النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
الُعُ (١) - الْبَقَرَة: ١١١/٢-١١٣
واشتدّ الخصام والنزاع بين أهل الكتاب، فلم يكتفوا بما سبق، بل قالت
اليهود: ليست النصارى على شيء من الدين يعتدّ به، فلا يؤمنون بالمسيح
الذي بشّرت به التوراة، ولا يزالون إلى اليوم يدّعون أن المسيح المبشّر به لما
يأت بعد، وينتظرون ظهوره، وإعادته الملك إلى شعب إسرائيل. وقالت
النصارى: ليست اليهود على شيء من الدين الصحيح، فأنكروا تتميم المسيح
الشريعة اليهود.
قالوا ذلك والحال أنهم أصحاب كتاب يدّعون تلاوته ويؤمنون به،
فالتوراة تبشر برسول منهم يأتي بعد موسى، والإنجيل يقول: إن المسيح جاء
متمماً لناموس (شريعة) موسى، لا ناقضاً، فلو أن اليهود تؤمن بالتوراة،
والنصارى تؤمن بالإنجيل، لما قالوا مثل ذلك؛ لأن كل كتاب نزل من عند
الله، مصدقاً لما سبقه، ومبشراً لما يأتي بعده، وكل منهما مشروع في وقت،
والمعنى: أن دينهم واحد، ترك كل فريق منهم بعضه، وكتاب كل منهم حجة
علیھم.
وهم في هذا الموقف لا يؤمنون بشيء، ولقد قال المشركون عبدة الأوثان
الذين لا يعلمون شيئاً لعدم وجود كتاب سماوي لديهم مثل مقالة أهل
الكتاب، فقالوا لأهل كل دين: لستم على شيء، والله يحكم بين الجميع يوم
القيامة بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة، فهو العليم بما
عليه كل فريق من حق أو باطل، ويجازيهم على بطلانهم أشدّ الجزاء، وأما
الجنة: فهي لمن أخلص العبادة لله، وانقاد له، وأخلص نفسه لربه، لا يشرك
به غيره، وهو محسن أي عامل بأوامر الله، متجنب نواهيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن من شأن أهل الكتاب أن يؤمن كل فريق بكتاب الآخر، ثم يؤمنون
جميعاً بالقرآن؛ لأنهم على علم بأصول الدين والوحي، وإقرار بمبدأ النبوة،

٣٠٢
الجُرُ (١) - البقرة: ١١٤/٢-١١٥
واعتراف بوجود الإله، خلافاً لكفار العرب المشركين عبدة الأصنام
والأوثان؛ لأنهم لا كتاب لهم.
فلا مسوغ لوقوع التنازع والتناقض والتباغض والتعادي والتعاند بين
اليهود والنصارى، وما عليهم إلا أن يعملوا ويؤمنوا بكل ما جاء في كتابهم،
فيهتدوا إلى الإيمان الحق، والتصديق برسالة كل نبي آت.
وطريق النجاة لكل إنسان: هو الإيمان الخالص لله، المتضمن تمام الخضوع
والانقياد لأمر الله، المنزه عن كل شرك، القائم على العمل الصالح والعبادة
الخالصة الله عزّ وجلّ، فلا ينفع الإيمان وحده دون اقترانه بالعمل الصالح.
وليس لأحد أو شعب أن يدّعي أنه أحق برحمة الله دون غيره؛ لأن الله ربّ
العالمين، يجازي كل إنسان بما عمل، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. ولا تقبل
دعوى أحد من غير برهان، فمن ادّعى نفياً أو إثباتاً، فلا بدّ له من الدليل،
وتدل الآية على بطلان التقليد: وهو قبول الشيء بغير دليل. والقرآن ذاته مليء
بالاستدلال على القدرة والإرادة والوجود والوحدانية بالآيات الكونية والأدلة
العقلية، ويكفي دليلاً على وجوده تعالى الخلق والإبداع والتكوين، كما يكفي
دليلاً على وحدانيته عدمٍ صلاح الكون والعالم بتعدّد الآلهة كما قال تعالى:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢/٢١].
ظلم مانع الصلاة في المساجد، وصحة الصلاة في أي مكان
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ◌َّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيَهَا أَسْمُهُ وَسَعَى فِ خَرَابِهَاْ أُوْلَتِكَ مَا
كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَيِفِينَ لَهُمْ فِى الذُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ
عَظِيمٌ ﴿ وَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْغَرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَمَّ وَجْهُ اللَّهِّ إِنَ اللَّهَ وَسِعُ عَلِيمٌ
١١٥

