النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
الُ (٢) - الْبَقَة: ١٧٧/٢
ومنهم الموكل بالجنة أو بالنار، ومنهم الموكل بالرياح والأمطار، ومنهم سدنة
العرش، ومنهم من يقبض الأرواح.
والإيمان بهم أصل للإيمان بالوحي والنبوة واليوم الآخر، ويتولى جبريل
عَلَى
١٩٣١
عليه السلام أمانة الوحي، كما قال الله تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
) بِلِسَانٍ عَرَبٍِّ ◌ُبِينٍ (9)﴾ [الشعراء: ١٩٣/٢٦-١٩٥]
قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ
[القدر: ٩٧ /٤].
وقال: ﴿فَنَّلُ الْمَلَتَبِكَةُ وَالرُّوحُ فِيَهَا بِذْنِ رَبِهِم مِّن كُلِّ أَمْيِ
والإيمان بالكتب السماوية (الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن) وبالصحف
المنزلة على الأنبياء السابقين: يتطلب الإيمان بجميعها دون تفرقة، ويقتضي
امتثال مافيها من أوامر، واجتناب ما جاءت به من نواهٍ. ويستدعي التزام كل
ما تضمنه القرآن الكريم؛ لأنه جاء مصدقاً لما بين يديه من الكتب ومهيمناً
علیھا.
والإيمان بالأنبياء جميعهم دون تفرقة بين نبي وآخر: يستلزم الاهتداء
بهديهم، والاقتداء بسيرتهم وأخلاقهم، والتأسي بهم فيما أمروا به أو نهوا
عنه.
والإيمان الصحيح لابد من أن يقترن بالعمل الصالح الذي يهذب النفس،
ويصحح العلاقات الاجتماعية، ويجعلها قائمة على أساس متين من المحبة،
والألفة، والمودة، والوحدة، والتعاون أو التضامن والتكافل الاجتماعي،
ويتمثل ذلك فيما يأتي:
إعطاء المال مع حبه للأصناف الآتية أصحاب الحاجات، رحمة بهم،
وشفقة عليهم، وعوناً للأخذ بأيديهم نحو حياة عزيزة كريمة تعتمد على الثقة
بالنفس، والعمل عند القدرة، والإنقاذ وقت الشدة والمحنة.
وهم ذوو القربى المحتاجون، فهم أحق الناس بالبر، بسبب رابطة الدم،
والإحساس بأحوالهم، والتأثر بأوضاعهم عن قرب، ولأن سعادة الإنسان

٤٦٢
الُرُ (٢) - الَفَرَةَ: ١٧٧/٢
الحقة لا تتم إلا بإشاعة السعادة لمن حوله، وتكون صلتهم محققة لهدفين: صلة
الرحم وثواب الصدقة، قال النبي ◌َّيقول: ((صدقتك على المسلمين صدقة، وعلى
ذي رحمك اثنتان)). وقد رتب النبي ◌َّ للمسلم طريق الإنفاق بحسب درجة
القرابة، فقال: ((ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول)).
واليتامى: وهم الذين فقدوا آباءهم ولا عائل لهم، هم في حاجة شديدة
للعون المادي للتغلب على قسوة الحياة المعيشية، ولمساعدتهم في شق طريق حياة
المستقبل أمامهم، إما بالتعلم، وإما بالحرفة أو المهنة الصناعية، وإما بغير
ذلك، حتى لا تفسد تربيتهم، فيصبحوا ضرراً على أنفسهم وعلى المجتمع.
والمساكين، والفقراء من باب أولى: وهم الذين لا دخل لهم أصلاً، بسبب
الفقر، أو لهم دخل لا يكفيهم بسبب المسكنة فيحتاجون إلى المساعدة. كما أن
القضاء على ظاهرة الفقر من ركائز النهضة والتقدم؛ لأن الحاجة قد تدفع
بصاحبها إلى الانحراف والإجرام، فيكون من مصلحة الجميع مؤازرتهم
ومعاونتهم، حتى يتقووا؛ إذ أن قوة الأمة بقوة أفرادها، وضعف الأمة
بضعف أبنائها.
وابن السبيل: الذي انقطع في أثناء سفره أو طريقه عن الوصول إلى بلده،
تكون مساعدته ومواساته ضرورية حتى يستقر به المقام في وطنه. وسمي بذلك؛
لأنه غريب، حتى لكأنه لا أب له ولا أم إلا الطريق.
والسائلون: الذين يسألون الناس إمدادهم بالمال، لشدة الحاجة. وأدب
السؤال أن يكون من غير إلحاف، وأن يكون بتعفف، كما قال الله تعالى:
يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣/٢] ولا تحل
الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة سوي، أي قادر على العمل كما جاء في الحديث
الثابت. وعليه أن يبحث عن العمل الشريف، وعلى الدولة أن توفر له عملاً،
سواء أكان ذكراً أم أنثى.

