النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
الُزُ (٢) - الْبَقَرة: ١٧٨/٢ -١٧٩
١اً - القصاص من الحاكم نفسه:
أجمع العلماء أن على السلطان أن يقتص من نفسه، إن تعدی علی أحد من
رعيته، إذ هو واحد منهم؛ وإنما له مزية النظر لهم كالوصي والوكيل، وذلك
لا يمنع القصاص، وليس بينهم وبين العامة فرق في أحكام الله عز وجل،
لقوله جل ذكره: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَبْلِ﴾.
وثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملاً
قطع يده: «لئن كنت صادقاً لأقیدنك منه)).
وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري قال: بينا رسول الله وَله يقسم شيئاً
إذ أكبّ عليه رجل، فطعنه رسول الله وَّله بعُرجون كان معه، فصاح الرجل؛
فقال رسول الله : (تعال فاستقد)) قال: بل عفوت يا رسول الله.
وروى أبو داود الطيالسي عن أبي فراس قال: خطب عمر بن الخطاب
رضي الله عنه فقال: ((ألا من ظلمه أميره، فليرفع ذلك إلي أقيده منه)). فقام
:
عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، لئن أدب رجل منا رجلاً من أهل
رعيته لتقصنَّه منه؟ قال: كيف لا أقصّه منه، وقد رأيت رسول الله وَل﴾ يقصّ
من نفسه !. ولفظ أبي داود السجستاني عنه قال: ((خطبنا عمر بن الخطاب،
فقال: إني لم أبعث عُمَّالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فعل
ذلك به، فلیرفعه إلي أقصه منه)).

٤٨٢
◌ِلُ (٢) - البَوَرَة: ١٨٠/٢-١٨٢
الوصية الواجبة
[كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَآَ إِثْمُهُ عَلَى
١٨٠
وَاَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ
الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمَا فَأَصْلَحَ
بَيْنَهُمْ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٨٢١
القراءات:
﴿مُوصٍ﴾: قرئ:
١- (مُوَصِّ) وهي قراءة: حمزة والكسائي، وخلف.
٢- (مُؤْصٍ) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي أسباب الموت، فحذف المضاف، وأقيم
المضاف إليه مقامه.
﴿ اَلْوَصِيَّةُ﴾: نائب فاعل لفعل: كتب، وتقديره: كتب عليكم الوصية.
﴿حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ﴾ منصوب على المصدر، وتقديره: حق حقاً.
﴿فَمَنْ بَذَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ الهاءات في: بدله وسمعه ويبدلونه، فيها وجهان:
أحدهما - إنما أتى بضمير المذكر، دون ضمير المؤنث، وإن كان الذي تقدم ذكر
الوصية؛ لأنه أراد بالوصية الإيصاء. والثاني - أن هذه الهاءات تعود على
الكتْب؛ لأن ﴿ كُتِبَ﴾ تدل عليه، والكتب مذكر.
البلاغة:
﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أقيم الظاهر مقام المضمر.

٤٨٣
◌ِلُرُ (٢) - الْبَقَرّة: ١٨٠/٢-١٨٢
المفردات اللغوية:
{كُتِبَ﴾: فرض ﴿اَلْمَوْتُ﴾ أي أسبابه وعلاماته وأماراته كالمرض
المخوف ﴿خَيْرًّا﴾ أي مالاً، قال مجاهد: الخير في القرآن كله: المال.
﴿ اَلْوَصِيَّةُ﴾: تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت، أي فليوص من
أوشك على الموت ببعض ماله لأقاربه، وتطلق على الإيصاء والتوصية، وعلى
الموصى به من عين أو عمل.
﴿بِالْمَعْرُوفِّ﴾ أي بالعدل بأن لا يزيد على الثلث، ولا يفضل الغني، وهو
ما لا يستنكره الناس، بحسب حال الشخص الموصي، بأن لا يكون قليلاً
بالنسبة لماله الكثير، وألا يكون كثيراً يضر بالورثة، ويتحدد بعدم الزيادة على
ثلث التركة.
﴿حَقًّا عَلَى الْمُثَّقِينَ﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله. والإيصاء الواجب
للأقارب منسوخ بآية الميراث، وبحديث رواه الترمذي وغيره: ((لا وصية
لوارث)».
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ وغيره أي الإيصاء، من شاهد ووصي ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ علمه
﴿فَإِنَّهَا إِثْمُهُ﴾ أي الإيصاء المبدل ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ﴾ لقول الموصي ﴿عَلِيمٌ﴾ بفعل
الوصي، فيجازيه عليه.
﴿فَمَنْ خَافَ﴾ أي علم. (جَنَفًا﴾ ميلاً عن الحق والعدل خطأ ﴿أَوْ إِثْمًا﴾
بأن تعمد الإجحاف والظلم، بالزيادة على الثلث أو تخصيص غني مثلاً.
﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ بين الوصي والموصى له، بالأمر بالعدل. ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهٍ﴾
في ذلك.
التفسير والبيان:
هذه الآيات تذكير عام لجميع الناس بالوصية التي هي عمل من أعمال البر