٣٠٣
لُعُ (١) - البَقَة: ١١٤/٢-١١٥
الإعراب:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ مبتدأ وخبر، ولما كان معنى هذا الاستفهام النفي كان خبراً.
﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ في منصوب: إما بدل من ﴿مَسَجِدَ﴾ بدل اشتمال،
كقوله تعالى: ﴿قُئِلَ أَضْحَبُ الْأُخْدُودِ ﴿٣ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴾﴾ [البروج: ٨٥٪
٤-٥] وإما مفعول لأجله، أي لئلا يذكر فيها اسمه، وكراهةً أن يذكر فيها
اسمه، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِ اْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١/٢١]
أي لئلا تميد بهم، وكقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ٤/
١٧٦] أي لئلا تضلوا، وكراهة أن تضلوا.
﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَيِفِينٌ﴾: ﴿أَنْ يَدْخُلُوهَا﴾ في موضع
رفع؛ لأنه اسم ﴿ كَانَ﴾ و﴿لَهُمْ﴾ الخبر، و﴿خَابِفِينَ﴾ منصوب على الحال
من واو ﴿ يَدْ خُلُوهَا﴾.
البلاغة:
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ استفهام بمعنى النفي، أي لا أحد أظلم منه . ﴿لَهُمْ فِى
الذُّنْيَا خِزْىٌ﴾ التنكير للتهويل أي خزي هائل لا يوصف.
﴿عَلِيمٌ﴾ صيغة مبالغة، أي واسع العلم.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ استفهام إنكاري ويفيد النفي. والظلم: وضع الشيء في غير
موضعه. والمسجد: موضع العبادة لله تعالى . ﴿وَسَعَى فِى خَرَابِهَا﴾ تخريبها
وهدمها وتعطيلها، نزلت إخباراً عن الروم الذين خربوا بيت المقدس، أو في
المشركين لما صدوا النبي ◌َّ عام الحديبية عن البيت. ﴿أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ
يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَيِفِينَ﴾﴾ خبر بمعنى الأمر، أي أخيفوهم بالجهاد، فلا
يدخلها أحد آمناً. ﴿خِزْىٌ﴾ ذلّ وهوان بالقتل والسبي وفرض الجزية.
﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هو النار.

٣٠٤
◌ِلُرَءُ (١) - البقرة: ١١٤/٢-١١٥
﴿فَمَّ﴾ هناك. ﴿وَجْدُ اللَّهِ﴾ جهته وقبلته التي رضيها. ﴿وَاسِعُ﴾ يسع فضله
كل شيء، فلا يحصر ولا يتحدد . ﴿عَلِيٌ﴾ شامل العلم بتدبير خلقه.
سبب نزول الآية (١١٤):
هناك روايتان عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية، ففي رواية الكلبي
عنه: نزلت في ططلوس الرومي وأصحابه من النصارى، وذلك أنهم غزوا بني
إسرائيل، فقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذراريهم، وحرفوا التوراة، وخربوا بيت
المقدس، وقذفوا فيه الجيف.
وقال قتادة: هو بختنصر وأصحابه غزوا اليهود، وخربوا بيت المقدس،
وأعانتهم على ذلك النصارى من أهل الروم.
وفي رواية عطاء عن ابن عباس: نزلت في مشركي أهل مكة، ومنعهم
المسلمين من ذكر الله تعالى في المسجد الحرام. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن
عباس: أن قريشاً منعوا النبي وَّر الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام،
فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن مَّنَعَ مَسَجِدَ اَللَّهِ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن أبي زيد قال: نزلت في المشركين، حين صدوا رسول
الله عن مكة يوم الحديبية.
ورجح ابن العربي أنها نزلت في صلاة النبي ◌ََّ قِبَل بيت المقدس، ثم عاد
فصلى إلى الكعبة، فاعترضت عليه اليهود، فأنزلها الله تعالى له كرامة، وعليهم
حجة، كما قال ابن عباس.
وعلى أي حال، العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب، فتشمل أهل
الكتاب ومن على شاكلتهم، وينطبق على ما وقع من تيطس الروماني الذي
دخل بيت المقدس بعد موت المسيح بنحو سبعين سنة، وخربها، وهدم هيكل
سليمان، وأحرق بعض نسخ التوراة، وكان المسيح قد أنذر اليهود بذلك. كما

٣٠٥
الُ (١) - الْبَقَرَّة: ١١٤/٢-١١٥
ينطبق على مشركي مكة الذين منعوا النبي وأصحابه من دخول مكة، وكذلك
على الصليبيين الذين أغاروا على بيت المقدس وغيره من بلاد المسلمين،
وصدهم عن المسجد الأقصى وتخريبهم كثيراً من المساجد، ويتكرر الأمر من
اليهود في الوقت الحاضر بتخريب كثير من مساجد فلسطين، وإحراق المسجد
الأقصى، ومحاولات هدمه المتكررة.
المناسبة:
ذكر النصارى في قوله: ﴿وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ﴾ وذكر المشركون في
قوله: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وفي أي فريق نزلت هذه الآية بسببه،
كان ذلك مناسباً لذكرها.
التفسير والبيان:
لا ظلم ولا اعتداء على الحرمات أشد من منع العبادة في المساجد العامة،
والسعي في تخريبها وهدمها أو تعطيل وظائفها وشعائر الدين فيها، لما في ذلك
من انتهاك حرمة الدين المؤدي إلى نسيان الخالق، وإشاعة المنكرات والفساد
بين الناس. وما كان ينبغي لهؤلاء المخربين أو المعطلين أن يدخلوها إلا بخشية
ومهابة وخوف من عظمة الله والدين وسطوة الإسلام والمسلمين. وقد توعدهم
الله بالذل والهوان في الدنيا، كما حل بالرومان الذين تشتت ملكهم،
وبالعذاب الشديد في الآخرة في جهنم وبئس المصير.
وإذا حيل بين المسلم وبين المساجد، فله أن يصلي في أي مكان، وأينما
توجه المصلي فهو متجه إلى الله، فلله جهة المشرق والمغرب أي أن ذلك له ملك
وخلق، فتجوز الصلاة إليه، والله تعالى عنه راض، مقبل عليه، وهو معه،
لأن الله تعالى واسع لا يحده مكان، ولا ينحصر ولا يتحدد بجهة، وواسع
العلم يعلم كل من اتجه إليه.