٤٦٣
الُعُ (٢) - الْبَغَة: ١٧٧/٢
وفي الرقاب: أي مساعدة الأرقاء على الحرية، ومعاونة الأسرى على
الفداء بالمال؛ لأن الرق والأسر عبودية وذل ومصادرة للحرية، والدين
يتشوف إلى إعتاق الأنفس، وإلى تحرير الناس، وإلى التخلص من قيد الرق
بمختلف الوسائل المادية ببذل المال، والمعنوية بالجاه والوساطة والشفاعة
الحسنة، وإطلاق سراح الأسرى نتيجة الحرب بالتبادل أو بالفداء المالي.
ومن البر: إقامة الصلاة أي أداؤها على أقوم وجه بإتمام الأركان
والشروط، مع استحضار القلب والتفكير في معاني التلاوة والأذكار،
واستذكار عظمة الإله المعبود، والخشوع والطمأنينة على الوجه الشرعي، فإذا
أديت الصلاة على وجهها المشروع، حققت آثارها، فهذبت النفس، وعودتها
على مكارم الأخلاق، وأبعدتها عن الرذائل، فلا ترتكب فاحشة ولا منكراً،
كما قال الله تعالى ﴿إِنَ الضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكِرِ﴾
[العنكبوت: ٢٩ /٤٥].
ومن خصال البر: إيتاء الزكاة أي إعطاء الزكاة المفروضة لمستحقيها
المذكورين في آية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِيْنِ﴾ [التوبة: ٦٠/٩]
ويلاحظ أنه قلما تذكر الصلاة في القرآن الكريم إلا وهي مقترنة بالزكاة؛ لأن
الصلاة تهذب الروح، والزكاة تطهر المال كما قال عز وجل ﴿خُذّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ
صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣/٩]. وقدر المأخوذ من زكاة الأموال
وأنواعها موضح في السنة.
ومن البر: الوفاء بالعهد: سواء عهد الله بالسمع والطاعة، أو عهد الناس
بالوفاء بالعقود والوعود والمعاهدات، مالم تخالف أوامر الدين، فلا يجب
الوفاء بالعهد إذا كان في معصية. والوفاء من آيات الإيمان الصحيح، والغدر
من آيات النفاق كما في الحديث: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا
وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) وإذا تساهل الناس في الوفاء بالتزاماتهم،
ضاعت الثقة فيما بينهم، وعاشوا في حيرة وقلق واضطراب، مما يلجئهم إلى
توثيق عقودهم بمختلف الوسائل، والاحتراس من الغدر ونقض العهد.

٤٦٤
الُ (٢) - الْبَقَرَة: ١٧٧/٢
والصبر وقت الشدة والفقر، وعند الضر من مرض وفقد أهل ومال وولد،
وفي ساحات القتال مع الأعداء: من البر والإيمان، فالصبر نصف الإيمان؛
لأنه يدل على الرضا بالقضاء والقدر، واحتساب الأجر عند الله، والاهتمام
بنصرة الدين في أثناء الجهاد، والصبر في هذه المواقف الثلاث عنوان الإيمان
الكامل، وقد ورد في الحديث الصحيح: أن الفرار من الزحف من السبع
الكبائر.
أولئك المتصفون بخصال البر السابقة هم الصادقون في الإيمان، وأولئك
هم الأتقياء بحق، الذين اتقوا غضب الله بالبعد عن المعاصي، الفائزون
برضوان الله وثوابه في الدار الآخرة. والحق أن من عمل بهذه الآية فقد كمل
إيمانه.
فقه الحياة أو الأحكام:
البر الجامع للخير: هو الذي اتصف صاحبه بالأوصاف المذكورة في هذه
الآية؛ لأن النبي وَلحلول لما هاجر إلى المدينة، وفرضت الفرائض، وحُوِّلت القبلة
إلى الكعبة، وحُدَّت الحدود، أُنزل الله هذه الآية، فقال تعالى: ليس البر كله
أن تصلُّوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البر أي ذا البر: من آمن بالله، إلى
آخرها.
قال العلماء: هذه آية عظيمة من أمهات الأحكام؛ لأنها تضمنت ست
عشرة قاعدة: الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، والنشر والحشر والميزان
والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار، والملائكة، والكتب المنزلة وأنها
حق من عند الله، والنبيين، وإنفاق المال في الأحوال الواجبة والمندوبة،
وإيصال القرابة وترك قطعهم، وتفقد اليتيم، وعدم إهماله، والمساكين كذلك،
ومراعاة ابن السبيل (المنقطع به، وقيل: الضيف)، والسائلين، وفك
الرقاب، والمحافظة على الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهود، والصبر في
الشدائد.
:

٤٦٥
لُ (٢) - البَقَة: ١٧٧/٢
وللعلماء قولان في إعطاء اليتيم: قيل: لا يعطى حتى يكون فقيراً، وقيل:
يعطى بمجرد اليُتْم على وجه الصلة وإن كان غنياً.
وقوله تعالى: ﴿وَءَاتَ اُلْمَالَ عَلَى حُبِّهِ،﴾ يحتمل أن يراد به الصدقة الواجبة
(الزكاة) وأن يراد به التطوع، قال الجصاص: وليس في الآية دلالة على أنها
الواجبة، وإنما فيها حث على الصدقة ووعد بالثواب عليها؛ لأن أكثر ما فيها
أنها من البر، وهذا لفظ ينطوي على الفرض والنفل، إلا أن في سياق الآية
ما يدل على أنه لم يرد به الزكاة، لقوله تعالى ﴿ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ﴾
فلما عطف الزكاة عليها، دل على أنه لم يرد الزكاة بالصدقة المذكورة قبلها(١).
وكذلك ابن العربي قال: ليس في المال حق سوى الزكاة، وقد كان الشعبي
فيما يؤثر عنه يقول: في المال حق سوى الزكاة، ويحتج بحديث يرويه
الدار قطني عن فاطمة بنت قيس أن النبي ◌َّ قال: ((في المال حق سوى الزكاة))
وهذا ضعيف لا يثبت عن الشعبي، ولا عن النبي وَلَّ(٢)، وليس في المال حق
سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة، ونزلت بعد ذلك حاجة، فإنه يجب
صرف المال إليها باتفاق العلماء. أي أن المراد بقوله: ﴿ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ،﴾
إيتاء المال تطوعاً، والمراد بقوله ﴿وَءَاتَى الزَّكَوَةَ﴾ إيتاء الزكاة المفروضة.
وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك
أموالهم، وكذا إذا منع الوالي الزكاة، فهل يجب على الأغنياء إغناء الفقراء؟
مسألة نظر، أصحها عندي وجوب ذلك عليهم(٣).
وقال القرطبي: استدل بالآية: ﴿ وَءَاتَ اُلْمَالَ عَلَى حُبِّهِ،﴾ من قال: إن في
المال حقاً سوى الزكاة، وبها كمال البر، وقيل: المراد الزكاة المفروضة،
(١) أحكام القرآن: ١٣١/١
(٢) وأخرجه أيضاً ابن ماجه في سننه، والترمذي وقال: ((هذا حديث ليس إسناده بذاك، وأبو
حمزة ميمون الأعور يُضَعَّف.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي: ٥٩/١-٦٠
٠