٤٨٤
الجُرُ (٢) - البَفَرَة: ١٨٠/٢-١٨٢
والخير بعد الموت، في حال ظهور أماراته وعلاماته، بعد أن ذكر الله
القصاص في القتل، وهو موت، وجاء الخطاب للمجموع؛ لأن الأمة
متكافلة، يخاطب المجموع منها بما يطلب من الأفراد، فمناسبة الآية لما قبلها
ظاهرة، وذلك أنه لما ذكر تعالى القتل في القصاص، والدية، أتبع ذلك بالتنبيه
على الوصية وبيان أنه مما كتبه الله تعالى على عباده، حتى يتنبه كل أحد،
فيوصي قبل مفاجأة الموت، فيموت على غير وصية.
وفرض عليكم أيها المؤمنون، إذا ظهرت علامات الموت بمرض مخوف
ونحوه، وترك الواحد منكم مالاً كثيراً لورثته، أن يوصي للوالدين والأقربين
بشيء من هذا المال، وصية عادلة، لا تعد شيئاً قليلاً ولا كثيراً، في حدود
ثلث التركة، وعدم تفضيل غني لغناه، ودون تمييز ولا جور في الوصية إلا
لضرورة، كعجز عن الكسب أو اشتغال بالعلم، أو صغر، إذ عدم العدل
يسبب البغضاء والحقد والنزاع بين الورثة، حتى ولو كان الوالدان كافرين،
فللولد أن يوصي لهما بما يؤلف قلوبهما؛ لأن الإحسان لهما مطلوب بنحو
عام، كما قال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًّاً وَإِن جَهَدَاَ لِتُشْرِكَ بِىِ مَا
لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعُهُمَا﴾ [العنكبوت: ٨/٢٩]. ﴿ وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ
تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَّاً وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا﴾ [لقمان: ١٥/٣١]
والمراد من قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالعدل الذي لا وكس فيه ولا شطط،
وهو محدد شرعاً بمقدار ثلث التركة فأقل.
أوجب الله تلك الوصية حقاً مقرراً على من اتقى الله وآمن بکتابه. فمن غیَّر
الإيصاء من شاهد ووصي بعد سماعه، فإنما ذنب هذا التغيير عليه، وبرئت منه
ذمة الموصي، وثبت له الأجر عند ربه.
والتغيير إما بإنكار الوصية أو بالنقص فيها بعد أن علمها.
والله سميع لقول المبدلين والموصين، عليم بنياتهم وبكل فعل، وهذا وعيد
شديد لهم، فاحذروا العقاب.

٤٨٥
لُ (٢) - البَفَرَّة: ١٨٠/٢-١٨٢
ثم استثنى من إثم التبديل حالة الإصلاح والنصح، وهي إذا خرج الموصي
في وصيته عن منهج الشرع والعدل خطأ أو عمداً، فلمن علم بذلك أن يصلح
بين الموصي والموصى له، أو بين الورثة والموصى لهم، بأن يرد الوصية إلى
العدل والمقدار المحدد لها شرعاً، ولا إثم على هذا التبديل؛ لأنه بحق، ولا ذنب
عليه في ذلك، والله غفور لمن بدل للإصلاح، رحيم به.
المراد بكلمة ﴿خَيْرًا﴾: اختلف العلماء في المال الذي تفرض فيه الوصية،
فقيل: إنه المال الكثير، كما فسرته السيدة عائشة رضي الله عنها. وقيل: أي
مال قليلاً كان أو كثيراً. ثم اختلفوا في ضابط التمييز بين الكثير والقليل: فقال
ابن عباس: إذا ترك سبع مئة درهم فلا يوصي، فإن بلغ ثمان مئة درهم أوصى.
وقال قتادة: ألف درهم. وعن عائشة أن رجلاً قال لها: إني أريد أن أوصي،
قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف درهم، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة،
قالت: قال الله: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإن هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك، فهو
أفضل.
والظاهر - كما قال ابن عباس وجماعة من التابعين -: أن المراد المال
مطلقاً، قليلاً كان أو كثيراً؛ لأن اسم الخير يقع على قليل المال وكثيره.
والقضية راجعة إلى العرف، وتقدير الموصي وعدد أفراد الورثة، وظروف
المعيشة وأوضاع الغلاء والرخص.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية في رأي جمهور العلماء وأكثر المفسرين منسوخة بآية المواريث،
وبقوله ﴿ - فيما يرويه أصحاب السنن وغيرهم عن عمرو بن خارجة -:
((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)) فصار وجوب الوصية
للوالدين والأقربين الوارثين منسوخاً، قال ابن كثير: بالإجماع، بل منهي عنه
للحديث المتقدم عن عمرو بن خارجة.

