النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
لُ (٢) - البَقَرَة: ١٥٣/٢ -١٥٧
بالاستعانة بالصبر والصلاة، إذ في الصبر تقوية الإرادة وتحمل المشقة والثبات
على المصاعب، وأن الله مع الصابرين، أي بالعون والنصرة والرعاية
والتأييد، فلما فرغ سبحانه من بيان الأمر بالشكر، شرع في بيان الصبر،
والإرشاد والاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة
فيشكرها، أو في نقمة فيصبر عليها.
وأما الاستعانة بالصلاة فلأنها أم العبادات، وهي طريق الصلة بالله
ومناجاته واستشعار هيبة الله وجلاله، وهي مفزع الخائفين، وسبيل تفريج
كرب المكروبين، واطمئنان نفوس المؤمنين، قال وهي: ((جعلت قرة عيني في
الصلاة)).
وإذا استعان المؤمن بالصبر والصلاة التي تملأ القلب خشية وخشوعاً لله،
وتبعد النفس عن الفواحش والمنكرات، هانت عليه المصاعب، وتحمل كل
شدة ومشقة، وقاوم كل عناء وکرب.
لذا أمر الله بهما فقال: استعينوا على نصر دینکم وشعائرکم، وعلی کل ما
تلاقونه من مكاره ومصائب، بالصبر الذي يتغلب به على كل مكروه،
وبالصلاة التي تعزز الثقة بالله تعالى وتهوِّن الخطوب. وهذه الآية شبيهة بقوله
تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةَ وَإِنَّهَا لَكَبِيَرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ
٤٥
[البقرة: ٤٥/٢].
وإنما خصّ الصبر لأنه أشدّ شيء باطني على النفس، وخصّت الصلاة؛
لأنها أشدّ عمل ظاهري على الإنسان؛ إذ فيها انقطاع عن الدنيا، واتجاه إلى
الله، وقد روي أنه بَّله كان إذا حزَبه أمر - اشتد عليه - فزع إلى الصلاة،
وتلا هذه الآية.
إن الله ناصر الصابرين ومجيب دعائهم ومفرج كروبهم، والواقع أن
الأعمال الفردية والأعمال الجماعية العظيمة لا تحقق ثمارها إلا بالثبات
والكفاح الدائم، وعدة ذلك كله الصبر.

٤٠٢
الُزُ (٢) - البَقَرّة: ١٥٣/٢-١٥٧
ولا تقولوا عن شهداء الكفاح والجهاد الخالص: إنهم أموات، بل هم
أحياء في قبورهم حياة ذات طراز خاص ومعالم خاصة، ويرزقون رزقاً على
كيفية، الله أعلم بها، ولكنّا لا نستطيع إدراك حقيقة تلك الحياة بميزان الحسّ
المشاهد، فهي حياة غيبية، في عالم آخر، وطراز آخر، وكل ما في الأمر أن الله
تعالى أخبرنا عنها، فلا نبحث عنها، ويجب الإيمان بها، ويؤيد ذلك قوله
تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
(٢٩) ﴾ [آل عمران: ١٦٩/٣].
وفيما ذكر إشارة إلى أن المؤمن الذي يضحي بنفسه في سبيل نصر دينه
ودعوة ربه هو من الشهداء الأبرار الذين يظفرون بجنان الخلد، وهم أحياء،
أرواحهم في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، كما ثبت في
الحديث الصحيح.
ثم أقسم الله تعالى فقال: والله لنصيبنكم أيها المؤمنون بشيء قليل من خوف
العدو في القتال، والجوع بالجدب والقحط، ونقص الأموال بضياعها،
والأنفس بموتها بسبب الاشتغال بقتال الكفار وغيره، والثمرات بقلتها،
وقال الشافعي: بموت الأولاد، وولد الرجل: ثمرة قلبه، كما جاء في الخبر،
وذلك لتهدأ قلوب المؤمنين، وتطمئن لما قد يفاجئهم به المستقبل من أحداث،
وليرضوا بقضاء الله وقدره، إذا تعرضوا لمصيبة، وحدث كل هذا، فكان
المؤمن يصبح فقيراً حينما يؤمن وتهجره أسرته، أو يخرج من دياره وماله حينما
هاجر إلى المدينة وتركوا مكة، وكان المقاتل يتبلغ بتمرات يسيرات، في أثناء
الذهاب إلى المعارك، ولا سيما في غزوتي الأحزاب وتبوك، وكان يعاني
المرض ويتعرض للموت حينما استقر في المدينة وأصابه وباؤها وحمياتها التي
کانت فيها، ثم حسن مناخها.
وبشر الصابرين الذين يؤمنون بالقضاء والقدر، ولكن لا تتحقق البشارة
إلا بالصبر عند الصدمة الأولى، وهم يحتسبون الأجر عند الله قائلين: ﴿إِنَّا لِلَّهِ

