النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
الُعُ (١) - البَقَرَة: ١١٩/٢-١٢١
بعدها، فلا حرج عليه إن أصروا على الكفرِ والعناد: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ
حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢/٦] ﴿فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ﴾ [فاطر:
٨/٣٥] ﴿فَلَعَلَّكَ بَدَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَدِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا اُلْحَدِيثِ أَسَفًا
﴾ [الكهف: ٦/١٨].
ولا تسأل عن أصحاب النار، فلا يضرنك تكذيبهم لك، ولا تأس عليهم
ولا تحزن، فأنت لم تبعث مُكْرِهاً ولا جَبَّاراً، فتكون مقصراً إن لم يؤمنوا، بل
بعثت معلماً ومبلغاً وهادياً بالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال تعالى: ﴿لَّيْسَ
عَلَيْكَ هُدَنهُمْ وَلَكِنَ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءٌ﴾ [البقرة: ٢٧٢/٢].
وكان النبي وليّ يرجو أن يؤمن أهل الكتاب برسالته، لموافقتهم له في أصل
الدين، من توحيد الله، وتقويم الاعوجاجات والتقاليد الفاسدة، فعز عليه
إعراضهم عن إجابة دعوته، ولسان حالهم يقول: يا محمد مهما تأتنا من بينة،
ومهما فعلت لإرضائنا، فلن نرضى حتى تتبع ملتنا.
والملة: هي الطريقة المشروعة للعباد، والكفر كله ملة واحدة، وتسمى
ديناً؛ لأن العباد انقادوا لمن سنها، وتسمى شريعة؛ لأنها مورد إلى ثواب الله
ورحمته.
فرد الله عليهم: إن هدى الله ودينه الذي هو الإسلام والذي أنزله على
الأنبياء هو الهدى الواجب اتباعه وحده، أما غيره فمبني على الهوى والشهوة،
وهو ما أضافه إليه اليهود والنصارى، فإن اتبعت يا محمد أهواءهم، وما
أضافوه إلى دينهم، بعدما استقر في قلبك من اليقين والطمأنينة بالوحي الإلهي
الذي نزل عليك، ومنه أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه بالتأويل، فالله لا
ينصرك ولا يؤيدك، وإذا لم ينصرك الله ويتولاك، فمن ذا الذي ينصرك من
بعده؟. وفي هذا قطع الأمل للنبي عليه السلام في إسلامهم، لأن رضاهم عنه
معلق بمستحيل: وهو اتباع ملتهم والدخول في دينهم.

٣٢٢
لُ (١) - البَفَرَة: ١١٩/٢-١٢١
وهذا الإنذار للنبي والوعيد هو في الحقيقة خطاب للناس كافة، ممثَّلين في
شخص النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه الإمام والقائد والقدوة.
ثم استدرك الحق سبحانه على ما ذكر قبل، حتى لا ييأس النبي وَلم يأساً
دائماً من إيمان أهل الكتاب، فأخبر بأن بعض الكتابيين يتلون التوراة تلاوة
تدبر وإمعان، ويفهمها حق الفهم، ولا يتعصب تعصباً أعمى، ولا يحرفون
ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله وَ لقر، ولا يبيع آخرته بدنياه، ويسأل الله
الجنة، ويتعوذ من النار، فهؤلاء يدركون أن ما جئت به الحق، فيؤمنون
بالتوراة دون تحريض، ومن يؤمن بها يؤمن بالقرآن والنبي، مثل عبد الله بن
سلام وأشباهه، ومن يكفر بكتابه من المحرفين، فلا يؤمن بك أصلاً، أولئك
هم الهالكون، وكثير ما هم، وهم الذين خسروا سعادة الدنيا والآخرة، وحق
عليهم العذاب؛ لأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، فما
أصبرهم على النار؟! فالمقصود بكلمة ﴿اَلْكِتَبَ﴾ التوراة، وقال قتادة:
المقصود به القرآن، قال القرطبي: والآية تعم. وعلى كلا الحالين، المقصود
بقوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: يتبعونه حق اتباعه، باتباع الأمر والنهي،
فيحللون حلاله ويحرمون حرامه، ويعملون بما تضمنه.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن دين الله وتكاليفه يسر لا عسر، فهو يمتاز بشيئين أساسيين هما : التعقل
والمنطق، والقيام بالواجب قدر الطاقة والوسع، دون إعنات ولا إرهاق.
وليست مهمة الأنبياء لقسر الناس وإكراههم على الإيمان والاعتقاد الحق،
وإنما هي محصورة بالتبليغ والبيان، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر،
والنبي بعد التبليغ لا يكون مسؤولاً عنهم ولا مؤاخذاً بكفر من كفر بعد
التبشير والإنذار.
وإن المساومات الرخيصة على العقيدة الحقة لا تفيد شيئاً، ولا تحقق هدفاً.