٤٨٦
لِلُعُ (٢) - الْبَقَرّة: ١٨٠/٢-١٨٢
أما الأقارب غير الوارثين: فيستحب أن يوصى لهم من الثلث، استئناساً
بهذه الآية، ولقوله - 18 - فيما رواه الصحيحان - عن ابن عمر: ((ما حق
امرئ مسلم له شيء يوصي فیه یبیت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) قال ابن
عمر: ((ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله وَ﴾ يقول ذلك، إلا وعندي
وصيتي)). والآيات والأحاديث بالأمر ببر الأقارب والإحسان إليهم كثيرة
جداً.
وهناك أقوال في نسخ هذه الآية وهي:
١ - ذهب ابن عباس والحسن البصري وطاووس ومسروق وآخرون: إلى
أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين نسخت، وبقيت واجبة للقرابة غير
الوارثين؛ لأن الوصية كانت واجبة بالآية لمن يرث ومن لا يرث من
الأقربين، فنسخت منها الوصية للوارثين، وبقيت للأقربين غير الوارثين على
الوجوب.
واختار ابن جرير الطبري في تفسيره هذا المذهب. ولكن على قول هؤلاء لا
يسمى هذا نسخاً في اصطلاح المتأخرين، وإنما هو تخصيص.
٢ - وذهب ابن عمر وأبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وآخرون:
إلى أن هذه الآية كلها منسوخة بآية المواريث، في حق من يرث وحق من لا
يرث، بدليل مارواه الشافعي عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول
وَ﴾ (حكم في ستة مملوكين كانوا لرجل لا مال له غيرهم، فأعتقهم عند
الموت، فجزأهم النبي ◌َّهِ ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعة)»(١) فلو
كانت الوصية واجبة للأقربين، باطلة في غيرهم، لما أجازها النبي في العبدين؛
لأن عتقهما وصية لهما، وهما غير قريبين.
(١) رواه الدارقطني عن عمران بن حصين رضي الله عنه (تفسير القرطبي: ٢٧١/٢-٢٧٢).

٤٨٧
اِلُعُ (٢) - البَقَرّة: ١٨٠/٢-١٨٢
٣ - حكى الرازي في تفسيره الكبير عن أبي مسلم الأصفهاني أن هذه الآية
محكمة غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية المواريث، والمعنى: كتب عليكم ما
أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِىّ
أَوْلَدِ كُمٌّ﴾ [النساء: ١١/٤].
ولا منافاة حينئذ بين ثبوت الوصية للأقرباء، وثبوت الميراث، فالوصية
عطية من حضره الموت، والميراث عطية من الله تعالى، وقد جمع الوارث بين
الوصية والميراث بحكم الآيتين.
ولو قدِّر حصول المنافاة بين آية الميراث وآية الوصية لكان يمكن جعل آية
الميراث مخصصة لآية الوصية، بمعنى أن آية الوصية يراد بها القريب الذي لا
يرث، إما لمانع من الإرث كالكفر واختلاف الدار، وإما لأنه محجوب بأقرب
منه، وإما لأنه من ذوي الأرحام. وهذا رأي طاووس ومن وافقه.
مسائل فقهية:
١- مقدار الوصية: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز لأحد أن يوصي
بأكثر من الثلث، لقوله ◌َ # لسعد الذي أراد أن يوصي: ((الثلث والثلث كثير))
وقوله أيضاً: ((إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم، زيادة لكم في
أعمالكم)). وأجاز الحنفية: الوصية بالمال كله إن لم يترك الموصي ورثة؛ لأن
الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان من أجل أن يدع ورثته أغنياء، كما
قال عليه الصلاة والسلام في الحديث المتواتر: ((إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير
من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)) ومن لا وارث له، فليس ممن معُني
بالحدیث.
٢- وأجمع العلماء على أن من مات، وله ورثة، فليس له أن يوصي بجميع
ماله. وأجمعوا على أن للإنسان أن يغير وصيته ويرجع فيما شاء منها، قبل
الموت.
5

٤٨٨
الْلُرُ (٢) - البَفَرّة: ١٨٠/٢-١٨٢
٣- وقال أئمة المذاهب الأربعة والأوزاعي: من أوصى لغير قرابته، وترك
قرابته محتاجين، فبئسما صنع! وفعله مع ذلك جائز ماضٍٍ، لكل من أوصى
له، من غني وفقير، قريب وبعيد، مسلم وكافر.
ورأى طاوس والحسن البصري: أنه إذا أوصى لغير الأقربين، ردت
الوصية للأقربين، ونقض فعله.
٤- وذهب جمهور العلماء إلى أن المريض مرض الموت يحجر عليه في ماله،
فلا تنفذ وصاياه وتبرعاته. وقال الظاهرية: لا يحجر عليه.
٥- وأجاز أكثر العلماء الوصية بأكثر من الثلث أو لوارث إن أجازها
الورثة؛ لأن المنع من الزائد عن الثلث أو لوارث، كان لحق الوارث، فإذا
أسقط الورثة حقهم، كان ذلك جائزاً صحيحاً، وكان كالهبة من عندهم،
روى الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله وَله قال: ((لا تجوز الوصية
لوارث، إلا أن يشاء الورثة)) وروى أيضاً عن عمرو بن خارجة أنه وَ له قال:
((لا وصية لوارث إلا أن تجيز الورثة)). ومنع الظاهرية الوصية بأكثر من الثلث،
وإن أجازها الورثة.
٦ - رجوع المجيزين للوصية للوارث في حياة الموصي بعد وفاته:
أ - قال طاووس والحسن وعطاء وآخرون: ليس لمن أجاز الوصية للوارث
حال حياة الموصي الرجوع في الإجازة بعد الموت، وتنفذ الوصية عليهم؛ لأن
المنع من هذه الوصية إنما وقع من أجل الورثة، فإذا أجازوه جاز، كما أنهم
إذا أجازوا الوصية لأجنبي بأكثر من الثلث، جاز بإجازتهم.
ب - وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: لهم الرجوع في ذلك إن أحبوا؛
لأنهم أجازوا شيئاً لم يملكوه في ذلك الوقت، وإنما يملك المال بعد وفاته، فقد
أجاز من لا حق له في المال، فلا يلزمه شيء.
جـ - وفرق مالك فقال: إذا أذنوا في صحة الموصي، فلهم أن يرجعوا،