٤٠٣
الُزُ (٢) - البَقَة: ١٥٣/٢-١٥٧
وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ وتلك بشارة بحسن العاقبة في أمورهم، فيوفى الصابرون
أجرهم بغير حساب، ولهم من ربهم مغفرة لسيئاتهم، ورحمة خاصة بهم يجدون
أثرها في برد القلوب وسكينة النفس عند نزول المصيبة. وهذه الرحمة يحسد
عليها الكافرون المؤمنين؛ لأن الكافر تضيق به الدنيا إذا نزلت به المصيبة، وقد
يقتل نفسه، وما أكثر حوادث الانتحار في أوربا وأمريكا !!
والصابرون بحق: هم المهتدون إلى الحق والصواب ونافع الأفعال، وهم
الذين فازوا بخيري الدنيا والآخرة. والصبر يكون عند الصدمة الأولى لحديث
البخاري عن أنس: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)).
والبكاء أو الحزن مع الرضا والتسليم للقضاء والقدر لا ينافي الصبر
والإيمان، فقد جاء في الصحيحين أن النبي وَلّ بكى حينما مات ولده
إبراهيم، فقيل له: أليس قد نهيتنا عن ذلك؟ قال: إنها الرحمة، ثم قال: ((إن
العين لتدمع، وإن القلب ليجزع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا
إبراهيم لمحزونون)).
والمذموم: هو فعل ما نهى عنه الشرع من لطم الخدود وشقّ الجيوب
والدعاء بدعوة الجاهلية من النواح المحرم على الأموات، وفعل ما يستقبحه
العقل من التفوه بكلمات تعبر عن السخط والاعتراض على ما قدّر الله وحكم
به.
وقد وردت أحاديث وآثار كثيرة في الصبر وحدوده وقيوده والاسترجاع
عند المصيبة، منها ما رواه مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت:
سمعت رسول الله وَي يقول: ((ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنّا لله وإنّا
إليه راجعون(١)، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا آجره
(١) ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ إقرار بالعبودية والملك، ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ إقرار بالفناء
والبعث من القبور.

٤٠٤
لُعُ (٢) - البَفَرّة: ١٥٣/٢-١٥٧
الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها)). وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن
ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي وَّر أنه قال: ((من استرجع عند المصيبة،
جبر الله مصيبته، وأحسن عاقبته، وجعل له خَلَفاً صالحاً يرضاه)).
وأخرج أحمد والترمذي عن أبي موسى أن النبي ◌َّ قال: ((إذا مات ولد
العبد، قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول:
قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حَمِدك
واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسُموه بيت الحمد)).
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((ما أصابتني مصيبة إلا وجدتُ فيها
ثلاث نعم: الأولى - أنها لم تكن في ديني، الثانية - أنها لم تكن أعظم مما
كانت، الثالثة - أن الله يجازي عليها الجزاء الكبير))، ثم تلا قوله تعالى:
﴿أَوْلَِّكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتُ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
١٥١
والخلاصة: إن الآيات والأحاديث التي وضعت نظام الدين حضت على
الصبر والاسترجاع والقول بما يرضي الله، والاستسلام لقضاء الله وقدره،
والرضا بحكمه، فحينئذ يجبر الله المصيبة، بأن يعوض خيراً منها، ويثاب
الصابر بالقبول الحسن عند الله والفوز بالجنة.
فقه الحياة أو الأحكام:
الدنيا دار ابتلاء واختبار، والبلاء يكون حسناً، ويكون سيئاً، وأصله
المحنة، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥/٢١] وقال:
﴿ وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءَ حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧/٨] والله عزّ وجلّ يبلو عبده
بالصنع الجميل ليمتحن شكره، ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره،
فقيل للْحَسَن بلاء، وللسيئ بلاء. وتؤكد الآية (١٥٥) أن الامتحان قائم،
والمعنى لنمتحتَّنكم حتى نعلم المجاهد والصابر علم معاينة، حتى يقع عليه
الجزاء.

٤٠٥
اِلُعُ (٢) - البَفَرَة: ١٥٣/٢-١٥٧
والصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم
المصيبة وحرارتها، فإنه يدلّ على قوة القلب وثباته في مقام الصبر، وهو معنى
حديث أنس المتقدم: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)). وأما إذا بردت حرارة
المصيبة، فكل أحد يصبر إذ ذاك.
والصبر صبران: صبر عن معصية الله، فصاحبه مجاهد، وصبر على طاعة
الله، فصاحبه عابد، والثاني أكثر ثواباً؛ لأنه المقصود. فإذا صبر عن معصية
الله، وصبر على طاعة الله، أورثه الله الرضا بقضائه. وعلامة الرضا: سكون
القلب بما ورد على النفس من المكروهات والمحبوبات. وأما الصبر الثالث وهو
الصبر على المصائب والنوائب فذاك أيضاً واجب كالاستغفار من المعايب.
وإذا أصيب المؤمن بمصيبة: وهي النكبة التي تصيب الإنسان، وإن
صغرت، قال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾. روى عكرمة أن مصباح رسول الله
وَّه انطفأ ذات ليلة، فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ فقيل: أمصيبة هي يا
رسول الله؟ قال: ((نعم، كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة)) فالمصيبة إذن: كل ما
يؤذي المؤمن ويصيبه، وروى مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما
أنهما سمعا رسول الله وَ لو يقول: ((ما يصيب المسلم من وَصَب، ولا نَصَب،
ولا سَقَم، ولا حَزَن، حتى الهمِّ يُهَمُّه (١) إلا كُفِّر به من سيئاته».
ومن أعظم المصائب: المصيبة في الدين، أخرج السمرقندي أبو محمد في
مسنده عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال رسول الله وتليفون: ((إذا أصاب أحدكم
مصيبة، فليذكر مصابه بي، فإنها من أعظم المصائب)). قال ابن عبد البر:
وصدق رسول الله ◌َر؛ لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم
بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي، وماتت النبوة.
وكان أول ظهور الشّ بارتداد العرب وتوابعه، وكان المصاب بالنبي أول
انقطاع الخير وأول نقصانه.
(١) أي یغمّه.

