النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ الُزُ (٢) - الْبَقَة: ١٤٤/٢ -١٤٧ سبب نزول الآية: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ﴾: نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب: عبد الله بن سَلام وأصحابه، كانوا يعرفون رسول الله وَله بنعته وصفته وبعثه في كتابهم، كما يعرف أحدهم ولده، إذا رآه مع الغلمان، قال عبد الله بن سَلام: لأنا أشدُّ معرفةٌ برسول الله وَّيه مني بابني، فقال له عمر بن الخطاب: وكيف ذاك يا ابن سَلام؟ قال: لأني أشهد أن محمداً رسول الله حقّاً يقيناً، وأنا لا أشهد بذلك على ابني؛ لأني لا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سَلام. المناسبة أو وجه الربط بين الآيات: كان النَّي ◌َّه يتشوّق لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ لأنها قبلة أبيه إبراهيم، ولأنها أدعى إلى إيمان العرب، وهم الذين عليهم المعول في إظهار هذا الدين، ولأن اليهود كانوا يقولون: يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا، ولولا ديننا لم يدرِ أين يستقبل القبلة؟ فكره النَّبِي وََّ قبلتهم، حتى رُوي أنه قال لجبريل: وددت لوأن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها. قال أبو حيان: ولما كان ◌َ له هو المتشوّف لأمر التحويل بدأ بأمره أولاً، ثم أتبع أمر أمته ثانياً؛ لأنهم تبع له في ذلك، ولئلا يتوهم أن ذلك مما اختص به وَ (١). ولما ذكر الله تعالى ما قاله سفهاء اليهود عند تحويل القبلة، ذكر في هذه الآيات أن إعراض أهل الكتاب عن رسالة النبي ◌َّو، لم يكن لشبهة تحتاج إلى إزالة، وإنما لعناد ومكابرة، وفي ذلك تسلية للنبي وَّلقول من جحود أهل الكتاب الذين طمع في إسلامهم، وتضايق من تكذيبهم. التفسير والبيان: كثيراً ما نرى تردد نظرك في جهة السماء، حيناً بعد حين، متشوقاً للوحي، (١) البحر المحيط: ٤٣٠/١ ! ٣٨٢ الُرُ (٢) - البقرة: ١٤٤/٢ -١٤٧ متلهفاً لتحويل القبلة إلى الكعبة، والظاهر أن النبي وَيّ لم يسأل ذلك، بل كان ينتظره فقط، وهو في هذا لا يعدّ معارضاً أمر ربه؛ لأن صفاء نفسه يجعله يتطلع إلى ما يظنه خيراً، ويقدر فيه مصلحة. ولكونك تتطلع إلى التحويل، لنمكنك من استقبال قبلة تحبها غير بيت المقدس، لهدف سليم في نفسك هو أن يجتمع الناس على قبلة مخصوصة واحدة، فتتحد قلوبهم، ويتحقق من وراء ذلك خير عظيم. فاصرف وجهك نحو أو تلقاء المسجد الحرام الذي هو محيط بالكعبة. وفي ذكر ﴿اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ﴾ دون الكعبة، مع أنها القبلة على ما ثبت في الأحاديث، إشارة إلى أنه يكفي للبعيد الذي لا يعاين الكعبة محاذاة جهة القبلة حين الصلاة. ويؤكده الأمر الإلهي لعموم المؤمنين، وهو قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾ أي وفي أي مكان كنتم، فاستقبلوا جهته بوجوهكم في الصلاة، وهذا تصريح بعموم الحكم المستفاد من ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ ويدل على أن المصلي في مختلف البقاع يتجه نحو القبلة، سواء أكان إلى الشرق أم إلى الغرب، وإلى الشمال أم إلى الجنوب الجغرافي، لا كالنصارى الذين يلتزمون جهة المشرق، ولا كاليهود الذين يلتزمون جهة المغرب. والسبب في تأكيد الأمر باستقبال المؤمنين القبلة بعد أمر النبي بها، مع أن خطاب النبي ◌ّ﴾ خطاب لأمته: هو الاهتمام بشأن قبلة الكعبة، فإنها حادث عظيم، كان نقطة تحول في وضع أساس الاستقلال في عبادة المسلمين، وإنهاء الاتجاه نحو قبلة بيت المقدس، ولكي تشتد عزيمة المؤمنين وتطمئن قلوبهم، فيقضون على الفتنة التي أثارها المنافقون وأهل الكتاب (اليهود والنصارى) ويضربون بأقوالهم عرض الحائط، ويثبتون على اتباع الرسول، ولدفع توهّم أن القبلة باتجاه الشام. لكل هذا كان التصريح بعموم الحكم في عموم الأمكنة: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ . ثم عاد القرآن لمناقشة أهل الكتاب الذين اشتركوا في تحريك الفتنة العظمى ٣٨٣ الُرُ (٢) - البََّقَرَة: ١٤٤/٢ -١٤٧ بعد تحويل القبلة، فقال: إن أهل الكتاب الذين أوتوا التوراة والإنجيل ليعلمون علماً أكيداً - بما أُنزل إليهم في كتبهم في شأن النبي محمد رَلل والبشارة به، وأنه سيصلي إلى القبلتين: بيت المقدس وقبلة أبيه إبراهيم الذي أمر أن يتبع ملته - أن تحويل القبلة حق لا شك فيه، وأنه أمر الله، ولكنهم دأبوا على إنكار الحق، وترويج الباطل، وما الله بغافل عن أعمالهم، بل مجازيهم عليها. وجيء بجملة: ﴿وَمَا اُللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ اعتراضاً بين الكلامين: المتقدم عنها والمتأخر لوعد الفريقين ووعيدهم. ثم أوضح القرآن سبب الفتنة وإعراض الكتابيين عن دعوة الإسلام، تسلية للرسول عن متابعة أهل الكتاب له، فقد أخبره أولاً أنهم يعلمون أنه الحق وهم يكتمونه ولا يعملون بمقتضاه، ثم سلاه عن قبولهم الحق باتخاذ موقف معين: وهو التزام موقف المعارضة عناداً ومعاداة، فقال: ولئن جئت اليهود والنصارى بكل برهان وحجة على أن الحق وهو تحويل القبلة من ربهم، أملاً في اتباع قبلتك، ما اقتنعوا ولا صدقوا به، ولا اتبعوك، عناداً منهم ومكابرة، فهم لن يتبعوا قبلتك رغم البرهان الساطع على الحق الإلهي المأمور به، وهو توجهك إلى الكعبة (١)، ولن يكون منك اتباع قبلتهم بعد اليوم، قطعاً لأطماعهم في الاتجاه إلى بيت المقدس، وكيف يرجى ذلك، فهم ليست لهم قبلة واحدة، فعيسى كانت قبلته مع موسى، ولكن بعد موت عيسى وتحريف الإنجيل اتخذ النصارى قبلة أخرى. وأما أنت يا محمد فعلى قبلة إبراهيم الذي يقدره جميع أهل الملل، فهي الأجدر بالاتباع، ولا فائدة ترجى من اتباع قبلتهم. وكل من اليهود والنصارى لا يغيِّر الاتجاه إلى قبلته، فلا تترك اليهود قبلتها (١) البحر المحيط: ٤٣٠/١ 1 ٣٨٤ الُعُ (٢) - البَقَة: ١٤٤/٢-١٤٧ وتتجه نحو المشرق، ولا تترك النصارى قبلتها وتتجه نحو الغرب؛ لأن كلاً منهم متمسك برأيه، حقاً كان أو باطلاً، ولا ينظر إلى حجة وبرهان، وإنما يسير على منهج التقليد الأعمى. ثم هدد الله نبيه، لتعرف أمته خطر مخالفة كلام الله، واتباع أهواء الناس، فقال: ولئن اتبعت يا محمد ما يريده أهل الكتاب، فصليت إلى قبلتهم مداراة لهم، وحرصاً على اتباعك والإيمان بك، بعد ما جاءك الحق اليقين واضحاً، والعلم القاطع الذي لا شك فيه وهو الدلائل والآيات التي تفيدك العلم وتحصله، لتكونن من الظالمين أنفسهم، المستحقين العقاب في الدنيا والآخرة، وهذا في الحقيقة خطاب للمؤمنين لاستبعاد خاطر أو فكرة أتباع أهواء القوم استمالة لهم. وجملة ﴿إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الَِّلِمِينَ﴾ هي جواب القسم المحذوف، الذي أومأت إلى تقديره اللام في ﴿وَلَيْنٍ﴾ ودلّ على جواب الشرط. ودليل معرفة الحق من قبل أهل الكتاب: أنهم يعرفون النبي وَّ بما بشرت به كتبهم، وذكرته من صفات لا تنطبق على غيره، فهم يعرفون النبي كمعرفتهم التامة بأبنائهم. وإن فريقاً منهم عاندوا وكتموا هذا الحق الواضح الذي يعلمونه من كتبهم، وهو نبوة محمد، وأن الكعبة قبلة. ثم أعلن القرآن قاعدة وطيدة عامة: وهي أن الحق ما كان من عند الله وحده، لا من غيره، ويتمثل هذا الحق فيما أمر الله به في القرآن، فهو مما لا شك فيه، فلا تكن يا محمد، وبالأولى غيرك، من الشاكّين في أحقية وصدق ما أنت عليه وهو ما أتاك من ربك من الوحي، ولا تتبع أهواء وأوهام الضالّين الذين لم يتبعوك فيما أمرك الله به، فالقبلة التي تتجه إليها الآن - وهي الكعبة - هي القبلة الحق التي كان عليها إبراهيم ومن بعده من الأنبياء. والنهي في هذه الآية كالوعيد السابق في آية: ﴿وَلَيْنِ أُتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ ٣٨٥ لُ (٢) - البقرة: ١٤٤/٢ -١٤٧ موجّه إلى النبي ◌َّ، والمراد به من كانوا غير ثابتي الإيمان من أمته، ممن يخشى عليهم الاغترار بأباطيل المخادعين، والتأثر بأقاويل أهل الفتنة. فقه الحياة أو الأحكام: اتفق المسلمون - بناء على هذه الآية - على أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة إلا في حال الخوف أو الفزع، وفي صلاة النافلة على الراحلة (الدابة أو السفينة أو الطائرة)، فإن القبلة حال الخوف جهة الأمن، وفي حال الركوب حيث توجهت به الراحلة. واتفق العلماء على أن الكعبة قبلة في كل أفق، وعلى أن من شاهدها وعاينها، فرض عليه استقبال عينها، فإن ترك استقبالها وهو معاين لها، فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلّ. ومن جلس في المسجد الحرام فليكن وجهه إلى الكعبة، وينظر إليها إيماناً واحتساباً، فإنه يروى أن النظر إلى الكعبة عبادة. وأجمعوا على أن كل من غاب عنها عليه أن يستقبل ناحيتها وشطرها، فإن خفيت عليه، فعليه أن يستدل على ذلك بكل ما يمكنه من موقع الشمس، والنجوم، والبوصلة المعروفة، وغير ذلك. وهل القبلة للغائب عين الكعبة أو الجهة؟ قال الشافعية: فرض الغائب إصابة عين الكعبة؛ لأن من لزمه فرض القبلة، لزمه إصابة العين، كالمكي، ولقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي أنه يجب عليه التوجه إلى الكعبة، فلزمه التوجه إلى عينها کالمعاین. وقال الجمهور غير الشافعية: فرض الغائب إصابة جهة الكعبة، لقوله وَلاه فيما رواه الترمذي وابن ماجه: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) وظاهره أن جميع ما بينهما قبلة، ولأنه لو كان الفرض إصابة عين الكعبة، لما صحّت ٣٨٦ الُرعُ (٢) - البقرة: ١٤٤/٢-١٤٧ صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو، ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة، فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها. ويؤكده قول ابن عباس رضي الله عنهما: الكعبة قبلة من في المسجد، والمسجد قبلة من خارجه في مكة، ومكة قبلة سائر الأقطار. وهذا مأخوذ من حدیث سيأتي. قال القرطبي: استقبال الجهة هو الصحيح لثلاثة أوجه: الأول - أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف. الثاني - أنه المأمور به في القرآن، لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾ أي في أي مكان كنتم من الأرض في شرق أو غرب، فاتجهوا شطر المسجد الحرام. الثالث - أن العلماء احتجوا بالصف الطويل الذي يُعلم قطعاً أنه أضعاف عرض البيت(١). وهذا هو الراجح لدي؛ لعدم إمكان استقبال العين، وللتيسير على الناس، روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ◌َّ قال: ((البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي)). وقد انبنى على هذا الخلاف خلاف آخر في حكم الصلاة فوق الكعبة: أجاز الحنفية القائلون بأن القبلة الجهة - من قرار الأرض إلى عنان السماء - الصلاة فرضاً أو نفلاً فوقها، مع الكراهة، لما في الاستعلاء عليها من سوء الأدب، وترك التعظيم الواجب لها، ونهي النبي عنه. وأجاز الشافعية الصلاة فرضاً أو نفلاً على سطح الكعبة إن استقبل من (١) تفسير القرطبي: ١٦٠/٢ ٣٨٧ الجُزءُ (٢) - البَفَة: ١٤٤/٢-١٤٧ بنائها أو ترابها شاخصاً (سترة) ثابتاً، كعتبة، وباب مردود أو عصا مسمَّرة أو مثبتة فيه، قدر ثلثي ذراع تقريباً فأكثر بذراع الآدمي، وإن بعد عن الشاخص ثلاثة أذرع. وأباح الحنابلة أيضاً صلاة النافلة على سطح الكعبة، ولكن لا تصح عندهم صلاة الفريضة، لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾ والمصلي على ظهرها غير مستقبل لجهتها، والنافلة مبناها على التخفيف والمسامحة، بدليل صلاتها قاعداً، أو إلى غير القبلة في السفر على الراحلة. ومنع المالكية من صحة الصلاة فوق الكعبة؛ لأن المستعلي عليها لا يستقبلها، إنما يستقبل شيئاً غيرها. ودلّ قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ على أن المصلي ينظر أمامه، لا إلى موضع سجوده، وإلا كان متجهاً إلى غير شطر المسجد الحرام. وهذا مذهب مالك. وقال الجمهور: يستحب أن ينظر المصلي قائماً إلى موضع سجوده. وأضاف الحنفية: وينظر المصلي حال الركوع إلى قدميه، وحال السجود إلى أرنبة أنفه، وحال الجلوس إلى حِجْره. وهذا الرأي هو الأصح، لتحقق الاستقبال والتوجه شطر المسجد الحرام، وأما النظر إلى هذه المواضع فلمنع المصلي أن يتشاغل في الصلاة بغيرها إذا لم يحصر بصره في هذه الجهات التي عينوها للنظر. وبهذا الأمر: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ نسخ التوجه إلى بيت المقدس. وأرشدت الآية (١٤٥) إلى أن زحزحة أهل الكتاب عن دينهم أو قبلتهم أمر ميئوس منه، مهما حاول الإنسان إقناعهم؛ لأنهم كفروا وقد تبين لهم الحق، ولا تنفعهم الآيات، أي العلامات الدالة على صدق رسالة الإسلام ووجوب اتباعه، وأنه لو أقام النبي عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به، لما اتبعوه وتركوا أهواءهم كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ ٣٨٨ الجُزُ (٢) - البقرة: ١٤٤/٢ -١٤٧ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَأْ اُلْعَذَابَ الْأَلِيمَ ٩٦ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ٩٦/١٠ -٩٧]. ٩٧ وقوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَهُمَّ﴾ [البقرة: ١٤٥/٢] لفظ خبر، ويتضمن الأمر، أي فلا تركن إلى شيء من ذلك. ثم أخبر الله تعالى أن اليهود ليست متّبعة قبلة النصارى، ولا النصارى متّبعة قبلة اليهود، وهذا دليل على اختلافهم وتدابرهم وضلالهم. والخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ للنبي ◌ََّ، والمراد بعض أمته، وهو من يجوز أن يتّبع هواه، فيصير باتباعه ظالماً، وليس يجوز أن يفعل النبي ◌َّير ما يكون به ظالماً، فهو محمول على إرادة أمته، لعصمة النبي وَّه، ويقيننا أن ذلك لا يكون منه، وخوطب النبي وَ ل تعظيماً للأمر، ولأنه المنزل عليه القرآن. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ اُلْمُمْتَرِينَ﴾ أي الشاكّين، الخطاب للنبي وَّ، والمراد أمته. ومما يوضح عناد أهل الكتاب واستكبارهم عن قبول الإسلام أو الحق: أنهم ولا سيما علماؤهم يعرفون نبوة محمد وَّله وصدق رسالته، كما يعرفون أبناءهم، وخصّ الأبناء في المعرفة بالذكر دون الأنفس؛ لأن الإنسان قد ينسى نفسه، ولا ينسى ابنه. روي أن عمر قال لعبد الله بن سَلام: أتعرف محمداً وَلـ كما تعرف ابنك؟ فقال: نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه، إلى أمينه في أرضه، فعرفتُه، وابني لا أدري ما كان من أمّه. وأهل الكتاب يكتمون الحق يعني محمداً وَطهر، ويعلمون نبوته، وهذا ظاهر في صحة الكفر عناداً، مثل قوله تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤/٢٧]، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِدَّءٍ﴾ [البقرة: ٢/ ٨٩]. والحق: وهو استقبال الكعبة وغيره، من الله، لا ما أخبر به اليهود من ٣٨٩ لِلُ (٢) - البَقَرة: ١٤٨/٢ -١٥٢ قبلتهم، ولا ما أخبر به النصارى، فالقول الفصل هو للوحي الإلهي، لا لأهواء الجاحدين. والمراد بالخطاب في قوله: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ اٌلْمُمْتَرِينَ﴾ في المعنى هو الأمة. والنهي عن كونه منهم أبلغ من النهي عن نفس الفعل، فقولك: لا تكن ظالماً أبلغ من قولك: لا تظلم. والخلاصة: أن جحدهم تحويل القبلة عناد ومكابرة؛ لأنهم يعلمون علم اليقين نبوة محمد رَّل، ومتى ثبتت نبوته كان كل ما يفعله إنما هو عن وحي من ربه. الاختلاف في القبلة وأسباب تحويلها ﴿ وَلِكُلِّ وِجَهَةُ هُوَ مُوَلِيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكْ وَمَا اَللّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ لِئَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (® كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَلِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ ١٥٣ فَذَكُرُونِيّ أَذْكُرَّكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ ١٥١ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ القراءات: ﴿وَلِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّهَا﴾: قرئ: ١- (ولكل) منوناً و(وجهة) مرفوعاً، و(موليها) بكسر اللام، اسم فاعل، وهي قراءة الجمهور. ٢- (مولاها) بفتح اللام، اسم مفعول، وهي قراءة ابن عامر. ٣٩٠ لِلُزُعُ (٢) - البََّقَرَة: ١٤٨/٢ -١٥٢ ﴿ تَعْمَلُونَ﴾ : وقرأ أبو عمرو: (يعملون). لِثَلًا﴾: قرئ: ١- بالتحقيق، وهي قراءة الجمهور. ٢- بالتخفيف، وهي قراءة نافع، ورسمت الهمزة ياءاً. ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾: قرئ: ١- إلا، أداة استثناء، وهي قراءة الجمهور. ٢- ألا، بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، على أنها للتنبيه والاستفتاح، وهي قراءة ابن عامر، وعلى هذه القراءة يكون (الذين ظلموا) مبتدأ والجملة (فلا تخشوهم) في موضع الخبر. وقرأ ابن كثير: (فاذكرونيَ). الإعراب: ﴿وَلِكُلِّ رِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِهَا﴾: ﴿وِجْهَةُ﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿وَلِكُلِّ﴾ خبره المقدم، والوجهة: جاءت على خلاف القياس؛ لأن القياس أن يقال: جهة، مثل عدة وصلة بحذف الواو، إلا أنهم استعملوها استعمال الأسماء، على خلاف القياس . ﴿هُوَ مُوَلِيهَا﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في موضع رفع صفة لوجهة، و﴿هُوَ﴾ يعود إلى كل، وتقديره: لكل إنسان وجهة مولیها وجهه، ويجوز أن يعود إلى الله تعالى، أي الله موليها إياهم. ﴿كَمَّا أَرْسَلْنَا﴾: الكاف في ﴿كَمَا﴾ متعلق إما بقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾ أي لأتم نعمتي عليكم في تحويل القبلة، كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم، وإما متعلق بقوله: ﴿فَاذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَكُمْ﴾ أي اذكروني كما أرسلنا فيكم ٣٩١ المُ (٢) - البَقَة: ١٤٨/٢ -١٥٢ رسولاً منكم، وإما أن يكون وصفاً لمصدر محذوف، وتقديره: اهتداء كما أرسلنا؛ لأن قبله ﴿تَهْتَدُونَ﴾ البلاغة: هناك جناس الاشتقاق بين ﴿أَرْسَلْنَا﴾ و﴿رَسُولًا﴾ وهناك إطناب بذكر العام بعد الخاص لإفادة الشمول، وهو قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمَ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ بعد قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾. المفردات اللغوية: ﴿وِجْهَةُ﴾ قبلة. ﴿هُوَ مُوَلِّهَا﴾ أي يولّي وجهه في صلاته. ﴿فَأَسْتَبِقُواْ اُلْخَيْرَتِ﴾ بادروا إلى الطاعات وقبولها. ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعَاً﴾ يجمعكم يوم القيامة، فيجازيكم بأعمالكم. ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ اليهود أو المشركين. ﴿حُجَّةٌ﴾ أي مجادلة في التولي إلى غيره، أي لتنتفي مجادلتهم لكم من قول اليهود: يجحد ديننا ويتبع قبلتنا، وقول المشركين: يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته. ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ بالعناد، فإنهم يقولون: ما تحول إليها إلا ميلاً إلى دين آبائه، والاستثناء متصل، والمعنى: لا يكون لأحد عليكم كلام إلا كلام هؤلاء . ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ تخافوا جدالهم في التولي إليها. ﴿وَأَخْشَوْنِ﴾ بامتثال أمري. ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾ بالهداية إلى معالم دينكم. (كَمَآ أَرْسَلْنَا﴾ متعلق بـ (أتم) أي إتماماً كإتمامها بإرسالنا. ﴿وَيُزَكِيْكُمْ) يطهركم من الشرك. ﴿اٌلْكِنَبَ﴾ القرآن. ﴿وَاَلْحِكْمَةَ﴾ العلم النافع، وما في القرآن من الأحكام، وقال بعضهم: الحكمة: السنة النبوية. هذا .. وإن تكرار الأمر باستقبال الكعبة ثلاث مرات [في الآية (١٤٩) ٣٩٢ لُزُرُ (٢) - البقرة: ١٤٨/٢ -١٥٢ لأول مرة، وفي الآية (١٥٠) مرتين]: لتأكيد الأمر بتحويل القبلة في صور مختلفة، وقال القرطبي: الحكمة في هذا التكرار أن الأول: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ لمن عاينها وهو في مكة إذا صلى تلقاءها، والثاني: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ لمن هو ببقية الأمصار وسائر المساجد بالمدينة وغيرها، والثالث: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ لمن خرج في الأسفار، فكان هذا أمراً بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض (١). المناسبة: لما ذكر القبلة التي أمر المسلمين بالتوجه إليها وهي الكعبة، وذكر من تصميم أهل الكتاب على عدم اتباعها، أعلم أن ذلك هو بفعله، وأنه هو المقدر له، وأنه هو موجه كلٌّ منهم إلى قبلته، ففيه تنبيه على شكر الله إذ وفق المسلمين إلى اتباع ما أمر به من التوجه واختيارهم له. التفسير والبيان: تستمر هذه الآيات في تأييد موقف النبي ◌َّليه في اتجاهه إلى الكعبة، وإبطال دعاوى المنكرين. فذكر الله تعالى أن لكل أمة قبلة خاصة بها، فلليهود قبلة، وللنصارى قبلة، وللمسلمين قبلة، وليس لكل الأمم قبلة واحدة، والواجب التسليم لأمر الوحي، وليست القبلة أساس الدين، وإنما المهم التسابق إلى فعل الخيرات، والله يجازي كل عامل بما عمل، والأمكنة في ميزان الله واحدة، فلا تجادلوا في تحويل القبلة، ولا تعترضوا عليه، وقبلة المسلمين واحدة في مختلف أنحاء الأرض، في البر والبحر والجو، ولا فائدة من محاجة المشركين في القبلة، بل اخشوا الله ولا تعصوا له أمراً، فأينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة، فيحاسبكم على أعمالكم، والله على كل شيء قدير. (١) تفسير القرطبي: ١٦٨/٢ ٣٩٣ لُ (٢) - البَقَرة: ١٤٨/٢ -١٥٢ وتفصيل هذا المعنى الإجمالي فيما يأتي: لكل أمة جهة توليها في صلاتها، فإبراهيم وإسماعيل كانا يتجهان نحو الكعبة، وبنو إسرائيل يستقبلون صخرة بيت المقدس، والنصارى يستقبلون المشرق، وهدى الله المسلمين إلى الكعبة، فالقبلة مختلفة باختلاف الأمم، وليست الجهة أساساً في الدين مثل توحيد الله والإيمان باليوم الآخر، والمطلوب التسليم لأمر الوحي، وتنفيذ الطاعات. فبادروا في فعل أنواع الخير، وليحرص كل إنسان على أن يكون سباقاً إليه، مبتعداً عن كل شرّ وضلال، والشأن فقط لعمل البر، والبلاد والجهات ليست أساس القربة إلى الله تعالى، وهي سواء عند الله، والله يأتي بكم في أي مكان تقيمون فيه، ويجمعكم للحساب. والدليل أن الله لا يعجزه أن يحشر الناس يوم الجزاء، مهما بعدت المسافات. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿يَكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِيَبْلُوَّكُمْ فِىِ مَآ ءَاتَنَكُمْ فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨/٥]. والاتجاه إلى الكعبة أو المسجد الحرام شريعة عامة في كل زمان ومكان، ففي أي بقعة كنت، فاتجه جهة المسجد الحرام، وقد أعاد الله الأمر بالتوجه إلى الكعبة ثلاث مرات في هذه الآية، بعد الأمر به مرتين في الآية (١٤٤) ليبين أن الحكم عام في كل زمان ومكان، وذكر القرآن مع كل أمر ما يناسبه: فمع الأمر الأول في الآية (١٤٤) أثبت فيها ذاتها أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أنه الحق. ومع الأمر الثاني في الآية (١٤٩) أوضح أنه الحق الثابت من عند الله، الذي لا يعرض له نسخ ولا تبديل، وأن تولي النبي ◌ُّر إياه هو الموافق للحكمة والمصلحة، وأن الله ليس بغافل عن أعمال الناس، وإخلاصهم في متابعة النبي ◌َّ في كل ما يجيء به من أمر الدين، وسيجازيهم خير الجزاء. وفي ٠ ٣٩٤ لِلُ (٢) - البقرة: ١٤٨/٢ -١٥٢ هذا وعد للمؤمنين الطائعين بنيل المكافأة على أفعالهم، ووعيد للعصاة بمجازاتهم على أعمالهم. ومع الأمر الثالث في الآية (١٥٠) ذكر الله الحكمة في تحويل القبلة وهي منافع ثلاث: اً - ﴿لَِّلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٥٠/٢] - أهل الكتاب والمشركين - حجة على المسلمين، فأهل الكتاب كانوا يعرفون أن النبي الذي يبعث من ولد إسماعيل يكون على قبلته وهي الكعبة، فبقاؤه في اتجاه الصلاة إلى بيت المقدس دائماً طعن في نبوته. ويعلمون أيضاً من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة، فإذا فقدوا تلك الصفة، ربما احتجوا بها على المسلمين. والمشركون كانوا يرون أن نبياً من ولد إبراهيم عليه السلام، جاء لإحياء ملة أبيه، فلا ينبغي له أن يستقبل غير بيت ربه الذي بناه جدّه إبراهيم مع ابنه إسماعيل، فجاء التحويل موافقاً لما يرونه، ودحضت حجة الفريقين، ومن ورائهم المنافقون. لكن الذين ظلموا أنفسهم منهم بالعناد وهم مشركو قريش الذين لا يهتدون بكتاب، ولا يؤمنون ببرهان؛ لأنهم السفهاء، لا تخشوهم في توجهكم إلى الكعبة؛ لأن كلامهم لا يستند إلى دليل معقول، واخشوا صاحب الحق وحده. ومن أقاويل هؤلاء الظالمين الضالين: أن اليهود قالوا: ما تحول إلى الكعبة إلا ميلاً لدين قومه، وحباً لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء قبله. وقال المشركون: رجع إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا، وقال المنافقون: إنه غير مستقر على قبلة، بل هو متردد مضطرب. وكل تلك الآراء لا حجة صحيحة فيها، ولا برهان يقبله العقل منها، وإنما هي جدل في دين الله، وذريعة إلى عدم الإيمان برسالة محمد وَله، فاثبتوا أيها المؤمنون على قبلتكم، ولا تخشوا الظالمين في توجهكم إلى الكعبة؛ لأن كلامهم لا سند له من عقل أو هدي سماوي. ٣٩٥ الُزُ (٢) - البَقَة: ١٤٨/٢ -١٥٢ واخشوا الله، فلا تخالفوا ما جاءكم به رسول الله، فهو المنفذ لما وعدكم به، وفي هذا إشارة إلى أن المحق هو الذي يُخشى جانبه، وأما المبطل فلا يؤبه له. ◌َ - ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾ بتخصيصكم بقبلة مستقلة في بيت ربكم الذي بناه جدّكم إبراهيم، وطهّره من عبادة الأصنام والأوثان، وجَعْل أفئدة الناس وشعوب العالم تهوي إليه، وتكون سبباً في تحقيق منافع مادية ومعنوية لا حصر لها، وجَعْل محمد بن عبد الله نبياً عربياً من ولد إبراهيم، وإنزال القرآن عليه بلسان عربي مبين، وظهوره في العرب بين أهله وعشيرته الذين أحبوا أن تكون وجهتهم الكعبة، فكان التحويل إلى الكعبة نعمة تامة من الله على المسلمين والعرب. ◌َّ - ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي ولتهتدوا بالثبات على الحق وعدم المعارضة فيه، فإن الفتنة التي أثارها السفهاء بتحويل القبلة أظهرت قوة الحق والإيمان، وضعف الباطل والكفر، ومحصت المؤمنين، وأظهرت المنافقين، وخذلت الکافرین. . والخلاصة: لقد أتم الله نعمته عليكم باستقلالكم بالبيت الذي جعله قبلة لكم، كما أتمها عليكم بإرسال رسول منكم: وهو محمد بنَّر، يتلو عليكم الآيات التي ترشد إلى الحق، وتهدي إلى سبيل الرشاد، ويقيم لكم الأدلة القاطعة على وحدانية الله وعظيم قدرته، ويطهركم من رجس الوثنية، ويعلمكم ما به تسمو نفوسكم، وتزكو، من أشرف العلوم، واحترام العقل، ونبذ التقليد الأعمى، وجعل الدين عاصماً من كل زيغ وانحراف، كما أنه يطهر نفوسكم من عادات الجاهلية القبيحة مثل وأد البنات، وقتل الأولاد تخلصاً من النفقة، وسفك الدماء لأوهن الأسباب. ويعلمكم القرآن الكريم، ويبين لكم الأحكام الشرعية، والأسرار التشريعية التي من أجلها كان القرآن هدى ونوراً. ٠ ٣٩٦ لُعُ (٢) - البَقَرّة: ١٤٨/٢ -١٥٢ ويعلمكم أيضاً الحكمة: وهي معرفة أسرار الأحكام وغاياتها، وبواعثها على العمل والطاعة، كما يعلمكم السنة النبوية والسيرة الحميدة في شؤون الحياة في السلم والحرب، والقلة والكثرة، والسفر والإقامة. حتى أصبح أصحاب النبي الذين أطلعهم على أسرار التشريع وفقه الدين حكماء علماء أذكياء، وصار الواحد منهم يحكم البلاد، ويقود الأمة، ويقيم فيها العدل ويحسن السياسة، وهو لم يحفظ من القرآن إلا بعضه، لكنه عرف سرّه، وفقه غايته. ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من أخبار المغيبات، وسير الأنبياء، وقصص الأقوام الغابرة، وأحوال الأمم البائدة أو التي كانت مجهولة عند العرب، وغيرهم من أهل الكتاب أيضاً. لهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة، ومقابلتها بذكره وشكره، فقال: ﴿فَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾. أي فاذكروني بالطاعة والامتثال والعمل الصالح، مثل الحمد والتسبيح والشكر، وقراءة القرآن وتدبر آياته، والتفكر في الأدلة الكونية على وجودي وقدرتي ووحدانيتي، والتزام ما أمرتكم به، واجتناب ما نهيتكم عنه، والإيمان بالرسل والاقتداء بهم، أذكرْكم عندي بالثواب والإحسان، وإفاضة الخير، ودوام السعادة والعزة، وأفاخر بكم الملائكة، واشكروا نعمتي التي أنعمتها عليكم بالقلب واللسان واستعمال كل عضو فيما خلق له من الخير والنفع، ولا تكفروا هذه النعم، بصرفها في غير ما يبيحه الشرع، ولا يقره العقل السليم، فإني مجازيكم على ما قدمتم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَإِذْ تَأَذَنَ رَبُّكُمْ لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَإِن كَفَرْتُمْ إِنَّ [إبراهيم: ١٤ / ٧]. عَذَابِ لَشَدِيرٌ (ج)﴾ فقه الحياة أو الأحكام: الاتجاه إلى القبلة وسيلة لتوحيد الأمة، والمقصود الحقيقي إنما هو إخلاص العبادة لله، أياً كانت جهة الاتجاه في الصلاة، فلا يصح استغلال الخلاف بين ٣٩٧ الجزءُ (٢) - البَقَرة: ١٤٨/٢ -١٥٢ أتباع الأديان، وعلى الناس التسابق في الخيرات وأعمال البر والإحسان، وعليهم أيضاً الطاعة في جميع ما أمر الله به، وما تبدل الأوامر بالاتجاه نحو بيت المقدس أولاً، ثم الكعبة بنحو دائم إلا نوع من الابتلاء والاختبار، لمعرفة المؤمنين الصادقين، والكشف عن الكاذبين، وتمييز الخبيث من الطيب، والمسلم من المنافق، فلم يكن تحويل القبلة نقمة، وإنما هو نعمة كبرى. والأمر في قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾ يراد به المبادرة إلى تنفيذ ما أمر الله به، من استقبال البيت الحرام، وإن كان يتضمن الحثّ على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بعموم اللفظ، فإن المعنى المراد - كما قال القرطبي - المبادرة بالصلاة أول وقتها، ويسنّ الإبراد بالظهر عند مالك والشافعي لشدة الحرّ، لما رواه البخاري والترمذي عن أبي ذر الغفاري أن النبي ◌ُّ قال: ((إن شدّة الحرّ من فيح جهنم، فإذا اشتد الحرّ فأبردوا بالصلاة)). وسيكافأ كل إنسان على ما قدّم من عمل، ولن يضيع جهده، والله قادر على أن يأتي بجميع الخلائق يوم القيامة، وقادر على كل شيء، ومن مشتملات قدرته وسعتها الإعادة بعد الموت والبلى في أي مكان، في البر أو البحر. ولا تراجع عن الأمر بالاتجاه نحو الكعبة، بدليل تأكيد الأمر في هذه الآية بالاتجاه نحوها ثلاث مرات، بالإضافة إلى الأمر السابق به مرتين في الآية (١٤٤). وما على المؤمنين إلا الإصرار على الاتجاه في صلاتهم نحو الكعبة. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ استثناء متصل، كما روي عن ابن عباس، واختاره الطبري، وقال: نفى الله أن يكون لأحد حجة على النبي وَلِلّه وأصحابه في استقبالهم الكعبة، والمعنى: لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة، حیث قالوا: ما ولاهم، وتحير محمد في دينه، وما توجّه إلى قبلتنا إلا أنّا كنا أهدى منه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو يهودي أو منافق. ٣٩٨ الزُ (٢) - البَفَرة: ١٤٨/٢ -١٥٢ والتهوين من شأن الكفار، وشدّ أزر المؤمنين، والنهي عن خشية الظالمين في التوجه إلى الكعبة، فيه إيماء إلى أن صاحب الحق هو الذي يخشى جانبه، وأما المبطل فلا يؤبه له. وقوله تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيَكُمْ رَسُولًا﴾: دلّ هذا التشبيه على أن النعمة في القبلة كالنعمة في الرسالة، وهو تشبيه يدلّ على عظم شأن تحويل