٤٦٦
الُ (٢) - البَفَرَة: ١٧٧/٢
والأول أصح، للحديث المتقدم: ((إن في المال حقاً سوى الزكاة)). والحديث
وإن كان فيه مقال، فقد دل على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى:
﴿ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ﴾ فذكر الزكاة مع الصلاة، وهو دليل على أن
المراد بقوله: ﴿ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ،﴾ ليس الزكاة المفروضة، فإن ذلك كان
يكون تكراراً، والله أعلم(١).
وعلى كل فإن إيتاء المال فضلاً عن الزكاة، مع حب المال أمر مرغب فيه
شرعاً بلا شك عملاً بهذه الآية، وبحديث أبي هريرة قال: ((جاء رجل إلى
النبي ◌َّهِ، فقال: يارسول الله، أي الصدقة أفضل؟ فقال: أن تصدّق وأنت
صحيح شحيح، تخشى الفقير، وتأمل الغنى، ولا تمهل، حتى إذا بلغت
الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان)). وعن ابن مسعود
في قوله تعالى: ﴿وَءَاتَى اُلْمَالَ عَلَى حُبِّهِ،﴾ قال: أن تؤتيه وأنت صحيح، تأمل
العيش، وتخشى الفقر.
ويؤيد الاتجاه الأول القائل بأن إيتاء المال على حبه هو تطوع حديث:
«نسخت الزكاة کل صدقة)) يعني وجوبها.
ويكون لإنفاق المال صورتان: صورة الزكاة المفروضة: وهي إعطاء المال
على كيفية مخصوصة، وبقدر معين. وصورة الزكاة المطلقة: وهي إعطاء المال
من غير تقييد بمقدار معين ولا تحديد بامتلاك نصاب، بل ترك تقييده وتحديده
لحال الأمة وأفرادها. فإذا ما أعطي المال بصورتيه، أمكننا القضاء على ظاهرة
الفقر، وحققنا المقصود من التكافل الاجتماعي في الإسلام، وحينئذ نستغني
عن استيراد المبادئ الاشتراكية الغربية أو الشرقية التي ظهرت لعلاج عيوب
الرأسمالية الطاغية، وأمكننا الوصول إلى الحل الوسط المعقول الذي لا يقوم
. (١) تفسير القرطبي: ٢٤١/٢-٢٤٢

٤٦٧
الُ (٢) - البَقَرَة: ١٧٨/٢-١٧٩
على الإجبار والإكراه أو نزع الملكية جبراً عن الملاك ودون تعويض، وإنما
يتوخى الإبقاء على علاقات الود والحب والتعاطف بين الأغنياء والفقراء،
ويعتمد على المنهج الأمثل الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، قال الله تعالى: ﴿ وَلَا
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرًا لَهُمَّ بَلْ هُوَ شَرٌ لَهُمَّ
سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ اُلْقِيَمَةُ وَلِلَّهِ مِيَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاللَّهُ بِمَا
﴾ [آل عمران: ١٨٠/٣] أي لا تحسبن البخل خيراً لهم، بل هو
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
شر لهم.
وأما إعطاء المساكين: فهم الذين لا يسألون، وأما السائلون فهم الذين
كشفوا وجوههم، وقد صح عن النبي ◌َّ أنه قال: ((ليس المسكين الذي تردّه
اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنی یغنیه،
ولا يفطن له، فيتصدق عليه)).
وفي الرقاب: قال مالك والشافعي: هم عبيد يعتقون قربة. وقال أبو
حنيفة: إنهم المكاتبون يعانون في فك رقابهم. والصحيح أنه عام.
وأما الوصف البارز الذي توَجَّهَ به الله تعالى لمن اتصف بصفات البر في الآية
فهو: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾ وصفهم بالصدق والتقوى في
أمورهم والوفاء بها، وأنهم كانوا جادّين في الدين، وهذا غاية الثناء.
مشروعية القصاص وحكمته
بَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَعْلِىّ الْخُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ
وَالْأُنثَى بِآلْأُنثَّ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ ذَلِكَ
تَغْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِمُ ﴿ وَلَكُمْ فِى
الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَأُوْلِى الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
١٧٩