٤٠٦
الْجُرُ (٢) - البَفَرَة: ١٥٣/٢-١٥٧
والاسترجاع تسليم وإذعان وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾
وقد جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة
للممتَحَنين، لما جمعت من المعاني المباركة، فإن قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ توحيد وإقرار
بالعبودية والملك، وقوله: ﴿وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ إقرار بالهلاك على أنفسنا
والبعث من قبورنا، واليقين أن مرجع الأمر كله لله تعالى. قال سعيد بن جبير
رحمه الله تعالى: لم تعط هذه الكلمات نبياً قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب، لما
قال: ﴿يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١٢/ ٨٤].
وبشارة الصابرين: إما بالْخَلَف، كما أخلف الله لأم سلمة رسول الله وَلآله
فإنه تزوجها لما مات زوجها أبو سلمة، وإما بالثواب الجزيل، كما في حديث
أبي موسى المتقدّم المتضمن بناء بيت في الجنة يسمى بيت الحمد للصابرين.
وقد أنعم الله على الصابرين المسترجعين بنعم عظمى هي المغفرة والرحمة؛
لأن الصلاة من الله على عبده: عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا
والآخرة. وقال الزجَّاج: ((الصلاة من الله عز وجل: الغفران والثناء الحسن)).
ومن هذا: الصلاة على الميت، إنما هو الثناء عليه والدعاء له.
وقيل: أراد بالرحمة كشف الكربة وقضاء الحاجة. والمغفرة والرحمة عدل
إلهي، وزاد الله الصابرين شيئاً ثالثاً وهو الهداية: ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
[البقرة: ٢ /١٥٧].
وخلاصة ما أعتقده: أن من صبر عند الصدمة الأولى، ورضي بالقضاء
والقدر، وطلب الأجر والثواب من الله على مصيبته، واحتسب ذلك عند الله،
ولم يبدر منه كلمة فيها سوء أدب مع الله، عوّضه الله خيراً عنها في الدنيا،
وغمره باللطف الإلهي في الدنيا والآخرة، وأسبغ عليه نعمة كبيرة وفضلاً
عظيماً في الآخرة: وهو مغفرة الذنوب والخطايا، ودخول الجنة، والإقامة في
بيت الحمد. رزقنا الله الإيمان، وربى نفوسنا على التذرع بالصبر الجميل عند
كل مصيبة صغرت أم عظمت، والله المستعان، والله مع الصابرين بالعون
والولاية والرعاية والنصر.

٤٠٧
◌ِلُعُ (٢) - البَفَرَة: ١٥٨/٢-١٦٢
السعي بين الصفا والمروة وجزاء كتمان آيات الله
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمُ (﴿ إِنَّ الَّذِينَ
يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَكَهُ لِلنَّاسِ فِىِ الْكِنَبِّ أُوْلَكَ
يَلْعَنْهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَتُهُمُ الَّعِنُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَبِكَ
أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (َ
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَئِكَ
خَلِينَ فِيَهَا لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ
عَلَيَّهِمْ لَغَنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
اَلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُظَرُونَ
القراءات:
:
﴿تَطَوَّعَ﴾: قرئ:
١- (تطوع) فعلاً ماضياً، وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو،
وعاصم، وابن عامر، وتكون (من) بمعنى ((الذي)) أو تكون شرطية.
٢- (يطوع) مضارعاً مجزوماً، بمن الشرطية، وأصله ((يتطوع)) وهي قراءة
حمزة، والكسائي.
الإعراب:
﴿ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمُ﴾ ﴿وَمَن﴾ إما شرطية، ﴿تَطَوَعَ﴾
شرط، فعل ماض في معنى المستقبل، وهو مجزوم بمن الشرطية، وإما بمعنى
الذي، وتطوع: جملة فعلية لا موضع لها من الإعراب؛ لأنه صلة الموصول.
و﴿خَيْرًا﴾ منصوب بنزع الحافض أي من تطوع بخير. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمُ﴾
جواب الشرط، مجزوم بمن الشرطية، مثل قوله تعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا
هَادِىَ لَمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦/٧].
﴿ أُوْلَبِكَ عَلَيْهِمْ لَغَنَةُ اللَّهِ﴾: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ مبتدأ، و﴿لَقَنَةُ اللَّهِ﴾ إما خبر، وإما

٤٠٨
الجُعُ (٢) - الَفَة: ١٥٨/٢-١٦٢
مبتدأ ثانٍ، و﴿عَلَيْهِمْ﴾ خبره المقدم عليه، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول،
والمبتدأ الأول وخبره: خبر إن.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ استثناء متصل، والمعنى: تابوا عن الكفر إلى الإسلام أو
عن الكتمان إلى الإظهار.
﴿خَلِينَ﴾ حال منصوب من ضمير ﴿عَلَيْهِمَّ﴾ و﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾
جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿ خَلِينَ﴾. و﴿ وَلَا هُمُ
يُظَرُونَ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿خَلِدِينَ﴾ أو من
ضمير ﴿عَنْهُمُ﴾
البلاغة:
IR
فيه إيجاز بالحذف، تقديره: من شعائر دين الله.
آلله
شعَابر
مِن
﴿ شَاكِرُ عَلِيمٌ﴾ أراد به الثواب على الطاعة، أي أنه أطلق الشكر وأراد به
الجزاء بطريق المجاز.
﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ فيه التفات من ضمير المتكلم ((نلعنهم)) إلى الغيبة، وذكر اسم
الجلالة لإلقاء المهابة في القلب.
﴿ وَيَلْعَنُمُ الَّعِنُونَ﴾ فيه جناس الاشتقاق، وهو محسِّن بديعي.
خَلِينَ فِيهًا﴾ أي في اللعنة أو في النار، وأضمرت النار تهويلاً لأمرها.
﴿ وَلَا هُمُ يُظَرُونَ﴾ أتى بالجملة الاسمية لإفادة الدوام والاستمرار.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ مكانان مرتفعان بمكة بينهما (٧٦٠ ذراعاً) والصفا:
تجاه البيت الحرام، وما بينهما المسعى، وهو مسقوف الآن، ومبلط بالرخام