٣٢٣
الُ (١) - البَوَرة: ١١٩/٢-١٢١
وإن من يتمسك بدينه الأصلي حتى ولو كان من اليهود والنصارى فلا بد من
أن يؤديه دينه الذي لم يبدله ولم يحرفه إلى الاستمساك بالقرآن والإقرار بنبوة
محمد ◌َلهم؛ لأن دين الله في الأصل ذو جوهر واحد، وعباداته وشرائعه تلتقي
عند غاية واحدة، وهي توحيد الإله والاعتراف بربوبيته، والأخلاق
والفضائل الإنسانية الصحيحة لا يختلف فيها اثنان. وليس غرض اليهود
والنصارى بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو أتاهم بكل ما يسألون
عنه لم يرضوا عنه، وإنما يرضيهم ترك ما هو عليه من الإسلام، واتباعهم.
وفي كل ذلك عبرة للأجيال، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ
لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ [يوسف: ١١١/١٢]. وإن تلاوة كتاب الله ينبغي أن تكون بتدبر
وفهم وإمعان، لا لمجرد التلاوة، كما قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ
﴾ [محمد: ٢٤/٤٧] وقال: ﴿لِيَدَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ
عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَاَ
الْأَلَْبٍ﴾ [ص: ٢٩/٣٨].
والفائدة المنشودة من القرآن هي العمل به، فهو كما ثبت في الحديث
الصحيح: ((والقرآن حجة لك أو عليك)) ومن يتلو القرآن، وهو معرض عن
آياته والعمل به، يكون كالمستهزئ بربه. أما الأمي فعليه سؤال العلماء لشرح
معنى القرآن، وإفهامه مراده: ﴿فَسَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[النحل: ٤٣/١٦].
هذا .. وقد استدل بالآية (١٢٠) أبو حنيفة والشافعي وداود الظاهري
وأحمد بن حنبل على أن الكفر كله ملة واحدة، لقوله تعالى: ﴿مِلَُّهُمْ﴾ فوحد
﴾ [الكافرون: ٦/١٠٩]، وبقوله
الملة، وبقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِيِئُكُمْ وَلِىَ دِينِ
عليه السلام: ((لا يتوارث أهل ملتين شتى)) على أن المراد به الإسلام والكفر،
بدليل قوله عليه السلام: ((لا يرث المسلم الكافر)).
وذهب الإمام مالك، وأحمد في الرواية الأخرى: إلى أن الكفر ملل، فلا

٣٢٤
للْمُرُ (١) - البقرة: ١٢٢/٢-١٢٣
يرث اليهودي النصراني، ولا يرثان المجوسي، أخذاً بظاهر قوله عليه السلام:
((لا يتوارث أهل ملتين)). وأما قوله تعالى: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ فالمراد به الكثرة، وإن
كانت موحدة في اللفظ، بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة، كما تقول: أخذت
عن علماء أهل المدينة - مثلاً - عِلمَهم، وسمعت عليهم حديثهم، يعني
علومهم وأحاديثهم.
والخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ إما للرسول، لتوجه
الخطاب إليه، وإما للرسول، والمراد به أمته. وإذا كان الرسول هو المخاطب
فأمته أولى؛ لأن منزلتهم دون منزلته.
وسبب الآية: أنهم كانوا يسألون المسالمة والهدنة، ويَعِدون النبي ◌َّ
بالإسلام، فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، وأمره بجهادهم.
واستدل الإمام أحمد بقوله: ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ على كفر من اعتقد أن القرآن
مخلوق، فإنه سئل عمن يقول: القرآن مخلوق؛ فقال: كافر، قيل: بِمَ كفَّرته؟
فقال: بآيات من الله تعالى: ﴿ وَلَيِنِ أَتَّعْتَ أَهْوَاءَ هُم بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾
[الرعد: ٣٧/١٣] والقرآن من علم الله، فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر.
والمقصود من تلاوة كتاب الله حق التلاوة: اتباعه حق الاتباع، كما بينا،
قال أبو موسى الأشعري: من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة، وقال
الحسن البصري: هم الذين يعملون بمُحْكَمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويَكِلُون ما
أشكل عليهم إلى عالِهِ.
تذكير بالنعمة وتخويف من الآخرة
﴿يَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَتِىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ
٢٢
وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنَفَعُهَا
شَفَعَةٌ وَلَ هُمْ يُصَرُونَ
٢٣

٣٢٥
الُرُ (١) - البَقَرَة: ١٢٢/٢-١٢٣
المفردات اللغوية
﴿وَأَتَّقُواْ﴾ خافوا ﴿لَّا تَجْزِى﴾ لا تغني ﴿عَدْلٌ﴾ فداء ﴿وَلَ هُمْ يُصَرُونَ﴾
يمنعون من عذاب الله.
التفسير والبيان:
يكرر المولى سبحانه للتأكيد تذكير اليهود بالنعم التي أنعم الله بها عليهم،
لتجديد ثقتهم ونشاطهم، وتشجيعهم وحفز هممهم، وبعث نفوسهم على
الإيمان وحثهم على اتباع النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم، ثم قرن الله
تعالى بالعظة والتذكير التخويف من حساب يوم القيامة.
ففي الآية الأولى يعظ الله اليهود الذين كانوا في عصر التنزيل، ويذكرهم
بالنعم الكثيرة الدنيوية والدينية التي أنعم بها على آبائهم، بإنقاذهم من أيدي
عدوهم، وإنزاله المن والسلوى عليهم، وتمكينهم في البلاد بعد المذلة والقهر،
وإرساله الرسل منهم، وتفضيلهم على عالمي زمانهم، حين كانوا مطيعين
للرسل، مصدقين لما جاءهم من عند ربهم، حتى يتركوا ضلالهم، ويثوبوا إلى
رشدهم. ومن أجلِّ النِّعَم التوراة المنزلة عليهم، فمن شكر النعمة وآمن بجميع
ما فيها، آمن بالنبي ◌َّر المبشر به فيها.
وفي الآية الثانية يحذرهم الله من عذاب يوم القيامة بسبب تحريف التوراة،
والتكذيب برسول الله محمد ێو، ذلك اليوم الذي لا تقضي فيه نفس عن نفس
شيئاً من الحقوق التي لزمتها، فلا تؤاخذ نفس بذنب أخرى، ولا تدفع عنها
شيئاً، ولا يؤخذ منها فدية تنجو بها من النار، ولا يشفع بما يجب عليها
شافع، ولا ناصر ينصرهم، فيمنع عنهم عذاب الله.
فقه الحياة أو الأحكام:
تؤكد هذه الآية ما جاء في صدر السورة، لحث اليهود وغيرهم على اتباع

