النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ لُ (١) - الْبَقَرَة: ٩٩/٢-١٠١ الإعراب: بَيْنَتِّ﴾ حال. ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ الهمزة استفهام بمعنى التوبيخ، والواو حرف عطف وكلما : نصب على الظرفية. ﴿ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الكاف حرف تشبيه، لا موضع لها من الإعراب، وموضع الجملة رفعٌ وصفٌ لفريق. البلاغة: ﴿رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ التنكير للتفخيم، ووصف الرسول بأنه آت من عند الله لإفادة مزيد التعظيم ﴿وَرَآءَ نُظُهُورِهِمْ﴾ مثل يضرب للإعراض عن الشيء، فهو كناية عن الإعراض عن التوراة بالكلية. المفردات اللغوية: ﴿وَلَقَّدْ﴾ اللام لام القسم ﴿بَيْنَتِ﴾ واضحات ﴿اُلْفَسِقُونَ﴾ المتمردون من الكفرة، قال الحسن البصري: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي، وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره. واللام في ﴿اُلْفَسِقُونَ﴾ للجنس، والأحسن - كما قال الزمخشري - أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب. ﴿عَهَدُواْ عَهْدًا﴾ على الإيمان بالنبي إن خرج، أو النبي ألا يعاونوا عليه المشركين.﴿نَّبَذَهُ﴾ طرحه، والمراد نقضه، وهو جواب كلما، وهو محل الاستفهام الإنكاري ﴿بَلْ﴾ للانتقال. ﴿ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ أي لم يعملوا بما فيها من الإيمان بالرسول وغيره (كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مافيها من أنه نبي حق أو أنها كتاب الله. ٢٦٢ الُزْعُ (١) - الَقَرة: ٩٩/٢-١٠١ سبب نزول الآية (٩٩): أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن عبد الله بن صوريا قال للنبي ◌َّر: يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فأنزل الله في ذلك: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَتٍ بَيْنَتٍّ﴾. وسبب نزول الآية (١٠٠): أن مالك بن الصيف حين بعث رسول الله، وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد قال: والله ما عهد إلينا في محمد، ولا أخذ علينا ميثاقاً، فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَهَدُواْ عَهْدًا﴾ .. الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى ما جبل عليه اليهود من خبث النفس ونقض العهد، وتكذيب رسل الله، ومعاداة جبريل أمين الوحي عليه السلام، أعقب ذلك أن من عادة اليهود التكذيب بآيات الله، وعدم الوفاء بالعهود، وتكذيب الرسل، والإعراض عن القرآن. وفي ذلك إيناس للنبي ◌ّل حيث عارضوا دعوته، وأعرضوا عن القرآن الكريم. التفسير والبيان: والله لقد أنزلنا إليك يا محمد دلائل واضحات تدل على صدق رسالتك، تقترن أصولها الاعتقادية ببراهينها، وأحكامها العملية بوجوه منافعها وغاياتها المصلحية، فلا تحتاج إلى دليل آخر يوضحها، فهي كالنور يظهر الأشياء، وهو ظاهر بنفسه، ولا يكفر بها إلا المتمردون على آياتها وأحكامها من الكفرة، الذين استحبوا العمى على الهدى، حسداً لمن ظهر الحق على يديه، وعناداً ومکابرة منهم. إنهم كفروا بالله، وكلما عاهدوا عهداً مع الله، أو مع رسول الله نقضه ٢٦٣ الجزءُ (١) - البقرة: ٩٩/٢-١٠١ فريق منهم: ﴿الَّذِينَ عَهَدَثَ مِنْهُمْ ثُمَ يَنَقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ﴾ [الأنفال: ٥٦/٨] بل نقضه أكثرهم، ولم يوفوا به، فاليهود غادرون بمن ائتمنهم، خائنون الأمانة، ناقضون العهود أو العقود والمواثيق، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم، فنقضوه، وأكثرهم لا يؤمنون بالتوراة، وليسوا من الدين في شيء، فلا يعدون نقض المواثيق ذنباً، ولا يبالون به، ولن يؤمنوا أيضاً بالنبي وليه وبالقرآن، كأنهم لا يعلمون أن التوراة كتاب الله، لا يدخلهم فيه شك، يعني أن علمهم بذلك رصين، ولكنهم كابروا وعاندوا ونبذوه وراء ظهورهم. ولما جاءهم محمد وهيله بكتاب مصدق للتوراة في الأصول الدينية العامة، كتوحيد الله وإثبات البعث، والتصديق بالرسل، ترك فريق من اليهود كتاب الله وراء ظهورهم - وهو تمثيل لترکهم وإعراضهم عنه، مثل أي شيء یرمی به وراء الظهر - استغناء عنه، وقلة