٤٠٩
الْجُزْءُ (٢) - البَقَرة: ١٥٨/٢-١٦٢
الجميل، مثل سائر الحرم المكي. ﴿شَعَّبِرِ اللَّهِ﴾ جمع شعيرة وهي العلامة،
وتسمى المشاعر أيضاً، وواحدها مَشْعر، وهي تطلق أحياناً على معالم الحج
ومواضع النسك، وحيناً آخر على العبادة والنسكك فيه، والمراد هنا: مناسك
الحج، وفيه حذف تقديره: من أعلام دين الله . ﴿حَجَ اُلْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ﴾
الحج لغة: القصد، وشرعاً قصد البيت الحرام للنسك أو أداء المناسك
المعروفة. والعمرة لغة: الزيارة، وشرعاً: زيارة مخصوصة للبيت الحرام، وهي
كالحج، لكن ليس فيها وقوف بعرفة ولا بالمزدلفة ولا بمنى، ولا تتحدد بزمان
معين، ووقتها: كل أيام السنة. والاعتمار: أداء مناسك العمرة . ﴿فَلَا
جُنَاحَ﴾ فلا إثم. ﴿أَن يَطَّوَّفَ﴾: أصله يتطوَّف: أي يكرر الطواف، والمراد
به السعي بين الصفا والمروة، وهو من مناسك الحج بالإجماع، وبيَّن وَله
فرضيته بقوله فيما رواه البيهقي وغيره: ((إن الله كتب عليكم السعي)) وروى
مسلم: ((ابدؤوا بما بدأ الله به)) يعني الصفا.
﴿تَطَوَّعَ﴾ فعل الطاعة فرضاً أو نفلاً، والتطوع لغة: الإتيان بالفعل طوعاً
لا كرهاً، ثم أطلق على التبرع بالخير؛ لأنه طوع لا كره، وعلى الإكثار من
الطاعة بالزيادة على الواجب . ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ﴾ لعمله أي مجاز عليه بالإثابة
عليه، فهو سبحانه يجزي بالإحسان إحساناً. ﴿يَكْتُونَ﴾ الكتمان: ترك إظهار
الشيء مع الحاجة إليه، وحصول الداعي إلى إظهاره. وما لم يكن كذلك لا يعد
کتماناً.
﴿مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَاَلْهُدَى﴾ كآية الرجم ونعت محمد رَّ ﴿فِى
الْكِنَبِ﴾: التوراة ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ يبعدهم من رحمته ﴿ وَيَلْعَُّهُمُ الَّعِنُونَ﴾
الملائكة والمؤمنون، أو كل شيء، بالدعاء عليهم باللعنة.
﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ أي في اللعنة، أو في النار المدلول بها عليها. ﴿يُظَرُونَ}
يمهلون لتوبة أو معذرة، من الإنظار: وهو الإمهال.

٤١٠
الجُرُ (٢) - النََّفَرَة: ١٥٨/٢-١٦٢
سبب النزول:
سبب نزول الآية (١٥٨):
أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سئل عن الصفا
والمروة، فقال: ((كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام، أمسكنا
عنهما، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ وأخرج الحاكم مثله
عن ابن عباس.
وأخرج الشيخان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قال: قلت لعائشة:
أرأيت قول الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ
فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فما أرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما،
فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أوَّلتها عليه،
كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت؛ لأن الأنصار
قبل أن يسلموا كانوا يُهلون لمناة الطاغية، وكان من أهلَّ لها، يتحرج أن
يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله، فقالوا: يا رسول الله،
إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية، ثم سن رسول الله وَّ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يدع
الطواف بينهما.
ويوضح ذلك ما أخرجه الطبري عن الشعبي: أن وثناً كان في الجاهلية على
الصفا، يسمى إساف، ووثناً على المروة يسمى نائلة، وكان أهل الجاهلية إذا
طافوا بالبيت، مسحوا الوثنين، فلما جاء الإسلام، وكسرت الأوثان، قال
المسلمون: إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين، وليس
الطواف بهما من الشعائر، قال: فأنزل الله أنهما من الشعائر. أي فلا حرج
على المسلمين في السعي بينهما؛ لأنهم يسعون لله، لا للأصنام.
سبب نزول الآية (١٥٩ وما بعدها):
نزلت في علماء أهل الكتاب وكتمانهم آية الرجم وأمر محمد وَ لد. روى