٤٨٩
لُعُ (٢) - الْبَقَرَّة: ١٨٠/٢-١٨٢
وإن أذنوا له في مرضه حين يُحجب عن ماله، فذلك جائز عليهم؛ لأن الرجل
إذا كان صحيحاً فهو أحق بماله كله يصنع فيه ماشاء، فإذا أذنوا له في صحته،
فقد تركوا شيئاً لم يجب لهم، وإن أذنوا له في مرضه، فقد تركوا ماوجب لهم
من الحق؛ فليس لهم أن يرجعوا فيه إذا كان قد أنفذه؛ لأنه قد فات.
٧ - وصية الصبي المميز والسفيه والمجنون:
لا خلاف في صحة وصية البالغ العاقل غير المحجور عليه، واختلف في
غيره، فقال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أن الضعيف في عقله والسفيه
والمصاب الذي يفيق أحياناً تجوز وصاياهم إذا كان معهم من عقولهم ما
يعرفون ما يوصون به، وكذلك الصبي الصغير إذا كان يعقل ما أوصى به، ولم
يأت بمنكر من القول (أي لم يوص بمعصية) فوصيته جائزة؛ لأن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه أجاز وصية صبي من غسان بلغ من العمر عشر سنين
(مميز) كان قد أوصى لأخوال له، فرفع أمره إلى عمر، فأجازها. أي أن
المالكية ومثلهم الحنابلة أجازوا وصية المميز وهو ابن عشر سنين فأقل مما
یقاربها.
وقال الحنفية والشافعية: لا تجوز وصية الصبي؛ لأن عبارته قبل البلوغ غير
معتبرة في التبرع. واستثنى الحنفية وصيته في أمور تجهيزه ودفنه على سبيل
الاستحسان مع اشتراط تحقق المصلحة في ذلك، وهو أيضاً واجب.
واتفق أئمة المذاهب الأربعة على القول بصحة وصية السفيه: وهو الذي لا
يحسن تدبير المال، وينفقه على خلاف مقتضى الحكمة والشرع.
ولم يجيزوا وصية المجنون والمعتوه والمغمى عليه؛ لأن عبارتهم ملغاة لا
يتعلق بها حكم. وأجاز الحنفية وصية المجنون إذا كان جنونه غير مطبق، أما إذا
كان مطبقاً بأن استمر بصاحبه دون إفاقة مدة شهر فأكثر فتبطل وصيته.

٤٩٠
الزُعُ (٢) - البَفَرَة: ١٨٠/٢-١٨٢
٨ - تبديل الوصية:
من سمع الوصية من الموصي أو سمعه ممن ثبت به عنده، وذلك عدلان، ثم
بدله، فإنمه على المبدل، ويخرج الموصي بالوصية عن اللوم، ويتوجه إلى الوارث
أو الولي. وهذا يدل كما قال بعض علماء المالكية: على أن الدَّيْن إذا أوصى به
الميت، خرج عن ذمته، وصار الولي مطلوباً به، له الأجر في قضائه، وعليه
الوزر في تأخيره، وهذا إنما يصح إذا كان الميت لم يفرِّط في أدائه، وأما إذا قدر
عليه وتركه، ثم وصَّى به فإنه لا يزيله عن ذمته تفريط الولي فيه(١).
٩ - الوصية بمعصية:
لا خلاف في أنه إذا أوصى الموصي بما لا يجوز؛ مثل أن يوصي بخمر أو
خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه، كما لا يجوز
إمضاء ما زاد على الثلث.
١٠ - الإصلاح والحكم بالظن:
معنى آية ﴿فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ جَنَفًا﴾ من علم أو رأى واطلع بعد موت
الموصي أن الموصي جنف وتعمد أذية بعض ورثته، فأصلح ما وقع بين الورثة
من الاضطراب والشقاق، فلا يلحقه إثم المبدل المذكور قبلُ؛ لأن فعله تبدیل
لمصلحة، والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى.
وفي هذه الآية دليل على الحكم بالظن؛ لأنه إذا ظن قصد الفساد وجب
السعي في الإصلاح. وإذا تحقق الفساد لم يكن صلحاً، إنما يكون حكماً بالدفع
وإبطالاً للفساد وحسماً له.
١١ - أفضلية الصدقة حال الحياة:
لا خلاف في أن الصدقة في حال حياة الإنسان أفضل منها عند الموت، لما
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ٧٣/١، تفسير القرطبي: ٢٦٩/٢