التفات إليه؛ لأنهم لم ينفذوا بعض ما فيه، ولم يؤمنوا به إيماناً حقاً كأنهم لا يعلمون أن من لم يؤمن بالقرآن الموافق للتوراة، لا يكون مؤمناً بكل منهما، وهو كناية عن الإعراض عن التوراة بالكلية. فقه الحياة أو الأحكام: هذا سجل من قبائح اليهود أوضحه الله تعالى وهو من أخبار الغيب، التي لا يعلمها إلا علام الغيوب، وقد رصد فيه عيوباً أربعة وهي: اً - التكذيب بآيات الله وبيناته وأدلته الواضحة القاطعة على وجوده ووحدانيته وربوبيته ولزوم عبادته وإطاعة أوامره واجتناب نواهيه. أَ - عدم الثقة بهم في أي شيء؛ لأنهم دأبوا على نقض العهود والغدر بالمعاهدین في کل زمان. ٢٦٤ لُ (١) - البقرة: ١٠٢/٢-١٠٣ ٣ - انقطاع الأمل وسد باب الرجاء في إيمان أكثرهم؛ لأن الضلال قد استحوذ عليهم. ٤ - لم ينبذ فريق منهم كتاب الله ((التوراة)) جملة وتفصيلاً، بل نبذوا منه ما يبشر بالنبي ◌ّه ويبين صفاته وما يأمرهم بالإيمان به، فإن ما في كتابهم من البشارة بنبي يجيء من ولد إسماعيل لا ينطبق إلا على هذا النبي الكريم. اشتغال اليهود بالسحر والشعوذة والطلاسم ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَبْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا غَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرٌّ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهَِ وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَنَعَلَُّونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَنَهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقِّ وَلَبِتْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمَّ لَوْ كَانُواْ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَثَقَوْاْ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ١٠٣ ٠٣ يَعْلَمُونَ القراءات: ﴿وَلَكِنَّ﴾: قرئ: ١- بالتشديد، ويجب إعمالها، وهي قراءة نافع، وعاصم، وابن كثير، وأبي عمرو. ٢- بتخفيف النون، ورفع ما بعدها بالابتداء والخبر، وهي قراءة ابن عامر، وحمزة، والكسائي. ﴿وَلَئِنْسَ﴾: قرئ: (ولبيس) وهي قراءة ورش، والسوسي، ووقفاً حمزة. ٢٦٥ لُجُزُ (١) - البَقَرة: ١٠٢/٢-١٠٣ الإعراب: ﴿ وَتَّبَعُواْ﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَيْقٌ﴾ و﴿تَنْلُواْ﴾ أي تتبع بمعنى: تلت، فأقام المستقبل مقام الماضي. ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحَرَ﴾ إما حال من ضمير ﴿كَفَرُوا﴾ أي كفروا معلمين، أو حال من الشياطين، أو بدل من ( كَفَرُوا﴾ لأن تعليم السحر كفر في المعنى، أو خبر ثان لـ ﴿ وَلَكِنَّ﴾. ﴿وَمَآ أُنزِلَ﴾ ما: بمعنى الذي في موضع نصب بالعطف على السحر، أو في موضع نصب بالعطف على ﴿مَا تَنْلُواْ﴾ .. أو في موضع جر بالعطف على ﴿مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ إما معطوف على ﴿يُعَلِّمَانِ﴾ أو معطوف على فعل مقدر، وتقديره: يأتون فيتعلمون، أو معطوف على ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ﴾ أي يعلمونهم فيتعلمون، أو يكون مستأنفاً، وهو الأوجه، والضمير لما دل عليه: ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾. ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ﴾ أي ماهم السحرة بضارين بالسحر أحداً، و﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَنَهُ مَا لَهُ فِى اُلْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾ اللام في ﴿لَمَنِ اشْتَرَسُهُ﴾ لام الابتداء، و (مَن) بمعنى الذي في موضع رفع؛ لأنه مبتدأ، وخبره ﴿مَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ﴾ واشتراه: صلته، و﴿مِنْ﴾ زائدة لتأكيد النفي، و﴿خَلَقَّ﴾ مبتدأ، و﴿لَهُ فِي الْآَخِرَةِ﴾ خبره، والمبتدأ وخبره خبر المبتدأ الأول الذي هو ((مَن)) ولام ﴿لَمَنِ﴾ علّقت ﴿عَلِمُواْ﴾ أن تعمل فيما بعدها. ويجوز أن تكون ((مَنْ)) شرطية. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ﴾ أن ههنا مصدرية، والتقدير: ولو وقع إيمانهم، و﴿ وَلَوْ﴾ حرف يمتنع له الشيء لامتناع غيره، وجوابه ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ و ((مثوبة» مبتدأ، وجاز الابتداء به مع كونه نكرة؛ لأنه تخصص بالصفة وهو ﴿مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ فقرب من المعرفة، وخبره: ﴿خَيْرٌ﴾. ٢٦٦ لُزُ (١) - البَقَة: ١٠٢/٢-١٠٣ البلاغة: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ هذا جار على الأسلوب البلاغي: وهو أن العالم بالشيء إذا لم يجر على موجب علمه قد ينزل منزلة الجاهل به. ﴿لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ عبر بالجملة الاسمية لإفادة الثبوت والاستقرار. المفردات اللغوية: ﴿مَا تَثْلُواْ﴾ أي تلت الشياطين على عهد ملك سليمان من السحر أي في زمان ملكه، والمراد بالشياطين: شياطين الإنس والجن ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ﴾ أي وما سحر، والسحر لغة: كل ما لطف مأخذه وخفي سببه، وسحره: خدعه، والملكان: رجلان صاحبا هيبة ووقار يجلهما الناس ويحترمونهما. وبابل: بلد بالعراق في أرض الكوفة لها شهرة تاريخية قديمة ﴿فِتْنَةٌ﴾ اختبار وابتلاء ﴿أُشْتَرَسُهُ﴾ استبدل ما تتلو الشياطين ﴿خَلَقَّ﴾ نصيب وحظ ﴿شَرَوْا﴾ باعوا. ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾: المثوبة: الثواب. وكان أهل بابل قوماً صابئين يعبدون الكواكب السبعة، ويسمونها آلهة، ويعتقدون أن حوادث العالم كلها من أفعالها، وهم معطّلة لا يعترفون بالصانع الواحد المبدع للكواكب وجميع أجرام العالم، وهم الذين بعث الله تعالى إليهم ابراهيم خليله صلوات الله عليه، فدعاهم إلى الله تعالى، وحاجهم بما بهرهم به وأقام عليهم به الحجة (١). سبب نزول الآية (١٠٢): قال محمد بن إسحاق: قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون من محمد، يزعم أن سليمان كان نبياً؟ والله ما كان إلا ساحراً، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ﴾. - (١) أحكام القرآن للجصاص: ٤٣/١ ٢٦٧ الُ (١) - البَفَرّة: ١٠٢/٢-١٠٣ وأخرج الطبري عن شهر بن حوشب قال: قالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء، أفما كان ساحراً يركب الريح؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية أن اليهود سألوا النبي وَلّه زماناً عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوه عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك، قالوا: هذا أعلم بما أنزل إلينا منا، وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَّطِينُ﴾. وقال الكلبي: إن الشياطين كتبوا السحر والنِّيرنجيات (تصرفات تخيل وليست حقيقة، وهو أخذ كالسحر وليس به) على لسان آصف: هذا ما علِّم آصف بن بَرِخيا - كاتب نبي الله سليمان - الملك، ثم دفنوها تحت مصلاه حين نزع الله ملكه، ولم يشعر بذلك سليمان. ولما مات سليمان استخرجوه من تحت مصلاه، وقالوا للناس: إنما ملَكَكُمْ سليمان بهذا فتعلموه، فلما علم علماء بني إسرائيل قالوا: معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان. وأما السفلة فقالوا : هذا علم سليمان، وأقبلوا على تعلمه، ورفضوا كتب أنبيائهم؛ ففشت الملامة لسليمان، فلم تزل هذه حالهم حتى بعث الله محمداً وَليو، وأنزل الله عذر سليمان على لسانه، وأنزل براءته مما رمي به، فقال: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾. المناسبة: حين نبذ فريق من اليهود وهم أحبارهم وعلماؤهم التوراة، وأعرضوا عنها؛ لأنها تدل على نبوة محمد وَ له، اشتغلوا بصناعات وأعمال صادّة عن الأديان، من صنع شياطين الإنس والجن، وهي السحر والشعوذة والطلاسم التي نسبوها إلى سليمان، وزعموا أن ملكه كان قائماً عليها. وهذه أباطيل منهم وسوسوا بها إلى بعض المسلمين، فصدقوهم فيما زعموا ٢ ٢٦٨ لُ (١) - الْبَقَرة: ١٠٢/٢-١٠٣ منها، وكذبوهم فيما رموا به سليمان من الكفر. وإنما قص القرآن علينا ذلك للذكرى، وليبين لنا ما افتراه أهل الأهواء على سليمان من أمر السحر، فكان شاغلاً عن العمل بالدين وأحكامه لدى اليهود. وقد زعموا أن سليمان هو الذي جمع كتب السحر من الناس ودفنها تحت كرسيه، ثم استخرجها الناس وتناقلوها. التفسير والبيان: نبذ اليهود كتاب الله، واتبع فريق من أحبارهم وعلمائهم الذين نبذوا التوراة، السحر