٣٢٦
لُُ (١) - الَقَرَة: ١٢٤/٢-١٢٦
الرسول النبي الأمي المطابقة صفته لما في التوراة، وتأمرهم ببواعث الإيمان:
وهي تذكر النعم الدينية والدنيوية التي أنعم الله بها على آبائهم، والإقلاع عن
حسد بني عمهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال خاتم النبيين منهم،
وألا يحملهم ذلك الحسد على مخالفته وتكذيبه.
فإن أبوا فإن مصيرهم المحتوم هو الحساب الشديد يوم القيامة، المحقق
الوقوع والنتيجة أو الأثر وهو العقاب، دون أن ينفع الوسطاء أو الشفعاء،
والبدل أو الفداء، والنصر أو المنع من العذاب، ويكون كل امرئ مسؤولاً
عن نفسه، ولا يُسْأَل أحد عن غيره، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ
رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١/٥٢] ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤/٦].
اختبار إبراهيم عليه السلام
وخصائص البيت الحرام وفضائل مكة
وَإِذِ أَبْتَلَىَّ إِرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ فَأَتَمَّهُنِّ قَالَ إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًّا قَالَ
﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا
وَمِن ذُرِّيَّتِيٌّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ
وَأَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ
لِلَّطَّبِفِينَ وَالْعَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَدًّا
١٢٥
ءَمِنَّا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمِتِّعُهُ.
٢٦
قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ: إِلَى عَذَابِ النَّارِّ وَبِئْسَ اُلْمَصِيرُ
القراءات:
﴿عَهْدِى﴾ :
قرأ حفص وحمزة (عَهْدِيْ) وقرأ الباقون (عَهْدِيَ).
﴿ وَاتَّخِذُواْ﴾: قرئ:

٣٢٧
اِلُعُ (١) - البقرة: ١٢٤/٢-١٢٦
١- بكسر الخاء، على الأمر، وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم،
وحمزة، والكسائي.
٢- بفتحها على أنه فعل ماض، وهي قراءة نافع، وابن عامر.
﴿بَيْتِىَ﴾: وهي قراءة: نافع، وهشام، وحفص، وقرئ: (بيتي)، وهي
قراءة الباقين.
﴿فَأُمَتِّعُ﴾: قرئ:
١- مشدداً، على الخبر، وهي قراءة الجمهور على السبعة.
٢- مخففاً، على الخبر، وهي قراءة ابن عامر.
﴿وَيْسَ﴾: وقرئ: (وبيس) وهي قراءة ورش، والسوسي، ووقفاً حمزة.
الإعراب:
﴿وَإِذِ أَبْتَلَىَ إِبْرَهِمَ رَبُّهُ﴾ فيه تقديم المفعول على الفاعل، وهو واجب،
لاتصال الفاعل بضمير يعود على المفعول.
﴿مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم﴾ بدل منصوب من ﴿أَهْلَهُ﴾ بدل بعض من كل، وضمير
﴿مِنْهُم﴾ يعود إلى المبدل منه؛ لأن بدل البعض من الكل، لابد أن يعود منه
ضمير إلى المبدل منه لفظاً أو تقديراً.
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَّتِّعُهُ قَلِيلًا﴾: ﴿وَمَنْ﴾ إما منصوب بفعل مقدر تقديره:
وأرزق من كفر، وإما مرفوع مبتدأ، وهي شرط، و﴿فَأُمَّتِّعُهُ﴾ الخبر والجواب.
و﴿ قَلِيلًا﴾ منصوب إما لأنه صفة لمصدر محذوف، وتقديره: تمتيعاً قليلاً، أو
لأنه صفة لظرف محذوف، وتقديره: زماناً قليلاً.