٤١١
الجُرَءُ (٢) - البقرة: ١٥٨/٢-١٦٢
الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معاذ بن جبل وسعد بن معاذ
وخارجة بن زيد سألوا نفراً من اليهود عما في التوراة من ذكْر النبي ◌َّر،
فكتموهم إياه، فأنزل الله هذه الآية.
المناسبة بين الآيات:
كان تحويل القبلة في الآيات السابقة نعمة كبرى على المسلمين، إذ جعلتهم
مستقلين عن التبعة لغيرهم، ومكنتهم من الإشراف على البيت الحرام،
لتطهيره من الشرك والوثنية، ووجهت أنظار المسلمين نحو مكة - قلب الجزيرة
والعالم، ولما أثنى الله على الصابرين، وكان الحج من الأعمال الشاقة المضنية
للمال والبدن، ناسب هنا ذكر بعض شعائر الحج، وهو السعي بين الصفا
والمروة، لإتمام النعمة بالإشراف على مكة، والتذكير بأهميتها، وإقامة مناسك
الحج فيها. وكل من الاتجاه إلى الكعبة والسعي هو أيضاً إحياء لملة إبراهيم
عليه السلام، فلا مسوغ بعدئذ لمعاندة أهل الكتاب والمشركين في تحويل
القبلة، ولا داعي لمحاولتهم زرع الأحقاد والضغائن ضد المسلمين الذين
أمرهم الله بالاستعانة بالصبر والصلاة.
التفسير والبيان:
إن الصفا والمروة والسعي بينهما من علامات دين الله، ومن مناسك الحج
والعمرة التي تدل على الخضوع لله وعبادته إذعاناً وتسليماً، يعبده عباده
عندهما وما بينهما بالدعاء أو الذكر أو تلاوة القرآن، فمن حج البيت أو
اعتمر، فلا إثم عليه ولا خوف من الطواف بهما، وإن كان المشركون يطوفون
بهما، فإن طوافهم كان كفراً بسبب تعظيم الأصنام الجائمة على صخرتي الصفا
والمروة، وأنتم تطوفون بهما إيماناً وإطاعة لأوامر الله تعالى.
ونفي الإثم والحرج أو الجناح عن السعي يشمل الواجب والمندوب، كما
أن التطوع وهو فعل الطاعة يشمل الفرض والنفل. والسر في التعبير بنفي
الجناح، مع أن السعي فرض عند الجمهور، وواجب عند الحنفية: هو لبيان

٤١٢
الزرعُ (٢) - التَفَرَّة: ١٥٨/٢-١٦٢
خطأ المشركين الذين كانوا ينكرون كون السعي من الشعائر، وأنه من مناسك
إبراهيم، وأنه لا مانع منه في الإسلام لتغير قصد الطائفين، ونفي الجناح لا
ينافي الإيجاب المقرر شرعاً.
وأما التعبير بالشعائر: وهي ما تعبَّدنا الله به كالصلاة ومناسك الحج،
فللدلالة على وجوب التنفيذ والطاعة، وممارسة العبادة، ووإن لم نفهم معناها
تمام الفهم، أو ندرك سرها، ولا يقاس عليها غيرها. أما غير الشعائر
كالمعاملات من بيع وإجارة وشركة ورهن ونحوها، فهي مشروعة لمصالح
البشر، ولها علل وأسباب يسهل فهمها وإدارك مقاصدها، فيجري فيها
القياس بحسب المصلحة.
وإقامة شعائر الحج فرض في العمر مرة، ومن تطوع خيراً بأن أكثر من
الطاعة وزاد عن الواجب الأصلي، فإن الله يجازيه على الإحسان إحساناً،
ويثيب على القليل بالكثير، فلا يبخس أحداً ثوابه، وهو عليم بقصده وإرادته
وبمن يستحق هذا الجزاء.
وفي التعبير عن الجزاء الحسن بالشكر تربية على فضائل الأخلاق؛ إذ إن
منفعة عمل العبادة عائدة إليهم، وهو مع ذلك قد شكرهم عليه، فهل يليق
بعدئذ كفران النعمة الإلهية وعدم شكرها؟! إن شكر المعروف وتقدير النعمة
سمة أهل الوفاء والإخلاص، بل هو سبب لزيادة النعمة ودوامها وإسبال
الستر الإلهي على العبد الشاكر الطائع.
وقد حمل العلماء الشكر على الثواب والجزاء بطريق المجاز؛ لأن الشكر
بمعنى مقابلة الإحسان والنعمة بالثناء والتقدير محال على الله، إذ ليس لأحد
عند ربه يد ونعمة، ولا حاجة لله تعالى لعمل العباد. وأثبت السلف صفة
الشكر لله، فهي صفة تليق بجلاله وكماله.
ثم عاد القرآن إلى كشف موقف أهل الكتاب (اليهود والنصارى) في عناد
النبي ◌َّه ومعاداتهم إياه، ولا سيما علماء اليهود وأحبارهم، وما تضمنه
٠