٤٩١
الُ (٢) - البَقَرَّة: ١٨٠/٢-١٨٢
ثبت في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام، وقد سئل: ((أي الصدقة
أفضل؟ فقال: أن تَصَدَّق وأنت صحيح شحيح .. )) الحديث، وروى الدار قطني
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وسلم قال: ((لأن يتصدق المرء في حياته
بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمئة)) وروى النسائي عن أبي الدرداء
عن النبي ◌َّه قال: «مَثَل الذي ينفق أو يتصدق عند موته مثل الذي يہدي
بعدما يَشْبَع)).
١٢ - الإضرار في الوصية:
من لم يضرّ في وصيته، كانت كفارة لما ترك من زكاته، لحديث رواه
الدارقطني عن معاوية بن قُرَّة عن أبيه: ((من حضرته الوفاة، فأوصى، فكانت
وصيته على كتاب الله، كانت كفارة لما ترك من زكاته)».
فإن ضر في الوصية حرم الإيصاء، لما رواه الدارقطني عن ابن عباس عن
رسول الله ◌َ﴿ قال: ((الإضرار في الوصية من الكبائر)). وروى أبو داود عن أبي
هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ ل قال: ((إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة
الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضارّان في الوصية، فتجب لهما النار)).

٤٩٢
الُعُ (٢) - البقرة: ١٨٣/٢-١٨٥
فرضية الصيام
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
أَيَّامًا فَعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنَكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
سَفَرٍ فَعِذَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ
تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُّ وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمٌّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (49) شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدَّى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ اُلْهُدَى
وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنَّامٍ أُخَرِّ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ
وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَتِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَّكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
(١٨٥)
القراءات:
[فِيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: قرئ:
١- بتنوين (فدية) ورفع (طعام) على البدل، وإفراد (مسكين) وهي قراءة
الجمهور.
٢- بتنوين (فدية) ورفع (طعام) وجمع (مسكين) وهي قراءة هشام.
٣- بإضافة (فدية) وجمع (مسكين) وهي قراءة نافع، وابن ذكوان.
﴿ تَطَوَّعَ﴾: قرئ:
١- (تطوع) فعلاً ماضياً، وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو،
وعاصم، وابن عامر، وتكون (من) بمعنى (الذي) أو تكون شرطية.
٢- (يطوع) مضارعاً مجزوماً، بمعنى الشرطية، وأصله ((يتطوع)) وهي قراءة
حمزة والكسائي، وخلف.

٤٩٣
الُعُ (٢) - البَقَرَّة: ١٨٣/٢ -١٨٥
﴿ اَلْقُرْءَانُ﴾ :
وقرأ ابن كثير (القران)، وكذا حمزة وقفاً.
الإعراب:
﴿كَمَا كُتِبَ﴾ الكاف في موضع نصب، إما لأنها صفة لمصدر محذوف،
وتقديره: (كتب عليكم الصيام كتابةً كما كتب) وما: مصدرية، أي مثل
كتابته، وإما لأنها حال من الصيام، وتقديره: (كتب عليكم الصيام مُشبَّهاً
كما كتب على الذين من قبلكم).
﴿أَيَامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ منصوب بتقدير فعل، وتقديره: صوموا أياماً
معدودات، فحذف صوموا لدلالة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ عليه. ولا يجوز
نصبه بالصيام، لوجود فاصل أجنبي بينه وبين صلته وهو ﴿كَمَا كُتِبَ﴾.
﴿ وَأَنْ تَصُومُواْ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿خَيْرٌ لَّكُمٌّ﴾.
﴿فَمِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ مبتدأ مرفوع، وخبره مقدر، وتقديره: فعليه عدة
من أيام أخر.
و﴿ مِّنْ أَيَّامٍ﴾ صفة مرفوعة لكلمة ﴿فَعِدَّةٌ﴾ و﴿أُخَرَّ﴾ جمع أخرى، وهو
فعلى التي هي للتفضيل وهي صفة أيام، وممنوعة من الصرف للوصف
والعدل عن آخر.
(فِذْيَةٌ﴾ مبتدأ، وخبره: وعلى الذين يطيقونه، مقدم عليه. ﴿طَعَامُ
مِسْكِينٍ﴾ بدل من فدية. ولم يجمع ﴿مِسْكِينٍ﴾ لأن الواجب في ابتداء الإسلام
كان إطعام مسكين، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْةٌ﴾
والطعام بمعنى الإطعام، كالعطاء بمعنى الإعطاء . ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مبتدأ،
وخبره: ﴿الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾. و﴿هُدِّى﴾ حال من القرآن، أي
هادياً للناس. و﴿ وَبَيِّنَتٍ﴾ عطف عليه.
٠