٤٦٨
لُ (٢) - الْبَقَرَة: ١٧٨/٢ -١٧٩
الإعراب:
﴿فَمَنْ عُفِىَ لَّهُ﴾ الضمير يعود إلى ﴿فَمَنْ﴾ وكذا ضمير ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ يعود.
على ﴿فَمَنْ﴾، وفيه حذف: تقديره: من حق أخيه، فحذف المضاف وأقيم
المضاف إليه مقامه. والأخ: يراد به ولي المقتول . ﴿شَىْءٌ﴾ يراد به دم القتيل.
وشيء: مرفوع نائب فاعل لفعل ﴿عُفِىَ﴾. ﴿ وَلَكُمْ فِىِ اُلْقِصَاصِ﴾ أي لكم في
هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة.
البلاغة:
﴿فَانِّبَاعٌ﴾ و﴿وَأَدَآءٌ﴾ و﴿اَلْخُرُ﴾ و﴿ وَالْعَبْدُ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
(كُتِبَ﴾ فرض عليكم، ولزم عند مطالبة صاحب الحق به، كقوله تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣/٢] ومنه الصلوات المكتوبات.
﴿ اَلْقِصَاصِ﴾ المماثلة في القتلى وصفاً وفعلاً، أي أن يفعل بالجاني مثل ما فعل
بالمجني عليه، يعني أن يقتل القاتل؛ لأنه مساوٍ للمقتول في نظر الشرع . ﴿فى
اُلْقَتْلَى﴾: بسبب القتلى، جمع قتيل، كالصرعى جمع صريح، وإنما يكون فعلى
جمعاً لفعيل: إذا كان وصفاً دالاً على الزمانة. ﴿الْخُرُّ بِالْحُرِّ﴾ إلخ أي يقتل الحر
بالحر ولا يقتل بالعبد، ويقتل العبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، وبينت السنة أن
الذكر يقتل بالأنثى، وأنه تعتبر المماثلة في الدين، فلا يقتل مسلم ولو عبداً
بكافر ولو حراً، وهو رأي الجمهور غير الحنفية.
﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ أي من عفي له من جهة ولي الدم شيء من
العفو، والعفو يطلق على معان، المناسب منها هنا اثنان: العطاء، والإسقاط
والترك. ﴿فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي فليكن مطالبة للدية بالمعروف بلا تعسف ولا
عنف ومن غير شطط ﴿ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ أي وتأدية من جهة الجاني للمجني

٤٦٩
الُرُ (٢) - الْبَقَرّة: ١٧٨/٢ -١٧٩
عليه من غير مماطلة ولا تعب ولا بخس حق . ﴿ذَلِكَ﴾ الحكم المذكور من
العفو والدية.
ے
﴿تَخْفِيفٌ﴾ تسهيل . ﴿ وَرَحْمَةٌ﴾ بكم، حيث وسع في ذلك، ولم يحتم واحداً
منهما كما حتم القصاص على اليهود، والدية على النصارى.
﴿فَمَنِ أُعْتَدَى﴾ أي انتقم من القاتل بعد العفو.
﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل ﴿اَلْأَلْبَابِ﴾
جمع لب: وهو العقل.
سبب النزول:
هناك روايتان في سبب نزول هذه الآية (١٧٨) (١): فروي عن قتادة
والشعبي وجماعة من التابعين: أنه كان من أهل الجاهلية بغي وطاعة
للشيطان، فكان الحي إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبد قوم آخرين عبداً
لهم، قالوا: لا نقتل به إلا حراً، اعتزازاً بأنفسهم على غيرهم. وإن قتلت لهم
امرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلاً، فأنزل الله هذه الآية، يخبرهم أن العبد
بالعبد، والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البغي.
ثم أنزل الله تعالى في سورة المائدة بعد ذلك: ﴿وَكَثَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِأَلْسِنِّ
وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾ [المائدة: ٤٥/٥].
وروي عن السُّدِّي أنه قال في هذه الآية: اقتتل أهل ملتين من العرب،
أحدهما مسلم والآخر معاهد، في بعض ما يكون بين العرب من الأمر،
فأصلح بينهم النبي ◌َّ - وقد كانوا قتلوا الأحرار والعبيد والنساء - على أن
يؤدي الحر دية الحر، والعبد دية العبد، والأنثى دية الأنثى، فقاصهم بعضهم
من بعض. فنزلت الآية لتأييد حكمه.
(١) تفسير القرطبي: ٢٤٥/٢، تفسير ابن كثير: ٢٠٩/١، أسباب النزول للواحدي: ص ٢٦
.

٤٧٠
لُعُ (٢) - البَََّة: ١٧٨/٢ -١٧٩
التفسير والبيان:
كانت عقوبة القاتل قبل الإسلام متعددة الأنواع، فعند اليهود القصاص،
وعند النصارى الدية، وعند عرب الجاهلية تشيع عادة الأخذ بالثأر، فيقتل
غير القاتل، وقد يقتلون رئيس القبيلة، أو أكثر من واحد من قبيلة القاتل،
وربما طلبوا بالواحد عشرة، وبالأنثى ذكراً وبالعبد حراً.
ثم قرر الإسلام أخذاً بالعدل والمساواة عقوبة القصاص؛ لأنها تزجر
الناس عن ارتكاب جريمة القتل، وما تزال هذه العقوبة هي الزاجرة في عصرنا
الحاضر، إذ أن السجن لا يزجر كثيراً من المجرمين سفاحي الدماء. وتشريع الله
هو الأعدل والأحكم والأسدُّ، لأن الله أعلم بما يصلح الناس، وبما يربي
الأمم والشعوب. وأباح الشرع أخذ الدية بدلاً عن القصاص.
ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم القصاص بسبب القتلى،
فتقتصوا من القاتل بمثل ما فعل في القتيل، ولا يبغين بعضكم على بعض، فيقتل
الحربالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، مثلاً بمثل، ودعوا الظلم الذي كان
بينكم، فلا تقتلوا بالحر أكثر من واحد، ولا بالعبد حراً، ولا بالأنثى رجلاً.
وبينت السنة أن الذكر يقتل بالأنثى، والحر بالعبد إذا لم يكن سيده.
فالعدل مطلوب في القصاص، والمساواة شرط فيه، فلا يقتل الكثير
بالقليل، ولا السيد بالمسود، وإنما ينحصر بالقاتل، لا يتجاوزه إلى أحد أفراد
قبيلته، أو أقاربه، أو عشيرته.
فمن عفي له عن جنايته من جهة أخيه ولي الدم، حتى ولو كان واحداً من
أولياء الدم أو القتيل: وهم عصبته الذين يعتزون بوجوده، ويألمون لفقده،
بأن كان العفو من القصاص إلى الدية، فيجب على العافي وغيره أن يحسن في
الطلب من غير إرهاق ولا تعنيف، وعلى المؤدي الأداء من غير مطلٍ ولا
تسويف. كما يجوز العفو عن الدية أيضاً، لقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى
أَهْلِهِ إِلََّ أَن يَضَدَّقُواْ﴾ [النساء: ٩٢/٤].