والشعوذة في زمن ملك سليمان؛ لأن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، ويضمون إليه أكاذيب، ثم يلقنونها الكهنة، فيعلمونها الناس، ويقولون: إن هذا علم سليمان، وقام ملك سليمان بهذا. فرد الله عليهم بأن سليمان ما فعل ذلك، وما عمل سليمان بالسحر، ولكن الشياطين هم الذين كفروا باتباع السحر وتدوينه وتعليمه الناس على وجه الإضرار والإغواء، ونسبته إلى سليمان على وجه الكذب وجحد نبوته، ويعلمونهم ما أنزل على الملكين ببابل، وهما هاروت وماروت: وهما بشران صالحان قانتان، أطلق الناس عليهما ملكين من باب الشبه. وقرأ الحسن البصري: الملِكَيْن - بكسر اللام تشبيهاً بالملوك في الخلق وسماع الكلمة. وكان هذان الملكان يعلمان الناس السحر الذي كثرت فنونه الغريبة في عصرهم، ليتمكنوا من التمييز بينه وبين المعجزة، ويعرفوا أن الذين يدّعون النبوة من السحرة كذباً إنما هم سحرة، لا أنبياء. وقد كان تعلمهما السحر بالإلهام دون معلم، وهو المقصود بالإنزال، والذي أنزل عليهما كان من جنس السحر، لا عينه. ولكن هذين الملكين اتبعا في تعليم السحر سبيل الإنذار والتحذير، فلا يعلمان أحداً من الناس، حتى يقولا له: إنما نحن ابتلاء واختبار من الله عز ٠٠ ٢٦٩ الُرُ (١) - البقرة: ١٠٢/٢-١٠٣ وجل، فلا تعمل بالسحر ولا تعتقد تأثيره، وإلا كنت كافراً، أما إذا تعلمته لتعلمه فقط دون اعتقاد بحقيقته ولا تأثير له ولا عمل به، فلا ضرر، وكانا يقولان ذلك حفاظاً على حسن اعتقاد الناس فيهما. فتعلم الناس من الملكين ما يُفَرَّقُ به بين المرء وزوجه، أو ماهو تمويه من حيلة أو نفث في العُقَد أو تأثير نفس وغير ذلك من وسائل التفريق غالباً. والمعنى في عطف ﴿وَمَآ أَنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ على قوله ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحَرَ﴾ أن اليهود اتخذوا السحر من الملكين لا على الوجه المراد من توقي الناس وتحذيرهم، وقد ألهما فنون السحر ليعلّما الناس حيل السحرة وخدعهم. والسحر في الحقيقة لا يؤثر بطبعه ولا بقوة ذاتية فيه، فلا يحدث الضرر منه إلا بأمر الله وإرادته، فهو مجرد سبب ظاهري فقط، وإذا أصيب إنسان بضرر بعمل من أعمال السحرة، فإنما ذلك بإذن الله تعالى، وما السحر حينئذ إلا وسيلة أو سبب قد يرتبط المسبب أو النتيجة به، إذا شاء الله، فهو الذي يوجد المسببات حين حصول الأسباب، قال الحسن البصري: من شاء الله منعه، فلا يضره السحر، ومن شاء خلى بينه وبينه فضره. ومن تعلم السحر وعمل به فإنه يتعلم ما يضره ولا ينفعه؛ لأنه كان سبباً في إضرار الناس ولأنه قصد الشر، فيكرهه الناس لإيذائه، ويعاقبه الله في الآخرة الإضراره غيره، وإفساده المصالح، وكل عامل يجزى بما عمل. وتالله لقد علم اليهود بأن من ترك كتاب الله وأهمل أصول الدين وأحكام الشريعة التي تسعد في الدارين، واستبدل به كتب السحر، ماله في الآخرة إلا العذاب الأليم؛ لأنه قد خالف حكم التوراة التي حظرت تعلم السحر، وجعلت عقوبة من اتبع الجن والشياطين والكهان كعقوبة عابد الأوثان. ٢٧٠ الجُزءُ (١) - البقرة: ١٠٢/٢-١٠٣ ولبئس ما باعوا به أنفسهم باتخاذ السحر محل التوراة، فهم جهلة لا يعلمون حرمة السحر علم اعتقاد وامتثال؛ لأنهم لم يعملوا بالعلم الصحيح، وإنما اكتفوا بعلم مبهم لا أثر له في النفس. ولو أنهم أي اليهود آمنوا الإيمان الحق بالتوراة، وفيها البشارة بنبي آخر الزمان، وآمنوا بمحمد ◌ّله وبالقرآن، وتركوا كتب السحر والشعوذة، واتقوا الله بالمحافظة على أوامره واجتناب نواهيه، لاستحقوا الثواب العظيم من عند الله، جزاء على أعمالهم الصالحة، وهو خير لهم لو كانوا يعلمون العلم الصحيح، ولكنهم في الواقع لم يكونوا على علم حقيقي وإنما على ظن وتقليد، إذ لو كانوا على علم، لظهرت نتائجه في أعمالهم، ولآمنوا بالنبي ◌َّه واتبعوه وصاروا من المفلحين، ولما خالفوا كتاب الله، واتبعوا أهواءهم. فهم حين لم يعملوا بعلمهم الأصيل، جعلوا كأنهم غير عالمين. فقه الحياة أو الأحكام: السحر: أصله التمويه بالحيل والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني، فيخيل للمسحور أنها بخلاف ماهي به، كالذي يرى السراب من