، كالخيط الممدود رقيقاً
ثم ينتشر.
{الْخَطِ اَلْأَسْوَدِ﴾: هو ما يمتد من سواد الليل، مختلطاً مع بياض النهار،
كأنه خيط ممدود ﴿ مِنَ اُلْفَجْرِ﴾ أي الصادق، بيان للخيط الأبيض، وأما بيان
الأسود فهو محذوف أي: من الليل، واكتفى بالأول؛ لأن بيان أحدهما بيان
للثاني. شبه ما يبدو من البياض وما يمتد معه الغبش بخيطين أبيض وأسود في
الامتداد.
﴿ثُمَّ أَنِقُواْ الْصِيَامَ﴾ من الفجر إلى ﴿الَّيَّلِّ﴾ أي غروب الشمس، والإتمام:
الأداء على وجه التمام.
﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ﴾ أي نساءكم، وحقيقة المباشرة: مس كلِّ بشرة الآخر:
أي ظاهر جلده، والمراد به الجماع ﴿وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ﴾: الاعتكاف: لغة:
اللبث وملازمة الشيء، وشرعاً: المكث في المسجد طاعة لله وتقرباً إليه.

٥١٥
اِلُعُ (٢) - البَقَرة: ١٨٦/٢-١٨٧
﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ مفردها حد: وهو في اللغة: الحاجز بين شيئين، ثم أطلقت
على ما شرعه الله لعباده من الأحكام، فإن جاء بعدها: ﴿فَلَا تَقْرَبُهَا﴾.
فالمراد بها ممنوعاته ومحارمه، وإن جاء بعدها: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ فالمراد بها
أحكامه، أي ما حده وقدره، فلا يجوز أن يتعداه الإنسان. وإن أريد بالحدود:
الأحكام عامة، فيكون المقصود من قوله: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي لا تتعرضوا
لها بالتغيير، أو لا تقربوا الحد الحاجز بين حيِّز الحق وحيِّز الضلال، مثل منع
الاقتراب من الحمى في حديث: (فمن حام حول الحمی، یوشك أن يقع فيه)).
سبب نزول الآية (١٨٦):
أخرج ابن جرير الطبري وغيره عن معاوية بن حَيْدة عن أبيه عن جده،
قال: جاء أعرابي إلى النبي وَله، فقال: أقريب ربنا، فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟
فسكت عنه فنزلت الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى﴾ ورويت أسباب أخرى،
سأذكرها في التفسير والبيان.
سبب نزول الآية (١٨٧):
أخرج أحمد وأبو داود والحاكم عن معاذ بن جبل قال: كانوا يأكلون
ويشربون ويأتون النساء مالم يناموا، فإذا ناموا، امتنعوا، ثم إن رجلاً من
الأنصار يقال له: قيس بن صِرْمة صلى العشاء، ثم نام فلم يأكل ولم يشرب،
حتى أصبح، فأصبح مجهوداً، وكان عمر أصاب من النساء بعدما نام، فأتى
النبي ◌َّ﴾، فذكر ذلك له، فأنزل الله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ إلى قوله:
﴿ثُمَّ أَنِعُواْ الْصِيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾.
وهذا يدل على أنه حين فرض الصيام، كان كل إنسان يجتهد فيما يراه
أحوط وأقرب للتقوى، حتى نزلت هذه الآية.

٥١٦
الْجُرحُ (٢) - الْبَغَرَة: ١٨٦/٢-١٨٧
ـب زيادة ﴿مِنَ اُلْفَجْرِّ﴾:
قال الزمخشري: لو لم يذكر ﴿ مِنَ اُلْفَجْرِّ﴾ لم يعلم أن الخيطين مستعاران،
فزيد ﴿مِنَ اُلْفَجْرِّ﴾ فكان تشبيهاً بليغاً، وخرج من أن يكون استعارة.
فإن قلت: فكيف التبس على عدي بن حاتم مع هذا البيان، حتى قال:
عمدت إلى عقالين: أبيض وأسود، فجعلتهما تحت وسادتي، فكنت أقوم من
الليل، فأنظر إليهما، فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت،
غدوت إلى رسول الله وَ يهر، فأخبرته فضحك، وقال: ((إن كان وسادك
لعريضاً)). وروي: ((إنك لعريض القفا، إنما ذاك بياض النهار، وسواد الليل)).
قلت: غفل عن البيان، ولذاك عرَّض رسول الله وَل قفاه؛ لأنه مما يستدل به
على بلاهة الرجل وقلة فطنته.
فإن قلت: فما تقول فيما روي عن سهل بن سعد الساعدي: ((أنها نزلت
ولم ينزل: من الفجر، فكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجله
الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب، حتى يتبينا له، فنزل
بعد ذلك: ﴿مِنَ اُلْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار))(١). وكيف
جاز تأخير البيان، وهو يشبه العبث، حيث لا يفهم منه المراد، إذ ليس
باستعارة لفقد الدلالة، ولا بتشبيه، قبل ذكر: الفجر، فلا يفهم منه إذن إلا
الحقيقة، وهي غير مرادة؟ !.
قلت: أما من لا يُجَوِّزُ تأخير البيان، وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهو
مذهب أبي علي وأبي هاشم، فلم يصح عندهم هذا الحديث. وأما من يجوزه،
فيقول: ليس بعبث؛ لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب، ويعزم على
فعله، إذا استوضح المراد منه(٢).
(١) رواه البخاري عن ابن أبي مريم، ورواه مسلم عن محمد بن سهل عن ابن أبي مريم.
(٢) الكشاف: ٢٥٨/١