٣٢٨
الجُزُ (١) - البقرة: ١٢٤/٢-١٢٦
البلاغة:
﴿أَبْتَلَىَّ إِبْرَهِمَ رَبُّهُ﴾ تشريف له، بتكليفه الأوامر والنواهي التي يظهر بها
استحقاقه للإمامة.
﴿وَأَمْنَا﴾ فيه استعمال المصدر محل اسم الفاعل للمبالغة، وتقديره: وآمناً.
و﴿طَهِرَا بَيْتِىَ﴾ إضافة البيت لله عز وجل للتشريف والتعظيم، لا أن هناك
مكاناً محل لله تعالى.
المفردات اللغوية:
﴿أَبْتَىَ إِبْرَهِمَ﴾ اختبره، والابتلاء: الاختبار، أي معرفة حال المختبر
بتكليفه بأمور يشق عليه فعلها أو تركها، ليجازيه عليها . ﴿بِكَلِمَتٍ﴾ أي أوامر
ونواهٍ، قيل: هي مناسك الحج، وقيل خصال الفطرة: وهي المضمضة
والاستنشاق والسواك وقص الشارب وفرق الشعر وقلم الأظفار ونتف الإبط
وحلق العانة والختان والاستنجاء . ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أدَّا هن تامات. ﴿إِمَامًا﴾ قدوة في
الدين أو رسولاً . ﴿ذُرِّيَِّ﴾ أولادي، أي اجعل أئمة منهم. ﴿عَهْدِى﴾
بالإمامة. ﴿اَلِّلِمِينَ﴾ الكافرين منهم، دل على أنه ينال غير الظالم.
﴿اَلْبَيْتَ﴾ بيت الله الحرام أو الكعبة. ﴿مَثَابَةً﴾ مرجعاً ومآباً يثوبون إليه من
كل جانب .﴿ وَأَمْنَّا﴾ مأمناً من الظلم والإغارة الواقعة في غيره، كان الرجل
يلقى قاتل أبيه، فلا يتعرض له ﴿مَّقَامِ إِبْرَهِمَ﴾ هو الحجَرُ الذي قام عليه عند
بناء البيت . ﴿مُصَلّى﴾ مكان صلاة، بأن تصلوا خلفه ركعتي الطواف.
﴿طَهِرَا بَيْتِىَ﴾ من الأوثان. ﴿وَالْعَكِفِينَ﴾ المقيمين فيه، الملازمين له.
و﴿ الثَّمَرَتِ﴾ المأكولات التي تخرجها الأرض. والاضطرار: الإلجاء والحمل
على الشيء أو الإكراه.

٣٢٩
لِلُعُ (١) - البَفَقَة: ١٢٤/٢-١٢٦
سبب نزول الآية (١٢٥):
﴿ وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلّى﴾: روى البخاري وغيره عن عمر قال:
وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو أخذت من مقام إبراهيم
مصلى، فنزلت: ﴿ وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَّى﴾. وقلت: يا رسول الله، إن
نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية
الحجاب، واجتمع على رسول الله وَ له نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: ﴿عَسَى
رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجًا خَيْرًا مِّنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥/٦٦] فنزلت.
المناسبة العامة للآيات:
بعد أن ذكّر الله تعالى بني إسرائيل نعمه، وأبان كيف قابلوا النعم بالكفر
والجحود، أعقب ذلك بقصة إبراهيم عليه السلام أبي الأنبياء، الذي يزعم
اليهود والنصارى انتماءهم إليه، ولو صدقوا لاتبعوا النبي محمداً وَّل، لأنه
أثر دعوة أبيه إبراهيم حين دعا لأهل الحرم، فالكلام كله متصل مع أهل
الكتاب.
التفسير والبيان:
واذكر يا محمد لقومك المشركين وغيرهم حين اختبر الله إبراهيم ببعض
التكاليف من أوامر ونواهٍ، فأتى بها على وجه الكمال، وأداها خير أداء، كما
[النجم: ٣٧/٥٣]. وبما أن الله تعالى
قال سبحانه: ﴿وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَقَّ
عالم بصدق المُخْتَبَرِ، فكان المراد أنه عامله معاملة المختبر، ليظهر ذلك للخلق.
والمراد من ذكر الوقت في قوله ﴿وَإِذْ أَبْتَلَىَ﴾ ما وقع فيه من الحوادث. ولم
يعين القرآن الكلمات، فقيل: هي مناسك الحج، وقيل: إنها الكوكب
والشمس والقمر التي رآها واستدل بأفولها على وحدانية الله تعالى، وقيل: غير
ذلك.

٣٣٠
الجُمُ (١) - الفقرة: ١٢٤/٢-١٢٦
فجازاه الله تعالى أحسن الجزاء، وقال له: إني جاعلك للناس رسولاً
وإماماً تؤمهم في دينهم، ويأتمون بك في هذه الخصال، ويقتدي بك
الصالحون، فدعا الناس إلى ملة التوحيد ونبذ الشرك.
قال إبراهيم: وجاعل بعض ذريتي كذلك؟ متمنياً لذريته الخير في سلوكهم
ودینهم وأخلاقهم، ولا غرو فالإنسان يتمنى أن يكون ابنه أحسن منه.
فأجابه الله تعالى: أجبتك إلى طلبك، وسأجعل من ذريتك أئمة للناس،
ولكن لا ينال عهدي بالإمامة أو النبوة الظالمين الذين ظلموا أنفسهم، إذ هم
لا يصلحون أن يكونوا قدوة للناس؛ لأن الإمام قدوة للناس في حراسة الدين
وأهله وحمل الأتباع على الاستقامة، ومنع الجور، فإذا كان الإمام ظالماً لنفسه
بالانحراف، فكيف يقوِّم غيره؟ والمراد بالعهد: النبوة أو الإمامة.
وفيه دليل على مقت الظلم، والتنفير من الظالمين، والبعد عنهم.
ثم ذكَّر الله تعالى العرب في هذه الآيات بنعم كثيرة، منها: جعل البيت
الحرام (الكعبة) مرجعاً للناس يقصدونه، ومآباً يثوبون إليه للعبادة وقت الحج
وغيره، وفي ذلك تنشيط لحركة التجارة والاقتصاد وجلب الخير، ومنها جعله
مأمناً يطمئن إليه الأفراد من المخاوف، فمن دخله كان آمناً، ويتخطف الناس
من حوله، كما قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَّا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ
[العنكبوت: ٦٧/٢٩].
TV
مِنْ حَوْلِهِمَّ أَفَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ
ثم أمر الله المسلمين أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، بأن يفضلوه على
غيره في الصلاة، لشرفه بقيام إبراهيم فيه، فالأمر فيه للندب، لا للوجوب،
والمسلمون مأمورون بذلك كما أمر به المؤمنون المعاصرون لإبراهيم الخليل
عليه السلام.
وهذا البيت طاهر مطهر، وصينا إبراهيم وإسماعيل بتطهيره من الأوثان