٤١٣
لُ (٢) - البَقَرّة: ١٥٨/٢-١٦٢
موقفهم من أنهم يعرفون النبي ◌َّ كما يعرفون أبناءهم، وأنهم يكتمون الحق
وهم يعلمون.
إن الذين يكتمون ويخفون ما أنزل الله - إما بعدم ذكر نصوصه للناس حين
الحاجة إليه أو السؤال عنه، كالبشارة بالنبي وَل وصفاته الموجودة في سفر
التثنية، وإما بتحريف الكلم عن مواضعه حين الترجمة، ووضع شيء مكذوب
من عندهم مكانه، سواء في التوراة والإنجيل - جزاؤهم الطرد من رحمة الله،
وغضب الله عليهم، ولعنهم من الملائكة والناس أجمعين.
وحكمة هذا الجزاء: أن ما أنزل الله من البينات والهدى، كان لخير الناس
وهدايتهم إلى الطريق المستقيم، عن طريق إيراد الأدلة الواضحة على صدق
محمد وَلّه، وتبيان حقيقة أمره ووجوب اتباعه والإيمان به، فإذا كتموا ما
أنزل، وحجبوا الحقائق عن الأعين، أوقعوا الناس في ضرر جسيم، وشر
عميم، وعطلوا الكتب السماوية، وفوتوا ما تؤتيه من ثمار وغايات طيبة
مرجوة منها.
والآية عامة في كل كاتم ومكتوم، يحتاج الناس إلى معرفته في أمر معاشهم
ومعادهم، ومنه كتمان العلم الذي فرض الله بيانه للناس، كما روي عنه وَلآل
أنه قال: ((من سئل عن علم يعلمه، فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار))
ولا عبرة بخصوص السبب الذي نزلت فيه الآية. والمراد من قوله تعالى: ﴿مَآ
أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَاَلْهُدَى﴾: كل ما أنزله الله على الأنبياء من الكتب والوحي
والدلائل التي تهتدي بها العقول في ظلمات الحيرة.
والمراد من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِ الْكِنَبِ﴾ إما التوراة
والإنجيل، والمكتوم: ما جاء فيهما من صفة محمد ◌ّليه والأحكام، وإما الكتب
١٠
المتقدمة وما تبعها وهو القرآن.
واستثنى القرآن من جزاء الكتمان السابق: من تاب من أهل الكتاب

٤١٤
الْجُرُءُ (٢) - البقرة: ١٥٨/٢ -١٦٢
وأصلح ما أفسده، وأعلن الحق المسطور في الكتب المنزلة، وأقر بنبوة محمد
وَلَه، وصدَّق ما جاء به من عند الله، وأماط اللثام عما أنزل الله من غير
تحريف ولا تبديل، وأصلح نفسه بصالح الأعمال، فهؤلاء يتوب الله عليهم
ويغفر لهم، ويدخلهم الجنة؛ لأن الله تعالى قابل التوبة كثيراً من غير حدود،
رحيم بالمقبلين عليه رحمة واسعة، يعفو عن المسيء، ويغفر زلة المخطئ،
ويفيض برحمته على المقصرين إذا أنابوا وتابوا ورجعوا إلى الله تعالى.
أما من ظل مصرّاً على الخطأ، وعاند في قبول الحق، وأعرض عن دعوة الله
في قرآنه وعلى لسان نبيه بَّر، وظل يغير ويحرف حتى مات، فهذا وأمثاله هم
الذين كفروا بالله ورسله وماتوا وهم كافرون، لذا استحقوا لعنة الله، وغضبه
ولعنة الملائكة والناس أجمعين، وكانوا خالدين في النار خلوداً دائماً، لا يخفف
عنهم العذاب، ولا هم يمهلون، فهم ماكثون في تلك اللعنة الشاملة على طريق
الدوام، حتى يردوا النار، ويخلدوا في عذاب جهنم، لموتهم وهم كفار.
وفي بيان موقف التائبين والمعاندين ترغيب في التوبة عما فرط الإنسان من
الذنوب، وحث على ترك العناد، وإبعاد لليأس من رحمة الله قبل هجوم
الموت، كما قال الله تعالى: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن
رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣/٣٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى أن السعي بين الصفا والمروة من أعمال الحج والعمرة،
لكن علماءنا اختلفوا في تحديد صفته الشرعية:
١
فقال الجمهور (مالك والشافعي وأحمد): إنه ركن، فمن لم يسع كان عليه
حج قابل، لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد عن صفية بنت شيبة:
((اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي)) وكتب بمعنى أوجب، مثل قوله تعالى:

٤١٥
لُ (٢) - البَفَرَّة: ١٥٨/٢-١٦٢
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((خمس صلوات
افترضهن الله على العباد)) رواه أبو داود والبيهقي عن عبادة بن الصامت.
وقال الحنفية: السعي واجب، فإن تركه أحد حتى يرجع إلى بلاده، جبره
بدم، أي بذبح شاة مثل شاة الأضحية، لظاهر الآية التي رفعت الإثم عمن
تطوف بين الصفا والمروة، ووصفت ذلك بالتطوع، فقالت: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ﴾
يعني بالتطوف بينهما، ولما رواه الشعبي عن عروة بن مِضراس الطائي، قال:
أتيت رسول الله ولو بالمزدلفة، فقلت: يا رسول الله، جئت من جبل طي، ما
تركت جبلاً إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال عليه الصلاة والسلام:
((من صلى معنا هذه الصلاة(١)، ووقف معنا هذا الوقف، وقد أدرك عرفة قبل
- ليلاً أو نهاراً - فقد تم حجه، وقضى تفئه))(٢) قالوا: فهذا يدل على أن
السعي ليس بركن من وجهين:
أحدهما - إخباره بتمام حجته، وليس فيها السعي.
الثاني - أنه لو كان من أركانه لبينه للسائل، لعلمه بجهله الحكم.
والظاهر أن الآية لا تدل لأحد الفريقين؛ لأن سببها كما علمنا هو رفع
الجناح على من تطوف بالصفا والمروة، بعد أن كانوا يتحرجون من السعي
بينهما؛ لوجود صنمين أو وثنين (إساف ونائلة) عليهما في الجاهلية، وكانوا
يتمسحون بهما ويطوفون من أجلهما، فأبان الله أنه يطاف بهما من أجل الله،
وأنهما من شعائره. وقوله: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ يحتمل بالتطوف بهما، ويحتمل
بالزيادة على الفرض من التطوف بهما، فلم يبق من مستند في هذه المسألة إلا
السنة، وروي فيها آثار مختلفة، فيرجح بينها بحسب الأصول، والراجح لدي
رأي الجمهور للأحاديث التي استدلوا بها وهي مصرحة بفرضية السعي. وقوله
(١) يحتمل صلاة العيد
(٢) قضى مناسك الحج