٥١٧
لِلُعُ (٢) - البَثُقَرّة: ١٨٦/٢-١٨٧
التفسير والبيان:
هذه الآيات تذكير للعباد وتعليم للمؤمنين ما يراعونه في عبادة الصيام
وغيرها من الطاعة والإخلاص والآداب والأحكام، والتوجه إلى الله تعالى
بالدعاء الذي يعدّهم الهدى والرشاد. وقال البيضاوي في وجه الربط بين
الآيات: واعلم أنه تعالى لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة، وحثهم على
القيام بوظائف التكبير والشكر، عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير
بأحوالهم، سميع لأقوالهم، مجيب لدعائهم، مجاز على أعمالهم، تأكيداً له وحثاً
علیه.
وقد روي أن سبب نزول الآية: أن النبي ◌َّلقول سمع المسلمين يدعون الله
بصوت مرتفع في غزوة خيبر، فقال لهم: ((أيها الناس، ارْبَعوا على أنفسكم،
فإنکم لا تَدْعون أصمَّ ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريبا، وهو معكم)).
وروي أيضاً عن قتادة: أن الصحابة قالوا: كيف ندعوا ربنا يا نبي الله؟
فأنزل الله هذه الآية.
وروي كذلك أنه: لما نزلت آية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، فهموا منها
تحريم الأكل بعد النوم، ثم إنهم أكلوا، وندموا، وتابوا، وسألوا النبي تَّى:
هل يقبل الله تعالى توبتنا؟ فنزلت.
وليس المراد بالقرب هنا قرب المكان، بل المراد: القرب بالعلم وما تقتضيه
إجابة الدعاء. ويرى السلفيون: أن ما ذكر في القرآن والسنة من قرب الله
ومعيِّتُه لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء.
ومعنى الآية (١٨٦): ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى﴾ أي عن شأن من
شؤون ذاتي، وهي جهة القرب أو البعد، فإني قريب منهم، أي أعلم
أحوالهم، وأسمع أقوالهم، وأرى أعمالهم، وهو المراد بالقرب في آية أخرى
مماثلة: ﴿ وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦/٥٠] فليس بيني وبين أحد

٥١٨
الُعُ (٢) - البَقَرة: ١٨٦/٢ -١٨٧
حجاب، وأجيب دعوة من يدعوني مخلصاً لي، دون وسيط، وقرن دعاءه
بالعمل الخالص لوجه الله تعالى.
وإجابة الدعاء تشمل الهداية للأسباب كتيسير سبل الرزق والشفاء
والنجاح، وتحقيق النتائج المترتبة على الأسباب بالتوفيق والرعاية.
وتتطلب إجابة الدعاء: الاستجابة لأوامر الله بالإيمان الصحيح، والطاعة
وإقامة العبادات النافعة للعباد من صلاة وصيام وزكاة وحج وغيرها، وحينئذ
يجازيهم الله على عملهم أحسن الجزاء. وإذا صدرت الأعمال الخالصة لله
مقترنة بالإيمان، كانت سبيلاً للرشاد والاهتداء إلى الخير الشامل للدنيا
والآخرة؛ لأنهم إن أجابوا ما دعاهم إليه الله، أجابهم إلى ما يطلبون.
والاستجابة هنا: الاستسلام والانقياد. والإيمان: الإذعان القلبي.
وبما أن كلمة ((لعل)) تفيد الرجاء، وذلك مستحيل على الله، لاستعلائه
واستغنائه، فيكون المراد بها حيث وردت في القرآن: راجين بعملكم الرشاد،
أو بمعنى التعليل، أي لترشدوا، أي يعرفون كيف يهتدون وكيف يطيعون.
قال ابن تيمية: وهو سبحانه فوق العرش، رقيب على خلقه، مهيمن
عليهم، مطّلع إليهم، فدخل في ذلك الإيمان بأنه قريب من خلقه. وفي
الصحيح: ((إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)).
ومعنى قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّثُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ﴾: أي كما بين الصيام
وأحكامه وشرائعه وتفاصيله، كذلك يبين سائر الأحكام على لسان نبيه محمد
فقه الحياة أو الأحكام:
قال ابن كثير: وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء، متخللة بين
أحكام الصيام، إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل
فطر، كما رواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده عن عبد الله بن عمرو،