٤٧١
لُ (٢) - البَفُقَرّة: ١٧٨/٢-١٧٩
ذلك الحكم الذي شرعناه من العفو عن القاتل إلى الدية أو بدون دية:
تخفيف وتسهيل ورخصة من ربكم، ورحمة لكم، وأي رحمة أفضل من الإبقاء
على الحياة وعدم سفك الدماء. ولم يكن أخذ الدية مشروعاً عند اليهود، وليس
لأولياء المقتول إلا القصاص. فمن اعتدى بعد أخذ الدية وقتل القاتل، أو
تجاوز ماشر عناه وعاد إلى عادة الجاهلية، فله عذاب شديد الألم يوم القيامة.
فالتخفيف بالعفو بنوعيه قائم؛ لأن أهل التوراة لهم القصاص، وأهل الإنجيل
لهم العفو بلا دية.
وحكمة القصاص: أنه يساعد على توفير الحياة الهانئة المستقرة للجماعة،
ويزجر القاتل وأمثاله، ويقمع العدوان، ويخفف من ارتكاب جريمة القتل، إذ
من علم أنه إذا قتل غيره قتل به، امتنع عن القتل، فحافظ على الحياتين: حياة
القاتل والمقتول، كما أن القصاص يمنع انتشار الفوضى والتجاوز والظلم في
القتل، ويحصر الجريمة في أضيق نطاق ممكن، ويشفي غليل ولي القتيل،
ويطفئ نار غيظه، ويستأصل من نفسه نار الشر والحقد والتفكير بالثأر. قال
ابن كثير: معنى قوله: وفي شرع القصاص لكم وهو قتل القاتل حكمة
عظيمة: وهي بقاء المهج وصونها؛ لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل، انكف عن
صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس.
والذي يقدر حق الحياة المقدسة، ويفقه سر التشريع بالقصاص وما يحققه
من مصلحة عامة وخاصة، هم العقلاء، فعليهم إدراك الحكمة وفهم دقائق
الأحكام الشرعية. فإذا فهم العقلاء أن القصاص سبب للحفاظ على
الحياة(١)، وحذّروا الناس من جريمة القتل، اتقوا القتل وسلموا من
القصاص، فالمراد هنا من ﴿تتقون﴾ اتقاء القتل، فتسلمون من القصاص، إذ
العاقل يحرص على الحياة، ويحترس من تطبيق القصاص.
(١) قال أبو حيان في (البحر المحيط ١٥/٢) المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو
القصاص حياة عظيمة أو نوع من الحياة، وهو الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل، لوقوع
العلم بالاقتصاص من القاتل.

٤٧٢
الجزءُ (٢) - الْبَقَرة: ١٧٨/٢ -١٧٩
وقد اتفق علماء البلاغة إلا من شذ للوثة في عقله وهوى في نفسه، على أن
عبارة: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ﴾ أبلغ وأحكم وأفصح وأوجز، وأوفى بالمقصود
من كلام فصحاء العرب: ((القتل أنفى للقتل))؛ لأن كل قصاص فيه صون
الحياة، أما القتل فقد يكون ظلماً، فيصبح أدعى للقتل، وسبباً في زيادته، ولا
ينفي القتل إلا إذا كان عدلاً، وأما القصاص عقوبة فهو عدل دائماً؛ لأنه لا
يصدر عن القاضي الحكم به إلا بعد توافر الإثباتات اللازمة على جريمة
القاتل، فهو النافي للقتل حقيقة. والآية القرآنية جعلت سبب الحياة للجماعة
القصاص؛ لأنه قائم على التماثل والعدل والمساواة. والعقاب في محله عدل
محض، أما الكلمة العربية في الجاهلية فجعلت سبب الحياة القتل مع أن القتل
لا يستلزم الحياة، ثم إن هذه الكلمة فيها تكرار لفظ القتل، والآية خالية من
التكرار اللفظي. ويمكن تصحيح العبارة العربية بأن يقال: القتل قصاصاً أنفى
للقتل ظلماً.
والخلاصة: أن الآية أخص، وأن ظاهر العبارة محال: وهو أن القتل سبب
في نفي القتل، أما القصاص فهو سبب الحياة، وأن القتل ظلماً قتل وليس
نافياً للقتل بل هو أدعى للقتل.
فقه الحياة أو الأحكام:
امتازت الشريعة الإسلامية بأنها جمعت بسبب جريمة القتل بين تشريع
القصاص الذي كان في بني إسرائيل، وبين تشريع الدية الذي كان في
النصارى، وأصبح الخيار مقرراً بين القصاص والدية والعفو مطلقاً عن أي
شيء. بل إن الإسلام حض على العفو في آيات كثيرة. منها: ﴿ وَأَنْ تَعْفُواْ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧/٢] ومنها: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا
بِالْحَقِّ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فىِ الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ
"[الإسراء: ٣٣/١٧] وكذلك هذه الآية: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ
مَنصُورًا
شَىْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨/٢] ذكّرت المؤمنين بالأخوة التي تدعوهم إلى العفو،