٤٩٤
الُ (٢) - البَقَة: ١٨٣/٢ -١٨٥
﴿الشَّهْرَ﴾ منصوب على الظرفية، وتقديره: ((فمن شهد منكم الشهر في
المصر)) لأن المسافر قد شهد الشهر ولا يجب عليه الصوم فيه. ﴿وَلِتُكْسِلُواْ
الْعِدَّةَ﴾ معطوف على محذوف، تقديره: ليسهل عليكم ولتكملوا العدة.
البلاغة:
﴿كَمَا كُتِبَ﴾ تشبيه يسمى ((مرسلاً مجملاً)) والتشبيه في الفرضية لا في
الكيفية.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُم قَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ مجاز بالحذف تقديره: من كان
مريضاً فأفطر، أو على سفر فأفطر.
﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال بعضهم: إن الآية على إضمار حرف النفي،
أي لا يطيقونه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه. ولا داعي لذلك؛ لأن الطاقة
تعني تحمل الشيء بمشقة وشدة، والمعنى: يتحملونه بجهد شدید.
﴿اَلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ فيه طباق السلب.
المفردات اللغوية:
﴿كُتِبَ﴾ فرض. ﴿الصِّيَامُ﴾ في اللغة: الإمساك والكف عن الشيء والترك
له، وفي الشرع: هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع من الفجر إلى
غروب الشمس، بنيّة من أهله، احتساباً لوجه الله، وإعداداً للنفس لتقوى
الله. ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي في الفرضية ووجوب الصوم،
وقيل: مقداره، وقيل: كيفيته من الكف عن الأكل والشرب، والرأي الأول
أرجح، إذ يكفي في فهم الآية أن يكون الله كتب صوماً ما على الذين من
قبلنا، وهذا مسلّم به عند أهل الأديان، فمن المعروف أن الصوم مشروع في
جميع الملل، حتى الوثنية، فهو معروف عند قدماء المصريين واليونان والرومان
والهنود. وفي التوراة الحالية مدح الصيام والصائمين، وثبت أن موسى عليه

٤٩٥
الُعُ (٢) - الْبَقَة: ١٨٣/٢ -١٨٥
السلام صام أربعين يوماً، واليهود في هذه الأزمنة يصومون أسبوعاً تذكاراً
لخراب أورشليم وأخذها، ويصومون يوماً من شهر آب. وكذلك الأناجيل
الحالية تمدح الصيام وتعتبره عبادة كالنّهي عن الرّياء وإظهار الكآبة فيه،
وأشهر صوم النصارى وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح، وهو
الذي صامه موسى وعيسى والحواريون، ثم وضع رؤساء الكنيسة أنواعاً أخرى
من الصيام.
﴿ تَكَّقُونَ﴾ المعاصي، فإن الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدأ المعصية،
ويورث التقوى، ويقمع الهوى، ويردع عن الأشر والبطر والفواحش، ويهوِّن
لذات الدنيا . ﴿أَيَّامًا فَعْدُودَاتٍ﴾ إن كل ما فرض صومه هنا هو رمضان،
فيكون قوله: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ عنى به رمضان، وهو قول ابن أبي ليلى
وجمهور المفسرين. ووصفها بقوله ﴿مَّعْدُودَاتٍ﴾ تسهيلاً على المكلف بأن هذه
الأيام معدودة.
﴿ يُطِيقُونَهُ﴾ أي يتحملونه بمشقة شديدة وجهد كبير، ويؤيده قراءة:
(يَطَّوَّقُونَهُ) مثل الكبير الهرم والحامل والمرضع والمريض مرضاً لا يرجى برؤه.
﴿فِّدِّيَةٌ﴾ الفدية: هي إطعام مسكين عن كل يوم، من أوسط ما يطعم أهله في
يومه، أكلة واحدة، وهو مدّ من غالب قوت البلد، وهو يساوي (٦٧٥ غ).
﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيرًا﴾ بالزيادة على القدر المذكور في الفدية. ﴿فَهُوَ﴾ أي:
التطوع خير له. والصوم خير من الإفطار والفدية . ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه
خير لكم، فافعلوه في تلك الأيام.
﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر.
﴿هُدِّى﴾ هادياً من الضلالة. ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ آيات واضحات. ﴿مِّنَ
اُلْهُدَى﴾ مما يهدي إلى الحق من الأحكام، ومن ﴿وَالفَرْقَانِ﴾ مما يفرق بين
الحق والباطل.

٤٩٦
،
الخُ (٢) - التََّفَرَة: ١٨٣/٢-١٨٥
﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ حضر بأن كان مقيماً غير مسافر. ﴿اَلْيُسْرَ﴾ السهولة
والتخفيف بإباحة الفطر في المرض والسفر، والمريض وكذا المسافر يختار
الأيسر عليه، ويكون هو الأفضل في حقه. وآية ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾
تعليل لما قبله، أي يريد فيما شرعه من هذه الرخصة في الصيام، وسائر ما
يشرعه لكم من الأحكام، أن يكون دينكم يسراً تاماً لا عسر فيه. وفي هذا
ترغيب في الرخصة.﴿ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ﴾ اللام للتعليل، وهي معطوفة على
التعليل المستفاد من قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ كأنه قال: رخص لكم
في حالي المرض والسفر؛ لأنه يريد بكم اليسر، وأن تكملوا العدة، فمن لم
يكملها أداء، لعذر المرض أو السفر، أكملها قضاء بعده، فالله شرع لكم
القضاء حال الفطر والسفر. ﴿ وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ﴾ عند إكمال العدة. ﴿عَلَى مَا
هَدَكُمْ﴾ إليه من الأحكام النافعة لكم، بأن تذكروا عظمته وكبرياءه وحكمته
في إصلاح عباده، وأنه يربيهم بما يشاء من الأحكام، ويؤدبهم بما يختار من
التكاليف.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله على هذه النعم كلها، وإعطاء كل من العزيمة
والرخصة حقها.
سبب نزول الآية (١٨٤):
أخرج ابن سعد في طبقاته عن مجاهد قال: هذه الآية نزلت في مولاي قيس
بن السائب: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فأفطر، وأطعم
لكل يوم مسكيناً.
التفسير والبيان:
تستمر الآيات بعد بيان القصاص والوصية في سرد الأحكام الشرعية، فلا
حاجة لمعرفة المناسبة بين كل حكم وما يليه.