٤١٦
المُجُزْءُ (٢) - البَقَرة: ١٥٨/٢-١٦٢
تعالى: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ﴾ إشارة إلى أن السعي واجب، فمن تطوع بالزيادة عليه،
فإن الله تعالی یشکر ذلك له.
وآية كتمان ما أنزل الله التي نزلت في أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين
كتموا أمر محمد ◌َّر، وقد كتم اليهود أمر رجم الزناة المحصنين، ليست خاصة
بهم، وإنما العبرة بعموم اللفظ، والمراد كل من كتم الحق، فهي عامة في كل
من كتم حكماً شرعياً، أو علماً نافعاً، أو رأيا صحيحاً خالصاً نافعاً للأمة،
ويدل عليه ما أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة وعمرو بن العاص عن النبي رَلل
قال: ((من سئل عن علم يعلمه، فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)).
وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِتَبَ
لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧/٣] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ
مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَّرُونَ بِهِ، ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤/٢] فهذا ميثاق
أخذه الله على أهل العلم يتضمن تحريم الكتمان والتحريف، وفي آيات أخرى
تصريح إيجابي وأمر واضح في الحث على بيان العلم ونشره، وإن لم يذكر
الوعيد، مثل: ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرَقَةٍ مِّنْهُمْ طَآَيِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الدِّينِ
وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَمُوْاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢/٩].
والحاصل: إذا قصد العالم كتمان العلم عصى، وإذا لم يقصده، لم يلزمه
التبليغ إذا عرف أنه معروف لدى غيره. وأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ،
لهذه الآيات والحديث المتقدم.
وذكر بعضهم أن الآية تدل على عدم جواز أخذ الأجر على التعليم؛ لأنها
تدل على لزوم إظهار العلم وترك كتمانه، ولا يستحق إنسان أجراً على عمل
يلزمه أداؤه، كما صرحت آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ
الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤/٢] فدل ذلك على بطلان أخذ
الأجر على تعليم القرآن وعلوم الدين.
لكن أفتى المتأخرون بجواز أخذ الأجور على تعليم العلوم الدينية، لتهاون

٤١٧
اللُُّ (٢) - البقرة: ١٥٨/٢-١٦٢
الناس بها، وانصرافهم إلى الاشتغال بمتاع الحياة الدنيا، حتى لا تضيع
العلوم، ولانقطاع مخصصات العلماء من بيت مال المسلمين، واضطرار
العلماء إلى التزود بما يعينهم على شؤون الحياة.
ودلت آية كتمان ما أنزل الله على شدة النكير على الكاتمين ووعيدهم، لما في
الكتمان من الضرر الجسيم بالناس، وتعطيل الكتب السماوية، ووظيفة
الرسالة النبوية، ولأن العلم يحرم كتمه، ويجب نشره وتعميمه، فإن أقدم
إنسان على حرمان الناس من علمه، استحق اللعنة الأبدية من الله ومن الناس
أجمعين؛ لأنهم حرموا الخير والنور ومعرفة طريق الهدى والرشاد.
وقد أرشد قوله سبحانه في تحريم كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى إلى
وجوب العمل بقول الواحد؛ لأنه لا يجب عليه البيان، إلا وقد وجب قبول
قوله، وقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾ فحكم بوقوع البيان
نخبرهم.
ولم يسدّ الحق سبحانه طريق الأمل، فاستثنى التائبين الصالحين لأعمالهم
وأقوالهم المنيبين لتوبتهم، ولا يكفي في التوبة قول القائل: قد تبت، حتى
يظهر منه مخالفة سلوكه السابق، فإن كان مرتداً رجع إلى الإسلام مظهراً
شرائعه، وإن كان من أهل المعاصي ظهر منه العمل الصالح، وجانب أهل
الفساد والأحوال التي كان عليها، وإن كان من أهل الأوثان جانبهم وخالط
أهل الإسلام، وهكذا يظهر عكس ما كان عليه.
ودلت آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وما بعدها على خلود الكفار في نار جهنم،
فهم خالدون في اللعنة ومستقرة فيهم أي في جزائها، وأنهم مطرودون من رحمة
الله، وأن تعذيبهم دائم مستمر بدون انقطاع ولا تخفيف، ولا إمهال أو
إرجاء، فهم لا يُنظرون أي لا يؤخرون عن العذاب وقتاً من الأوقات.
ولا خلاف في جواز لعن الكفار جملة من غير تعيين، لما رواه مالك عن