بعيد، فيخيل إليه أنه ماء، وكراكب السفينة السائرة بسرعة يخيل إليه أن ما يرى من الأشجار والجبال سائرة معه. وجاء ذكر السحر في القرآن في مواضع كثيرة، ولا سيما في قصص موسى وفرعون، ووصفه بأنه خداع وتخییل للأعین حتی تری ما ليس بكائن كائناً، كما قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أََّ تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦/٢٠] وقال: ﴿فَلَمََّ أَلْقَوْاْ سَحَرُوْاْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأُسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦/٧]. ٢٧١ اِلُ (١) - البَفَرَة: ١٠٢/٢-١٠٣ وروى مالك وأبو داود عن بريدة قال: سمعت رسول الله و * يقول: ((إن من البيان لسحراً، وإن من العلم جهلاً (١)، وإن من الشعر حكماً، وإن من القول عيالاً)) أما قوله: ((إن من البيان لسحراً)) فالرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق. وهذا مذموم. وهو المراد بالحديث في الأصح، أما السحر الحلال الذي أقره النبي وَالله: فهو أن ينبئ شخص عن حق فيوضحه، ويجليه بحسن بيانه، بعد أن كان خفياً. والسحر: إما حيلة بخفة يد، وشعوذة، وإما صناعة وعلم خفي يعرفه بعض الناس. وهل للسحر حقيقة أم لا؟ اختلف الناس في ذلك (٢). فرأى جمهور العلماء: أن للسحر حقيقة، يخلق الله عنده ما شاء، وأنه تقتدر به النفوس البشرية على التأثير في عالم العناصر، إما بغير معين، أو بمعين من الأمور كالكواكب السماوية، ويرون أن النفوس الساحرة ثلاث مراتب : الأولى - المؤثرة بالهمة فقط من غير آلة ولا مُعين. والثانية - بمعين من مزاج الأفلاك (أي طبيعتها)، أو العناصر (الماء والهواء والتراب والنار)، أو خواص الأعداد، أي حساب الجمل، فلكل حرف من الأحرف الهجائية رقم حسابي معين. (١) ومعنى قوله ((من العلم جهلاً)) أن يتكلف العالم إلى علمه مالا يعلم فيجهِّله ذلك. ومعنى قوله: ((إن من الشعر حكماً)): هو هذه الأمثال والمواعظ التي يتعظ بها الناس. ومعنى («إن من القول عيالاً)) هو عرضك كلامك وحديثك على من ليس من شأنه ولا يريده. (٢) تفسير القرطبي: ٤٤/٢-٤٧، تفسير ابن كثير: ١٤٥/١-١٤٧، تفسير الكشاف: ٢٣١/١، البحر المحيط: ٣٢٧/١ ٢٧٢ لِلُعُ (١) - البَقَة: ١٠٢/٢-١٠٣ والثالثة - تأثير في القوى المتخيلة: بأن يعمد الشخص إلى القوة المتخيلة، فيلقي فيها أنواعاً من الخيالات والصور، ثم ينزلها إلى الحس من الرائين، بقوة نفسه المؤثرة، فينظر الراءون كأن شيئاً موجوداً في الواقع، وليس هناك شيء من ذلك. وتنال هذه المراتب بالرياضة، والتوجه إلى الأفلاك والكواكب والعوالم العلوية والشياطين بأنواع التعظيم والعبادة، فهي لذلك وجهة وسجود لغير الله، والوجهة لغير الله كفر، فلهذا كان السحر كفراً. ويرى المعتزلة، وبعض أهل السنة (١): أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو خداع وتمويه وتخيل. والسحر بهذا المعنى أنواع: أ - كثير من التخيلات التي مظهرها على خلاف حقائقها، كما يفعل بعض المشعوذين، من أنه يريك أنه ذبح عصفوراً، ثم يريكه وقد طار بعد ذبحه، لخفة حركته، إذ إن معه اثنين أحدهما المذبوح الذي خبأه، والآخر الذي أظهره. وكان سحر سَحَرة فرعون من هذا النوع، فقد روى المؤرخون أن سحرة فرعون استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي بصور الحيات والثعابين حتى خيل إلى الناس أنها تسعى، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦/٢٠] من طريق تحمية الزئبق بالنار الموضوعة في أسراب، وتمدده بفعل الحرارة. ب - ما يدعونه من حديث الجن والشياطين بالمواطأة مع قوم أعدوهم لذلك، وإطاعتها بالرقى والعزائم. وهذا كان فعل الكهان من العرب في (١) وهم أبو جعفر الاسترابادي من الشافعية، وأبو بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم الظاهري وطائفة. ٢٧٣ لِلُ (١) - البَفَرَّة: ١٠٢/٢-١٠٣ الجاهلية، كانوا يوكلون أناساً بالاطلاع على أسرار الناس، حتى إذا جاء أصحابها أخبروهم بها، فيعتقدون فيهم أن الشياطين تخبرهم بالمغيبات. جـ - السعي بالنميمة والوشاية والإفساد، من وجوه خفية لطيفة، يتم فيها تحريض الناس على بعضهم بعضاً (١). وقد وفق ابن