٣٣١
الُرُ (١) - البقرة: ١٢٤/٢-١٢٦
وعبادة الأصنام التي كان عليها المشركون قبل أن يصير في يد إبراهيم عليه
السلام، وتطهير من كل رجس حسي أو دنس معنوي كاللغو والرفث والتنازع
فيه، حين أداء المناسك والعبادات كالطواف والسعي بين الصفا والمروة،
والإقامة فيه، والركوع والسجود، وقد روي عن النبي ◌َّ: أنه لما فتح مكة،
دخل المسجد، فوجدهم قد نصبوا على البيت الأوثان، فأمر بكسرها، وجعل
يطعن فيها بعود في يده، ويقول: ﴿جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ
زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١/١٧].
وفيه أن إبراهيم ومن بعده كانوا مأمورين بهذه العبادات، وإن لم تعرف
الكيفية وطريقة الأداء. وسمي بيتاً؛ لأن الله جعله معبداً لأداء العبادة
الصحيحة، وأمر المصلين أن يتجهوا إليه في عبادتهم.
والحكمة في اتخاذ الكعبة مقراً لاتجاه المصلين: هو توحيد المشاعر
والعواطف، وحصر الاتجاه إلى الذات الإلهية المقدسة، رمزاً إلى حضوره
تعالى، والحضور الحقيقي محال عليه، فكان المراد أن رحمته الإلهية تحضره. ومن
ثم كان التوجه إلى الكعبة كالتوجه إلى تلك الذات العلية.
ومن نعمه تعالى على العرب التي أمر الله نبيه أن يذكّرهم بها: دعاء إبراهيم
عليه السلام: أن يجعل هذا البلد في أمن وطمأنينة، فلا يتسلط عليه الجبارون،
ولا يعكر صفوه المجرمون الآثمون، ويحميه سبحانه وتعالى من الخسف والزلزال
والغرق والهدم ونحو ذلك من مظاهر سخط الله على بلاد أخرى.
ودعاؤه أن يرزق أهله من أنواع الثمار وأطيبها، ومن خيرات الأرض
وبركاتها وأمنها، إما بالزرع بالقرب منه، وإما بأن تجبى إليه من الأقطار
الشاسعة، وقد حصل كل ذلك، كما هو مشاهد، وكما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ
ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْبَىَّ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِّزْقًا مِّن لَُّنَا وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧/٢٨].

٣٣٢
لِلُ (١) - الَفَرَة: ١٢٤/٢-١٢٦
وفي إجابة دعاء إبراهيم تكريم للمؤمنين، وإن كانت رحمة الله شاملة
للمؤمنين والكافرين، فيرزق الله الجميع، كما قال تعالى: ﴿كُلَّا نُمِّدُّ هَتَؤُلَاءٍ
﴾ [الإسراء: ٢٠/١٧]
٢٠
وَهَؤُلَاءٍ مِنْ عَطَاءِ رَيِّكْ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَيِّكَ مَحْظُورًا
لكن تمتيع الكافر بنعم الدنيا قصير محدود، ثم إلى النار، فمن كفر يرزقه الله
أيضاً، وبمتعه بهذا الرزق أمداً قليلاً، وهو مدة وجوده في الدنيا، ثم يساق إلى
عذاب جهنم سوقاً اضطرارياً، وبئس المصير مصيرهم الذي ينتظرهم.
وفيه ترغيب لعرب قريش بالإيمان، وزجر عن الكفر، وترهيب لهم ولأهل
الكتاب من الإعراض عن دعوة الإسلام، فالله تعالى خص طلب الرزق
للمؤمنين، إشارة إلى جدارتهم واستحقاقهم له.
فقه الحياة أو الأحكام:
النبوة أو الإمامة في الدين الصالحة الدائمة الأثر تتطلب الاستقامة على
أوامر الله واجتناب نواهيه، والإمامة المؤقتة القائمة على الانحراف والظلم تحفر
لنفسها قبرها بيدها، وتدمر كيانها، وتقوض عرش وجودها. فالظلم مانع من
الإمامة ومن اتخاذ الظالم قدوة للناس. ولا تكون الإمامة الصالحة أو النبوة إلا
للأفاضل الذين يعملون الصالحات، ويرشدون إلى الخير، ويزجرون أنفسهم
وغيرهم عن الشر والآثام، ولاحظً للظالمين في شيء من هذا؛ لأن الظلم
مؤذن بخراب المدنيات، وتدمير الحضارة والعمران.
واستدل جماعة بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل والإحسان
والفضل، مع القوة على القيام بذلك. فأما أهل الفسوق والجور والظلم،
فليسوا له بأهل، لقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ﴾.
والذي عليه أكثر العلماء: أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج
عليه؛ لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن والخوف، وإراقة الدماء،
وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض.