٤٩٧
الُعُ (٢) - البقرة: ١٨٣/٢-١٨٥
فالله فرض عليكم الصيام، كما فرض على المؤمنين أتباع الملل الأخرى من
لدن آدم عليه السلام، وناداهم بوصف الإيمان المقتضى للامتثال، وأبان أن
الصوم فرض على جميع الناس، ترغيباً فيه، وتوضيحاً أن الأمور الشاقة إذا
عمت، سهل تحملها، وشعر المؤدون لها بالراحة والطمأنينة، لقيامها على الحق
والعدل والمساواة.
ثم إن الصوم مَظْهرة للنفس، ومَرْضَاةٍ للرَّب، ويُعدّ النفوس لتقوى الله في
السرّ والعلن، ويربي الإرادة، ويعلم الصبر وتحمل المشاق وضبط النفس عند
المكاره، وترك الشهوات، لذا قال النَّبي ◌َّ: ((الصوم نصف الصبر)).
وإعداد الصوم للتقوى يحدث من نواح مختلفة أهمها ما يأتي:
اً - يربي في النفس الخشية من الله تعالى في السرّ والعلن: إذ لا رقيب على
الصائم إلا ربه، فإذا شعر بالجوع أو بالعطش الشديد، وشمّ رائحة الطعام.
الشهي، أو ترقرق في ناظريه برودة الماء وعذوبته، وأحجم عن تناول المفطر،
بدافع إيمانه، وخشية ربّه، حقق معنى الخوف من الله، وإذا ازينت الشهوات
له، وترفع عنها، خوفاً من انتهاك حرمة الصوم، فقد استحيا من الله، وراقب
ربَّه. وإذا استبدت الأهواء بالنفس، كان سريع التذكر، قريب الرجوع بالتوبة
الصحيحة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِّنَ
الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ
﴾ [الأعراف: ٢٠١/٧].
ومن أعظم فوائد الصوم الروحية: أن الصائم يحتسب الأجر والثواب عند
الله ويصوم لوجه الله وحده.
لاً - يكسر حدّة الشهوة، ويخفف من تأثيرها وسلطانها، فيعود إلى
الاعتدال وهدوء المزاج، كما قال ◌َله واصفاً الصوم لمن يتعذر عليه الزواج -
فيما رواه الجماعة عن ابن مسعود -: (( .. ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه
له وجاء))، أي بمثابة الخصاء مضعف للشهوة. وقال أيضاً - فيما رواه النسائي
عن معاذ -: ((الصوم جُنَّة)) أي وقاية من المعاصي.
".

٤٩٨
اِلُعُ (٢) - البَقَة: ١٨٣/٢ -١٨٥
◌َّ - يستدعي الإحساس المرهف والشفقة والرحمة التي تدعوه إلى البذل
والعطاء، فهو عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتاً من البائسين، فيحمله الصيام
على مواساتهم، وهذا من أوصاف المؤمنين التي ذكرها الله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ.
[الفتح: ٢٩/٤٨].
٤ - فيه تحقيق معنى المساواة بين الأغنياء والفقراء، والأشراف والعامة،
في أداء فريضة واحدة، وهذا من فوائد الصيام الاجتماعية، كالحالة السابقة.
٥ - يعوِّد على النظام في المعيشة، وضبط الإرادة فيما بين فترتي السحور
والإفطار في وقت واحد، ويحقق الوفر والاقتصاد إذا التزمت آداب الصيام.
أَ - يجدد البنية، ويقوي الصحة، ويخلص الجسد من الرواسب
والتخمرات الضارة، ويريح الأعضاء، ويقوي الذاكرة إذا حزم الإنسان
أمره، وتفرغ لعمله الذهني دون أن يشغل نفسه بتذكر المتع الجسدية، ويجمع
ذلك كله قول النَّبي ◌َّ - فيما رواه أبو نعيم في الطب عن أبي هريرة -:
((صوموا تصحوا)). وهذا يكون بعد الأيام الثلاثة أو الأربعة الأولى عادة، بعد
أن يتعود الإنسان على الصوم، ويستعلي على حالات الاسترخاء في الفترة
الأولى من بدء الصيام.
وكل هذه الفوائد الجسدية والروحية والصحية والاجتماعية مشروطة
بالاعتدال في تناول وجبات الإفطار والسحور، وإلا أصبح الحال عكسياً،
وانقلب الأمر وبالاً وعناءً وضرراً إذا أتخم الإنسان معدته، ولم يعتدل في
طعامه وشرابه.
وكذلك يشترط في الصوم لتحقيق تلك الغايات عفة اللسان وغضّ البصر
والامتناع عن الغيبة والنميمة واللهو الحرام، كما قال عليه الصلاة والسلام
عن الله تعالی: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع
طعامه وشرابه من أجلي))(١) أي من أجل الله. وربَّ صائم ليس له من صومه
(١) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة.