٣٠٦
لُعُ (١) - الَقَة: ١١٤/٢-١١٥
فقه الحياة أو الأحكام:
إن تدمير المساجد أو الصد عنها جرم عظيم، لا يرتكبه إلا من فقد
الإيمان، وعادى جوهر الدين، واتبع الأهواء، وحارب الأخلاق
والفضائل، ولم يقدم على تلك الجريمة في الماضي أو في العصر الحاضر،
سواء في ديار الإسلام أو غيرها إلا الملحدون المارقون من الدين، الذين
يبتغون نشر الإلحاد وتقويض دعائم الدين والإسلام.
ومن حمد الله أن دين الإسلام دين السعة واليسر، وبلاد الله تسع المؤمنين،
فلا يمنعهم تخريب مساجد الله أن يولوا وجوههم نحو قبلة الله، أينما كانوا في
أرض الله.
وقد نزلت الآية (١١٥) - كما ذكر ابن جرير الطبري - قبل الأمر بالتوجه
إلى استقبال الكعبة في الصلاة، وفيها إبطال ما كان يعتقده أرباب الملل السابقة
من أن العبادة لا تصح إلا في الهياكل والمعابد.
وبعد الأمر بالتوجه إلى الكعبة يظل المقصود من الآية قائماً، فهي تقرر أمراً
اعتقادياً له صلة بالإيمان الذي يعمر به قلب المؤمن، فأينما كان المؤمنون من
شرق وغرب، فثم وجه الله الذي أمرنا باستقباله، وهو الكعبة.
والحكمة من الاتجاه إلى القبلة، بالرغم من أن القصد هو الله الذي لا يحده
مكان، هو توحيد وجهة العابدين، وتجميع مشاعرهم وعواطفهم في إطار
هدف واحد، ولأنه لما كان من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود، وهو بهذه
الطريقة محال على الله؛ لأن ذاته تعالى ليست محصورة في شيء من خلقه، شرع
للناس مكاناً مخصوصاً يستقبلونه في عبادتهم إياه، وجعل استقباله كاستقبال
وجه الله تعالى.
قال ابن العربي: إن الله تعالى أمر بالصلاة عبادةً، وفرض فيها الخشوع

٣٠٧
اِلُعُ (١) - البَغَرَة: ١١٤/٢-١١٥
استكمالاً للعبادة، وألزم الجوارح السكون، واللسان الصمت إلا عن ذكر
الله تعالى، ونصب البدن إلى جهة واحدة، ليكون ذلك أنفى للحركات، وأبعد
للخواطر، وعُينت له جهة الكعبة تشريفاً له (١).
والخلاصة: هل الآية (١١٥) منسوخة؟ للعلماء رأيان (٢):
رأي يقول: إن هذه الآية نزلت على رسول الله وَل إذناً من الله أن يصلي
المتطوع حيث توجه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة
وشدة الخوف.
ورأي الجمهور: أنها منسوخة، وفيها تسلية للرسول وصل﴿ وأصحابه الذين
أخرجوا من مكة، وفارقوا مسجدهم ومصلاهم، وقد كان رسول الله دليل
يصلي بمكة إلى بيت المقدس، والكعبة بين يديه. فلما قدم المدينة، وجه إلى بيت
المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، ثم صرفه الله إلى الكعبة بعد،
ولهذا يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اُللَّهِ﴾ [البقرة: ٢/
١١٥].
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ: قال ابن
عباس: أول ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا - والله أعلم - شأن القبلة،
قال الله تعالى: ﴿وَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْغَرِبُّ﴾ الآية.
فاستقبل رسول الله ﴿، فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم
صرفه إلى بيته العتيق، ونسخها، فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠/٢].
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ٣٥/١
(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ١٥٧ وما بعدها.