٤١٨
اِلُعُ (٢) - البَفَرَة: ١٥٨/٢ -١٦٢
داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول: ((ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون
الكفرة في رمضان)) سواء أكانت لهم ذمة أم لم تكن، وهو مباح غير واجب،
لجحدهم الحق وعداوتهم للدين وأهله. وكذلك كل من جاهر بالمعاصي
كشُرَّاب الخمر وأكَلَة الرِّبا، والتشبُّه من النساء بالرجال ومن الرجال بالنساء،
إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنه.
وأما الكافر المعيَّن، فقال ابن العربي: والصحيح عندي جواز لعنه، لظاهر
حاله، ولجواز قتله وقتاله(١). وقد روي أن النبي ◌َّر قال: ((اللهم إن عمرو بن
العاص هجاني، وقد علم أني لست بشاعر، فالعنه واهجه عدد ما هجاني))
فلعنه، وإن كان الإيمان والدين والإسلام مآله. وقال جماعة من العلماء: لا
يلعن الكافر المعين، لأنا لا ندري بما يختم الله له. وأما الحديث الذي احتج به
ابن العربي فهو ضعيف.
وليس لعن الكافر زجراً له عن الكفر، بل هو جزاء على الكفر، وإظهار
قبح كفره، سواء كان الكافر ميتاً أو مجنوناً. ومع هذا فإن الأولى عدم اللعن
عموماً، لما يؤدي إليه من المقابلة أو المعاملة بالمثل، وإثارة الخصام والاقتتال.
ولعنة الكافر من الناس: هي في يوم القيامة، ليتأثر بذلك، ويتضرر ويتألم
قلبه، فيكون لعنه جزاء على كفره، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥/٢٩].
وأما لعن المسلم العاصي المعيَّن: فذكر ابن العربي أنه لا يجوز اتفاقاً؛ لما
روي عن النبي ◌َّر في حديث صحيح رواه البخاري ومسلم أنه أُتي بشارب
خمر مراراً، وهو نُعيمان، فقال بعض من حضره: لعنه الله، ما أكثر ما يُؤتى
به! فقال النبي ◌َّير: ((لا تكونوا عَوْن الشيطان على أخيكم)) فجعل له حُرمة
الأخوة، وهذا يوجب الشفقة. وكان هذا في حق نعيمان بعد إقامة الحد عليه،
(١) أحكام القرآن: ٥٠/١

١٠
٤١٩
الُ (٢) - البَفَرة: ١٦٣/٢ -١٦٤
أما من لم يُقَم عليه الحد، فلعنته جائزة، سواء شُمّي أو عيِّن أم لا؛ لأن النبي
وَالله لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة، ما دام على تلك الحالة الموجبة للعن،
فإذا تاب منها وأقلع وطهَّره الحد، فلا لعنة تتوجه عليه.
وأما لعن العاصي مطلقاً من غير تعيين، فيجوز إجماعاً؛ لما روي عن النبي
وَ الل أنه قال: ((لعن الله السارق يسرق البيضة، فتقطع يده)) ويجوز لعن الظالم
من غير تعيين، لقوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨/١١].
وحدانية الإله ورحمته ومظاهر قدرته
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحٌِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ( إِنَّ فِ خَلْقِ
الشَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَخْرِى فِىِ الْبَحْرِ بِمَا
يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َّاءٍ فَأَخْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَ
فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
القراءات:
﴿اَلْرِّيَجِ﴾: وقرئ: (الرِّيْح) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
الإعراب:
﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿لََّ﴾ نافية للجنس، وإله: اسمها
المنصوب، وخبرها محذوف تقديره: لا إله لنا، أو في الوجود، و﴿هُوَ﴾ بدل
مرفوع من موضع: ﴿لَّ إِلَهَ﴾ الذي هو في موضع رفع على الابتداء.
و﴿الرَّحْمَنُ﴾ إما مرفوع على البدل من ﴿هُوَ﴾ وإما مرفوع خبر مبتدأ محذوف
تقديره: هو الرحمن، ولا يجوز أن يكون وصفاً لقوله: ﴿هُوَ﴾ لأنه ضمير لا
یوصف ولا یوصف به.

٤٢٠
الُعُ (٢) - البََّقَرَة: ١٦٣/٢ -١٦٤
﴿ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَّخْرِى﴾ معطوف على المجرور قبله، والفلك: يكون واحداً
ويكون جمعاً، الواحد كقوله تعالى: ﴿فِى الْفُلْكِ اُلْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩/٢٦]
والجمع كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمٍ﴾ [يونس: ٢٢/١٠].
البلاغة:
﴿وَإِلَهُكُرْ إِلَهٌ وَحٌِ﴾ خبر خال من التأكيد، لقيام الأدلة القاطعة على
وحدانيته.
﴿لَيَتٍ﴾ وردت نكرة للتفخيم أي آيات عظيمة دالة على القدرة الإلهية.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ المستحق للعبادة منكم ﴿إِلَهُ وَحِلٌ﴾ لا نظير له في ذاته ولا في
صفاته ﴿ وَأَخْتِلَفِ اُلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بالذهاب والمجيء والزيادة
والنقصان ﴿ وَاَلْفُلْكِ﴾ السفن ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ نشر وفرّق فيها ﴿دَآبَةٍ﴾ كل
ما دب من الحيوان على الأرض، وغلب على ما يركب ويحمل عليه.
﴿ وَتَصْرِيفِ الْرِّيَجِ﴾: تقليبها جنوباً وشمالاً حارة وباردة، وتوجيهها إلى
الجهات المطلوبة ﴿وَالسَّحَابِ﴾ الغيم ﴿اُلْمُسَخَّرِ﴾ المذلل بأمر الله تعالى
يسير إلى حيث شاء الله ﴿بَيْنَ الشَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ بلا علاقة ﴿لَيَتٍ﴾ دالات
على وحدانيته تعالى ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون.
سبب النزول:
عن عطاء قال: نزل على النبي ◌َّ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا
فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناسَ إله
هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
واحد؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ ﴾ .
وعند أبي الضحى قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ تعجب