٤٩٩
لُزُجُ (٢) - الْبَقَرّة: ١٨٣/٢ -١٨٥
إلا الجوع والعطش. فالإمساك عن المفطرات المعنوية مثل الإمساك عن
المفطرات المادية الحسية، سواء بسواء.
والصوم محدود في أيام معدودات معينة قليلة وهي شهر في العام كله، ويمر
عادة بنحو سريع؛ لأن أيام رمضان مباركة تفيض بالخير والإحسان، فهو كما
قال ﴿ - فيما رواه ابن خزيمة عن سلمان -: ((أوله رحمة، وأوسطه مغفرة،
وآخره عتق من النار))، وقال أيضاً - فيما رواه الطبراني عن ابن مسعود -:
((رمضان سيِّد الشهور))، ((لو علمت أمتي ما في رمضان من الخير، لتمنت أن
يكون السنة كلها)) رواه الطبراني وغيره عن أبي مسعود الغفاري.
فالمراد من الأيام المعدودات في رأي أكثر المحققين (ابن عباس والحسين
وأبي مسلم): شهر رمضان.
وليس الصوم واجباً إلا على المستطيع الصحيح المقيم، أما المسافر والمريض
مرضاً شديداً يشق معه الصوم، فيباح لهما الإفطار، وعليهما القضاء في أيام
أُخر من العام؛ لأن المرض والسفر الطويل وهو الذي يباح فيه قصر الصلاة
(وهو ٨٩ كم) مشقة، والمشقة تجلب التيسير، كما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ
بِكُمُ اُلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥/٢].
والمعتبر: السفر بسير الدواب المعتادة في الماضي، لا بوسائط النقل
والمواصلات السريعة اليوم، وقدره بعضهم بثلاثة أميال عملاً بما روى أحمد
ومسلم وأبو داود عن أنس قال: ((كان رسول الله وَلا- إذا خرج مسيرة ثلاثة
أميال أو ثلاثة فراسخ(١)، صلى ركعتين)) - يريد أنه يقصر الصلاة، فالعبرة
بقطع مثل هذه المسافة، لا بالزمن الذي تقطع فيه. وقدر الحنفية المسافة بثلاثة
أيام، وقدرها الجمهور بيومين معتدلين، وهي ذهاباً ستة عشر فرسخاً أو ثمانية
وأربعون ميلاً هاشمية، وهي تساوي حوالي٨٩ كم، عملاً بما رواه الشافعي
(١) الميل: ١٨٤٨ م، والفرسخ: ٣ أميال أو ٥٥٤٤ م.

٥٠٠
اِلُعُ (٢) - الْبَقَرة: ١٨٣/٢-١٨٥
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ((يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من
أربعة برد من مكة إلى عسفان)) والبريد: أربعة فراسخ.
وأكثر الأئمة (مالك وأبي حنيفة والشافعي) على أن الصوم للمسافر أفضل
إن لم يشق عليه. ويرى أحمد والأوزاعي أن الفطر أفضل عملاً بالرخصة.
ويشترط لجواز إفطار المسافر عند بدء السفر: أن يكون السفر في رأي الجمهور
(غير الحنابلة) قبل الفجر، فلوأصبح المقيم صائماً، فسافر، فلا يفطر، تغليباً
لجانب الحضر؛ لأنه الأصل. ولم يشترط الحنابلة هذا الشرط، لكن الأفضل
الصيام، خروجاً من الخلاف.
والذي يتحمل الصوم بمشقة شديدة كالشيخ الهرم والمريض مرضاً مزمناً،
والحامل والمرضع إن خافتا على أولادهما فقط، عليه عند الشافعي وأحمد
القضاء والفدية: وهي طعام مسكين. فإن خافتا على أنفسهما ولو مع
أولادهما، فعليهما القضاء فقط.
فمن تطوع وزاد في الفدية عن طعام مسكين لليوم الواحد، فهو خير له
وأكثر ثواباً. والتطوع: بأن يطعم أكثر من مسكين في اليوم، أو يطعم أكثر من
القدر الواجب، أو يصوم مع الفدية.
وصوم هؤلاء المعذورين خير لهم إن كانوا يعلمون وجه الخيرية فيه وكونه
لمصلحة المكلفين، إذا لم يتضرروا، لما روي أن أبا أمامة قال للنَّي وَِّ: مُرْني
بأمر آخذه عنك، قال: ((عليك بالصوم، فإنه لا مثل له)).
ثم بيّن الحق تعالى أن هذه الأيام القليلة هي شهر رمضان المبارك الذي بدئ
فيه بإنزال القرآن واستمر نزوله منجَّماً (مقسطاً) في ثلاث وعشرين سنة، الذي
هو هداية للناس إلى الصراط المستقیم، مع وضوح آیاته دون غموض، و كونها
فارقة بين الحق والباطل. وفشَر بعضهم نزول القرآن في شهر رمضان: بنزوله
ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وليلة القدر في رمضان هي
خير من ألف شهر.