٤٧٣
الُ (٢) - الْبَقَة: ١٧٨/٢ -١٧٩
وبددت من أنفسهم عوامل الغيظ والحقد، فيعطف الأخ على أخيه، ويتسامى
عن أحقاده، فيصفح ويسمح عنه.
أما إن أراد ولي الدم القصاص، فعلى القاتل الاستسلام لأمر الله والانقياد
القصاصه المشروع، وهذا فرض عليه، كما أنه فرض على الولي الوقوف عند
قتل القاتل، وترك التعدي على غيره، كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير
القاتل، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام ((إن من أعتى الناس على الله يوم
القيامة ثلاثة: رجل قتل غير قاتله، ورجل قتل في الحرام، ورجل أخذ
بذحول(١) الجاهلية)) ودلت الآية على مراعاة المماثلة في الحرية والعبودية
والأنوثة، قال مالك: أحسن ما سمعت في هذه الآية أنه يراد به الجنس: الذكر
والأنثى سواء فيه. واتفق العلماء على ترك ظاهر: ﴿ وَالْأُنثَى بِالْأُنْفَنَّ﴾.
وإنهاء لعادة الأخذ بالثأر، لم يسمح الشرع للأفراد أن يطبقوا القصاص
بأنفسهم، وإنما حصر تطبيق القصاص وإقامة الحدود بولاة الأمور؛ لأن الله
سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ولا يتهيأ للمؤمنين جميعاً أن يجتمعوا
على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من
الحدود، منعاً من الوقوع في الفوضى وتجاوز الحق والعدل، وليس القصاص
بلازم، إنما اللازم ألا يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الاعتداء،
ويجوز العفو عن القصاص إلى الدية أو بلا دية.
مسائل فقهية:
اً - قتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر:
اختلف الفقهاء في مسألتين هما: قتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي.
فاشترط الجمهور التكافؤ بين القاتل والمقتول في الإسلام والحرية، فلا يقتل
-
(١) الذحل: العداوة والحقد، أو الثأر وطلب المكافأة على الجناية الواقعة عليه.

٤٧٤
◌ِلُرُ (٢) - الْبَقَرة: ١٧٨/٢ -١٧٩
مسلم بكافر ولا حر بعبد، ولم يشترط الحنفية التكافؤ في الحرية والدين، وإنما
يكفي التكافؤ أو التساوي في الإنسانية، فيقتل المسلم بالكافر والحر بالعبد.
استدل الجمهور بقول النبي ◌َ ◌ّ - فيما رواه أحمد وأصحاب السنن إلا
النسائي - عن عبد الله بن عمرو: ((لا يقتل مسلم بكافر)) ورواه البخاري عن
علي أيضاً، وبقوله عليه الصلاة والسلام في العبد - فيما رواه الدارقطني
والبيهقي - عن ابن عباس مرفوعاً: ((لا يقتل حر بعبد)).
واستدل الحنفية بعموم آيات القصاص بدون تفرقة بين نفس ونفس، مثل
قوله تعالى: ﴿كُنِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصَاصُ فِ اَلْقَبْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨/٢] وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا
عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥/٥].
أما آية ﴿الْخُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْنَى بِآلْأُنثَىَّ﴾ بعد قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ
اَلْقِصَاصُ فِى الْقَئِلَى﴾: فالمراد بها عند الحنفية الرد على ما كان يفعله بعض
القبائل، من أنهم يأبون أن يقتلوا في عبدهم إلا حراً، وفي امرأتهم إلا رجلاً،
فأبطل ما كان من الظلم، وأكد فرض القصاص على القاتل دون غيره، فليس
في الآية دلالة على أنه لا يقتل الحر بالعبد، أو أنه لا يقتل الرجل بالمرأة؛ لأن
الله أوجب قتل القاتل بصدر الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَنْلِ﴾ وهذا
يعم كل قاتل، سواء أكان حراً قتل عبداً أم غيره، وسواء أكان مسلماً قتل
ذمياً أم غيره. ثم جاءت آية: ﴿اَلْهُّ بِالْخُ﴾ لبيان ما تقدم ذكره على وجه
التأکید.
وقال الجمهور: إن الله قد أوجب أولاً المساواة في القصاص، ثم بين
المساواة المعتبرة، فأوضح أن الحر يساويه الحر، والعبد يساويه العبد، والأنثى
تساويها الأنثى، لكن جاء الإجماع مستنداً إلى السنة النبوية على أن الرجل يقتل
بالمرأة.
فمناط الاستدلال عندهم كلمة ﴿اَلْقِصَاصِ﴾ الموجبة للمساواة والمماثلة في