٣٠٨
الجُرُ (١) - الْبَقَرة: ١١٤/٢-١١٥
حكم الخطأ في الاتجاه لغير القبلة:
إذا صلى الإنسان في أثناء الغيم لغير القبلة مجتهداً، ثم بان له بعدئذ أنه صلى
لغير القبلة، فإن صلاته جائزة عند الجمهور (أبي حنيفة ومالك وأحمد)، لكن
في رأي مالك تستحب له الإعادة في الوقت، وليس ذلك بواجب عليه؛ لأنه
قد أدى فرضه على ما أُمر، والكمال يستدرك في الوقت، استدلالاً بالسنة
فيمن صلى وحده، ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في جماعة، أنه يعيد معهم.
ولا يعيد في الوقت استحباباً إلا من استدبر القبلة أو شرَّق أو غرّب جداً
مجتهداً. وأما من تيامن أو تياسر قليلاً مجتهداً، فلا إعادة عليه في وقت ولا
غيره.
وقال الشافعي: لا يجزيه؛ لأن القبلة شرط من شروط الصلاة.
صلاة النافلة على الراحلة:
لا خلاف بين العلماء في جواز النافلة على الراحلة، لما أخرجه مسلم عن
ابن عمر، قال: ((كان رسول الله وَ له يصلي، وهو مُقْبل من مكة إلى المدينة على
راحلته، حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ﴾
[البقرة: ٢ /١١٥].
واختلف الفقهاء في المسافر سفراً لا تقصر في مثله الصلاة (أقل من ٨٩
كم)، فقال المالكية والثوري: لا يتطوع على الراحلة إلا في سفر تقصر في مثله
الصلاة؛ لأن الأسفار التي حُكي عن رسول الله وَلل أنه كان يتطوع فيها،
كانت مما تقصر فيه الصلاة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وداود الظاهري: يجوز التطوع على
الراحلة، خارج المصر، في كل سفر، سواء أكان مما تقصر فيه الصلاة أم لا ؛

٣٠٩
الُ (١) - البقرة: ١١٤/٢ -١١٥
لأن الآثار ليس فيها تخصيص سفر من سفر، فكل سفر يجوز فيه ذلك، إلا أن
يخص شيء من الأسفار بما يجب التسليم له (١).
الصلاة على الغائب:
أجاز الشافعي الصلاة على الغائب، بدليل أن النبي وق وله صلى بأصحابه سنة
تسع من الهجرة على النجاشي ملك الحبشة - واسمه أَصْحَمَة، وهو بالعربية:
عطية، وقد تساءل الصحابة: كيف نصلي على رجل مات، وهو يصلي لغير
قبلتنا؟ فنزلت الآية: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:
١٩٩/٣] (٢) لكن هذا الخبر غريب جداً وهو مرسل أو معضل.
المقصود بوجه الله في القرآن والسنة:
اختلف الناس في تأويل الوجه المضاف إلى الله تعالى في القرآن والسنة (٣)،
فقال جماعة: ذلك من مجاز الكلام؛ إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشاهد
(المخلوق) وأجلها قدراً. والمراد بمن له الوجه: أي الوجود، وعليه يتأول قوله
تعالى: ﴿إِنَّا تُطِعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩/٧٦]. المراد به: لله الذي له الوجه.
[الليل: ٢٠/٩٢]. أي الذي له
وكذلك قوله: ﴿إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىَ
الوجه. قال ابن عباس: الوجه: عبارة عنه عز وجل، كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ
رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ (٣َ﴾ [الرحمن: ٢٧/٥٥]، ومعنى ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾: فثم
الله. وهذا يدل على نفي الجهة والمكان عنه تعالى، لاستحالة ذلك عليه، وأنه
في كل مكان بعلمه وقدرته.
وقال بعض الأئمة: تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من
صفات القديم تعالى وهذا أولى وأحوط.
(١) تفسير القرطبي: ٨٠/٢-٨١
(٢) المصدر السابق
(٣) المصدر السابق: ٨٣/٢

٣١٠
◌ِلُ (١) - البَثُقَرّة: ١١٦/٢-١١٨
افتراءات أهل الكتاب والمشركين
بنسبة الولد لله والمطالبة بتكليمه الناس
﴿ وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَّهْ بَل لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَُّ
قَانِنُونَ
بَدِيعُ السَمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَإِذَا قَضَى أَمْرَا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُرْ كُنْ فَيَكُونُ
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ كَذَلِكَ قَالَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِمُ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمُّ قَدْ بَيَّنَا اُلْأَيَتِ لِقَوْمِ
(OM
يُوقِنُونَ
القراءات:
﴿ وَقَالُواْ﴾ :
وقرأ ابن عامر: (قالوا).
﴿فَيَكُونُ﴾ : قرئ:
١- بالرفع، وهي قراءة الجمهور.
٢- بالنصب، وهي قراءة ابن عامر.
الإعراب:
﴿بَلِ لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِّ﴾ ﴿مَا﴾ رفع بالابتداء، والخبر في المجرور،
أي كل ذلك له ملك بالإيجاد والاختراع. ﴿فَيَكُونُ﴾ قرئ بالرفع والنصب،
فمن قرأ بالرفع جعله عطفاً على قوله تعالى: ﴿يَقُولُ﴾ تقديره: فهو يكون. ومن
قرأ بالنصب، اعتبر لفظَ الأمر، وجوابُ الأمر بالفاء منصوب، والنصب
ضعيف؛ لأن ((كُنْ)) ليس بأمر في الحقيقة.