٣٣٣
المُ (١) - الْبَقَة: ١٢٤/٢-١٢٦
وإن تعظيم البيت الحرام بالطواف حوله والسعي فيه أمر قديم من عهد أبینا
إبراهيم عليه السلام، وتخصيصه بالاتجاه إليه رمز لوجوده تعالى هناك، مع أن
ذاته العلية لا تتحدد بمكان، وحضوره تعالى معناه حضور رحمته، وإفاضة
فضله، وإسباغ نعمه، وإجابة الدعاء فيه.
والجدير بالرزق الإلهي: من آمن بالله واليوم الآخر، وأطاع ربه، واستقام
على أوامر الله، واجتنب ما نهى الله عنه.
والإنسان مخير في اختيار الحق والطيِّب والتزام جادة الاستقامة، وترك
الباطل والخبيث، بما أعطاه الله من العقل، وبما أرشده به من الوحي، فمن
حاد عن ذلك، فقد ظلم نفسه، وعرَّضها للعذاب والشقاء، ويكون ذلك سبباً
لحمله على العذاب، وإلجائه إليه، وصب السخط عليه والانتقام منه.
وأما الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم: فهي الوظائف التي كلفه بها،
ولما كان تكليفها بالكلام سميت به، كما يسمى عيسى بالكلمة؛ لأنه صدر عن
الكلمة، وهي كن، وتسمية الشيء بمقدمته أحد قسمي المجاز.
واختلف العلماء في بيان المراد من الكلمات على أقوال، منها ما يأتي:
أحدها - أنها شرائع الإسلام، وقد أكملها إبراهيم عليه السلام، فما قام
أحد بوظائف الدين مثله، ثم قام بها بعده كثير من الأنبياء عليهم السلام،
وخصوصاً محمداً ﴿1، قال ابن عباس: ما ابتلى الله أحداً بهن، فقام بها كلها
إلا إبراهيم عليه السلام، ابتُلي بالإسلام، فأتمه، فكتب الله له البراءة، فقال:
﴿وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَقََّ (﴾﴾ [النجم: ٣٧/٥٣].
الثاني - أنها الفطرة التي أقامها الله تعالى فيه. روت عائشة في الصحيح عن
النبي ◌َّ أنه قال: ((عَشْر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية،
والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم (غسل عُقَد

٣٣٤
الُ (١) - البَقَرة: ١٢٤/٢-١٢٦
ظهور الأصابع لاجتماع الوسخ فيها)، وحلق العانة، ونَتْف الإبط،
وانتقاص الماء أي الاغتراف منه، ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة)).
الثالث - أنها الكوكب والشمس والقمر، التي رآها واستدل بأفولها على
وجود الله تعالى ووحدانيته، وهذا القول هو الذي فسر به ابن كثير (الكلمات)
ثم أورد قول ابن جرير الطبري وحاصله: أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات
جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه
المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع. ثم قال: ولم يصح في ذلك خبر، بنقل
الواحد، ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له.
الرابع - قال ابن عباس: ((الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن:
فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجة نمرود في الله، وصبره على
قذفهم إياه في النار ليحرقوه، والهجرة من وطنه جين أمر بالخروج عنهم، وما
ابتلي به من ذبح ابنه حين أمر بذبحه)) ويظهر أن هذا أصح الأقوال.
واختلف العلماء أيضاً في تفسير الأمن على أربعة أقوال:
الأول - أنه أمن من عذاب الله تعالى، والمعنى أن من دخله معظّماً له،
وقصده محتسباً الأجر، سلم من العذاب، ويعضده قول النبي صَلّ في
الصحيح: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)).
الثاني - معناه: من دخله كان آمناً من التشفي والانتقام. كما كانت العرب
تفعله فيمن أناب إليه، من تركها لحق يكون لها عليه.
الثالث - أنه أَمْنٌ مِنْ حَدّ يقام عليه، فلا يقتل به الكافر، ولا يقتص فيه
من القاتل، ولا يقام الحد على المحصن والسارق، قاله أبو حنيفة وغيره.
الرابع - أنه أمن من القتال، لقوله وهو في الحديث الصحيح: ((إن الله

٣٣٥
اِلُعُ (١) - البَقَرة: ١٢٤/٢-١٢٦
حبس عن مكة الفيل، وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، ولم تحل لأحد قبلي،
ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار)).
قال ابن العربي: والصحيح فيه القول الثاني، وهذا إخبار من الله تعالى عن
منَّته على عباده، حيث قرر في قلوب العرب تعظيم هذا البيت، وتأمين من لجأ
إليه، إجابة الدعوة إبراهيم وَلغيره، حين أنزل به أهله وولده، فتوقع عليهم
الاستطالة، أي الاعتداء، فدعا أن يكون أمناً لهم، فاستجيب دعاؤه(١).
والصحيح من اتخاذ مقام إبراهيم مصلى معناه: موضعاً للصلاة المعهودة،
كما بان في سبب نزول الآية السابق ذكره عن عمر رضي الله عنه، واتضح منه
أربعة أمور: وهي أن ذلك الموضع هو المقام المراد في الآية، وأن المراد به
الصلاة المتضمنة للركوع والسجود، لا مطلق الدعاء، وأن الصلاة عقب
الطواف، وأن ركعتي الطواف مطلوبتان، وهما عند المالكية: واجبتان، فمن
ترکهما، فعليه دم.
وقال الجصاص الحنفي عن قوله تعالى: ﴿ وَتَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلّ﴾
هو أمر ظاهره الإيجاب، والمراد بالآية فعل الصلاة بعد الطواف، وقد روي
أن النبي ◌َّ﴿ قد صلاهما عند البيت، فدلت هذه الآية على وجوب صلاة
الطواف، ودل فعل النبي وَّ لها تارة عند المقام، وتارة عند غيره على أن فعلها
عنده ليس بواجب.
ويفهم من قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ﴾ عدم جواز تولية الظالم،
أو الفاسق، ولا فرق بين القاضي وبين الخليفة في أن شرط كل واحد منهما
العدالة، وأن الفاسق لا يكون خليفة ولا يكون حاكماً، كما لا تقبل شهادته
ولا خبره لو روى خبراً عن النبي عليه السلام.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٣٨/١-٣٩