٤٧٥
الُزْءُ (٢) - الْبَقَة: ١٧٨/٢ -١٧٩
القتل. ومناط الاستدلال عند الحنفية كلمة ﴿اُلْقَنْلَى﴾ الموجبة حصر القصاص
في القاتل لا في غيره.
وإذا كان الحر لا يقتل بالعبد - في رأي الجمهور - فالمسلم لا يقتل
بالذمي، لأن نقص العبد بِرِقِّه الذي هو من آثار الكفر، فلا يقتل المسلم
بالكافر.
ويظهر أن رأي الحنفية يحقق الانسجام بين صدر الآية وعجزها، فيكون
العبد مساوياً للحر، ويكون المسلم مساوياً للذمي في الحرمة؛ لأنه تحقون الدم
على التأبيد. أما رأي الجمهور فلا يحقق الانسجام بين بداية الآية ونهايتها، إذ
أنهم قرروا ألا يقتل الحر بالعبد، وأن الرجل يقتل بالأنثى وبالعكس.
لكن السنة النبوية أوجبت النظر في الآية، فقال الجمهور: جاءت الآية
مبينة حكم النوع إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر إذا قتل حراً، والعبد إذا قتل
عبداً، والأنثى إذا قتلت أنثى، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر،
فالآية محكمة، وفيها إجمال بينه النبي ◌َّ- بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة، ولم يجز
قتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر.
ويعضد ما ذهب إليه الحنفية من شرع قتل المسلم بالذمي: ما رواه
الطحاوي عن محمد بن المنكدر: أن النبي وَلّ أقاد مسلماً بذمي، وقال: ((أنا
أحق من وفى بذمته))، وروي عن عمر وعلي قتل المسلم بالذمي، وقال علي:
((إنا أعطيناهم الذي أعطيناهم(١)، لتكون دماؤهم كدمائنا ودیاتهم كدياتنا)).
وتأول الحنفية حديث ((لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد بعهده)) بأنه لا
يقتل المسلم والمعاهد بكافر حربي، لأن المعاهد يقتل بمن كان معاهداً مثله من
(١) أي العهد والأمان.

٤٧٦
الُعُ (٢) - البَفَرَة: ١٧٨/٢ -١٧٩
الذميين إجماعاً، فيلزم أن يقيد الكافر في المعطوف عليه بالحربي، كما قيد
بالمعطوف؛ لأن الصفة بعد متعدد ترجع إلى الجميع اتفاقاً، ويكون التقدير: لا
يقتل مسلم بكافر حربي، ولا ذو عهد بكافر حربي؛ لأن الذمي إذا قتل ذمياً
قتل به، فعلم أن المراد به: الحربي، إذ هو الذي لا يقتل به مسلم ولا ذمي.
ورد الجمهور بأن حديث ((أنا أحق من وفى بذمته)) مرسل عن النبي ◌َِّ،
ورواه عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عمر، وهو ضعيف الحديث، لا تقوم
به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله؟! وقال الدار قطني: ((لم يسنده
غير إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك الحديث)).
وأما حديث ((ولا ذو عهد في عهده)) فهو كلام تام، لا يحتاج إلى تقدير،
وهي جملة مستأنفة، لبيان حرمة دماء أهل الذمة، والعهد بغير نقض.
لاً - قتل الرجل بالمرأة:
نصت الآية على قتل الأنثى بالأنثى، ولم تبين حكم قتل الرجل بالمرأة
وبالعكس.
فقال الحسن البصري وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة، لهذه الآية.
وقال الليث بن سعد: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة.
وخالفهم الجمهور فقرروا أنه يقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، لآية
المائدة: ﴿وَكَنَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥/٥]، ولقوله عليه
الصلاة والسلام - فيما رواه البخاري وأحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه
من حديث أبي جحيفة -: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم)).
ويسوى بين الرجل والمرأة في القصاص بالنفس وفيما دون النفس من
الأعضاء في رأي مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبي ثور. وقال

٤٧٧
الزُعُ (٢) - البَقَة: ١٧٨/٢ -١٧٩
حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة: لا قصاص بينهما فيما دون النفس، وإنما هو
في النفس بالنفس. قال القرطبي: وهما محجوجان بإلحاق ما دون النفس
بالنفس على طريق الأحرى والأولى.
◌َ - قتل الوالد بالولد:
قال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في الرجل يقتل ابنه عمداً، وموجز
الخلاف هو مايأتي. قال الجمهور غير مالك: لا قَوَد (قصاص) عليه، وعليه
ديته، لما رواه الترمذي وابن ماجه والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
أن النبي گۆ قال: «لا يُقاد الوالد بالولد» وهو حديث مشهور.
وقال مالك: إذا قتل الرجل ابنه متعمداً، مثل أن يضجعه، ويذبحه، أو يَصْبِرَه
(يحبس ويرمى حتى يموت) مما لا عذر له فيه، ولا شبهة في ادعاء الخطأ، يقتل به.
أما إذا رماه بالسلاح أو بالعصا بقصد التأديب، أو في حالة غضب، فقتله، لا
يقتل به؛ لأن شبهة الأبوة قائمة شاهدة بعدم القصد إلى القتل.
٤ - قتل الجماعة بالواحد:
قال الظاهرية: لا تقتل الجماعة بالواحد؛ لظاهر الآية، التي شرطت
المساواة والمماثلة، ولا مساواة بين الواحد والجماعة، لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا
عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥/٥].
والجواب أن المراد بالقصاص في الآية قتل من قَتَل كائناً من كان، رداً على
العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قُتِل من لم يقتل، وتقتل في مقابلة الواحد
مئة، افتخاراً واستظهاراً بالجاه والمقدرة، فأمر الله سبحانه بالعدل والمساواة،
وذلك بأن يُقتل من قتل.
وذهب أئمة المذاهب الأربعة: إلى أنه تقتل الجماعة بالواحد، قلّت الجماعة
أو كثرث، سداً للذرائع، فلو لم يقتلوا لما أمكن تطبيق القصاص أصلاً، إذ
يتخذ الاشتراك في القتل سبباً للتخلص من القصاص. وقد قتل عمر رضي الله