٣١١
الُ (١) - الْبَقَرة: ١١٦/٢-١١٨
البلاغة:
(سُبْحَنَهُ﴾ جملة اعتراضية لإبطال دعوى الظالمين الذين زعموا لله الولد.
﴿كُلِّ لَّهُ قَائِنُونَ﴾ استعمال صيغة جمع العقلاء في ﴿فَِئُونَ﴾ للتغليب أي
تغليب العقلاء على غيرهم للتشريف.
المفردات اللغوية:
﴿سُبْحَنَةٌ﴾ تنزيهاً له عما يصفون، وتعجباً مما يقول الجاهلون.
﴿قَكِنُونَ﴾ منقادون، والقنوت: الخضوع والانقياد.
﴿بَدِيعُ﴾ مبدع، والإبداع: هو إيجاد الشيء بصورة مخترعة على غير مثال
سابق. ﴿قَضَىّ﴾ أراد. ﴿أَمْرًا﴾ أي إيجاده.
﴿لَوْلًا﴾ هلا. والآية: الحجة والبرهان. والتشابه: التماثل. واليقين: هو
العلم القاطع بالدليل والبرهان.
المناسبة وسبب النزول:
دلت الآيات السابقة على زعم اليهود أن الجنة خاصة بهم، وزعموا أيضاً
كما تفيد الآية هنا أن عزيراً ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله،
وزعم المشركون أن الملائكة بنات الله، فأكذبهم الله جميعاً بالدليل القاطع.
فهذه الآية (١١٦) نزلت في اليهود حيث قالوا: عزير ابن الله، وفي نصارى
نجران حيث قالوا: المسيح ابن الله، وفي مشركي العرب الذين قالوا: الملائكة
بنات الله.
وأما سبب نزول الآية (١١٨): فهو ما أخرجه ابن جرير الطبري عن ابن
عباس، قال: قال رافع بن خزيمة لرسول الله: إن كنت رسولاً من الله كما
تقول، فقل له: فليكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله في ذلك: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ
لَا يَعْلَمُونَ﴾ الآية.

٣١٢
الْجُرُءُ (١) - الْبَقَة: ١١٦/٢-١١٨
وحكى القرطبي: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اُللَّهُ﴾ أي يخاطبنا بنبوتك يا محمد، قال
ابن كثير: وهو ظاهر السياق (١).
التفسير والبيان:
قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال
المشركون: الملائكة بنات الله، ولا فرق بين أن يصدر هذا القول من الجميع
أو البعض؛ فإن أفراد الأمة متكافلون في كل ما يعملون وما يقولون. سبحانه
وتعالى تنزيهاً له عما يدعون، فليس لله حاجة إلى المعونة، وله كل ما في
السماوات والأرض، الكل خاضع لسلطانه، منقاد لإرادته. وهو الذي أبدع
وابتكر السماوات والأرض لا على مثال سبق، ومالك ما فيهن، وإذا أراد
أمراً أوجده فوراً أسرع مما بين حرفي ((كن)) من غير امتناع. والإيجاد والتكوين
من أسرار الألوهية، عبر عنهما بما يقربهما للفهم بقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. وإذا
اختار الله بعض خلقه للنبوة أو الرسالة كالرسل والملائكة، فلا يتجاوز حد
مرتبة المخلوق، ويظل الكل عبيداً لله: ﴿إِن كُلُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلََّ
ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا (﴿4﴾ [مريم: ٩٣/١٩] فمن كان له ما في السماوات والأرض
خلقاً وملكاً، ومن كان له كل ما في الكون منقاد لأمره، ومَن أبدع السماء
والأرض، ومن له أمر التكوين والإيجاد الفوري، أيحتاج إلى الولد والوالد؟!
ويؤيد هذه الآية قول الله تعالى عن مشركي العرب: ﴿وَإِذَا جَآءَتَّهُمْ ءَايَةٌ
قَالُواْ لَن تُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَآ أُوْنِىَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ
رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤/٦] وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوْ لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا
مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴿ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن تَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَنُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ
خِلَلَهَا نَفْجِيرًا ﴿﴿ أَوْ تُتْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأَنِىَ بِاللَّهِ
وَالْمَلَبِكَةِ قَبِيلًا (﴿﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِىِ السَّمَاءِ وَلَن تُؤْمِنَ
(١) تفسير القرطبي: ٩٢/٢، تفسير ابن كثير: ١٦١/١