٣٣٦
لُ (١) - البَكَفَرَة: ١٢٤/٢-١٢٦
قال ابن خُوَيْزِ مَنْدا: وكل من كان ظالماً لم يكن نبياً ولا خليفة ولا حاكماً
ولا مفتياً، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا
تُقبل شهادته في الأحكام، غير أنه لا يُعزل بفسقه، حتى يعزله أهل الحل
والعقد.
وقال أيضاً: وأما أخذ الأرزاق (المخصصات المالية) من الأئمة الظلمة فله
ثلاثة أحوال: إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذاً على موجب الشريعة فجائز
أخذه، وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجاج وغيره. وإن كان مختلطاً
حلالاً وظلماً، فالورع تركه، ويجوز للمحتاج. وإن كان ما في أيديهم ظلماً
صُرَاحاً فلا يجوز أن يؤخذ من أيديهم(١).
وقال الجصاص: دل قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ﴾ على أن
الإجابة وقعت له في أن ذرية إبراهيم أئمة.
واستدل أبو حنيفة بقوله تعالى: ﴿وَأَمْنًا﴾ على ترك إقامة الحد في الحرم على
الزاني المُحْصَن والسارق إذا لجأ إليه، وعضدوا ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ
كَانَ ءَامِنَّاً﴾ [آل عمران: ٩٧/٣]. والصحيح - كما قال القرطبي - إقامة الحدود
في الحرم، وأن ترك إقامتها من المنسوخ؛ لأن الاتفاق حاصل أنه لا يقتل في
البيت، ويقتل خارج البيت.
وآية : ﴿أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلطَّبِفِينَ وَالْعَكِفِينَ وَاَلُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ استدل بها أبو
حنيفة والشافعي والثوري على جواز صلاة الفرض والنفل داخل البيت
الحرام، قال الشافعي رحمه الله: إن صلى في جوفها مستقبلاً حائطاً من
حيطانها، فصلاته جائزة، وإن صلى نحو الباب، والباب مفتوح، فصلاته
باطلة، وكذلك من صلى على ظهرها؛ لأنه لم يستقبل منها شيئاً.
(١) تفسير القرطبي: ١٠٩/٢ وما بعدها.

٣٣٧
الُّعُ (١) - البقرة: ١٢٧/٢-١٢٩
وقال مالك: لا يصلي في البيت الفرض ولا السُّنن، ويصلي فيه التطوع
(غير الرواتب)؛ غير أنه إن صلى فيه الفرض، أعاد في الوقت، ودليله: ما
رواه مسلم عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد أن النبي وَلّ لما دخل
البیت، دعا في نواحیہ کلھا، ولم یصلِّ فیه حتى خرج منه؛ فلما خرج رکع في
قُبَلِ الكعبة ركعتين.
والحاصل: لا خلاف في صحة التطوع في الكعبة، وأما الفرض فلا يصح
عند المالكية؛ لأن الله تعالى عين الجهة بقوله تعالى: ﴿ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةُ» .
وأما الصلاة على ظهر الكعبة، فأجازها الشافعي، وقال مالك: من صلى
على ظهر الكعبة، أعاد في الوقت. وقال أبو حنيفة: من صلى على ظهر الكعبة،
أعاد في الوقت. وقال أحمد: من صلى على ظهر الكعبة، فلا شيء عليه.
وهل الصلاة عند البيت أفضل أو الطواف به؟ اختلفوا، فقال مالك:
الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل. والجمهور على أن
الصلاة أفضل.
بناء البيت الحرام ودعاء إبراهيم وإسماعيل
﴿ وَإِذْ يَرِفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّا نَقَبَّلْ مِنَّأْ إِنَّكَ أَنْتَ
رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَتِنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (
مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآَ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿ رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ
يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكْبِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
١٢٩٦
الْحَكِيمُ
القراءات:
﴿وَأَرِنَا﴾: قرئ:

٣٣٨
الْمُعُ (١) - البقرة: ١٢٧/٢-١٢٩
١- (وأرْنا) بإسكان الراء، وهي قراءة ابن كثير، والسوسي.
٢- (وأرنا) بالاختلاس، وهي قراءة أبي عمرو.
٣- (وأرِنا) بالإشباع، وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّاً﴾ أي يقولان: ربنا تقبل منا، فحذف ((يقولان)) وحذف
القول كثير في كتاب الله وكلام العرب.
البلاغة:
﴿وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهِمُ﴾ عبر بالمضارع عن الماضي، لاستحضار الصورة
الماضية وكأنها مشاهدة بالعيان، فكأن السامع ينظر ويرى إلى البنيان وهو
يرتفع، وإلى البنَّاء وهو إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ من صيغ المبالغة، على وزن فُعال وفعيل.
المفردات اللغوية:
﴿اَلْقَوَاعِدَ﴾ واحدها قاعدة. وهي ما يقوم عليه البناء من الأساس أو من
طبقات البناء، فالقواعد: هي الأسس أو الجدران. ورفعها: إعلاء البناء
عليها. وتقبَّل الله العمل: قبله ورضي به.
﴿مُسْلِمَيْنِ﴾ منقادين لك ﴿أُمَّةٌ﴾ جماعة ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآَ﴾ أي اجعل من
أولادنا. ومن للتبعيض، وأتى به لتقدم قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ﴾،
﴿مَنَاسِكَا﴾ شرائع عبادتنا أو حجنا، واحدها منسك - بفتح السين، من
النسك: وهو غاية الخضوع والعبادة، وشاع استعماله في عبادة الحج خاصة،
كما شاع استعمال المناسك في معالم الحج وأعماله لما فيها من الكلفة والبعد