٤٧٨
لِلُعُ (٢) - البَقَة: ١٧٨/٢ -١٧٩
عنه سبعة برجل بصنعاء، وقال: ((لو تمالأ عليه أهل صنعاء، لقتلتهم به جميعاً))
وقتل علي رضي الله عنه الحرورية (الخوارج) بعبد الله بن خبَّاب(١).
وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن رسول الله وَيه
قال: ((لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن، لأكبهم الله في
النار)) وقال فيه: حديث غريب.
٥ - المماثلة في تطبيق القصاص (أداة القصاص):
للعلماء اتجاهان في كيفية استيفاء القصاص، فذهب مالك والشافعي إلى أن
آية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ يقتضي المماثلة في كيفية القتل، فيقتص من
القاتل على الصفة التي قتل بها، فمن قتل تغريقاً، قتل تغريقاً. ومن قتل بحجر
قتل به، بدليل حديث أنس الذي رواه الشيخان (البخاري ومسلم) أن النبي
وَلّر ((رضّ رأس يهودي بين حجرين، كان قد قتل بهما جارية من الأنصار)).
وذهب الحنفية، والحنابلة في الأصح عندهم إلى أن المطلوب بالقصاص
إتلاف نفس بنفس، والآية لا تقتضي أكثر من ذلك، فعلى أي وجه قتله، لم
يقتل إلا بالسيف، لحديث النعمان بن بشير الذي رواه ابن ماجه والبيهقي
والدارقطني أن رسول الله وَل ري قال: ((لا قود إلا بالسيف))، ولحديث عمران
ابن حصين وغيره أن النبي ◌َّة ((نهى عن المثلة)) وحديث شداد بن أوس أن
رسول الله ﴿ه قال - فيما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن -: ((إن الله
كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا
الذِّتْجة)) فأوجب عموم لفظه على من رغب في القصاص أن يقتل الجاني بأحسن
وجوه القتل.
٩ - أخذ الدية من قاتل العمد:
هناك نظريتان، فذهب مالك في رواية أشهب والشافعي وأحمد: إلى أن ولي
٠
(١) خرَّج الحدیثین الدارقطني في سننه.

٤٧٩
الُزُ (٢) - البَفَرَة: ١٧٨/٢ -١٧٩
المقتول بالخيار إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية، وإن لم يرض القاتل؛
لحديث أبي شريح الخزاعي عام الفتح الذي رواه أحمد عن النبي وَّ قال: ((من
قُتل له قتيل، فله أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية)) ولأن فرضاً على القاتل
إحياء نفسه، بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَفْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾. وعلى هذا يكون موجب
القتل العمد أحد أمرين: إما القصاص، وإما العفو إلى الدية، فأيهما اختار
الولي، أجبر الجاني عليه.
وذهب أبو حنيفة، ومالك في رواية ابن القاسم، وهو المشهور عنه: إلى أنه
ليس لولي المقتول إلا القصاص، ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل، إذ ليس
في الآية سوى إباحة العفو أي العطاء، أي فمن أعطي له من أخيه شيء من
المال، فليتبعه بالمعروف، وليؤد إليه الجاني، وليس فيها ما يدل على إلزام
القاتل بالدية إذا رضيها الولي. واحتجوا بحديث أنس في قصة الرُّبِيِّع(١) حين
كسرت ثنية المرأة، فلما حكم رسول الله و له بالقصاص، وقال: ((القصاص:
كتاب الله، القصاص: كتاب الله)) ولم يخير المجني عليه بين القصاص والدية،
ثبت أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسوله في العمد هو القصاص.
قال القرطبي: والأول - أي الاتجاه الأول - أصح؛ لحديث أبي شريح
المذكور.
لاً - هل للنساء عفو؟
ذهبت طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو، منهم الحسن البصري
وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي. وخالفهم بقية العلماء،
وقالوا: يجوز للنساء العفو عن القصاص.
(١) هي عمة أنس بن مالك، والحديث رواه الأئمة.

٤٨٠
الُُ (٢) - البَفَرَة: ١٧٨/٢ -١٧٩
٨ - هل الاتباع بالمعروف والأداء واجب أو مندوب؟
إِن آية ﴿فَأَنِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍّ﴾ حض من الله تعالى على حسن
الاقتضاء من الطالب، وحسن القضاء من المؤدي، وقراءة الرفع ﴿فَأَنْبَاعٌ﴾
تدل على الوجوب؛ لأن المعنى: فعليه اتباع بالمعروف. قال النحاس: ﴿فَمَنْ
عُفِىَ لَهُ﴾ شرط، والجواب: ﴿فَانِّبَاعٌ﴾ وهو رفع بالابتداء، والتقدير: فعليه
اتباع بالمعروف. مثل قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾. وعلى قراءة النصب:
(فَاتَّبَاعَاً) يكون الطلب على سبيل الندب.
١ - حكم القاتل بعد أخذ الدية:
من قتل بعد أخذ الدية، فحكمه عند جماعة من العلماء، منهم مالك
والشافعي: كمن قتل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا عنه، وعذابه
في الآخرة.
وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم: عذابه أن يقتل ألبتة، ولا يمكِّن
الحاكمُ الوليّ من العفو. روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول
الله وَلّ: ((لا أَعْفى (١) من قَتَل بعد أخذ الدية)).
وقال الحسن البصري: عذابه أن يرد الدية فقط، ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة.
وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يصنع فيه ما يرى.
. أ - القصاص للحاكم:
اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه، دون
السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما ذلك للسلطان أو
من نصبه السلطان لذلك.
(١) أعفى: من عفا الشيء: إذا كثر وزاد، وهذا دعاء عليه، أي لا كثر ماله ولا استغنى.