٣١٣
لِلُ (١) - البَفَة: ١١٦/٢-١١٨
لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُغَزِّلَ عَلَيْنَا كِنَبَا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا
[الإسراء: ٩٠/١٧-٩٣] وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلاً
أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١/٢٥] وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ
﴾ [المدثر: ٥٢/٧٤] إلى غير ذلك من
٥٣
آمْرِىءٍ مِنْهُمْ أَن يُؤْثَى صُحُفَا مُنَشَّرَةً
الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة
لهم به، وإنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من أمم أهل الكتاب
(اليهود والنصارى) وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَن
تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىَ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اَللَّهَ
جَهْرَةٌ﴾ [النساء: ١٥٣/٤] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى
اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥/٢].
أما الذين لا يعلمون من المشركين؛ لأنه لا كتاب لهم، ولا هم أتباع نبي
يبين لهم ما يليق بالألوهية فقالوا: هلا يكلمنا الله بأنك رسوله حقاً، أو يرسل
إلينا ملكاً فيخبرنا بذلك، كما يرسله إليك، أو تأتينا ببرهان على صدقك في
دعواك النبوة، وليس مرادهم من هذه المطالب إلا الاستكبار والعتو والعناد،
والاستخفاف بالآيات البينات، والجحود بالقرآن.
٠٠
ومثل هذه الأسئلة التي يراد منها التعنت، قد قالها من قبلهم من الأمم
الماضية، كما ذكرنا في الآيات المؤيدة لهذه الآية.
قال أهل الكتاب سابقاً مثل قول المشركين، وقد تماثلت قلوبهم
وأرواحهم، وأشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في العمى
والقسوة والعناد والكفر، والألسنة ترجمان القلوب، فما في القلب يعبر عنه
اللسان. والحق واحد، ومخالفته هي الضلال وهو واحد، وإن تعددت طرقه،
واختلفت وجوهه، وآثاره تتشابه، حتى كأنهم متواصون به فيما بينهم، كما
(@)) [الذاريات: ٥٣/٥١].
قال تعالى: ﴿أَنَوَاصَوْ بِدٍ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ

٣١٤
لُرُ (١) - الْبَفَة: ١١٦/٢-١١٨
والله سبحانه بيَّن الآيات وأوضح الدلالات على صدق الرسل أحسن بيان
وأتمه، بما لا يدع مجالاً للشك لدى طالبي الحق بالدليل والبرهان، ولديهم
الاستعداد للعلم واليقين، وعندهم الفهم الصحيح بسبب إنصافهم وصفاء
نفوسهم، وبعدهم عن العناد والمكابرة، وقد كان هذا شأن الصحابة يسألون
النبي ◌َّر فيما لم يعرفوا دليله، لمحبتهم الحق، ووقوفهم عند البينة والدليل،
فهم نماذج المنصفين الموقنين الذين اتبعوا الرسل بقناعة وعقل، وفهموا ما
جاؤوا به عن الله تبارك وتعالى.
وأما من ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، فأولئك قال
الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (@)
وَلَوْ
ـَ﴾ [يونس: ٩٦/١٠-٩٧].
جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَأْ اُلْعَذَابَ الْأَلِيمَ
فقه الحياة أو الأحكام:
إن الاستجابة لنداء الإيمان تتطلب إعمال العقل وتفتح الفكر، وصفاء
النفس، وإدراك حقائق الكون، ولو إدراكاً بسيطاً، وتقتضي تجرداً عن
الحظوظ النفسية، والأهواء الشخصية، وترك العناد. فإذا توافرت هذه
الاستعدادات، تسارع نور الإيمان إلى القلب، فملأ النفس بهجة وسعادة
وطمأنينة: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْحَيِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨/١٣].
أما نسبة الولد لله فهذا جهل بحقيقة الألوهية التي تمتاز بسمو الاتصاف
بشيء فيه نقص من خصال البشر، ولا تحتاج إلى أحد من الخلق، فالله هو
الأحد الواحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. ولا
يكون الولد إلا من جنس الوالد، فكيف يكون للحق سبحانه أن يتخذ ولداً
من مخلوقاته: ﴿مَا أَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهِّ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ
إِلَاِ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
٩١
[المؤمنون: ٩١/٢٣] فالولدية تقتضي الجنسية والحدوث، والقدم يقتضي الوحدانية

٣١٥
اِلُعُ (١) - البقرة: ١١٦/٢-١١٨
والثبوت، فهو سبحانه القديم الأزلي، الواحد الأحد، الفرد الصمد، كما
ذکر.
والمخلوقات كلها تقنُت لله، أي تخضع وتطيع، والجمادات قنوتهم في ظهور
الصنعة عليهم وفيهم.
قال الجصاص عن قوله تعالى: ﴿بَل لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾: فيه
دلالة على أن ملك الإنسان لا يبقى على ولده؛ لأنه نفى الولد بإثبات الملك
بقوله تعالى: ﴿بَل لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ يعني ملكه، وليس بولده(١).
وقال القرطبي: والله تعالى مبدع السماوات والأرض أي منشئها وموجدها
ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال سبق. وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه
قيل له: مبدع. ومنه أصحاب البدع، وسميت البدعة بدعة؛ لأن قائلها ابتدعها
من غير فعل أو مقال إمام، وفي البخاري: ((ونعمت البدعة هذه)) يعني قيام
رمضان.
وكل بدعة صدرت من مخلوق، فلا يخلو إما أن يكون لها أصل في الشرع أو
لا، فإن كان لها أصل، كانت واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه، وحض
رسوله عليه، فهي في حيّ المدح. وإن لم يكن مثاله موجوداً كنوع من الجود
والسخاء وفعل المعروف، فهذا فعله من الأفعال المحمودة، وإن لم يكن الفاعل
قد سُبق إليه. ويَعْضُد هذا قول عمر رضي الله عنه: ((نعمت البدعة هذه)) لَّا
كانت من أفعال الخير وداخلة في حيِّز المدح. وإن كانت في خلاف ما أمر الله به
ورسوله، فهي في حيز الذم والإنكار. وهو معنى قوله وَله في خطبته: ((وشرُّ
الأمور مُحْدثاتها، وكلُ بِدْعةٍ ضلالةٌ)) يريد ما لم يوافق كتاباً أو سنة، أو عمل
الصحابة رضي الله عنهم، وقد بيّن هذا بقوله وَله: ((من سنَّ في الإسلام سنة
(١) أحكام القرآن للجصاص الرازي: ٦٥/١