٣٣٩
الُمُْ (١) - النَّقَرة: ١٢٧/٢-١٢٩
عن العادة. ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ سألاه التوبة، مع عصمتها تواضعاً وتعليماً
لذريتهما. وتاب العبد إلى ربه: إذا رجع إليه؛ لأن اقتراف الذنب إعراض عن
الله وعن موجبات رضوانه، وتاب الله على العبد: رحمه وعطف عليه.
﴿ وَأَبْعَثْ فِيهِمْ﴾ أي أهل البيت ﴿رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ من أنفسهم، وقد أجاب الله
دعاءه بمحمد وَلِ ﴿اَلْكِنَبَ﴾ القرآن ﴿وَاَلْحِكْمَةَ﴾ أسرار الأحكام الدينية
ومعرفة مقاصد الشريعة ﴿ وَيُزَكْبِهِمْ﴾ يطهر نفوسهم من دنس الشرك وأنواع
المعاصي ﴿اُلْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ أي الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه
الحكمة والمصلحة.
المناسبة:
بعد أن ذكَّر الله تعالى العرب بما أنعم عليهم من فضائل البيت الحرام،
أردف ذلك بتذكيرهم بأن الذي بنى البيت هو أبوهم إبراهيم مع ابنه إسماعيل،
ليجذبهم بذلك إلى الاقتداء بسلفهم الصالح الذي ينتمون إليه، وقد كانت
قريش تنتسب إلى إبراهيم وإسماعيل، وتدعي أنها على ملة إبراهيم، وسائر
العرب في ذلك تبع لقريش.
التفسير والبيان:
واذكر يا محمد لقومك وقت أن بنى إبراهيم وابنه إسماعيل قواعد البيت
وأساسه، والفضيلة في كون البنَّاءَيْنِ نبيين، وفي تخصيصه للعبادة وسط بلاد
وثنية، لا في أفضلية أحجاره ولا موقعه ولا بأنه نزل من السماء، وجعل
التوجه إليه توجهاً إلى الله الذي لا يحده مكان ولا تحصره جهة، وعُدَّ استلام
الحجر الأسود تعبدياً كاستقبال الكعبة في الصلاة، فلا مزية له في ذاته، بل هو
كسائر الأحجار بدليل عمر بن الخطاب عند استلامه: ((أما والله، إني أعلم
١٠

٣٤٠
الُعُ (١) - البَقَرَة: ١٢٧/٢-١٢٩
أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله وعليه قبّلك ما قبَّلتك،
ثم دنا فقبّله)) (١).
وفي أثناء إقامة البناء يدعو إبراهيم وإسماعيل قائلين: ربنا إنك أنت السميع
لدعائنا، العليم بنياتنا في جميع أعمالنا. ربنا واجعلنا منقادين لك، ومخلصين
في الاعتقاد فلا نتوجه إلا إليك، ولا نستعين بأحد إلا بك، وفي العمل بألا
نقصد بعملنا إلا مرضاتك. ربنا واجعل من ذريتنا جماعة مخلصة لك، منقادة
لأوامرك، ليستمر الإسلام دائماً في الأجيال، ربنا بصّرنا وعرفنا أمور عبادتنا
ومواضع نسكنا، أي أعمال الحج، كمواقيت الإحرام، وموضع الوقوف
بعرفة، وموضع الطواف والسعي، واقبل توبتنا، إنك أنت التواب الرحيم،
أي كثير التوبة على عبادك بقبولها منهم، الرحيم بالتائبين لإنجائهم من
العذاب.
وهذا منهما إرشاد لذريتهم، وطلب للتثبت والدوام على الطاعة، لا أنهما
كان لهما ذنب؛ لأن الأنبياء معصومون، وليبينوا للناس بعد معرفة المناسك
وبناء البيت أن ذلك الموقف وتلك المواضع، مكان التطهر من الذنوب وطلب
التوبة.
ربنا وأرسل في الأمة المسلمة رسولاً منهم، ليكون أشفق عليهم، ويكونوا
أعزَّ الناس به، وأقرب لإجابة دعوته، وقد عرفوه معرفة تامة، ولمسوا منه
الصدق والأمانة والعفة والاستقامة، ونحو ذلك، يقرأ عليهم آيات دينك
المشتملة على إثبات وحدانية الله، وعلى الإقناع بالبعث والجزاء، ويعلمهم
القرآن وأسرار الشريعة ومقاصدها، وما تكمل به نفوسهم من العلوم
والمعارف، ويطهرهم من دنس الشرك والوثنية وأنواع المعاصي، ويعلمهم
(١) رواه البخاري ومسلم.