٥١٩
◌ِلُعُ (٢) - الْبَقَة: ١٨٦/٢-١٨٧
قال: سمعت رسول الله وَ لهو يقول: ((للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة)) فكان
عبد الله بن عمرو إذا أفطر، دعا أهله وولده ودعا. ورواه ابن ماجه بلفظ:
((إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد)) وكان عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر:
((اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي)) وفي مسند أحمد
وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله :
((ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم
يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول: بعزتي
لأنصرنك، ولو بعد حين))(١).
هل الدعاء يفيد؟
زعم بعضهم أن الدعاء لا فائدة فيه؛ لأن الأمر المدعو فیه إن كان في علم
الله واقعاً، فهو لابد واقع، وإن لم يكن واقعاً فهو غير واقع لا محالة. وقرر
الجمهور أن الدعاء أهم مقامات العبودية؛ لقوله تعالى: ﴿أُدّعُونِّ أَسْتَجِبْ
لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠/٤٠] فالله طلبه منا، مما يدل على فضله، وبين في آية أخرى أنه
تعالى إذا لم يسأل غضب، فقال: ﴿فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ
قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (@)))
[الأنعام: ٦/ ٤٣].
وقال النبي ◌َّر: ((الدعاء مخ العبادة))(٢) وقال أيضاً: ((الدعاء هو
العبادة))(٣) وقرأ: ﴿أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠/٤٠] وقال أيضاً: ((الدعاء
سلاح المؤمن وعماد الدين، ونور السماوات والأرض)) (٤).
وهناك أمور معلقة على شروط وأسباب في تقدير الله، منها الدعاء.
(١) تفسير ابن كثير: ٢١٩/١
(٢) رواه الترمذي عن أنس، لكنه ضعيف.
(٣) رواه أحمد وابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب وأصحاب السنن الأربع وابن حبان والحاكم
عن النعمان بن بشير.
(٤) رواه أبو يعلى والحاكم عن علي، وهو صحيح.

٥٢٠
لِلُعُ (٢) - البقرة: ١٨٦/٢-١٨٧
والدعاء عبادة؛ لأنه معرفة، إذ يتطلب أن يكون الداعي عارفاً بربه تمام
المعرفة، وأنه القادر على كل شىء، والقاهر فوق عباده.
وهذه الآية دليل قاطع على فائدة الدعاء، ومعناها كما بينا: إذا سألوك عن
المعبود، فأخبرهم أنه قريب، يثيب على الطاعة، ويجيب الداعي، ويعلم ما
يفعله العبد من صوم وصلاة وغير ذلك. والمراد بقوله: ﴿فَإِ قَرِيبٌ﴾ أي
بالإجابة، وقيل: بالعلم.
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ أي أقبل عبادة من عبدني، ومنها الدعاء،
والدعاء بمعنى العبادة، والإجابة بمعنى القبول. بدليل الأحاديث السابقة.
وكان خالد الرَّبَعي يقول: عجبت لهذه الأمة في ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[غافر: ٦٠/٤٠] أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة، وليس بينهما شرط.
لكن إجابة الدعاء مقيدة بقيود بالنسبة للعبد، منها :
عدم الاعتداء بتجاوز حدود الله، فكل مُصرّ على كبيرة عالماً بها أو جاهلاً،
فهو معتدٍ، وقد أخبر تعالى أنه لا يحب المعتدين، فقال: ﴿آدَعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
[الأعراف: ٥٥/٧] وقال ◌َ ◌ّليّ فيما رواه
وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
أبو سعيد الخدري: ((ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رَحِم،
إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجَّل له دعوته، وإما أن يدّخر له،
وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها)).
وفي رواية مسلم عن أبي هريرة: ((لا يزال يستجاب للعبد، ما لم يَدْعُ بإثم أو
قطيعة رحم، ما لم يستعجل قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال:
(يقول: قد دَعوتُ وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فيَسْتَحسِر(١) عند ذلك،
ويَدَع الدعاء)).
(١) أي ينقطع عن الدعاء ويملّه.