٣١٦
لِلُرُ (١) - الْبََّثُقَرَّة: ١١٦/٢-١١٨
حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من
أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من
عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)) (١).
أما الخلق والإيجاد فيحدث بمجرد الأمر الإلهي، فإذا قضى أمراً أوجده
فوراً، أي إذا أراد إحكام أمر وإتقانه - كما سبق في علمه - قال له: كن. قال
ابن عرفة: قضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، ومنه سمي القاضي:
لأنه إذا حكم، فقد فرغ مما بين الخصمين.
ويلاحظ أن ((قضى)) لفظ مشترك، يكون بمعنى الخلق، كما في قوله تعالى:
فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢/٤١] أي خلقهن، ویکون بمعنى
الإعلام، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِىَ إِسْرَِّيلَ فِىِ الْكِنَبِ﴾ [الإسراء:
١٧/ ٤] أي أعلمنا، ويكون بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ
إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣/١٧]، ويكون بمعنى الإلزام وإمضاء الأحكام، ومنه
سمي الحاكم قاضياً. ويكون بمعنى توفية الحق، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى
مُوسَى اُلْأَجَلَ﴾ [القصص: ٢٩/٢٨]، ويكون بمعنى الإرادة، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا
قَضَىٌ أَمْرًّا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنَ فَيَكُونُ﴾ أي إذا أراد خلق شيء.
قال ابن عطية: ((قضى)) معناه قدَّر، وقد يجيء بمعنى أمضى(٢).
وبمناسبة قوله سبحانه ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ ذكر العلماء أن الأمر يأتي في
القرآن على أربعة عشر وجهاً :
الأول- الدِّين، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾
[التوبة: ٤٨/٩] يعني دين الإسلام.
(١) تفسير القرطبي ٨٦/٢ -٨٧
(٢) المصدر السابق: ٨٨/٢.

٣١٧
الُ (١) - الْبَقَة: ١١٦/٢-١١٨
ـــ
الثاني - القول، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ١١/ ٤٠] يعني
قولنا، وقوله: ﴿فَتَزَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ٦٢/٢٠] يعني قولهم.
الثالث - العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم: ٢٢/١٤]
يعني: لما وجب العذاب بأهل النار.
الرابع - عيسى عليه السلام، قال الله تعالى: ﴿إِذَا قَضَىّ أمْرًا﴾ [مريم: ١٩/
٣٥] يعني عيسى من غير أب.
الخامس - القتل بيدر، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٠٪
٧٨] يعني القتل ببدر، وقوله تعالى: ﴿لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾
[الأنفال: ٤٢/٨] يعني قتل كفار مكة.
السادس - فتح مكة، قال الله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأَتِى اللَّهُ بِأَمْرِ﴾
[التوبة: ٢٤/٩] يعني فتح مكة.
السابع - قتل بني قريظة وجلاء بني النضير، قال الله تعالى: ﴿فَأَعْفُواْ
وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْرِهٌ﴾ [البقرة: ١٠٩/٢].
الثامن - القيامة، قال الله تعالى: ﴿أَنَىَ أَمْرُ اَللَّهِ﴾ [النحل: ١/١٦].
التاسع - القضاء، قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [الرعد: ٢/١٣] يعني
القضاء.
العاشر - الوحي، قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾
[السجدة: ٥/٣٢] أي يُنزل الوحي من السماء إلى الأرض، وقوله: ﴿يَنَغَزَّلُ الْأَمْرُ
بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢/٦٥] يعني الوحي.
الحادي عشر - أمر الخلق، قال الله تعالى: ﴿أَلَاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾
يعني أمور الخلائق.
٠٠٨