القبلة إلى الكعبة. وأما قوله سبحانه: ﴿فَأَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَكُمْ﴾ ففيه الإشادة بصرح العدل بين الناس، والمعنى: اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة، كما قال سعيد ابن جبير، وقال أيضاً: الذكر: طاعة الله، فمن لم يطعه لم يذكره، وإن أكْثَرَ التسبيحَ والتهليلَ وقراءةَ القرآن. وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: ((يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي، وأنا معه، إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً .. )) والمراد: ذكر القلب الذي يجب استدامته في عموم الحالات. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ فهو تحذير من الله لهذه الأمة، حتى لا تقع فيما وقعت فيه الأمم السابقة، إذ كفرت بأنعم الله، فلم تستعمل العقل والحواس فيما خلقت من أجله، فسلبها ما وهبها. ٣٩٩ الُءُ (٢) - البَقَرة: ١٥٣/٢-١٥٧ الصبر على البلاء وَلَا ١٥٣) ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَّ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَخْيَّةٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ ١٥٤ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرٍ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَجِعُونَ الصَّبِينَ ١٥٦ أَوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ١٥٧ الإعراب: ﴿أَمْوَاتٌ بَلْ أَخْيٌَّ﴾ مرفوعان؛ لأن كل واحد منهما خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هم أموات، بل هم أحياء. البلاغة: ﴿أَمْوَاتُّ بَلْ أَخْيَةٌ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي لا تقولوا: هم أموات، بل هم أحياء، وبين الأموات والأحياء طباق. ﴿بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ﴾ التنكير للتقليل. ﴿صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ التنوين في الكلمة الأولى والأخيرة للتفخيم، وقوله: ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ لإظهار مزيد العناية بهم. ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فيه قصر الصفة على الموصوف، أي لا مهتدي غيرهم. المفردات اللغوية: ﴿بِالَّبْرِ﴾ الصبر: توطين النفس على احتمال المكاره، أي استعينوا على . الآخرة بالصبر على الطاعة والبلاء. ﴿ وَالصَّلَوَةْ﴾ خصّها بالذكر لتكررها وعظمها، والصلاة في اللغة: الدعاء، وهي من الملائكة: الاستغفار، ومن ٤٠٠ لُ (٢) - البَقَرّة: ١٥٣/٢-١٥٧ الله: الرحمة. ﴿مَعَ الصَّبِينَ﴾ أي معهم بالعون. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾ لنمتحتَّنَكم، من الابتلاء: وهو الاختبار والامتحان ليعلم ما يكون من حال المختبر، والمراد: نصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم، بالخوف من العدو: ضد الأمن، ﴿ وَلْجُوعِ﴾: القحط، ﴿ وَنَقْصٍ مِّنَ اُلْأَمْوَلِ﴾: بالهلاك ﴿ وَالْأَنْفُسِ﴾ بالقتل والموت والأمراض ﴿وَالثَّمَرَتِ﴾ بالجوائح، أي لنختبرنكم، فننظر أتصبرون أم لا ﴿ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ على البلاء بالجنة. والمصيبة: كل ما يؤذي الإنسان في نفس أو مال أو أهل. ونقص الثمرات: قلتها. ﴿صَلَوَاتٌ﴾ مغفرة، والصلاة من الله: التعظيم وإعلاء المنزلة. ﴿ وَرَحْمَةٌ﴾ نعمة، والرحمة: اللطف بما يكون لهم من حسن العزاء والرضا بالقضاء. سبب نزول الآية (١٥٤): نزلت في قتلى بدر، وكانوا بضعة عشر رجلاً، ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين، والسبب أن الناس كانوا يقولون للرجل يقتل في سبيل الله: مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها، فأنزل الله هذه الآية. قال ابن عباس: قتل عمير بن الحمام ببدر، وفيه وفي غيره نزلت: ﴿وَلَا نَقُولُواْ﴾ الآية. التفسير والبيان: كان تحويل القبلة فتنة للناس، لاختبارهم وتمييز المؤمن الحق من المنافق الكاذب، فهو نعمة وليس نقمة، ولكن السفهاء وأهل الكتاب استغلوا هذا الحادث العظيم، وقاموا بحملة من الافتراءات والوشايات لزرع الحقد والبغضاء في النفوس ضدّ المؤمنين، وقد علم الله أن ذلك يستتبع جهوداً مكثفة منهم لتأليب الناس على المؤمنين، وسيؤدي هذا إلى القتال حتماً، ثم حدث القتال فعلاً في سلسلة من المعارك الضارية. فأبان سبحانه في هذه الآيات أن النعمة قد تقترن بالبلاء وألوان المصائب، ولكن لا دواء لتحمل المصيبة ومقاومة الأعداء من المشركين وأهل الكتاب إلا