خلدون بين الرأيين: فمن قال: إن للسحر حقيقة نظر إلى المرتبتين الأوليين، ومن قال بأنه لا حقيقة له، نظر إلى المرتبة الثالثة. حكم السحر: ليس تعلم السحر محظوراً، وإنما الذي يُحظَر ويُمنع هو العمل به، قيل لعمر بن الخطاب: فلان لا يعرف الشر، قال: أجدر أن يقع فيه. نقل ابن كثير عن أبي عبد الله الرازي المعتزلي أنه قال: اتفق المحققون على أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور (٢). ومن السحر: ما يكون كفراً من فاعله، مثل ما يدّعون من تغيير صور الناس، وإخراجهم في هيئة بهيمة، وقطع مسافة شهر في ليلة، والطيران في الهواء، فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه محق، فذلك كفر منه، ويقتل هذا الساحر؛ لأنه كافر بالأنبياء، يدّعي مثل آياتهم ومعجزاتهم. وأما من زعم أن السحر خُدَع ومخاريق وتمويهات وتخييلات، فلا يقتل الساحر، إلا أن يقتل بفعله أحداً، فيُقتل به. ولا ينكر أن يظهر على يد الساحر خَرْق العادات، مما ليس في مقدور البشر، من مرض وتفريق وزوال عقل، وتعويج عضو، إلى غير ذلك، مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات العباد. (١) تفسير ابن كثير: ١٤٥/١ (٢) المرجع السابق: ص ١٤٤ ٢٧٤ لُعُ (١) - البقرة: ١٠٢/٢-١٠٣ وأجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقمَّل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق العجماوات وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل المنزلة عليهم، فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر. الفرق بين معجزات الأنبياء عليهم السلام وبين السحر: لا يصح لمؤمن أن يجمع بين تصديق الأنبياء عليهم السلام وإثبات معجزاتهم وبين التصديق بأفعال السحرة، لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩/٢٠]. وهناك فرق واضح بين المعجزة والسحر القائم على وجوه التخييلات: وهو أن معجزات الأنبياء عليهم السلام هي على حقائقها، وبواطنها كظواهرها، وكلما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها. ولو جهد الخلق كلهم على مضاهاتها ومقابلتها بأمثالها، لظهر عجزهم عنها. أما مخاريق السحرة وتخييلاتهم فهي نوع من الحيلة والتلطف لإظهار أمور لا حقيقة لها، فما يظهر منها ليس على الحقيقة، ويعرف ذلك بالتأمل والبحث. ومن شاء أن يتعلم ذلك بلغ فيه مبلغ غيره، ويأتي بمثل ما قام به (١). والسحر يوجد من الساحر وغيره، وقد يكون جماعة يعرفونه، ويمكنهم الإتيان به في وقت واحد، والمعجزة لا يمكّن الله أحداً أن يأتي بمثلها (٢) وبمعارضتها (٢). وخلاصة القول: إن الساحر لا قدرة له على شيء من الأمور الخارقة، وإن السحر يعتمد في الغالب على الخداع والتخييلات والتمويهات، وإن السحرة (١) أحكام القرآن للجصاص: ٤٩/١ (٢) تفسير القرطبي: ٤٧/٢ ٢٧٥ لُعُ (١) - التَقَرّة: ١٠٢/٢-١٠٣ نصابون يسلبون أموال الناس، وهم في فقر دائم، ولو كانوا قادرين على ما يدعونه لأغنوا أنفسهم، وحققوا الأمجاد بإزالة الممالك، واستخراج الكنوز، والغلبة على البلدان، والاستغناء عن طلب ما في أيدي الناس، كما قال أبو بكر الجصاص الرازي (١). یتبین مما ذكر ما يأتي: اً - السحر في اللغة: كل ما لطف مأخذه وخفي. ◌َ - السحر كما وصفه القرآن تخيل يخدع الأعين، فيريها ما ليس كائناً أنه کائن. ◌َّ - السحر إما حيلة وشعوذة أو صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس، ومنه تأثير الأرواح والتنويم المغناطيسي. ٤ - حكاية القرآن: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه٤ِ﴾ ليس دليلاً على أن السحر يفعل هذا، وإنما هي حكاية لما كان معروفاً عندهم. ٥ - السحر لا يؤثر بطبعه ولا أثر له في نفسه، وإنما هو سبب، وما يترتب عنه من أضرار من قبيل ربط المسببات بالأسباب، كما نصت الآية: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢/٢]. أَ - دلت الآية على أن عمل السحر كفر وهو قول مالك وأبي حنيفة، لقوله تعالى: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾ أي من السحر، وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ﴾ أي بعمل السحر، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ أي به وبتعليمه، وقوله عن هاروت وماروت: ﴿إِنَّمَا غَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. (١) أحكام القرآن: ٤٨/١ ٢٧٦ لُ (١) - البَفَرة: ١٠٢/٢-١٠٣ ورأى الشافعي أن السحر معصية: إن قتل بها قتل، وإن أضرّ بها أُدِّب على قدر الضرر. والرأي الأول أصح؛ لأن السحر كلام يعظم به غير الله تعالى، مثل سحر أهل بابل الذي كان تعظيماً للكواكب، وهو رأي عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبي موسى الأشعري وقيس بن سعد وسبعة من التابعين. لكن تكفير السحرة محصور بمن يعظم الكواكب، ويسند الحوادث إليها، أو يزعم أنه يقدر على خوارق العادات؛ لأنه يدعي أنه يقدر على مثل معجزات الأنبياء. أما الإفساد بالنميمة أو خفة اليد، دون ادعاء ما ذكر، فلا يكون كفراً، ولا يعد فاعله كافراً. لاً - عقوبة الساحر: للعلماء رأيان في قتل الساحر، قال الجمهور (أبو حنيفة ومالك وأحمد): يقتل الساحر، لقوله وَله: ((حدُّ الساحر ضربة بالسيف)) (١) وإذا عمل المسلم السحر، كان مرتداً، فيقتل لقوله وَ ليقول: ((من بدّل دينه فاقتلوه)). ويقتل الساحر ولا تقبل توبته في رأي أبي حنيفة، سواء أكان مسلماً أم ذمياً؛ لأن الساحر. جمع إلى كفره السعي في الأرض بالفساد، فأشبه المحارب (قاطع الطريق). ولا يقتل الساحر الذمي في رأي مالك إلا أن يَقْتل بسحره، ويضمن ما جَنَى، ويُقْتل إن جاء منه ما لم يعاهد عليه (٢). ٨ - أجاز سعيد بن المسيب والمزني أن يطلب من الساحر حل السحر عن المسحور، قال ابن بطال: وفي كتاب وَهْب بن مُنَبِّه: أن يأخذ سبع ورقات من سِدْر أخضر، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ عليه آية الكرسي، ثم (١) أخرجه الترمذي عن جُنْدَب، لكنه ليس بالقوي، انفرد به إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف. (٢) أحكام القرآن للجصاص: ٥٠/١ وما بعدها، تفسير القرطبي: ٤٧/٢ وما بعدها. ٢٧٧ ◌ِلُ (١) - البَقَة: ١٠٢/٢-١٠٣ يحسو منه ثلاث حَسَوات، ويغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به، إن شاء الله تعالى، وهو جيد للرجل إذا حُبِس عن أهله. ٩ - تساءل ابن العربي بمناسبة ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ فقال: كيف أنزل الله تعالى الباطل والكفر؟ ثم قال: كل خير أو شر أو طاعة أو معصية أو إيمان أو كفر منزل من عند الله تعالى؛ قال النبي ◌َّ في الصحيح: ((ماذا فتح الليلة من الخزائن؟ ماذا أنزل الله تعالى من الفتن؟ أيقظوا أصحاب الحُجَر، رُبَّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة)) (١). · أَ - هل هاروت وماروت ملَكان؟ اختلف العلماء، فقال جماعة: هما ملكان بعثهما الله يبينان للناس بطلان ما يدعون حقيقته، ويكشفان لهم عن وجوه الحيل التي يخدعون بها الناس، وينهيانهم عن العمل بها، يقولان: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَهُ فَلاَ تَكْفُرُّ﴾ فكانا يعلمانهم للتحرز لا للعمل، لأن الملائكة أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦/٦٦]، ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم (1)) [الأنبياء: ٢٦/٢١-٢٧]، ﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ رجيم [الأنبياء: ٢٠/٢١]. یفَتَّرُونَ قال الزمخشري: والذي أنزل على الملكين هو علم السحر، ابتلاء من الله للناس، من تعلمه منهم وعمل به، كان كافراً، ومن تجنبه أو تعلمه، لا ليعمل به، ولكن ليتوقاه ولئلا يغتربه، كان مؤمناً : عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه وروي عن الحسن البصري: أنه كان يقرأ: (وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلِكَيْنِ) بكسر (١) أحكام القرآن لابن العربي: ٢٨/١، وانظر أيضاً تفسير ابن كثير: ١٤٨/١ ٢٧٨ لِلُ (١) - البقرة: ١٠٤/٢-١٠٥ اللام، ويقول: كانا عِلْجين (١) أقلفين (غير مختونين) ملكين ببابل، يأمران بالسحر ويتمسكان به. أدب الخطاب مع النبي # ومصدر الاختصاص بالرسالة ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ ﴿ مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ١٠٥) القراءات: ﴿أَنْ يُنَزَّلَ﴾: قرئ: (أن يُنْزَل) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو. الإعراب: ﴿رَعِنَا﴾ جملة فعلية في موضع نصب بـ ﴿تَقُولُواْ﴾ ومن قرأ ((راعناً)) بالتنوين، نصبه بـ ﴿تَقُولُواْ﴾ على المصدر، أي لا تقولوا رعونة. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ﴾ من للبيان ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾ من زائدة، والتقدير: خير من ربكم. البلاغة: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الإضافة للتشريف، وفيها تذكير للعباد بتربيته لهم. ومن لابتداء الغاية. ﴿وَاَللَّهُ يَخْنَصُ﴾ ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ﴾ التصدير في الجملتين بلفظ الجلالة، للإيذان بفخامة الأمر. (١) العلج: الواحد من كفار العجم. ٢٧٩ الُزُعُ (١) - البَقَة: ١٠٤/٢-١٠٥ المفردات اللغوية: ﴿رَعِنَا﴾ أمر من المراعاة، أي راعنا سمعك أي اسمع لنا ما نريد أن نسألك عنه أو انظر في مصالحنا وتدبير أمورنا، وكان يقولون له ذلك، وهي بلغة اليهود سب من الرعونة وهي الجهل والحمق، فسُرُّوا بذلك، وخاطبوا بها النبي، فنهي المؤمنون عنها. وأمروا أن يقولوا بدلها: ﴿أَنْظُرْنَا﴾ أي انظر إلينا، أو انتظرنا وتأنَّ علينا وأمهلنا ﴿أَلِيمٌ﴾ مؤلم وهو النار. سبب نزول الآية (١٠٤): قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن العرب كانوا يتكلمون بها، فلما سمعهم اليهود يقولونها للنبي وَ ﴿ أعجبهم ذلك، وكان ((راعنا)) في كلام اليهود سباً قبيحاً، فقالوا: إنا كنا نسب محمداً سراً، فالآن أعلنوا السب لمحمد، فإنه من كلامه، فكانوا يأتون نبي الله صل ﴿ فيقولون: يا محمد راعنا، ويضحكون، ففطن بها رجل من الأنصار، وهو سعد بن معاذ، وكان عارفاً بلغة اليهود، وقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفس محمد بيده، لئن سمعتها من رجل منكم لأضربنَّ عنقه، فقالوا: ألستم تقولونها؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾ الآية (١). سبب نزول الآية (١٠٥): قال المفسرون: إن المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد ري، قالوا: هذا الذي تدعوننا إليه، ليس بخير مما نحن عليه، ولوددنا لو كان خيراً، فأنزل الله تعالى تكذيباً لهم. (١) أسباب النزول للواحدي: ص ١٨ ويلاحظ أن الواحدي ذكر ((سعد بن عبادة)) والذي عليه المفسرون أنه ((سعد بن معاذ)). ٢٨٠ لُ (١) - البَقَرة: ١٠٤/٢-١٠٥ التفسير والبيان: خاطب الله المؤمنين في هذه الآية في شأن مشترك بينهم وبين اليهود، موجهاً لهم إلى ما هو الأمثل في اختيار اللفظ الذي يبدأ به الكلام مع النبي وَل﴿، فكانوا يقولون إذا ألقى عليهم شيئاً من العلم: راعنا سمعك، أي اسمع لنا ما نريد أن نسألك عنه، ونراجعك القول لنفهم عنك. وكانت الكلمة ﴿رَعِنَا﴾ عند اليهود كلمة سب قبيح من الرعونة، فكانوا يخاطبون بها النبي قاصدين معنى السب والشتم، وأصلها في العبرية (راعينو)) أي شرير، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة، وأمرهم بكلمة تماثلها في المعنى، وتختلف في اللفظ، وهي﴿أَنْظُرْنَا﴾ التي تفيد معنى الإنظار والإمهال، كما تفيد معنى المراقبة التي تستفاد من النظر بالعين. وإجمال المعنى: أقبل علينا وانظر إلينا. واسمعوا أيها المؤمنون القرآن سماع قبول وتدبر وإمعان، وللكافرين ومنهم اليهود عذاب مؤلم شديد، وفيه إشارة إلى أن ما صدر منهم من سوء أدب في خطاب النبي وَ لل كفر؛ لأن من يصف النبي بأنه شرير، فقد أنكر نبوته. فهذا أدب للمؤمنين، وتشنيع على اليهود. وأنتم أيها المؤمنون الذين عرفتم شأن اليهود مع أنبيائهم كونوا على حذر، فما يود أهل الكتاب ومشركو العرب أن ينزل عليكم خير من ربكم كالقرآن والرسالة، والكتاب الكريم أعظم الخيرات، فهو الهداية العظمى، وبه جمع الله شملكم ووحد صفوفكم، وطهر عقولكم من زيغ الوثنية، وأقامكم على سنن الفطرة، وهم يودون نزول الشر بكم وانتهاء أمركم وزوال دينكم. وحسد الحاسد لا يمنع نعم الله، والله العليم القدير الحكيم يختص بالنبوة والرحمة والخير من يشاء من عباده: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤/٦] ويعلم من يؤدي واجبه بشأنها خير أداء، فلا ينبغي لأحد أن .