٣١٨
الُ (١) - التَفَرَة: ١١٩/٢-١٢١
الثاني عشر - النصر، قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن
شَىْءٍ﴾ [آل عمران: ١٥٤/٣]، يعنون النصر، ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ يعني النصر.
الثالث عشر - الذنب، قال الله تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ [الطلاق: ٦٥/
٩] يعني جزاء دينها.
الرابع عشر - الشأن والفعل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ
بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧/١١] أي فعله وشأنه، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
أَمْرِهٍِ﴾ [النور: ٦٣/٢٤] أي فعله.
التحذير من اتباع اليهود والنصارى
(١٠) وَلَنْ
﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُشْئَلُ عَنْ أَصْحَبِ الْجَحِيمِ
تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَِّعَ مِلَّتُهُمَّ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ اُلْهُدَىَّ وَلَيِنِ
أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم بَعْدَ الَّذِى جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
٢٠
الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَتْلُونَمُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْخَسِرُونَ
القراءات:
﴿ تُشْشَلُ﴾: قرئ:
١- بضم التاء واللام، وهي قراءة الجمهور.
٢- (ولا تَسألْ)، بفتح التاء وجزم اللام، على النهي، وهي قراءة نافع.
الإعراب:
﴿بَشِيرًا﴾ حال من كاف ﴿أَرْسَلْنَكَ﴾ و﴿وَنَذِيرًا﴾ عطف عليه ﴿وَلَا
تُشَْلُ﴾ قرئ بالرفع على أن ﴿وَلَا﴾ نافية، والجملة خبرية حال، وقرئ بالجزم
(تَسْأَلْ) على أن ﴿وَلَا﴾ ناهية.

٣١٩
إِلُعُ (١) - البَوَرة: ١١٩/٢-١٢١
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما - أن يكون التقدير فيه: مالك من
عذاب الله من ولي، والثاني - أن يكون المعنى: مالك الله ولياً ولا نصيراً،
والعرب تقول مثل هذا بحرف الجر، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنَزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَةً لَّكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ [النحل: ١٠/١٦] أي ماء لكم هو شراب.
﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبتدأ،
و﴿ءَاتَيْنَهُمُ﴾ صلته، و﴿يَتْلُونَهُ﴾ جملة فعلية منصوبة على الحال من ضمير
ءَاتَيْنَهُمْ﴾. و﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِءٌ﴾ خبره. ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ منصوب على
المصدر.
البلاغة:
﴿ أَصْحَبِ الْجَحِيمِ﴾ التعبير عن الكافرين والمكذبين بذلك إيذان بأنه لا
يرجى منهم الرجوع عن الكفر والضلال إلى الإيمان.
﴿هُوَ الْهُدَىّ﴾ تعريف الهدى مع اقترانه بضمير الفصل يفيد قصر الهداية على
دين الله، فهو قصر الصفة على الموصوف .﴿وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُمْ﴾ من باب
التھییج.
المفردات اللغوية:
اَلْجَحِيمِ﴾ النار، وهي جهنم، وأصحابها هم الكفار.
وََّهُمْ﴾ دينهم، ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ هو الإسلام ﴿وَلَيْنٍ﴾ لام قسم ﴿مِنَ
لا
اُلْعِلْمِ﴾ الوحي من الله ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلٍِ﴾ يحفظك ﴿وَلَا نَضِيرٍ﴾ يمنعك
منه.
﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِء﴾ أي بالكتاب المؤتى، بأن يحرفه ﴿الْخَسِرُونَ﴾ الهالكون.

٣٢٠
للجَّعْ (١) - الَفَرَة: ١١٩/٢-١٢١
سبب نزول الآيات (١٢١١١٩):
قيل: نزلت في أبوي النبي ◌َّ، لكن الحديث مرسل غير ثابت. وقال مقاتل
فيما رواه بسنده: إن النبي ◌َّ قال: ((لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا))، فأنزل
الله تعالى: ﴿وَلَا تُشْئَلُ عَنْ أَصْحَبِ الْجَحِيمِ﴾.
وأما الآية (١٢٠): فقال المفسرون: إنهم كانوا يسألون النبي ◌َّ و الهدنة،
ويطمعون أنه إذا هادنهم وأمهلهم اتبعوه ووافقوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال ابن عباس: هذا في القبلة، وذلك أن يهود المدينة ونصارى نجران
كانوا يرجون أن يصلي النبي وَّ إلى قبلتهم، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة،
شق ذلك عليهم، فيئسوا منه أن يوافقهم على دينهم، فأنزل الله تعالى هذه
الآية.
وأما الآية (١٢١): فقال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: نزلت في
أصحاب السفينة الذين أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، كانوا
أربعين رجلاً من الجبشة وأهل الشام. وقال الضحاك: نزلت فيمن آمن من
اليهود. وقال قتادة وعكرمة: نزلت في محمد الحلو.
المناسبة:
لَّا بَيَّن الله الآيات، ذكر من بُينت على يديه، فأقبل عليه وخاطبه وَّ ليُعلم
أنه هو صاحب الآيات، وبعد إثبات الوحدانية أردفه بإثبات النبوة.
التفسير والبيان:
هذه الآية (١١٩) إيناس للنبي وَّي لئلا يضيق صدره، فهي تقرر له أنه
أرسله للناس رسولاً يبشر المؤمنين وينذر الكافرين، ويسعد الناس بالعقيدة
المطابقة للواقع، وبالشرائع والأحكام التي تسعد الناس قاطبة، ويبشر من
أطاعه بالجنة، وينذر من عصاه بالنار، وأن مهمته تبليغ الرسالة دون شيء
.